وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

تنويه

تداولت مواقع إلكترونية، وصفحات على الـ"فيسبوك" والـ"تويتر"، لائحة أسماء قيل إنها مرشحة لعضوية ما يُسمّى "المجلس الوطني السوري"، كان اسمي في عدادها.

وإذ أؤكد، بالفعل، أنّ صديقات وأصدقاء أعضاء في لجنة الترشيح قد اتصلوا بي، وعرضوا عليّ هذه العضوية؛ أشير إلى أنني قد اعتذرت عن قبولها، على نحو لا لبس فيه، ولا رجعة عنه، ليس دون الإسهاب في شرح الاعتبارات التي تدفعني إلى الإعتذار.

يقيني كان، ويظلّ، أنّ تشكيل هذه المجالس والهيئات واللجان بطريقة التعيين، في مؤتمرات ولقاءات واجتماعات تُعقد في الخارج دائماً، ليس سلوكاً ديمقراطياً بأيّ معنى، أياً كان صدق النوايا خلفه، ومهما وجده البعض ضرورياً لخدمة الإنتفاضة. هذا فضلاً عن الأضرار التي يمكن أن تنجم عن مبادرات يُراد منها توحيد الصفوف، فلا تسفر إلا عن مزيد من التشتت وبعثرة الجهود.

مدهش، مع ذلك، أن يجري تداول أسماء مرشحين اعتذروا مبكراً، على الفور، وقبيل انفضاض اجتماع إسطنبول؛ الأمر الذي يضع علامات استفهام إضافية على جدّية سدنة المشروع، ومرامي الذين سرّبوا الأسماء وكأنهم يحتاجون إلى بعضها من أجل درء الفشل، أو ربما الإيهام بالنجاح، لكي لا يذهب المرء أبعد فيرتاب في احتمال التوريط!

كلّ هذا مؤسف ومحزن، بالطبع، وهو جزء من ظواهر شتى تكاثرت وتتكاثر كلّ يوم. وإذا صحّ أنها تنفع، في قليل أو كثير، الانتفاضة البطولية المجيدة التي يخوضها شعبنا منذ خمسة شهور ونيف؛ فهيهات أن يكون للجوانب المَرَضية في تلك الظواهر أي أثر في تأخير ساعة النصر، الآتية الوشيكة.
باريس في 24 آب، 2011

صبحي حديدي    



 




الأحد، 21 أغسطس 2011

ضاعت الطاسة على الشعب السوري!

ثمة، لدى مجموعات واسعة من المعارضين السوريين في الخارج، شراهة لعقد المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات التشاورية، لا تبدو مفرطة فحسب؛ بل هي أفرزت وتفرز ظواهر مَرَضية، حالها في ذلك حال أية تخمة منافية لطبائع الأمور. من بروكسيل ـ 1، إلى أنطاليا، إلى بروكسيل ـ 2، إلى اسطنبول ـ 1، إلى اسطنبول ـ 2، إلى برلين، إلى اسطنبول ـ 3... جرى إعلان لجان وهيئات ومجالس قيادية، بأسماء فضفاضة رنّانة، مثل "المؤتمر السوري للتغيير"، أو "هيئة المعارضة السورية"، أو "لجنة الحوار الوطني"، أو "الائتلاف الوطني لدعم الثورة السورية"، أو "مجلس الإنقاذ الوطني"، أو "هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي في المهجر"، أو "المجلس الوطني للتغيير"... وهذا الأخير هو الوليد الأحدث عهداً، والذي قد يرى النور خلال أيام.

النوايا، في نفوس غالبية المشاركين، طيبة ومخلصة ونزيهة، عينها على الوطن، وقلبها على الشعب، وفي رأس أهدافها مساندة الإنتفاضة بشتى الوسائل، ثمّ الحرص على الوحدة الوطنية، وقبلها حرص مماثل على توحيد صفوف المعارضة، وسوى هذا وذاك من أهداف تحظى بإجماع عريض، كما يتضح من المداولات والأدبيات في أقلّ تقدير. هنالك، أيضاً، ذلك الحرص الشديد على إظهار هذه المؤتمرات واللقاءات وكأنها تمثّل "جميع أطياف المجتمع السوري"، حسب العبارة التقليدية؛ فلا يتردد مؤتمر في تفصيل انتماءات المشاركين الإثنية والدينية والطائفية والعشائرية، أو يتفاخر مؤتمر آخر بإعلان هويات سياسية أو فكرية، علمانية وإسلامية وليبرالية ويسارية!

ذلك كله يبدو للوهلة الأولى جميلاً، ضرورياً، مفيداً، وصيغة أخرى في العمل الوطني ينبغي أن تكمل الإنتفاضة في الداخل، أو تتولى تمثيلها في الخارج؛ لولا أنّ المشكلة تكمن هنا تحديداً: هل تكفي النوايا الطيبة، أياً كانت مقادير الطهر في مقاصدها، لكي يزعم هذا المؤتمر أو ذاك أية صيغة تمثيلية حقّة، وفعلية قائمة على أسس ديمقراطية في الحدود الدنيا، تسمح للمشاركين بالذهاب بعيداً، وأبعد ممّا ينبغي، إلى درجة تشكيل "مجلس إنقاذ" أو "مجلس وطني"؟ الإجابة التي يفرضها السلوك الديمقراطي الأبسط، هي: كلا، بالطبع، فالنوايا الطيبة لا تنيب بصفتها المجرّدة هذه؛ وليس لحاملها، أياً كانت خصاله ومصداقيته، أن يأنس في نفسه حقّ تمثيل الناس لمجرّد أنه مخلص نزيه حريص على الإنتفاضة والشعب والوطن.

ثمّ إذا كان المواطن المتظاهر في ساحات وشوارع سورية يخرج من داره وهو مشروع شهيد، في الواقع الفعلي وليس في المجاز، يحمل دمه على كفّه، أو تُختزل روحه في حنجرته، من أجل نظام في التمثيل الديمقراطي لا يصادر صوته ولا يزوّر إرادته؛ أفلا يتوجب على المعارضين السوريين في الخارج أن يقدّموا القدوة الحسنة في هذا المضمار، سيّما وأنّ شروط التمثيل الإنتخابي السليم متاحة تماماً أمامهم، إذْ يعيش معظمهم في ظلّ ديمقراطيات غربية تكفل حرّية الاجتماع؟ هل يجوز تنظيم مؤتمر طويل عريض، يتنطّح لقضايا كبرى شائكة، لكنه لا يستند إلى قواعد تمثيلية واضحة، بل يعتمد مبدأ "أهلا وسهلا بلّي جاي"، أو خيار "مؤتمر بمَنْ حضر"، أو المشاركة وفق تلك البدعة العجيبة التي اسمها "عضو مراقب"، أو "عضو ضيف"؟ ولا ينسى المرء بؤس تلك الرياضة القائمة على تلميع المؤتمرات عن طريق إبراز "أعضاء نجوم"، من قادة أحزاب مهجرية، أو أكاديميين طنّاني الألقاب، أو نزلاء مزمنين على الفضائيات.

مَنْ فوّض مَنْ؟ متى، وأين، وكيف؟ ليست هذه علامات استفهام وسؤال وتساؤل، بل هي نقاط نظام وانضباط ومساءلة. ومع استثناءات قليلة، لم يحدث أنّ تنسيقيات الداخل، أو أحزاب المعارضة التي تحترم شعبها ونفسها، أرسلت مندوبيها إلى أيّ من المؤتمرات، ضمن أية صيغة مقبولة من التمثيل الديمقراطي على أسس قاعدية. كان العكس هو الذي يحدث، بصفة عامة، رغم حرص الجميع على عدم الذهاب بالتحفظ إلى مستويات العلن (وهذا، في يقيني، خلل سياسي وأخلاقي لا يليق بشهداء يتساقطون بالعشرات، كلّ يوم). ولدينا مثال حديث العهد، صدر بالأمس فقط، هو تحفظ "الهيئة العامة للثورة السورية" على تكاثر المؤتمرات، والحثّ على "تأجيل أي مشروع تمثيلي للشعب السوري".

وأرى واجباً عليّ، لكي لا يبدو موقفي منفصلاً عن السلوك الشخصي العملي، الإشارة إلى إنّ هذه الاعتبارات جعلتني أعتذر في الماضي، وسأعتذر في المستقبل، عن حضور أيّ مؤتمر ولقاء وملتقى يُعقد في الخارج دون أسس تمثيلية ديمقراطية صريحة وملموسة. ومن الإنصاف التفكير بأنه إذا بات صعباً على السوري ـ المسيّس، المثقف، والمتابع ـ أن يفرز هذا المؤتمر من ذاك، ويميّز ماهية "مجلس الإنقاذ" بالمقارنة مع "المجلس الوطني"؛ فهل من الغرابة أن تضيع "الطاسة" على الشعب السوري، في مختلف شرائحه الاجتماعية والسياسية الأعرض؟

وفي مقام آخر، هو الأهمّ ربما، هل يُلام المتظاهر، الخارج من بيته في طريق مستقيم نحو احتمال الشهادة، إذا اكتفى بعبارة مجاملة من نوع "يعطيكم العافية يا جماعة"، يرسلها لأخوته السوريين المصابين بشراهة المؤتمرات الخارجية؛ ثمّ أدار ظهره، بأدب جمّ لا ريب، وانخرط في تظاهرة حاشدة تستشرف المستقبل وتهتف للوحدة الوطنية وتنادي بسقوط النظام، حيث الطاسة... ليست ضائعة أبداً؟

الخميس، 18 أغسطس 2011

سورية: هزائم الفرقة الرابعة وخيارات الذئب الجريح

منذ الأسابيع الأولى للإنتفاضة السورية بات جلياً أنّ صحيفة "الوطن"، وهي جزء من مملكة رامي مخلوف، تعبّر عن تفاصيل الموقف العملياتي اليومي داخل حلقة النظام الأمنية الأعلى، والأضيق؛ أكثر ممّا تفعل، أو تستطيع أن تفعل، جرائد أخرى حكومية، أو حزبية، مثل "الثورة أو "تشرين" أو "البعث". ولأنّ جرعات التذاكي التي يعتمدها تحرير "الوطن" لها حدودها في نهاية المطاف، بالقياس إلى هول الوقائع، وبالمقارنة مع بلاغة الصورة، فإنّ المخفيّ طيّ العناوين والتقارير والمقالات يظلّ أشدّ انكشافاً وافتضاحاً من كلّ ظاهر علني. هنالك شؤون أمنية بالطبع، وأخرى سياسية، وثالثة حزبية، ورابعة اقتصادية... والناظم الدائم هو خطّ التضليل المنهجي، إذا جاز تصنيف السلوك الديماغوجي ضمن أية منهجية.

خذوا، على سبيل المثال، هذا الخبر الذي نشرته "الوطن" يوم أمس: "نفى مصدر رسمي سوري لصحيفة الخليج، الأنباء التي تحدثت عن حصول انفجارات في مقر الفرقة الرابعة التي يقودها العميد ماهر الأسد وأكد أن هذه الأخبار عارية عن الصحة تماماً". المصدر هذا، ولا نعرف صفته المدنية أو العسكرية أو الحزبية، اعتبر أنّ "الأخبار التي تحدثت عن حصول انفجارات كبيرة في مقر الفرقة الرابعة قرب معضمية الشام عارية عن الصحة تماماً"؛ وأنها، بطبيعة الحال والعادة، "تأتي في إطار الإشاعات التي تستهدف الجيش السوري والفرقة الرابعة تحديداً منذ بداية الأحداث". كذلك، في نصّ الخبر ذاته، أكد المصدر أنه لاصحة للأنباء عن وقوع "انفجارات ضخمة وقوية دوّت في مطار المزة، وحصول انشقاق كبير داخل الجيش السوري، وإعدامات بحقّ الضباط والجنود المنشقين"؛ وهنا أيضاً أكد المصدر أنّ هذه الأخبار "تأتي في إطار الحرب النفسية وحرب الإشاعات التي تستهدف سمعة الجيش والقيادة السورية".

ليس المرء أمام مريب يكاد أن يقول خذوني، كما في القياس الشائع، فحسب؛ بل أيضاً أمام طراز طريف من الإثبات بنيّة النفي، في نبرة الخبر التي تتوسل الإيحاء بالموضوعية، مثلما في مفرداته التي تطابق حقيقة الواقعة رغم أنها تسعى إلى الانفلات منها. صحيح، وصار أمراً يتضح يوماً بعد آخر، أنّ الغالبية الساحقة من ضباط وصفّ ضباط وأفراد الفرقة الرابعة يدينون بالولاء الأعمى لقائدهم الفعلي، العميد ماهر الأسد، وعلى نحو لا يُقارن بولائهم للقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، الفريق بشار الأسد. صحيح، كذلك، أنّ قائد الفرقة انخرط ـ منذ أسبوع الإنتفاضة الأوّل، وبعد تظاهرات درعا مباشرة ـ في عمليات متواصلة من فرز، وإعادة فرز، عناصر هذه الفرقة لكي لا يقتصر ولاؤهم على الإنحيازات العسكرية أو السياسية أو الشخصية، وحدها؛ بل أيضاً على اعتبارات طائفية وعشائرية صرفة، تجعل مصير الفرد مرتبطاً بمصير الفرقة، ومصير النظام في الحساب الأخير.

كانت عمليات الفرز تلك ضرورة قصوى، سياسية ونفسية وعسكرية، لكي تصبح الفرقة الرابعة ذراع النظام الضارب في قمع الإنتفاضة، ولكي تنتشر حيثما اقتضت عمليات حصار المدن أو اقتحامها أو قصفها، عبر المدرعة أو الدبابة أو الحوّامة، فضلاً عن كامل الأسلحة النارية الأخرى، الثقيلة قبل الخفيفة. هذه فرقة مدرّعة في الأساس، وتسليحها نخبوي ومتميّز، وترسانتها لا تقتصر على العدّة العسكرية بل تشمل أدوات القمع الأخرى (من العصا الكهربائية إلى الغاز المسيل للدموع، مروراً بالهراوة والقنابل المسمارية...)؛ وامتيازات عناصرها، من حيث الراتب والتعويضات والسكن والتأمين، لا تُقارن بما يحصل عليه العسكريون في جميع وحدات الجيش السوري الأخرى. ولهذا، حين زُجّ بالفرقة في عمليات كسر الإنتفاضة، تنقّلت كتائبها من محيط المقرّ في المعضمية، إلى مناطق حوران، ثمّ ريف دمشق، وبانياس، وحمص، وتل كلخ، وجسر الشغور، واللاذقية، وحماة، وجبل الزاوية، ومعرّة النعمان، ودير الزور، والبوكمال، وحماة مجدداً، ودير الزور مجدداً، فاللاذقية مجدداً، وجبلة هذه الساعة...

وفي أداء مهامها القمعية هذه، أو حين كانت بعض وحداتها المدرّعة تُوضع تحت تصرّف المفارز الأمنية التابعة لأجهزة المخابرات العامة أو العسكرية أو الجوية أو الأمن السياسي؛ أو حين يُستعان بها لتمهيد الشوارع والساحات أمام زحف قطعان "الشبيحة" وميليشيات النظام الأخرى التي تتقنّع بأسماء شتى؛ ظلّت الفرقة الرابعة تخضع لمزيج من الضغوط اليومية الهائلة، تكفّلت بإدخالها في متوالية جهنمية أرادها النظام أن تكون انتصارات ساحقة ضدّ الإنتفاضة، فانقلبت إلى سلسلة من الهزائم الميدانية النكراء. وكان السيناريو الكلاسيكي قد انطوى على وصول هذه الوحدات إلى القرى أو البلدات أو المدن، وفرض الحصار عليها، قبل اقتحامها، وقتل المواطنين أو حرق الشوارع والساحات أو قصف المجمعات السكنية، ثمّ الاضطرار إلى الإنسحاب الذليل، ليس دون إذكاء عزيمة المنتفضين أكثر من ذي قبل!

وإلى جانب الإرادة الشعبية العبقرية هذه، ترنّحت دبابات ماهر الأسد تحت ثلاثة أنماط من الضغوط اليومية، أوّلها اهتراء معنويات أفراد الفرقة أمام الصمود الأسطوري للتظاهرات، وارتقاء الشعارات يوماً بعد يوم، في علاقة طردية مع اشتداد آلة القهر. كلّما حوصرت منطقة، ودُمّرت بيوتها وسُفكت دماء أبنائها، نساء ورجالاً وشيوخاً وأطفالاً، ارتفعت أكثر فأكثر روحية المطالبة بإسقاط النظام، والتعريض المباشر برموزه العليا، بشار الأسد وشقيقه على نحو محدد. وكلما أوغلت الفرقة في الإجراءات الكفيلة ببثّ الفرقة بين السوريين (مثل قصف مئذنة هنا، أو العبث بمسجد هناك، أو كتابة شعارات مذهبية وطائفية بين حين وآخر...)، جاء الردّ الشعبي أكثر تمسكاً بالوحدة الوطنية، وأعلى وعياً بمخططات النظام.

نمط الضغط الثاني كانت تصنعه حقيقة أنّ الفرقة الرابعة هي هجين مختلط من بقايا وحدات عسكرية سابقة، كانت لها صولاتها وجولاتها في التاريخ القمعي لـ"الحركة التصحيحية"، وتوجّب على حافظ الأسد أن يفككها ويعيد تركيبها، بين حقبة وأخرى. تلك السيرورة فرضتها اعتبارات تخصّ قطع الطريق على الأجندات الخاصة لقادة تلك الوحدات، من أمثال رفعت الأسد (قائد "سرايا الدفاع")، وعلي حيدر (قائد "الوحدات الخاصة")، وعدنان الأسد (قائد "سرايا الصراع")... صحيح أنّ هؤلاء باتوا خارج المشهد القيادي، حتى قبل أن تبدأ عمليات توريث الأسد الابن، إلا أنّ ما جرى تكريسه على نطاق التوريث داخل البيت الأسدي، جرى أيضاً استلهامه بصياغات متغايرة على صعيد مناقلة النفوذ والامتيازات بين قادة الصفّ الأوّل، ووكلائهم قادة الصفوف الثانية والثالثة.

وهكذا، يعرف الضابط في الفرقة الرابعة أنّ ماهر الأسد اختار له البقاء في كتائبها، فلم يشمله بأعمال التطهير التي أعقبت اندلاع الإنتفاضة، لأنّ ولاءه ثابت، وقد تمّ التحقق منه خلال هذه العملية أو تلك؛ كما لا يجهل، وهنا التفصيل الأهمّ، أنّ انتماءه إلى هذه العشيرة أو تلك، من هذه الضيعة التابعة لهذه المنطقة، وليست تلك التابعة لمنطقة أخرى، كان حاسماً في ترشيحه للبقاء. لكنه، أغلب الظنّ، لم يتطهر تماماً من ذاكرة شخصية تضمنت ولاءه السابق، وامتيازاته التي لم تكن أقلّ، بل كانت أوفر ربما، مع ضباط من أمثال العقيد معين ناصيف (صهر رفعت الأسد، والضابط الأبرز في "سرايا الدفاع")، أو العميد هاشم معلا (بطل حصار حلب، 1980، و"مدمّر الإخوان المسلمين" حسب التسمية المفضّلة لدى محبّيه)، أو العميد محسن سلمان (حاكم لبنان العسكري أواسط الثمانينيات، إسوة بحاكمها الأمني غازي كنعان)...

ثمة، هنا، اختلاط في ماضي المرجعيات وحاضرها، ليس لأنّ القدماء كانوا شرفاء مع الشعب والجدد أوغاد، فالموازنة هنا غير مطروحة أساساً؛ بل لأنّ الولاء الأعمى لا تكفيه عصا واحدة يتوكا عليها، خاصة إذا اختلطت امتيازات الأمس، بكوابيس اليوم، وتبدّى المصير من خلال هذا الخليط المتنافر، ضدّ الشعب تحديداً، وفي مواجهة شارع لم يرفع حجراً في وجه الدبابة. وهذا يصنع الضغط الثالث، إذْ أنّ من المحال على ماهر الأسد، مثلما كان محالاً على سواه في الماضي، أن ينتزع الحسّ الوطني الأصيل من نفوس أفراد الفرقة الرابعة، جميعهم أو غالبيتهم الساحقة. محال، كذلك، أن يحوّلهم إلى مجندين صمّ بكم عمي يقاتلون سورية بأسرها من أجل نظام آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش وآل الأخرس وآل الشلاح وآل الغريواتي. والقاعدة الذهبية التي تسري على أبناء الطائفة العلوية أينما كانوا، تسري بالضرورة على أفراد الفرقة الرابعة: هذه طائفة وطنية عريقة، لها ما لكلّ السوريين، في كلّ أعراقهم وأديانهم وطوائفهم ومشاربهم، من حصة في الحرية والكرامة والديمقراطية؛ مثلما دفعت، إسوة بالسوريين، ثمناً باهظاً جرّاء سياسات نظام الإستبداد والفساد، هذا الذي لا يمثّل طائفة واحدة، ولا يقتصر على دين بعينه.

خبر "الوطن"، حول انشقاقات ومواجهات وإعدامات داخل صفوف الفرقة الرابعة، ليس بحاجة إلى تدقيق أو تمحيص، إذاً، فهو حصيلة منطق بسيط محّص ذاته بذاته، ودقّقته أسابيع الإنتفاضة، حيثما توجهت كتائب الفرقة الرابعة، في جنوب سورية مثل وسطها، وفي شرقها وشمالها مثل غربها وساحلها. وما لا تستطيع "الوطن" التعمية عليه هو حقيقة انسحابات هذه الكتائب من قرى وبلدات ومدن دخلتها بذرائع كاذبة، ثمّ خرجت منها بذرائع أدهى كذباً، فلم تفلح في إخفاء التسمية الوحيدة الفعلية التي تصف ذاك الدخول وهذا الخروج: الهزيمة النكراء. وما يطلق عليه النظام صفة "وقف العمليات العسكرية"، اليوم، ليس سوى التوصيف البائس الأشدّ مراوغة لانهزام تلك العمليات العسكرية، وأنّ كامل خيارات الحلّ الأمني ـ العسكري، التي اعتمدها النظام في مواجهة الإنتفاضة، تدنو من حافة الإنهيار الختامية.

ولقد رأت سورية اجتماع بشار الأسد مع 500 من كوادر حزب البعث ("صحّ النوم" كما قد يقول له قائل ساخر، أو "لماذا لا تسمع نصيحتي؟" كما قد يعقّب رجل جادّ مثل أدونيس، صاحب نظرية تحميل حزب البعث، وحده، أوزار مآسي سورية المعاصرة)، لكي يذرّ المزيد من الرماد في عيون أتباعه (بافتراض أنّ العيون ما تزال شاخصة إليه أصلاً)، فيعيد المعزوفة المكرورة إياها، حول إصلاح "نابع من قناعة ونبض السوريين وليس استجابة لأي ضغوط خارجية". وقبل هذا استمع السوريون إلى تصريحات الجيران الأتراك، الذين نفضوا أيديهم من تسريبات مهلة الـ 15 يوماً التي تردّد أنهم منحوها للأسد كي يحسم؛ فبدا وكأنهم يعلنون الوجهة الثانية للفخّ الذي قيل إنهم نصبوه للأسد وشقيقه: هيهات أن تبلغا الحسم، وهذا آخر كلامنا! وبالأمس، فقط، وبعد قرابة 2600 شهيد وعشرات الآلاف من المفقودين والسجناء والجرحى، انتبه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى أنّ الوقت قد حان لكي يتنحى الأسد!

أين موقع الفرقة الرابعة، من هذا كلّه؟ أغلب الظنّ أنّ الأنماط الثلاثة للضغوط التي تتعرّض لها كتائب ماهر الأسد هي، في منطقها الجدلي الموازي، ما تبقى أمام عناصرها من خيارات: إمّا متابعة الولاء الأعمى، والذهاب أبعد في خيانة الوطن والشعب؛ أو أعادة توزيع الإنحيازات، بحيث تُنقل البندقية من كتف إلى كتف؛ أو، أخيراً، الرجوع إلى جادة الوطن والحقيقة، حيث لن تزر وازرة وزر أخرى في سورية المستقبل ودولة القانون. ولا يغيب، بالطبع، ذلك الخيار الرابع، الرهيب، الذي قد ينتهجه أيّ ذئب جريح، لا يترنّح  ويتهاوى فحسب، بل يخرّ أرضاً وينزف ويحتضر...

الأحد، 14 أغسطس 2011

زهرة طلاس وشيخ القرداحة

ظهور نفر من حرس "الحركة التصحيحية" القديم، برعاية محمد سلمان، وزير الإعلام الأسبق، يذهب بالمرء إلى استفقاد واحد من أقدم هؤلاء الحرّاس، بل الأقدم طرّاً كما يجوز القول: العماد أوّل المتقاعد مصطفى طلاس، الذي قضى 32 سنة في وزارة الدفاع السورية، و52 سنة في السلك العسكري. وحين تقاعد، سنة 2004، تسلّم من بشار الأسد "وسام أمية ذا العقد"، فكان ذاك هو الأرفع بين 39 وساماً محلياً وعربياً وأجنبياً، يَعجب المرء كيف يطيق سيادة العماد حمل أثقالها على صدره!

وليس الأمر أنّ طلاس كان غائباً تماماً عن الساحة السياسية، بعد تقاعده، إذْ أصدر كتاباً بعنوان"ثلاثة أشهر هزّت سورية"، أماط فيه اللثام عن بعض أسرار الصراع بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت، سنة 1984؛ ولم يتوقف عن الإدلاء بدلوه في إغداق المدائح على شخص بشار الأسد، وهجاء المعارضة، وشتم ملوك وأمراء ورؤساء العرب الذين لا يشبهون رئيسه في البطولة والإباء والمقاومة والممانعة، ولم يتورّع عن استخدام أقذع الألفاظ في توصيفهم (قصيدته الشهيرة "غزة والفضيحة العربية" تعقد مقارنة بين جبين حسني مبارك ومؤخرة تسيبي ليفني!). وفي كلّ حال، حين كان العماد يغيب في واحدة من أسفاره السياحية الطويلة، كانت سيرته تظلّ جارية على الألسن من خلال نجلَيْه: فراس، رجل الأعمال والعضو الأصيل في الصفّ الأوّل من تماسيح المال والفساد والنهب؛ ومناف، العميد في الحرس الجمهوري، والذراع الضاربة بالنيابة عن أمثال ماهر الأسد وحافظ مخلوف، خاصة في صفوف فريق من المثقفين والفنانين يزعم معارضة النظام.

وفي الأسابيع الأولى للإنتفاضة، منتصف نيسان (أبريل)، توهّم طلاس أنه ما يزال صاحب نفوذ لدى أهالي حمص، باعتباره ابن المحافظة في نهاية المطاف، فعرض على سيّده الأسد أن يعقد اجتماعاً مع فعاليات حمص لتهدئة الأجواء. ولم يكن مدهشاً، إلا للعماد وحده، أنّ الحماصنة أسمعوه كلاماً صارماً وحازماً؛ ليس لكي يستقرّ في أذنيه، بوصفه الوسيط، بل لكي ينقله إلى رئيسه، باختصار بليغ: "الشعب السوري ما بينهان"! الصلة الثانية بالإنتفاضة كانت أعلى بلاغة، من حيث الرمز والتمثيل البصري على الأقلّ، وذلك حين نجحت جماهير الرستن (بلدة طلاس، ومسقط رأسه) في تقويض تمثال حافظ الأسد، وكان الأضخم على نطاق القطر لأنّ الذي أمر بتشييده كان، بدوره، الأعلى رياء ومداهنة وخنوعاً.

وهكذا ظلّ الرجل يثبت أنه لم يفلح أبداً في الصعود إلى أيّ موقع أعلى من ذاك الذي أراده له الأسد الأب منذ عام 1971: وزير دفاع مزمن ثابت مقيم، لا حول له ولا طول، ضاحك أبداً، يقرض الشعر الرديء، وينتحل المؤلفات. يحدث، أيضاً، أن يطلب من الميليشيات الحليفة للنظام في لبنان أن لا تؤذي الوحدة العسكرية الإيطالية المرابطة هناك، كي لا تذرف جينا لولو بريجيدا دمعة حزن. إلى هذه وتلك، سبق له أن خاض في قضية سلمان رشدي و"الآيات الشيطانية"، كما عكف على تطوير الخصائص المورفولوجية لزهرة التوليب بحيث يصبح اسمها على يديه: "زنبق خزامى الأسد"، Tulipa Hybrida Assadiana، كما أسماها في كتابه "ورد الشام".

وإذْ يتعالى الحديث اليوم عن احتمال عودة رفعت الأسد إلى سورية، في شخص بطل مجازر تدمر وحماة والمحاصِص في السلطة والمتضامن مع البيت الأسدي، وليس البتة فارس الديمقراطية المزيّف المتباكي على الحرّيات وحقوق الإنسان؛ فإنّ طلاس يُفتقد، دون أن يُنتظر بالضرورة. ذلك لأنه، وقبل أن يسرد وقائع الصراع الدراماتيكية في كتابه آنف الذكر، كان أوّل مسؤول رفيع المنصب كشف النقاب عن أسباب وجود رفعت الأسد خارج البلاد، رغم أنه ما يزال يشغل منصب نائب الرئيس لشؤون الأمن القومي. وفي تصريح شهير لمجلة "دير شبيغل" الألمانية، أعلن طلاس أنّ النائب الهمام لا يقيم في جنيف لأسباب صحية، أو لأداء مهمة رئاسية، بل لأنه شخص غير مرغوب فيه.

وبالطبع، جرت في الماضي وصلات شتم وشتم مضادّ بين طلاس وأجهزة رفعت الأسد الإعلامية، ولكنّ حدّة الخلاف بين العمّ وابن أخيه الوريث كانت تمنح العماد المتقاعد حصانة في الردّ، وربما غمزة تشجيع من رأس النظام، كما كانت الحال في أواخر عهد الأسد الأب. الميزان تبدّل اليوم، والأرجح أنه سوف يتبدّل أكثر، وبالتالي لم يعد مسموحاً للعماد أن يردح على هواه ضدّ العمّ، لأنّ وحدة البيت الأسدي صارت فريضة ستراتيجية في سياقات بحث النظام عن المنجاة؛ والفاشل في الحفاظ على تمثال الوالد في الرستن، ليس له أن يتطاول على شيخوخة العمّ في القرداحة... أو تلك هي المعادلة التي يمكن أن تسير في ذهن ماهر الأسد، المعجب أبداً بعمّه، على الأقلّ.

وهكذا، ورغم أنّ تراباتها السخية تعجّ بأزاهير برّية شتى، بديعة فاتنة أصيلة، بنات تاريخ سوري عريق عتيق، لن يكون نظام آل الأسد فيه سوى فاصلة في مجلّد زاخر، فإنّ جبال الساحل السوري أبت استنبات الزهور الطلاسية؛ ليس لأنها نقيض الطبيعة، فحسب، بل لأنها نتاج النفاق والافتعال، ولعلّها لم تطلع أصلاً إلا في مخيّلة العماد وحده. ويا لها من مخيّلة، والحقّ يُقال!

الخميس، 11 أغسطس 2011

سورية: طائفة تتململ، وجيش يرتبك، وحرس قديم يستفيق


تعود الحكاية إلى خريف العام 2003، حين وُضعت على مكتب بشار الأسد مذكرة أعدّها جهاز أمن الرئاسة الخاصّ، الذي تشمل صلاحياته الإستخبارية كلّ، وأيّ، الميادين في معمار السلطة، سواء على صعيد الآلة موحّدة أم الأفراد منفصلين. كانت المذكّرة توجز سلوك محافظ (ضابط متقاعد، عمل سنوات طويلة محافظاً لواحدة من كبريات المحافظات السورية، ولسنا نعفّ عن ذكر اسمه هنا إلا لأسباب قانونية صرفة)؛ وكيف أنه جمع من الرشاوى والعمولات ما بلغ رقماً فلكياً (وهنا أيضاً، نترك لمخيّلة القارىء أن تحلّق عالياً عالياً في تحديد الرقم). لقد فاحت رائحته أكثر مما ينبغي، قالت المذكرة، وأخذ المواطنون يجأرون بما هو أكثر من الشكوى والدعاء الى الله، اذْ باتت جيوبهم عاجزة عن سداد "المكوس" التي يفرضها سيادة المحافظ.

أما العنصر الأهم، وهو الذي طرأ فجعل جهاز أمن الرئاسة يتدخل ويسطّر تلك المذكرة، فهو أنّ السيد المحافظ ذهب أبعد ممّا هو مسموح به في علاقاته مع الجهات التعاقدية خارج القطر، وباتت صلاته بالدول والحكومات، قبل الشركات، تهدد أمن الدولة بالخطر. إلا أنّ المذكرة لم تذهب بعيداً، في المقابل، فتطلب إحالة المحافظ إلى القضاء ـ لا سمح الله! ـ بل إحالته إلى التقاعد ليس أكثر، خصوصاً وأنه قارب السبعين. تقول الحكاية إن الأسد ـ وكان، آنذاك، ما يزال محطّ آمال الكثيرين، حتى في أوساط المعارضة، بوصفه "الشابّ"، و"المعلوماتي" و"العصري" ـ ردّ بما يفيد أنّ هذا المحافظ بالذات هو جزء من "أمانة الوالد"، وبالتالي لن يخون الفتى أمانة أبيه أياً كانت الحال. وفي توضيح معنى "الأمانة" هنا، نذكّر بأن المحافظ وقف الى جانب الأسد الأب حين قاد "الحركة التصحيحية" سنة 1970، وأنه (أي الضابط، حينذاك) تخلى عن أهله وعشيرته وأبناء ضيعته من جماعة صلاح جديد، والتحق بصفوف الأسد!

نستعيد هذه الحكاية بمناسبة التئام شمل عشرات من رفاق هذا المحافظ، سبق لهم أن شغلوا مناصب مختلفة في السلطة، الحكومية أو الحزبية، تراوحت بين عضو قيادة قطرية لحزب البعث، أو أمين فرع للحزب، أو وزير، أو معاون وزير، أو محافظ. محمد سلمان، وزير الإعلام طيلة سنوات من عهد الأسد الأب، عقد مؤتمراً صحفياً (في بيته!)، أعلن خلاله إطلاق ما أسماه "المبادرة الوطنية الديمقراطية"، بالنظر إلى أنّ "البلد يمرّ بأزمة وطنية، ويجب على المواطنين المخلصين أن يبادروا لإنقاذ الوطن من أزمته"، مؤكدا على "ضرورة أن يبذل الجميع، معارضة وسلطة، الجهود للحيلولة دون وقوع أمرين خطيرين على حاضر الوطن ومستقبله، وهما الحرب الأهلية والإقتتال الطائفي من جهة، والتدخل الأجنبي عموماً من جهة أخرى".

طريف، إلى هذا، أنّ سلمان ربط المبادرة بالأسد شخصياً، داعياً إياه إلى "تولي زمام المبادرة"، آملاً في أن يترأس مؤتمراً وطنياً "يضع الحلول الناجعة للخروج من الأزمة الراهنة"؛ وكأنه يقول، إذْ يذرّ الرماد في العيون على النحو الأقلّ احتراماً للعقول، إنّ الزمام لم يكن في يد الأسد منذ 11 سنة. كأنه، أيضاً، ينفي عن الأسد صفة رأس الحلّ الأمني، والآمر الفعلي خلف كلّ ألوان السلوك الوحشي في قمع الإنتفاضة؛ منذ اليوم الأوّل، حين أجاز ابن عمّته عاطف نجيب استخدام الذخيرة الحيّة ضدّ أبناء درعا، وحتى اليوم حين يأمر شقيقه ماهر الأسد بقصف مئذنة مسجد عثمان بن عفان في دير الزور.

ليس أقلّ طرافة، من جانب آخر، أنّ سلمان انتقد القيادة القطرية لحزب البعث، ليس لأنها سارت وتسير خلف ضابط الأمن، بحيث صار فرع الحزب محض شعبة ملحقة بفرع الأمن؛ أو لأنّ أمثال محمد سعيد بخيتان، الأمين القطري المساعد والرئيس السابق لمكتب الأمن القومي، وهشام بختيار، رئيس المكتب الراهن (بعد أن "أصلحه" الأسد، فأسماه: مكتب الأمن الوطني!) أتوا أساساً من الأجهزة الأمنية. جوهر نقد سلمان مصدره أنّ قيادة البعث الحالية "سارت على سياسة الإقصاء لمعظم المسؤولين الذين كانوا في الحزب والدولة، وهؤلاء المسؤولون لا يستطيعون أن يقفوا متفرجين"! كأنه يجهل الجهة التي كانت وراء سياسة الإقصاء تلك، أو كأنّ الأسد الابن لم يكن صاحب القرار الأوّل في تلك السياسة، أو ـ وهنا وجه آخر للطرافة ـ كأنّ عضوية القيادة القطرية ينبغي أن تكون مدى الحياة، على غرار الرئاسة الأسدية!

لم يكن طريفاً، مع ذلك، أن يصرّح سلمان بأنه "لا تستطيع طائفة لوحدها أن تفكر بحكم سورية لوحدها"، دون الذهاب خطوة إضافية في إيضاح الإشكالية الرديفة التالية: لا تستطيع، بالفعل؛ ولكن هل اشتغلت منظومة أمنية ـ عسكرية ـ استثمارية تضمّ كلّ الطوائف، مثل هذه التي جرى توريثها للأسد الابن من الأسد الأب، على استدراج أبناء طائفة واحدة إلى هذا الوهم؟ وهل جرى منح بعض أبناء هذه الطائفة امتيازات، في الأجهزة الأمنية والجيش والمناصب، فضلاً عن شتى ميادين النهب والفساد والإثراء الفاحش، بحيث يلوح الوهم حقيقة فعلية على الأرض، ويصبح مصير الطائفة مرتبطاً وجودياً بمصير النظام؟ وإذا كانت هذه، بالضبط، حال الأسرة الأسدية، ومن خلفها آل مخلوف وآل شاليش، تجاه شرائح واسعة من أبناء الطائفة العلوية، فأيّ زمام سوف يوضع في يد الأسد، اليوم مثلما الأمس في الواقع؟

وفي استذكار الأمس، وإذا صحّ أنّ جميع أشاوس هذه "المبادرة الوطنية الديمقراطية" هم من البعثيين، ومن القياديين السابقين في الحزب والسلطة تحديداً، أفلا يصحّ استطراداً أن يطرح المرء السؤال التالي: أين كان سلمان ورفاقه حين شهد العالم بأسره مهزلة انعقاد ما يُسمّى "مجلس الشعب السوري"، على نحو كرنفالي أقرب إلى استعراض السيرك منه إلى أيّ اجتماع بشري، من أجل تعديل المادة 83 من الدستور لكي تلائم توريث بشار الأسد، بعد ساعات معدودات على وفاة أبيه؟ أين كان هؤلاء أنفسهم، وسواهم عشرات، حين أصدر الأعلى صلاحية بينهم آنذاك، عبد الحليم خدّام دون سواه، القانون رقم 9 تاريخ 11/6/2000 القاضي بتعديل المادة 83 ليصبح عمر رئاسة الجمهورية الدستوري مطابقاً لعمر الوريث آنذاك (34 سنة)، إلى جانب ترفيع الضابط بشار الأسد من رتبة عقيد إلى رتبة فريق، دفعة واحدة (قافزاً عن رتبة عميد، ولواء، وعماد، وعماد أوّل... وعن فترة في الخدمة العسكرية الفعلية لا تقلّ عن 25 سنة)، وتعيينه قائدًا عامًا للقوات المسلحة؟

ذلك المؤتمر القطري التاسع كان، في حقيقة الأمر، يختتم فصلاً إضافياً في تاريخ "الحركة التصحيحية"، دون أن يدشّن في الآن ذاته أيّ فصل جديد في الحركة الجديدة، الوجيزة الخاطفة التي أسفرت عن تنصيب الأسد الابن، وكانت غالبية الرفاق أبطال "المبادرة الوطنية الديمقراطية" هم، أيضاً، أبطال تلك الحقبة. لهذا كان المؤتمر أشبه بترجيع مكرور لصدى المؤتمرات الحزبية السابقة التي عُقدت في عهد الأسد الأب: تصفيق وتهليل وعبادة فرد، وتقارير زائفة عن الأوضاع التنظيمية والداخلية والسياسية والاقتصادية، وإعلان العزم على الإصلاح والتجديد وتقديم الدماء الشابة، ثمّ انتخاب قيادة جديدة ذات دماء شابة في العمر البيولوجي وحده، ولكنها ذات عقول مكبلة طائعة مطيعة، وأيدٍ مغلولة إلى الأعناق، وحناجر لا تتقن سوى الهتاف بحياة القائد.

فضيلة مبادرة سلمان ورفاقه أنها قد تكون واجهة، مدنية وبعثية في المقام الأوّل، لحال التململ التي أخذت تصيب شرائح النخبة من رجالات السلطة السابقين ومحاربيها القدماء، ليس من حيث الصفة التمثيلية لأسماء على غرار محمد نهاد مشنطط (وزير سابق)، عماش جديع (وزير ومحافظ سابق)، مروان حبش (وزير وعضو قيادة قطرية سابق)، محمود جيوش (وزير سابق)، عادل نعيسة (عضو قيادة قطرية سابق)، وفيق عرنوس (أمين فرع حزب سابق)، أمين أبو الشامات (وزير سابق)، نظمي فلوح (معاون وزير سابق)، حسين عماش (رئيس سابق لهيئة مكافحة البطالة)، سليمان العلي (وزير سابق)، ناظم قدور (وزير سابق) وعلي سليمان (معاون وزير سابق)؛ بل من حيث ما يمكن أن ينطق به هؤلاء نيابة عن، أو بلسان، سادة سابقين: علي دوبا (المخابرات العسكرية)، محمد الخولي (مخابرات القوى الجوية)، علي حيدر وحكمت الشهابي وعلي الصالح وشفيق فياض وإبراهيم صافي (المؤسسة العسكرية المحترفة)، وسليمان حداد (مطبخ القرار السياسي ـ الأمني)...

هؤلاء كانوا أشدّ سطوة، وظلوا الأقرب إلى حلقة النظام الأضيق حتى دنت ساعة تجريدهم من سلطاتهم وإحالتهم إلى التقاعد القسري، لسبب جوهري هو الخشية من أن يعكروا صفو سيرورات توريث الأسد الابن. وإذْ يرجّح المرء وقوفهم، وسواهم، خلف هذه الواجهة المدنية البعثية التي أطلقها سلمان مؤخراً، فذلك ليس نابعاً من صحوتهم على ضرورات الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة المواطن السوري، بل لأنهم أخذوا يستشعرون تململ شرائح واسعة من أبناء طائفة صارت تتبصّر مصائرها على نحو أوضح، وأخذت تدرك ـ ببطء، ولكن على نحو منتظَم ومتدرج ـ أنّ منابع الأخطار على الوطن ليست تظاهرات الشعب، بل تحالف قَتَلة الشعب وناهبي الوطن.

وبهذا المعنى فإنّ هجاء سلمان للحلّ الأمني، والتصريح بأنّ "استخدام القوات المسلحة واعتقال الآلاف يضع العصي في عجلة التغيير السياسي المنشود"، هو الوجه المكمّل لاعتزال العماد علي حبيب، وزير الدفاع السابق. الحمقى وحدهم يمكن أن يصدّقوا حكاية المرض، فالرجل ليس مُقعداً لكي يغادر المنصب في هذه الظروف الحرجة، ومنصبه فخري في الأساس، وكان خيراً للسلطة أن تبقيه في الحال الفخرية حتى إشعار آخر. ورغم مسؤوليته الأخلاقية عن كلّ توريط لوحدات الجيش النظامية في أعمال العنف ضدّ الشعب، فإنّ العماد حبيب ليس طراز الضابط العامل المحترف الذي يستسيغ الإنحناء المستديم أمام العميد ماهر الأسد، كما أنه ليس الطراز الذي يمكن أن يرفض تنفيذ الأمر العسكري أو ينشقّ على القيادة؛ ولهذا فإنّ الإعتزال كان الأنسب الذي يلائم شخصيته.

اعتزال ليس بينه والعزل كبير فارق، ولكن دلالاته لا تقتصر على حال الإرتباك التي أخذت تصيب بعض قدماء ضباط الجيش المحترفين، إزاء تبعثر المرجعيات التي تصدر الأوامر العسكرية، والطابع الوحشي الذي صار يقترن بالمهامّ الميدانية، واتساع الفجوة بين عقيدة الجيش الوطنية وانحطاط صورته في ناظر الشعب. هي حال مركّبة من التردد، والحيرة، والحرج، والعزوف، تارة؛ والاضطرار إلى الدخول في مواجهات، وإنْ محدودة، مع قوى الأمن و"الشبيحة"، تارة أخرى؛ فضلاً، بالطبع، عن الإنشقاقات، رغم ضعف نطاقها، وتأثيراتها السلبية على الروح المعنوية؛ والتخلّف الواسع عن تلبية الإستدعاء إلى الخدمة الإحتياطية.

وتلكم علائم جديدة على اندحار خيار أمني، مدمّر طويل الذراع بقدر ما هو قاصر قصير الأجل، تواصل اعتماده سلطة فقدت كلّ تجانس، ما خلا أنها تتشبث بقاعدة "أمانة الوالد"، تلك التي تدفعها حثيثاً نحو الهاوية.