وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 17 يوليو 2011

حين يصبّ الفرات في العاصي

أدخلوا جديداً على أنساق التظاهر، يسهم في تطوير مهارات الإلتفاف على أساليب العنف الوحشية التي تعتمدها أجهزة النظام الأمنية لقهر الإنتفاضة السورية، من جهة أولى؛ ولعلّه ينفع في اجتذاب المزيد من شرائح المواطنين الذين ما يزالون يتردّدون في المشاركة، لأسباب شتى يمكن تفهّم معظمها، من جهة ثانية. ذلك الجديد هو تنظيم تظاهرة مائية على صفحة نهر الفرات، سباحة أو بقوارب صغيرة، تردّد الهتافات ذاتها تقريباً؛ كما ترفع لافتات مماثلة لتلك التي ترفعها التظاهرات على اليابسة، إذا جاز القول، مع تنويعات طريفة ومؤثّرة، مثل هذه مثلاً: نهر الفرات يصبّ في نهر العاصي!

أمّا مبتدعو هذا الجديد فهم شباب محافظة دير الزور، في المدينة ذاتها، وفي بلدات المياذين والبوكمال والعشارة، وفي قرى نهرية عديدة؛ وكأنّ خروجهم إلى الشوارع الرئيسية والساحات العامة، بأعداد تجاوزت 250 ألف متظاهر في "جمعة أسرى الحرّية" لم يشفِ غليلهم إلى إسماع صوت الإحتجاج العميق، فطافوا فوق مياه الفرات، وطوّفوا على صفحته الرايات. وكيف لا يلتمسون عبقرية هذا النهر العظيم الخالد، في هذه البرهة الفريدة من تاريخ المدينة والوطن، وهم حَمَلة اللقب الشهير "أخوة بطّة"، نسبة إلى براعة في السباحة يتلقونها منذ نعومة اظفارهم، تماماً كما تفعل أفراخ البطّ!
وهكذا صارت ساحة "دوّار المدلجي" في مدينة دير الزور تتمة رمزية، وامتداداً جغرافياً طبيعياً، لساحة العاصي في مدينة حماة، فولدت هذه التوأمة التلقائية بين مدينتين تشاركتا في بلوغ ذلك الرقم الذهبي الذي انتظرته سورية منذ انطلاقة الإنتفاضة، وارتعدت له فرائص أجهزة النظام: مليون متظاهر، في نهار واحد. وكما ذاقت حماة أفانين وحشية النظام في مطلع الثمانينيات، مثل حالها اليوم خلال أسابيع الإنتفاضة؛ كذلك فإنّ دير الزور شهدت بعض تلك الأفانين في الحقبة إياها، وتشهدها اليوم أيضاً، إسوة بجميع المحافظات السورية.

الشهداء يتساقطون، يوماً بعد يوم، وفي عدادهم يخرّ أطفال لا يتجاوزون الـ 14 سنة؛ والمجمعات السكانية تُحرم من الكهرباء والماء والهاتف والإنترنت، وتُغلق المدارس والكليات الجامعية، وتُعطّل الإمتحانات؛ ويُمنع المواطنون من عبور الجسور، وما أكثرها على الفرات، لإعاقة التحاقهم بالتظاهرات؛ وتُحرق السجلات في دوائر الأحوال المدنية، للإيحاء بأنّ وجود المواطن ذاته يمكن أن يُطمس نهائياً؛ كما تذهب الأجهزة شوطاً أبعد في التخريب بهدف التحريض الطائفي، كأن تحرق كنيسة عتيقة في البوكمال، وتنسب الفعل إلى المتظاهرين! وبالأمس أنبأتنا "الوطن"، صحيفة رامي مخلوف، أنّ بلدة البوكمال قد تشهد إعادة إنتاج، أعنف وأشدّ وحشية، للسيناريو الدموي الذي عاشته بلدات تل كلخ وجسر الشغور ومناطق جبل الزاوية وسواها.

وأجدني أشير، بعد التماس المعذرة على هذه الشطحة نحو الشأن الذاتي، أنني ولدت في مدينة القامشلي، درّة منطقة "الجزيرة" السورية، التي سُمّيت هكذا لوقوعها بين نهرَيْ دجلة والخابور، فضلاً عن محاذاة الفرات بالطبع. وفي القامشلي نشأت ودرست حتى التحاقي بجامعة دمشق، ممّا يجعلني "جزراوياً" بامتياز، بالولادة وبالاختيار أيضاً؛ الأمر الذي لا يلغي أنني "ديري" أيضاً، لأنّ الوالد والوالدة من أبناء دير الزور. ورغم أنني زرت المدينة في فترات متقطعة خلال سنوات الطفولة، كما نُفيت إليها عملياً (وهنا ذروة المفارقة في سلوك الأجهزة الأمنية) حين تمّ إبعادي عن قطاع التدريس، فأقمت فيها فترة قصيرة؛ إلا أنني على يقين من مقدار افتتاني بهذه الواحة الفريدة التي تتباهى بسلسلة ألقاب باذخة، تُجمع على أنها العروس: للفرات، أو للبادية، أو للصحراء.

وإلى جانب مسرّات العيش في كنف أهل وأصدقاء ورفاق، ومعايشة أوجاع محافظة أهملتها السلطة عن سابق قصد وتصميم (لأنّ النظام اعتبرها مناهضة وعاصية وعصيّة!)، اكتسبت المدينة شخصية ملحمية في ناظري، كفيلة باجتراح مصالحات شتى بين النقائض، وقادرة على استنهاض جماليات غامضة من منابع غير منتظَرة. ولقد خصّتها الطبيعة بقسوة قصوى في المناخ تارة (حين يغطّيها العجاج تماماً، فيستنشق البشر ذرّات غبار تتسلل حتى إلى الثلاجة؛ أو حين ترتفع درجات الحرارة، فيغلي الإسفلت في الشوارع...)؛ ورقّة قصوى في المناخ نفسه تارة أخرى (فيصبح السهر في "جرداق" على ضفة الفرات نعمى استثنائية، والمبيت في معسكر صحراوي تجربة فارهة)؛ ولكنّ النهر ظلّ قاسماً مشتركاً يُدني القسوة من الرقّة، ويضفي المزيد من البهاء على الشخصية الملحمية.
    
وحين صار "دوّار المدلجي" يتردد في الأخبار، وقعت في حيرة، وأصابني خجل، لأنني لم أتمكن من استذكار الموقع الفعلي لهذا الدوّار، حتى أنقذني صديق ديري طمأنني بأن المكان جديد ولم يكن قائماً على عهدي. وفي سياق تعاقدي الجديد مع هذا الدوّار، وتجديد افتتاني القديم بتلك المحافظة الكريمة، لا أملّ من مشاهدة اعتصام ليلي حاشد في الدوّار، تسيّدته طفلة لا تتجاوز العاشرة كما أرجّح، كانت تهتف ويردّد الكبار بعدها: "مجروح يا يمّة/ مجروح يا يابا/ ودّوا لحماة من الدير/ موّال عتابا". وللموّال أن يصل بين الحناجر والقلوب، حتى على مبعدة مئات الكيلومترات، بالطبع؛ إسوة بنهرَيْن يصبّ واحدهما في الآخر، فتحلّق بطّات الفرات فوق نواعير العاصي.

الخميس، 14 يوليو 2011

زيارة فورد إلى حماة: انحناءة الممثلين العراة

زيارة السفير الأمريكي في دمشق، روبرت فورد، إلى مدينة حماة، الأسبوع الماضي، تستحقّ مكانة خاصة في سجلّ العلاقات بين الولايات المتحدة ونظام "الحركة التصحيحية"، على امتداد 30 سنة من حكم حافظ الأسد، و11 سنة من حكم وريثه بشار الأسد. مكانة دراماتيكية، كما يتوجب القول، ليس بمعنى أيّ تبدّل حاسم ونوعي طرأ على مسارات تلك العلاقة (وهي، بالفعل، سلسلة مسارات متغايرة، ولم تكن متجانسة على الدوام)، بل بمعنى الدراما التي تستدعي المسرح والمسرحة؛ كلٌّ على خشبته، في واشنطن ودمشق على حدّ سواء، وكلٌّ على طرائقه، واستناداً إلى ما يريد إرساله من إشارات.
ورحلة السفير إلى حماة لم تنطلق، بادىء ذي بدء، على ظهر راحلة قطعت الفيافي والقفار والوديان والجسور، في تخفّ تامّ وبعيداً عن أنظار السلطات السورية، كأنها اقتفت دروب المهرّبين والمخرّبين كما أوحت بعض ابواق السلطة. فلا السفير كان سيخوض هكذا مغامرة، رغم مغرياتها الإستشراقية بالطبع، فأعلم وزارة الخارجية السورية أنه سيقوم بالزيارة؛ ولا السلطات السورية كانت ستجازف بترك ممثّل القوّة الكونية الأعظم يسافر وكأنه سائح في منتجع سويسري، فأرسلت مرافقين شاكي السلاح تولوا حراسته عن بُعد، ليس خوفاً عليه من من مواطنين سوريين مدنيين عزّل يبغضون السياسات الامريكية، بل خشية أن ينفلت بعض "الشبيحة" من كلّ عقال، فينقلب موكب السفير إلى صيد سمين لبنادقهم المتعطشة إلى سفك الدماء.
ما لم يكن متفقاً عليه، وفق معطيات متطابقة، هو مبيت السفير في المدينة حتى يوم الجمعة التالي، "جمعة لا حوار" دون سواها، حيث كان من المتوقع أن تشهد ساحة العاصي مشاركة مئات الآلاف. ولعلّ رمزية غضب النظام، ومثلها رمزية ابتهاج الخارجية الأمريكية، تكمن في هذا التفصيل المباشر، أي المبيت في فندق يطلّ على الساحة، وتثبيت شهادة عيان على هذه الجمعة تحديداً؛ قبل الرمزية الأخرى الأكبر، التي تنبثق من موقع حماة الخاصّ، سواء في تاريخ الإستبداد السوري، أو صمت واشنطن على ذلك الإستبداد. الحوار، في تبشير النظام، هو "تنازل" للشعب، وخطوة على طريق "الإصلاح"؛ وبالتالي على حكومات العالم أن ترحّب به وتصفّق له، لا أن ترسل السفيرين الأمريكي والفرنسي إلى حماة، في يوم احتجاجات عارمة شاء لها المتظاهرون أن تكون رسالة صريحة في رفض هذا الطراز من الحوار.
ما لم يكن متفقاً عليه أيضاً، أغلب الظنّ، أن تأخذ ردود أفعال الطرفين، في واشنطن ودمشق هذا المستوى من حدّة التراشق اللفظي (خارجية النظام اتهمت واشنطن بـ"التورط" في الحركة الإحتجاجية و"التحريض على التصعيد"، والناطقة باسم الخارجية الأمريكية ردّت بأنّ هذه الاتهامات "قمامة صرفة"). ومن المشروع التفكير بأن تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون (أنّ الأسد "فقد الشرعية لفشله في تحقيق وعود بإجراء إصلاحات")، ومثله تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما (أنّ الأسد "فقد شرعيته. وقد ضيّع الفرصة تلو الفرصة لتقديم جدول أعمال حقيقي للإصلاح")، استهدفا تهدئة اللغة، أو بالأحرى ضبط مفرداتها عند المعدّل الذي ما يزال يمثّل خطّ واشنطن تجاه النظام السوري، في الطور الراهن بالطبع، وحتى إشعار آخر.
صحيح أنّ كلنتون استخدمت توصيفاً خشناً وغير مألوف في القاموس الذي تعتمده الدبلوماسية الأمريكية تجاه زعامات شرق ـ أوسطية (من أنّ الأسد "ليس شخصاً لا يمكن الإستغناء عنه"، ودلالة التعبير في الأصل الإنكليزي أكثر خشونة في الواقع، إذْ توحي بآلية الإستغناء عن قطع الغيار، وتبديلها في أية لحظة). ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لم تشجّع أي مساس جدّي بنظام "الحركة التصحيحية"، بل كان العكس هو الصحيح على الدوام، وظلّ الخيار المعتمَد هو هذا: الإستغناء عنه، وعن سواه، ممكن بالطبع، ولكن لماذا نفعل والنظام خدم ويخدم أجنداتنا، وأجندات حليفتنا إسرائيل، وغالبية حلفائنا في المنطقة، رغم كلّ الضجيج والعجيج حول "الممانعة" و"المقاومة"؟
وليس صحيحاً، من جانب آخر، تصريح كلنتون بأنّ الولايات المتحدة لا "تأمل سرّاً بأن ينجو النظام من هذه الفوضى، ليواصل وحشيته وعمليات القمع"، لأنّ الإدارة تتصرّف وكأنها لا تأمل إلا في هذا بالضبط، على المدى المنظور في أقلّ تقدير، وريثما ينجلي المشهد السوري عن معطيات أخرى تحتّم على واشنطن إدخال نقلة نوعية في السياسة. ذلك لأنّ مؤشّر تصريحات أوباما وكلنتون ظلّ يرجّح هذا الخيار، أو لا يشجّع على سواه في الواقع. أقصى ما قاله أوباما، مثلاً، كان حثّ الأسد على قيادة الإصلاحات أو "الوقوف جانباً"، وليس "التنحّي" كما شاء البعض أن يفسّر؛ وأمّا كلنتون فقد بدأت من الحديث عن الأسد "الإصلاحي"، ثمّ انتقلت إلى أنّ ما تسمعه الإدارة منه لم تسمعه من زعماء عرب سواه، لتقطع خطوة إضافية في الحديث عن أنه "فقد الشرعية تقريباً"، وصولاً إلى أنه "فقد الشرعية"... لا أحد في الإدارة تحدّث عن "التنحّي" أو استخدم ما يعادل معنى هذه المفردة، ولا أحد حثّ على إجراء رادع سوى عقوبات لا تعاقب في نهاية المطاف، ولا تردع.
لماذا ذهب السفير فورد إلى حماة، إذاً، وهل كانت زيارته مقدّمة لنقلة نوعية في السياسة؟ كلا، في الإجابة على الشطر الثاني، لأنّ أية نقلة نوعية هي رهن بما تحققه الإنتفاضة السورية من انتصارات، وما تسجّله من علائم ملموسة على طريق تقويض نظام "الحركة التصحيحة"؛ والموقف الأمريكي سيكون عندها بمثابة انحناءة أمام قوّة الواقع، موضوعية وقسرية لا منّة فيها ولا فضيلة، تماماً كما كانت حال واشنطن في تونس ومصر. وهكذا ينبغي أن يُفهم تصريح أوباما مؤخراً، حين سُئل عن السبب في أنه لم يطالب صراحة بتنحّي الأسد: "الشعب السوري سيكون، ويجب أن يكون، قادرًا على تقرير مستقبله بنفسه، وهناك حقا توافق متزايد بين الشعب السوري على أنه يجب أن يحدث هذا التحوّل، وأن الرئيس الأسد لن يقود هذا التحول".
أمّا الإجابة عن الشطر الأوّل فهي أنّ مكوث الإدارة على هذا الموقف، أي الدعم اللفظي لمطامح الشعب السوري والمراهنة الضمنية على إمكانية بقاء نظام "الحركة التصحيحية" وإجراء "إصلاحات" داخلية تجميلية هنا وهناك، يتطلب شحنة من الدراما لإقناع الرأي العام الأمريكي والدولي بأنّ واشنطن لم تعد صديقة الطغاة والطغيان. كذلك تقتضي الحال اللجوء إلى بعض السلوك المسرحي في مخاطبة الشارع الشعبي السوري، الأمر الذي يشمل النظام وشارعه المؤيد أيضاً، ويدخل في باب الضغط الشكلاني على السلطة، بما قد يفيد استفزازها، فيستدعي المزيد من انكشاف طبائعها، ويتسبب في إحراجها أكثر، أو حتى دفعها إلى ارتكاب الخطأ الفاضح.
ردّ فعل شارع النظام لم يكذّب خبراً، بالفعل، فخرجت جموع غاضبة لا تخفى هويتها ولا الأدوات التي تحرّكها، وكان من الممكن لها، والمشروع ربما، أن تهتف بحياة قائدها إلى الأبد، وأن تشتم أمريكا وفرنسا، وأن تحرق عَلَمَيْ البلدين، فلا يعترض سبيلها "مندسّ" أو "سلفي" أو "مخرّب" أو "هارب من وجه العدالة"... غير أنّ محاولة اقتحام السفارتين، وتحطيم النوافذ، وارتكاب أعمال العنف الأخرى، كانت كاشفاً جديداً حول مقدار الإنحطاط الذي بلغه النظام في تلمّس المخارج من مأزقه الشامل. وتلك، في الحصيلة، كانت ترجمة قطعان "الشبّيحة"، ثمّ تطبيقها العملي، لمقولة وليد المعلّم، وزير خارجية النظام: سوف ننسى أنّ أوروبا على الخريطة... ما خلا، بالطبع، أنه أبقى أمريكا على الخريطة، وجاء "الشبّيحة" ليستكملوا مهامّ المحو!
 وفي هذا الصدد، ثمة نبرة غير مألوفة في الأعراف الدبلوماسية، انطوت عليها ملاحظة السفير الأمريكي فورد المنشورة في صفحة السفارة على الـ"فيسبوك"، حين ارتأى السخرية من سردية النظام الرسمية حول "المندسين" من جهة، وحول مسيرات "منحبك" من جهة ثانية. يكتب فورد، حسب الترجمة العربية كما أوردتها السفارة: "لم أشاهد حتى الآن شرطياً واحداً يسيء إلى مظاهرات "منحبك". وهذا يسعدني، فأنا أرغب بأن يتمتع جميع السوريين بحقّ التظاهر السلمي. في التاسع من تموز، قامت إحدى مظاهرات "منحبك" بإلقاء الحجارة على مبنى سفارتنا، متسببين ببعض الأضرار. لقد لجأوا إلى العنف، بعكس أهالي مدينة حماة، الذين ظلوا مسالمين (...) إنه لمن المفارقة أن الحكومة السورية تسمح للمظاهرات المناهضة للولايات المتحدة أن تتحرك بحرّية، بينما يقوم أفراد أمنها السفاحون بضرب حاملي أغصان الزيتون المسالمين في مكان آخر". ولكي يكتمل بُعد اجتماعي، إلى جانب ذاك السياسي، يتابع السفير: "قام متظاهرون آخرون برمي البيض والبندورة على مبنى سفارتنا. لو أنّ هؤلاء كانوا يهتمون فعلاً لإخوانهم من السوريين، لكانوا توقفوا عن رمي الطعام نحونا ولتبرعوا به للسورين الذي يفتقرون لما يقتاتون به".
فهل، في المقابل، توجّب على الشارع الشعبي الحموي أن يستقبل موكب السفير بالورد وأغصان الزيتون؟ كلا، دون تأتأة أو التماس عذر، لأنّ رموز المحبة والسلام هي  آخر ما يمكن أن يُقابل به سفير الولايات المتحدة، دولة العدوان والإحتلال والتدخل العسكري، صديقة الطغاة وحليفة الطغيان، الساكتة طويلاً عن جرائم هذا النظام تحديداً، في هذه المدينة بالذات. لم يكن لأهل حماة يد في زيارة السفير فورد، لا في المبادرة إليها ولا في منعها، ولم يكونوا أصحاب الدعوة لكي يطلب منهم بعض أهل النظام، وحفنة من "الممانعين" العرب أيضاً (وفي هذا ذروة النفاق والزيف والكذب)، أن يردّوا الزائرين على أعقابهم... خاسئين!
لقد اضطرّ السفير، في كلمته المشار إليها، إلى امتداح متظاهري حماة، وأطلق على أفراد الأمن صفة "السفاحين"، كما نفى أنه أبصر "علامات على وجود أي عصابات مسلحة في أي مكان" مرّ به خلال زيارته الحموية؛ لكنه تفادى الحديث عن سجلّ بلاده الأسود في الموقف من مجزرة المدينة، سنة 1982. آنذاك، ظلّت الأقمار الصناعية الأمريكية ترصد دقائق الدمار الذي تعرّضت له المدينة، وتتابع كلّ طلعة طيران، وكلّ تحليق حوّامة، وكلّ قذيفة من دبابة أو من مدفع ثقيل؛ لكنّ لسان حال الإدارة، أيام رونالد ريغان دون سواه، التزم "الصمت البنّاء" حيال المجزرة، ودمدم بعض مسؤولي البيت الأبيض حول سقوط عدد من الضحايا يقلّ عن الألف، حين كانت الأعداد تتجاوز الـ 20 ألفاً!
وإذا توجّب أن لا يمنح المرء نفسه رفاه العتب على بعض أهل حماة، ممّن وجدوا في زيارة السفيرين الأمريكي والفرنسي متنفساً وبارقة مساندة دولية لمدينتهم التي كانت، وتظلّ، مهددة بمذبحة جديدة؛ فإنّ المرء ذاته قد لا يُلام إذا تمنى لو أنّ حماة ـ هذه المدينة الشهيدة/ العنقاء، العريقة والوليدة أبداً ـ لم تقدّم أي عون في إخراج مسرحية ركيكة، وتركت لمؤلّفيها ومخرجيها وممثّليها أن يصعدوا إلى الخشبة الإفتراضية، وأن يقدّموا انحناءة النفاق تلك، عراة من كلّ قناع!

الأحد، 10 يوليو 2011

"عندليب العاصي" وببغاء "الحوار الوطني"

لم يتجاسر أيّ من المشاركات والمشاركين في ما سُمّي "اللقاء التشاوري"، الذي عقدته السلطة السورية في ظاهر دمشق صباح أمس، على التلفظ باسم الشهيد الطفل حمزة الخطيب، وذلك رغم أنّ البعض بادر إلى الترحّم على أرواح الشهداء، مدنيين وعسكريين. وكما لا يخفى، ثمة فارق بين أن تُجمل الشهداء أجمعين، وهذا ملمح إنساني، أياً كانت مقادير الصدق أو النفاق التي تكتنفه؛ وبين أن تشير بالاسم إلى جريمة نكراء بشعة، وهذا فرض سياسي، وفريضة أخلاقية، غيابهما دالّ على نقص ـ متعمّد غالباً، إذْ يندر ان يكون عفوياً ـ في المكاشفة السياسية والواجب الأخلاقي.

كذلك لم يتجاسر أحد على استذكار الشهيد إبراهيم قاشوش، المغنّي الحموي الذي صار أيقونة ثانية بعد الخطيب؛ وكان قبلها قد استحقّ سلسلة صفات، بينها "حنجرة الثورة السورية"، و"بلبل الثورة"، و"عندليب العاصي"... تنطلق من أدائه الجميل والمميّز في اعتصامات ساحة العاصي، بمدينة حماة. ولقد حرصت الأجهزة الأمنية، بالتعاون الوثيق مع قطعان "الشبيحة"، على اعتقال قاشوش، وإخضاعه لتعذيب وحشي تبدّى على أطراف جسده، قبل اغتياله بدم بارد، وإلقاء جثته في نهر العاصي، ليس دون ممارسة الطقس البربري الأهمّ في نظر القتلة: جزّ حنجرته، لأنها صدحت طويلاً ضدّ بشار الأسد شخصياً، وضدّ عدد من شخوص النظام الأبرز.

الأرجح أنّ الذين تقصدوا عدم الإشارة إلى قاشوش، وإلى الخطيب، كانوا يتفادون وصم أجهزة النظام الأمنية بالسمات الأبشع التي تنطبق عليها، وانطبقت عليها على نحو أشدّ بشاعة خلال أسابيع الإنتفاضة. ويستوي أن يقودهم إلى هذا "التطنيش" جزعٌ من بطش تلك الأجهزة، ساعة مغادرة القاعة الفخمة في منتجع "صحارى"، وهو الدافع الأعمّ منطقياً؛ أو جنوح بعضهم إلى التذرّع بما يسمّونه "روحية الحوار الوطني"، و"الحفاظ على الوحدة الوطنية". كلا الدافعين سواء، في الحصيلة، ما دام يحثّ الصامت على صمت يعفّ حتى عن ذكر أسماء الشهداء، فكيف بسرد قبائح الأجهزة التي اعتقلتهم، وعذّبتهم، ومثّلت بأجسادهم، قبل أن تزهق أرواحهم، عن سابق عمد وتصميم وغاية.

والحال أنّ الغاية، التي تتوسّل الرمز مثلما تسعى إلى تثبيت هيبة الإستبداد، توفّرت في إقدام الأجهزة الأمنية على بتر العضو التناسلي للطفل الخطيب، لكي تفيد الرسالة بتر الرجولة حتى قبل أن تتفتح أو تبلغ سنّ الرشد، وقطع دابر الإحتجاج حتى في أنساقه العفوية والجنينية الأولى. أمّا في نموذج قاشوش، فقد شاءت السلطة تلقين الكثير من الدروس، بينها هذه كما للمرء أن يرجّح: الحنجرة التي تهتف على هذا النحو من الجسارة ضدّ رأس النظام، وضدّ شقيقه ماهر الأسد وأقرب معاونيه، لا بدّ أن تُجزّ؛ ولا بدّ للنهر، الذي تحمل الساحة اسمه، ويوحي معناه بالثورة والتمرّد والاحتجاج والعصيان، أن يستقبل جثّة قاشوش، بعد إسكات حنجرته إلى الأبد؛ ولا بدّ للمدينة، التي ردّدت طويلاً أهازيج قاشوش، أن تراه بأمّ العين ذبيحاً من الوريد إلى الوريد، لكي يصير عبرة لمَنْ يعتبر...

وإذا كانت حماة نفسها لم تعتبر، فخرج أبناؤها بمئات الآلاف إلى ساحة العاصي ذاتها، وردّدوا أهازيج قاشوش دون سواها، فصدحت حناجرهم بهتافات "يلاّ إرحل يا بشار"، و"سورية بدها حرية"؛ فإنّ المشاركات والمشاركين في لقاء فندق "صحارى" أخذوا العبرة بالفعل. لقد رُدعوا، لكي لا نقول إنّ الكثيرين منهم ارتدعوا ذاتياً، وكفوا أنفسهم شرّ الحديث عن بربرية بتر العضو التناسلي لطفل هتف للحرّية في تظاهرة، أو وحشية جزّ حنجرة شاب هزج لها في ساحة عامة. ولعلّ المرء المعترض على هذا اللقاء ـ لسبب أوّل هو أنّ بيئة النظام أمنية وعنفية، وبالتالي أبعد ما تكون عن إطلاق حوار ـ كان سيشعر ببعض التسامح لو أنّ أياً من فارسات وفرسان اللقاء أتى على ذكر الخطيب أو قاشوش؛ وكان سيمنح المستذكِر فضيلة الشكّ، لصالحه وليس ضدّه. لكنّ الأمور هنا ليست بحاجة إلى خواتيم، لانّ مقدّماتها تفصح عنها، بقدر ما تفضحها دون إبطاء.

التاريخ، من جانبه، يسير على منوال آخر كما علّمتنا تجارب كثيرة وبليغة، بينها حكاية المغنّي والموسيقيّ والشاعر والأستاذ الجامعي التشيلي فكتور خارا، مع الطغمة العسكرية التي قادت الإنقلاب العسكري ضدّ سلفادور ألليندي، سنة 1971. لقد استخدم الجلادون الهراوات وأعقاب البنادق في تكسير أصابعه، رمز قيثارته وموسيقاه الشعبية الملتزمة، قبل أن يعدموه رمياً بالرصاص، وكان في التاسعة والثلاثين من عمره. إلا أنّ التاريخ تدخّل في صيف 2008، بعد مرور 37 سنة، حين وجّه القاضي خوان إدواردو فوينتيس تهمة القتل العمد إلى العقيد ماريو مانريكيز، الضابط الذي كان مسؤولاً عن اغتيال خارا؛ أمّا المغنّي، فإنّ الملعب الرياضي الذي شهد تكسير أصابعه، سُمّي باسمه، وخارا اليوم خالد في ذاكرة تشيلي، والإنسانية جمعاء.

فلا يظنّن قتلة إبراهيم قاشوش أنهم بمنجاة من حساب الشعب السوري، ومن حساب التاريخ؛ ولوالدة "عندليب العاصي" أن تقرّ عيناً بشهيد جمع دمه إلى حنجرته، لكي يقول للطاغية أنّ ساعة رحيله أزفت ولا رادّ لها؛ ولأهل لقاء "صحارى" أن يجدوا العزاء، كلّ العزاء، في أداء الببغاء!

الخميس، 7 يوليو 2011

حماة: مجزرة ثانية أم نهوض عنقاء من الرماد؟


أغلب الظنّ، اتكاء على ما يتوفّر اليوم من معطيات، أنّ النظام السوري حائر في أمر مدينة حماة، بعد سلسلة الوقائع الفارقة التي تركت آثارها العميقة، وحكمت سلوك الأهالي والسلطة، على حدّ سواء:
ـ في الثالث من شهر حزيران (يونيو) الماضي، سقط أكثر من 60 شهيداً، برصاص عناصر الأجهزة الأمنية، أو أفراد كتائب الحرس الجمهوري، أو قطعان الشبيحة".
ـ وفي الأيام التالية كانت مواكب تشييع الشهداء تنقلب إلى تظاهرات عارمة، كما هي حال جميع المدن والبلدات والقرى السورية؛ لكنها في حماة ظلّت تكتسب بعدها الرمزي العميق، بالنظر إلى التاريخ الدامي الذي تحفظه المدينة لهذا النظام.
ـ ولعلّ هذا العامل الخاص هو الذي أجبر النظام على التراجع قليلاً، قبيل إعادة انتشار دبابات الحرس الجمهوري من داخل المدينة إلى تخومها، وسحب عناصر الأمن، فأخذت أعداد المتظاهرين تتضاعف كلّ يوم، وليس كلّ نهار جمعة فحسب، حتى أخذت ساحة العاصي تتحوّل تدريجياً إلى نظير لميدان التحرير القاهري.
ـ جمعة "إرحل" الماضية سجّلت انعطافة كبرى، إذْ احتشدت أعداد تتراوح بين 250 إلى 300 ألف متظاهر، وثمة مَنْ ذهب بالرقم إلى 400 ألف؛ وتعالت في الساحة أهازيج وهتافات من طراز جديد، شجاع وغير مسبوق في جسارته، أو بالأحرى تجاسره على رموز النظام. لقد بدا وكأنّ حماة، شهيدة العام 1982، تنتفض على تلك الذكرى الدامية، وتنهض من رمادها، مثل عنقاء أبيّة، حيّة وحيوية.
ـ كانت الحال أشدّ مضاضة من أن يحتملها النظام طيلة شهر، ولاح أنها أعلى قدرة على نقل الفيروس إلى أرجاء الوطن السوري بأسره، ثمّ إلى العالم الخارجي أيضاً، فتوجّب أن يعود أهل السلطة القهقرى إلى حيث مبتدأهم في خيارات الحلّ الأمني. وهكذا أصدر بشار الأسد مرسوماً بإعفاء محافظ حماة، أحمد خالد عبد العزيز، واستبداله بضابط أمن ("قوي الشكيمة"، كما قيل!)؛ وعاد بعض عناصر الأمن و"الشبيحة"، فسقط 20 شهيداً؛ وتقدّمت الدبابات إلى تخوم المدينة (صحيفة الـ"غارديان" البريطانية نقلت عن شاهد عيان أنه أحصى قرابة 90 دبابة تحكم الطوق على أطراف المدينة)؛ وقُطعت الكهرباء والمياه عن غالبية الأحياء.
ماذا سيفعل النظام، والحال هكذا؟ وإذا كانت نيّته ستقتصر على ترهيب المدينة عبر حصارها، بالدبابات والمدفعية وكتائب الحرس الجمهوري؛ ثمّ تنفيذ عمليات قنص وتصفيات جسدية واعتقالات، على أساس انتقائي؛ فما الذي يمكن أن تسفر عنه هذه الخيارات؟ وإذا انتقل القرار من الحصار إلى اقتحام المدينة، فهل ستنخرط كتائبه في حروب شوارع، من طرف واحد عملياً؟ وكيف يمكن لخطوة كهذه أن لا تكون مقامرة، خاسرة سلفاً، بالنظر إلى عواقبها المزدوجة: تصليب عزيمة الحمويين، وإطلاق طرائق مقاومة شعبية تعتمد أسلحة الحجارة والمتراس البسيط والعائق الترابي والإطارات المحروقة، فضلاً عن استنهاض تضامن السوريين مع المدينة وأهلها، من جهة أولى؛ والمجازفة بخسران المزيد من شرائح ما يُسمّى "الأغلبية الصامتة"، واستثارة سخطها على النظام، والذهاب أبعد في إقلاق سكينة الجيش النظامي (الظاهرية فقط، والتي قد تتبدّى في انشقاقات جديدة أو علائم أوضح حول رفض زجّ الجيش في وجه الشعب)، من جهة ثانية؟
ذلك لأنّ منطق الأوضاع الراهنة، على صعيد المجتمع والنظام والمشهد الإقليمي، فضلاً عن التطورات الهائلة في تناقل الصورة والخبر، ودرجات عزلة النظام على صعيد دولي، بصرف النظر عن ضعف الضغوطات أو شدّتها، وما إذا كانت منافقة أم شبه صادقة... كلّ هذه العوامل تشير إلى صعوبة (وليس، البتة، استحالة) أن يعيد النظام تكرار مذبحة 1982. وهنا تصبح استعادة تفاصيل تلك المجزرة واجباً وطنياً وكفاحياً وأخلاقياً سورياً، بصفة عامة، ومن أجل ترسيم سمات ملموسة وعادلة لسيرورات العدل والمصالحة في سورية المستقبل. هي، كذلك، استعادة تردّ إلى الحمويين واحداً من حقوقهم الأكثر جوهرية، في تثبيت ذاكرة الضحية قبل انتظار صفحها أو ركونها إلى التصالح مع الماضي، وفي وردّ مظالم مدينة لا تلتفت إلى الوراء إلا لانها تشخص إلى الأمام. 
ففي الثاني من شهر شباط (فبراير) 1982، قامت كتائب مختارة من "سرايا الدفاع" التي كان يقودها رفعت الأسد، وكتائب مختارة من "الوحدات الخاصة" تحت قيادة اللواء علي حيدر، بمحاصرة المدينة طيلة 27 يوماً، وقصفها بالمدفعية الثقيلة والدبابات والطائرات، قبل اجتياحها واستباحتها وإيقاع عدد من الضحايا يتراوح بين 30 إلى 40 ألفاً من مواطنيها المدنيين، وخلّفت قرابة 15 ألف مفقود لم يتمّ العثور عليهم حتى اليوم، وهجّرت نحو 100 ألف. وثمة، بالطبع، تباين في الأرقام طبقاً للمصدر، ولكنّ منظمات حقوق الإنسان الدولية لا تهبط عن 25 ألف ضحية ("العفو الدولية"، مثلاً).
ومجزرة حماة كانت، من حيث الشكل، بمثابة الخطّ الأخير الفاصل في المعركة بين النظام والفصائل الإسلامية المسلحة، ولهذا وافق حافظ الأسد على إعطاء ضبّاط "سرايا الدفاع" و"الوحدات الخاصة" نوعاً من الـ"كارت بلانش" المطلق. وكان هذا إذناً صريحاً بأن تُستخدم كلّ الأسلحة، وكلّ طرائق القمع والردع والعقاب، حتى إذا اقتضى الأمر تهديم أحياء بأكملها (مثل البارودي، الكيلاني، الحميدية، الحاضر)، وما تقتضي العمليات قصفه من مساجد وكنائس.
أمّا من حيث المحتوى، فقد كانت المعركة أعمق، وأوسع نطاقاً. باتريك سيل (الكاتب البريطاني، ومؤلف سيرة عن حافظ الأسد هي بين الأشدّ تعاطفاً، والصديق المقرّب من النظام حتى عهد قريب على الأقلّ، والعارف بتاريخ سورية الحديث والمعاصر...) اعتبر أنّ فهم معركة حماة بوصفها الفصل الأخير في صراع طويل مفتوح، قد يفيد في تفسير وحشية العقاب الرهيب الذي فُرض على المدينة. فوراء النزاع المباشر كانت تكمن العداءات القديمة، متعددة المستويات، بين الإسلام والبعث، والسنّة والعلويين، والريف والمدينة (سيل، "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"، الطبعة الإنكليزية الأولى، ص 333).
ليست صائبة، بقدر ما هي استشراقية تنميطية، خلاصات سيل حول اعتبار المجزرة معركة بين سلسلة ثنائيات، ولكنّ حديثه الصريح عن وحشية العقاب يدلّ على الأهمية الحاسمة التي كان النظام قد أولاها لهذه المعركة. كانت حماة بمثابة الدرس الأقصى، والأقسى، للشارع السوري بأسره، إسلامياً كان أم علمانياً، على صعيد الجمهور العريض والأحزاب المعارضة، مثل النقابات والإتحادات المهنية ومجموعات المثقفين. وكانت حماة أمثولة، ودرساً، وقاعدة للتعامل المستقبلي مع أيّ تحرّك معارض، سواء أكان مسلّحاً أم سلمياً.
الأهمّ من هذا، والأكثر مأساوية في الواقع، أنّ أمثال سيل سوف يقولون فيما بعد (ضمناً، وليس صراحة!) إنّ معركة حماة حُسمت لصالح الحداثة والأنوار ضدّ الأصولية والطهورية. وكان سيل قد اعترف بأنّ أعداداً لا حصر لها من المساجد والكنائس والمواقع الأثرية الأخرى دُمّرت ونُهبت، بما في ذلك متحف قصر العظم الذي يعود للقرن الثامن عشر. وخلال نحو شهر من القتال هُدم تماماً قرابة ثلث قلب المدينة التاريخي.
بعد فقرة واحدة فقط سوف يروي سيل أنّ حماة كانت، في العام 1961، قد طردت باصاً يقلّ طلبة وطالبات من جامعة دمشق توقفوا في المدينة للراحة، وذلك لأنّ بعض الفتيات كنّ يرتدين البناطيل. وسوف يستخلص ما يلي: "بمعزل عن قتل العديد من الناس، كان دكّ المدينة في عام 1982 قد صُمّم بحيث يقصي هذه الطهورية (Puritanism) مرة وإلى الأبد. وفي إعادة بناء هذا المجتمع المهدّم بُذل جهد واعٍ لا يقتلع الماضي فحسب، بل يغيّر المواقف أيضاً".
لكنّ حماة لم تكن المجزرة الوحيدة، لكي يُقال إنها معركة ضدّ الطهورية. خيارات النظام في قمع المعارضة الإسلامية المسلحة نهضت، جوهرياً، على قمع روح المعارضة في الشارع السوري بأسره، من حلب إلى جسر الشغور إلى دير الزور إلى اللاذقية، انتهاء بمجزرة تدمر الشهيرة. وكانت الخيارات منتظمة في سياق منهجي متكامل، لم يكن القمع العسكري وتهديم المدن وتنفيذ المجازر الصغيرة في السجون والأحياء والشوارع سوى تتويجه الدموي العنيف.
وخلال المؤتمر القطري السابع لحزب البعث (كانون الأول/ ديسمبر 1979)، أعلن رفعت الأسد، عضو القيادة القطرية، أنّ مَن لا يقف مع الثورة يقف في صفوف أعدائها، ودعا إلى شنّ حملة تطهير وطني تتضمن إرسال المعارضين إلى معسكرات عمل وتثقيف في الصحراء. وكان رفعت الأسد يستبق حركة الإحتجاج الشعبي التي تبلورت في إطار الأحزاب المعارضة غير المنضوية في جبهة السلطة، وفي صفوف النقابات المهنية للأطباء وأطباء الأسنان والمهندسين والصيادلة والمحامين، الذين أعلنوا إضراباً ليوم واحد (31/3/1980) احتجاجاً على غياب الحريات وشراسة آلة القمع وانتهاك حقوق المواطن. وكان ردّ السلطة الفوري هو حلّ هذه النقابات واعتقال عدد من أبرز قياداتها، ثمّ شنّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف أحزاب المعارضة.
وكان لا بدّ لهذه السياسات أن تنعكس بعمق في الاقتصاد والحياة المعيشية للمواطن السوري، فمرّت سورية في طور غير مسبوق من الإفقار (أكثر من 60 في المائة تحت خطّ الفقر)، والبطالة (بين 20 و38 في المائة)، واتساع الهوّة بين الأجور والأسعار، وتخريب القطاع الصناعي ومؤسسات القطاع العام إجمالاً، مقابل الإعتماد على الصناعات الإستخراجية والزراعات التصديرية. وجرى، بالتوازي، تعزيز التحالف بين الشرائح الأمنية ـ العسكرية العليا وممثّلي الرأسمالية الطفيلية، وبروز ظاهرة تماسيح الفساد (وليس القطط السمان وحدها!)، وارتفاع مديونية الدولة بأرقام قياسية، وتهريب الأموال الوطنية إلى الخارج (بين 70 و100 مليار دولار)...
وقد يقول قائل إنّ بشار الأسد هو وريث لهذه الحال عموماً، والمجزرة خصوصاً، فلم يشارك في صنعها، ولم تكن له سلطة القرار في الأساس. غير أنّ "درس حماة"، إذْ تُصنّف المجزرة على هذا النحو في الكثير من الأدبيات التي تدرس تاريخ سورية المعاصر، كانت واحدة من أبرز تعاليم "الحركة التصحيحية"، وأكثرها استيلاداً لفلسفة الإستبداد الوراثي، من جهة أولى؛ وإنتاجاً لطرائق الحفاظ عليه، ومواجهة أخطار الإنتفاض ضدّه، من جهة ثانية.
كان "درس حماة" هو الإستبداد في ذروة أدائه التطبيقي، فهو إرهاب الدولة ضدّ المجتمع، وقهر الإحتجاج عن طريق سياسة الأرض المحروقة، والمدن المستباحة، والتدمير العميم والمعمّم، والعقاب الجماعي، واستخدام كلّ وأي سلاح. وهو اشترط، أيضاً، عسكرة الدولة في مختلف المستويات، وإلغاء السياسة عن طريق التنكيل والإعتقال والطرد من الوظيفة، وإفقار المجتمع بحيث يكون البحث عن لقمة العيش هو الهاجس الوحيد؛ فضلاً عن الترهيب تارة، والترغيب طوراً، وإشاعة ثقافة الولاء والطاعة والوشاية. أليست هذه بعض سمات النظام الراهن، الذي كان ويظلّ امتداداً لتراث "الحركة التصحيحية"، بل يتبدى أسوأ منه في أمثلة عديدة؟
فارق 1982 عن 2011 هو، مع ذلك، الفيصل بين مدينة استُفردت حتى برهة الشهادة، وأخرى تتظاهر وتنتفض وتقاوم مع شقيقاتها مدن وبلدات وقرى سورية، وتعدّ ما تبقى من حشرجات نظام آخذ في الاحتضار، مثلما تستشرف ما يهلّ من بشائر فجر وشيك آتٍ، لا محالة. 

الأحد، 3 يوليو 2011

سعيكم غير مشكور!


قبل أيام تلقى أعضاء مجلس الأمن الدولي رسالة حول 'الوضع الدراماتيكي في سورية'، تحثّهم على تبنّي قرار أممي بإدانة النظام السوري. أهمية الرسالة تنبع من أنّ بعض الموقّعين عليها نجوم كبار على المستوى العالمي (الروائـــــي الايطالي أمبرتو إيكو، والروائي النيجيري وولي سوينكا، والروائي الهــندي ـ البريطاني سلمان رشدي، والروائي التركي أورهان باموق)؛ والبعض الآخر مشاهير على مستوى محلي (مثل الإسرائيليَيْن دافيد غروسمان وعاموس عوز)، فضلاً عن شخصية دائمة الرقص، أو بالأحرى: الذبذبة، بين العديد من العوالم والمِهَن: الفرنسي اليهودي برنار ـ هنري ليفي، أو BHL كما يحلو للكثيرين تسميته في فرنسا.
نصّ الرسالة لا غبار عليه، بادىء ذي بدء، إذْ تتحدّث فقرتها الأولى عن أسماء صارت مألوفة، مثل درعا وحمص واللاذقية والقامشلي وبانياس، عُزلت عن العالم الخارجي، وقُطعت عنها خدمات الهاتف والكهرباء، واقتحمتها الدبابات، وحلّقت في سماءاتها الحوّامات، واحتلّ قناصون أسطحة مبانيها، وتعرّض سكانها للإعتقال من سنّ 15 إلى 80. الفقرة التالية تسرد أسماء سجون تدمر وفرع فلسطين وعدرا ودوما وصيدنايا، وتذكّر بصنوف التعذيب التي ذيقت لآلاف الأبرياء؛ كما تشرح فقرة أخرى طبيعة النظام الدكتاتوري الذي تمّ توريثه من الأب إلى الابن، وتنتقل إلى الحديث عن التظاهرات الشجاعة التي جوبهت بالقمع والمجازر، في تغييب تامّ لوسائل الإعلام العالمية والمنظمات الإنسانية. أمّا الفقرات الختامية فإنها تواصل حثّ المندوبين على تمرير مشروع القرار، الذي يمكن أن يجبر النظام السوري على التراجع، أخيراً، عن ارتكاب المجازر دون أي رادع، وسيترك أثراً طيباً في نفوس السوريين.
بيد أنّ المشكلة ليست في النصّ، بل في دوافع غروسمان وعوز الحقيقية، أوّلاً؛ وتكتيكات كاتبه وعرّابه، الفرنسي BHL، ثانياً وأساساً، والذي وجد في الربيع العربي فرصة سانحة، وغير مسبوقة في الواقع، لممارسة فصول جديدة من رياضته الأثيرة: 'التشبيح' الإعلامي، كما يصحّ القول، على حساب عذابات الشعوب، بعد قلب قضاياها رأساً على عقب، والكيل بعشرات المكاييل المتناقضة، المتعارضة في الموقع الواحد، والمتضاربة حول المسألة الواحدة.
لقد صحا على ليبيا وصار ناطور ثورتها، بعد أن نام طويلاً عن ثعالب العقيد معمّر القذافي، وذئابه أيضاً؛ ثمّ ارتأى أن يقيم صلة وصل مبكرة بين الثورة الليبية وإسرائيل، كانت كفيلة بأن تأتي على ما تبقى من مصداقية للمجلس الإنتقالي الليبي. وقبلها استفاق على الجزائر، مسقط رأسه، وكأنه لم يكن ذات يوم صاحب سلسلة مقالات كتبها إثر تكليفه بمهمة رسمية من الخارجية الفرنسية، قال فيها كل شيء عن المذابح، وسكت تماماً عن دور الجنرالات والأجهزة الأمنية الجزائرية. ولم يكن غريباً أن يتصدّى له مؤرخون فرنسيون كبار من أمثال بيير فيدال ـ ناكيه وفرانسوا جيز، قبل أن يسفّه الجزائريون آراءه.
موقفه من الملفّ السوري أوضح من أن يستدعي جدلاً، فهو التزم الصمت عن النظام طيلة عقود، ولا يُعرف عنه احتجاج على مجزرة تدمر، 1982، ولم نقرأ له غضبة ضدّ زيارات حافظ الأسد، ثمّ وريثه بشار الأسد، إلى فرنسا. وحين قام الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بزيارة سورية، لم يجد ليفي أية غضاضة في هذا، واعتبر الحوار مع الأسد 'أمراً عادياً، يفعله الجميع'، وما أثار حفيظته في كامل زيارة كارتر الشرق ـ أوسطية، كان هذا التفصيل الوحيد: كيف يضع إكليلاً من الزهور على ضريح... ياسر عرفات!
وقبل بضعة أسابيع اعتبرنا، برهان غليون وفاروق مردم بك وكاتب هذه السطور، أنّ عداء ليفي لحقوق الفلسطينيين المشروعة، ومساندته للإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك في الجولان السوري المحتلّ، هو سلوك يتنافى مع تأييده لانتفاضة الشعب السوري. كذلك استخلصنا أنّ كلّ مبادرة تقوم بها مجموعة 'أنجدوا سورية'، بإشراف ليفي وحوارييه، هي بمثابة مناورات خبيثة تستهدف حرف المعارضة السورية الديمقراطية عن أهدافها، وتطعن في مصداقيتها أمام شعبها.
وحين نشرنا الموقف هذا في الموقع الفرنسي المرموق Mediapart، كنّا ندرك مقدار سطوة ليفي، وشبكة علاقاته الواسعة التي تمكّنه دائماً من حشد كبار الشخصيات الفرنسية، في مستوى رئيس جمهورية حالي او سابق، فما دون؛ وأننا قد نخسر بريق النجوم والمشاهير (كما سيحدث اليوم تحديداً، حين سيحضر أحد تجمعاته ضيوف من أمثال جين بيركن، وعمدة باريس برتران دولانوي، وزعيمة الخضر سيسيل دوفلو، ورئيس الوزراء الأسبق لوران فابيوس، ووزير الخارجية السابق برنار كوشنر، وزعيم الوسط فرنسوا بايرو...). وكنّا، في المقابل، واثقين من أننا سنكسب الكثير على صعيد السلوك الأخلاقي والوطني القويم؛ في أنظار شعبنا أوّلاً، ثمّ في الأوساط الفرنسية التقدّمية واليسارية الأوسع، التي تعرف أنّ البواعث الحقيقية خلف مواقف ليفي هي نقيض أقواله.
ذلك لا يعني أنّ مغانم ليفي لا تجتذب بعض أبناء الجالية في فرنسا، ممّن يساجلون بأنّ المعركة ضدّ الإستبداد تتطلب استنفار كلّ طاقة، واللعب على التناقضات، وضرب عدوّ بعدوّ. لستُ أذهب هذا المذهب، بالطبع، وأرى أنّ ما يعرضه ليفي أشبه بسمّ يُدسّ في الدسم، والحكمة الأبسط تقتضي رفض الإناء المذهّب الذي يأتي بالمزيج، ليس دون جملة مفيدة: وفّروا علينا دعمكم، وسعيكم غير مشكور!