وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

حوار أسبوعية "أخبار الأدب" المصرية

نائل الطوخي  
في حوار سابق مع أخبار الأدب، وصف صبحي حديدي نفسه بأنه "منفي وليس مهاجراً طوعا"، لذا كان لابد من سؤاله في البداية: هل تنوي العودة لسوريا إذا سقط نظام الأسد؟ فأجاب:

بالتأكيد، بل أرجو ان أعود قبل أن يسقط النظام تماماً ونهائياً، أي حين يضطرّ إلي تقديم سلسلة تنازلات بينها إصدار عفو عام شامل عن جميع المعتقلين والملاحقين والمنفيين لأسباب سياسية. لقد غادرت سورية سرّاً، منذ 23 سنة، بعد ملاحقة لأسباب سياسية صرفة وعيش في الحياة السرّية، جعلت المنفي الطوعي خياراً وحيداً مقابل الزنزانة. ولم أكن مستعداً لإعطاء النظام فرصة كمّ فمي وضميري وقلمي، فاخترت صيغة تتيح لي مقارعة الاستبداد علي نحو مختلف، من موقع مختلف. وقبل خمس سنوات، في حوار مع الصديق محمد شعير نشرته "أخبار الأدب" أيضاً، قلت إنني لن أعود إلي الزنزانة بالطبع، ولن أعود ضمن صفقة فردية بالتأكيد، لأنّ الإلحاح علي عفو عام شامل ينبغي أن يظلّ جزءاً لا يتجزأ من حزمة مطالب المعارضة السورية، والصفقة الفردية ـ وأنا لست ضدها بالمناسبة، فلكلّ حريته في هذا ـ تُسقط عن النظام واجب إصدار العفو المطلوب. سوي ذلك لن أضع شروطاً علي أحد لكي أعود، ولكني أيضاً لن أقبل شروطاً من أحد!

الحالة السورية تبدو محتملة مقارنة بالحالة العراقية أيام صدام حسين، وبالتالي لم نشهد تلك الموجات من نزوح المثقفين السوريين للخارج كما حدث لمثقفي العراق، هل تتضح لذلك آثار سلبية اليوم؟ بينما يتحدث مثقفو وغير مثقفي الوطن العربي كله عن الانتفاضة السورية فصوت المثقف السوري غائب عن المشهد؟

أصارحك القول أنني لست من هواة المقارنة بين أنظمة الاستبداد العربية، لأنها تتماثل في الكثير ولا تتباين إلا في القليل، وهذا يخصّ طبائع "التثقيف" القمعي الذي يمحضه ذلك النظام أو ذاك لأجهزته الأمنية. وبهذا ففي الوسع الحديث عن حال المثقفين السوريين مع النظام السوري دونما حاجة إلي المقارنة مع النموذج العراقي، باستثناء القول مثلاً إنّ غالبية ملموسة من المثقفين العراقيين تمكنت من مغادرة العراق إلي المنافي، وغالبية ملموسة من المثقفين السوريين نُفيت داخلياً إذا جاز القول، أي زُجّ بها في السجون والمعتقلات. ذلك لا يعني أنّ صوت المثقف السوري كان غائباً تماماً في الداخل، ففي عهد حافظ الأسد توفّر مثقفون كبار تحلوا بشجاعة نقد النظام دون أن ينخرطوا مباشرة في تنظيمات المعارضة، بينهم أنطون مقدسي وعلي الجندي وسعد الله ونوس وبوعلي ياسين وممدوح عدوان وهاني الراهب. كذلك تمكن الأدباء والفنانون من تطوير آداب وفنون رفيعة المستوي، في المحتوي والشكل علي حدّ سواء، كما سعوا إلي التحايل علي تدابير النظام ذاتها فاستغلوا دوريات مثل "المعرفة" و"الموقف الأدبي" و"الحياة السينمائية" و"الحياة المسرحية"، أو أنشطة حكومية مثل مهرجان السينما ومهرجان المسرح، لتمرير خطاب معارض.
وفي عهد الوريث بشار الأسد، وبعد أن خرج عشرات المثقفين من السجون لأنهم أتموا أحكام سجن تراوحت بين 6 و12 سنة، تزايدت أعداد المثقفين المعارضين، وأخذت تلمع أسماء شابة تجمع بين العمل الفكري والتنظيمي، وبين الكتابة السياسية والنشاط المعارض. واليوم، إذْ أقرّ بأنّ صوت المثقف السوري غائب نسبياً عن مشهد الانتفاضة الداخلي، أو لعله ليس حاضراً بما يليق بحجم تضحيات الشعب وزخم الحراك الجماهيري، فإنّ ذلك الصوت الغائب ليس مؤيداً للسلطة، وليس متفرجاً فقط للإنصاف، ولكنه أشبه بالترقّب الحذر أو الصمت الإيجابي. هذه حال سلبية، لا ريب، ولكني لا أردّ أسبابها إلي ضعف تواجد المثقفين السوريين في المنافي، مقارنة بالنموذج العراقي، خاصة وأنّ متغيّرات العراق نجمت عن احتلال عسكري خارجي قادته القوّة الكونية الأعظم، وليس نتيجة انتفاضة شعبية عارمة.
ولكن لعلّ ما تشير إليه من غياب هو، أيضاً، مثال جديد علي تلك المقولة الكلاسيكية التي طرحها الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا منذ عشرينيات القرن الماضي، حول "خيانة المثقف" بسبب طبيعة موقعه الإيديولوجي الوظيفي والاجتماعي، مع الاعتراف بأنّ المواطن السوري يخرج إلي التظاهرة وهو يضع روحه علي راحته، فعلياً وليس مجازاً، ومن المعيب ألا يقابله المثقف بأداء ثقافي ملائم ونظير.
  
هناك دائماً آليات للتآلف مع الوضع الراهن في أي نظام دكتاتوري، في مصر مثلاً كان مسموحاً بحرية التعبير وانتقاد الرئيس المخلوع وعائلته بينما الحركة السياسية نفسها مقيدة لأبعد الحدود، وبالتالي فقد استطاع المثقفون التكيف مع هذا الوضع. كيف تآلف فنانو ومثقفو سوريا مع الوضع الذي فرضه عليهم نظام الأسد؟ ما آليات الاستيعاب التي انتهجها النظام ليضمن ولاء المثقفين السوريين، وكيف تكيفوا هم مع هذا؟

لعلك تعلم أنه لم يكن مسموحاً في سورية أن تصدر أي جريدة مستقلة، حتي لو كانت رياضية، وأنّ الأحزاب ذاتها المتحالفة مع السلطة كان محظوراً عليها إصدار الصحف، وبالتالي كان الإعلام الحكومي هو المصدر الوحيد للمطبوعات السياسية والثقافية والأكاديمية والفنية والرياضية، وإذا توجّب علي كاتب أن ينشر شيئاً في مطبوعة محلية، فإنّ رقابته الذاتية علي ما يكتب إنما تسبق رقابة السلطة. لكنّ النظام لم يكن قادراً علي تأمين كوادر ثقافية أو إعلامية من داخل صفوفه، تدير تلك المؤسسات وتحظي في الآن ذاته بحدّ أدني من الاحترام أو المصداقية في ناظر الرأي العام السوري. ولهذا اضطرّ النظام إلي الاستعانة بعدد من المثقفين الذين عُرف عنهم ذلك المقدار أو ذاك من حسّ المعارضة، وتلك كانت بعض منافذ التعبير المختلف، خصوصاً في النصوص الإبداعية الشعرية والسردية التي تضمر أكثر ممّا تصرّح، وكان من مصلحة النظام أن يتجاهلها وكأنّ مضامينها لا تنتقد طبائع استبداده. كذلك شكلت وسائل الإعلام الخارجية، من صحف ومجلات وفضائيات، منفذاً لاستيعاب كتابات المثقف السوري المعارض، ولكن النطاق ظلّ ضيقاً ومحدوداً، وكان كذلك محفوفاً باتهام الكاتب بـ"العمالة" لقوي "أجنبية" افترض النظام أنها معادية له.
وفي عهد الوريث جري الترخيص لبعض الصحف والمجلات، لكنها سرعان ما فُرزت إلي مطبوعات معارضة (مثل صحيفة "الدومري" التي أصدرها رسام الكاريكاتير علي فرزات)، وتلك أُغلقت بقرارات حكومية؛ وإلي وسائل إعلام موالية، يملكها شركاء النظام أو رجالاته، مثل رامي مخلوف مالك صحيفة "الوطن" وقناة "الدنيا". وبالطبع، مع تطوّر النشر علي الإنترنت، أنشأت المعارضة عدداً من المواقع التي صارت تستوعب الكتابة الأخري وتصنع المنبر المعارض.
أتباع النظام من المثقفين لم يكن استيعابهم يختلف عن استيعاب الأتباع من الفئات الأخري، ولعلّ تلك الحال تنطبق علي أنظمة الاستبداد جمعاء، رغم أنّ التنويع الذي أدخله النظام السوري تمثل في تكليف الأجهزة الأمنية بتطويع عدد من المثقفين، وتوزيع المهامّ عليهم، وتوجيه أدائهم في ذلك الميدان أو ذاك (تلك، علي سبيل المثال، كانت إحدي وظائف اللواء بهجت سليمان، أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العامة حتي تقاعده). وبالطبع، كانت هناك أيضاً وسائل الترغيب ومنح الامتيازات والمناصب، فضلاً عن وسائل الترهيب عندما تقتضي الحاجة.
 
هل لك أن تحدثنا قليلاً عن وسائل الترهيب المباشر؟

بالطبع، من بينها مثلاً، خلال الانتفاضة تحديداً، ما جري للزجّال والمغنّي الحموي إبراهيم القاشوش، الذي استحقّ سلسلة صفات، بينها "حنجرة الثورة السورية"، و"بلبل حماة"، و"عندليب العاصي"، تنطلق من أدائه الجميل والمميّز في اعتصامات ساحة العاصي، بمدينة حماة. ولقد حرصت الأجهزة الأمنية، بالتعاون الوثيق مع قطعان الشبيحة، علي اعتقاله، وإخضاعه لتعذيب وحشي تبدّي علي أطراف جسده، قبل اغتياله بدم بارد، وإلقاء جثته في نهر العاصي، بعد ممارسة الطقس البربري الأهمّ في نظر القتلة: جزّ حنجرته، لأنها صدحت طويلاً ضدّ بشار الأسد شخصياً، وضدّ عدد من شخوص النظام الأبرز.
واقعة أخري هي خطف رسام الكاريكاتير علي فرزات في ساعة متأخرة من الليل، ولكن من ساحة الأمويين التي تقع علي مبعدة أمتار من وزارة الدفاع ومبني الإذاعة والتليفزيون، والاعتداء عليه بالضرب الوحشي، وتركه مرمياً علي الطريق في منطقة نائية خارج دمشق، أقرب إلي جثة هامدة. هنا أيضاً، لم يغادره الشبيحة قبل أن ينذروه بأن يتوقف عن التطاول علي "أسياده"، وأنّ "صرماية الرئيس تسوي أهلك يا عميل"، بعد أن ظنّوا أنهم بالفعل كسروا له أصابعه التي يرسم بها. المفارقة أنّ فرزات كان المثال الأثير الذي اعتاد بشار الأسد أن يستشهد به كلما أراد التفاخر أمام الصحافة الأجنبية بأنه رئيس انفتاح وحريات، فكان يقول ما معناه: أنظروا، ها هو علي فرزات، صديقي الشخصي، وأنا الذي أعطيته رخصة إصدار جريدة مستقلة!

يبدو لي أن بعض المثقفين السوريين (أدونيس نموذجاً) يختارون الحديث بلا انقطاع عن الدولة العلمانية في مقابل الدولة الدينية، لتجنب الحديث عن المشكلة الأخطر وهي العدالة في مقابل انعدام العدالة أو القمع في مقابل الحرية. هل يصنف النظام السوري نفسه كنظام علماني، ما معني علمانيته في تلك الحالة؟ أو هل يشجع الحديث عن العلمانية لتخويف الشعب من الثوار بزعم أنهم يريدون إقامة إمارات إسلامية وكلام من ذلك النوع؟

أدونيس وأمثاله يعلمون أنّ الشعب السوري في غالبيته الساحقة علماني المزاج، تعدّدي الأديان والطوائف والإثنيات، تسامحي ومتسامح، وكانت هذه حاله قبل عقود طويلة من انقضاض حزب البعث علي السلطة، وهكذا سوف يظلّ. وأن يزعم أحد اليوم أنّ انتصار الإنتفاضة سيجلب إمارات إسلامية أو أنظمة دينية، أمر يتجاوز الجهل إلي ما هو أدهي: أي النطق باسم النظام، والتطوّع لترويج أكاذيب السلطة. ذلك، للتذكير، بلد قدّم أوّل رئيس مجلس نوّاب، وأوّل رئيس وزراء مسيحي، هو فارس الخوري. وكان قائد الثورة السورية ضدّ الاستعمار الفرنسي هو الدرزي سلطان باشا الأطرش، ونائبه في المنطقة الساحلية هو العلوي الشيخ صالح العلي، والكردي إبراهيم هنانو كان رجل الثورة في حلب. وفي سورية ولدت أول تجربة برلمانية عربية، كما مُنحت المرأة حقّ التصويت للمرّة الأولي علي نطاق العالم العربي... أدونيس نفسه، حين كان طفلاً يعيش في قرية علوية فقيرة ونائية، كتب قصيدة في مديح شكري القوتلي، رئيس الجمهورية السنّي، وردّ عليه الأخير بأن أمر بتدريس الفتي علي حساب الدولة.
ومن المؤسف أنّ علمانية البلد لم تتعرّض لتهديد جدّي إلا في عهد نظام الأسد، الأب والابن، عن طريق اشتغال السلطة المنهجي علي التجييش الطائفي، والإيحاء لأبناء الطائفة العلوية بأنّ مصيرهم صار مرتبطاً إلي الأبد بمصير النظام، وصار البيت الأسدي هو وحده ضامن بقاء الطائفة، وضامن ما حظيت أو تحظي أو ستحظي به من امتيازات. 

ما المقصود في سوريا بـ"الفن السياسي الملتزم"، أو "الفن المقاوم"، مقاوم لمن: إسرائيل وأمريكا، النظام، سلبيات الحكومة؟

لست واثقاً من وجود "فن سياسي ملتزم" أو "فن مقاوم" في سورية، وهناك في المقابل تنويعات شتي لما يمكن أن أسمّيه "ثقافة المعارضة"، التقدّمية أو اليسارية عموماً، الديمقراطية غالباً، التعددية إجمالاً، التي أنتجتها سلسلة من الفنون سعت إلي الاستقلال عن مؤسسات السلطة، وعن فنون السلطة استطراداً. وتلك ساهمت في تطوير وعي جمالي وسياسي يستحقّ، حقاً، صفة المقاومة: ضدّ الاستبداد في المقام الأول، ومن أجل الديمقراطية والحرّية والعدالة الاجتماعية في المقام التالي، الأمر الذي يجعلها ثقافة مقاومة ضدّ إسرائيل والولايات المتحدة لأسباب وطنية تخصّ القضية الفلسطينية والقضايا العربية القومية عموماً، ولأسباب وطنية سورية تخصّ تواطؤ واشنطن وتل أبيب علي مساندة النظام.
من جانب آخر، أري أنّ الانتفاضة الشعبية الراهنة أخذت تستولد ثقافة احتجاج جديدة تعيد السياسة إلي المجتمع، بعد أن تعمّد النظام وأدها طيلة أربعة عقود، وتستعيد وعياً كان مغيّباً حول ضرورات التغيير وطاقاته، وحول مضامين الفعل الثقافي وأشكاله وأنساقه، وتلك كلها تنتج بالضرورة فنون التزام ومقاومة من طراز مركب ربما، هو بعض عبقرية الانتفاضات الشعبية.

كيف تتوقع آثار سقوط نظام الأسد علي الوضع الإقليمي، بالتحديد فيما يخص حزب الله وإسرائيل؟

سقوط النظام السوري سيقلب الموازين في المنطقة بأسرها، وسيعيد صياغة تحالفات لاح أنها راسخة ومديدة العمر، ويمكن للمرء أن يلحظ المتغيّرات منذ الآن، سواء علي الصعيد العربي والإقليمي، أو علي النطاق العالمي. وبصفة عامة يمكن القول إنّ الربيع العربي ليس في صالح إسرائيل، لأنّ الاستبداد صديقها والديمقراطية خصمها، وحين تكون الشعوب العربية هي صانعة قرارها الوطني، فإنّ وجود إسرائيل في ذاته، ككيان غاصب صهيوني العقيدة ومخفر أمامي للإمبريالية الأمريكية، سيصير محطّ مراجعة جذرية، ومثله "عملية السلام" التي فقدت كلّ معني. أمّا "حزب الله" فهو تنظيم مسلّح أدّي قسطاً مشرّفاً في تحرير الأرض اللبنانية من المحتلّ الإسرائيلي، وسورية الديمقراطية ستظلّ معادية لإسرائيل، وحليفاً لكلّ وأيّ مقاومة لإسرائيل، تماماً كما كانت عليه حال الشعب السوري الأصيل طيلة عقود، بمعزل عن مواقف النظام الذي اعتبر "الممانعة" تجارة رابحة وهامش مناورة لتحسين أوراق التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة. لكنّ عقيدة "حزب الله" الفكرية، واعتناق مبدأ "ولاية الفقيه" بصفة خاصة، مسألة أخري تسبغ علي الحزب سمة مذهبية رجعية، لا تنسجم مع الحياة المعاصرة، وتتنافي مع مستقبل عربي في كنف أنظمة ديمقراطية حقة. وذلك يقين شخصي أعربت عنه مراراً في مناسبات سابقة، كما أنّ اصطفاف قيادة "حزب الله" خلف النظام السوري، وبالتالي ضدّ الانتفاضة الشعبية، لا يترك مجالاً للشكّ في كيل تلك القيادة بمكاييل عدّة حين يتصل الأمر بالثورات العربية.


الأحد، 11 سبتمبر 2011

شبّيح ما قبل المسيح!

بتاريخ 7 تموز (يوليو) الماضي أصدر عادل سفر، رئيس مجلس وزراء النظام السوري، تعميماً تحت تصنيف "فوري وسرّي"، يبدأ هكذا: "وردتنا المعلومات التالية: ستقوم عصابات دولية محترفة بدخول القطر بعد ان قامت تلك العصابات بإدخال حزء من معداتها التكنولوجية وأجهزة اتصالات عبر الأقمار الصناعية إلى القواعد. وهذه العصابات متخصصة بسرقة المخطوطات والآثار والمتاحف والخزائن والبنوك، وسبق أن دخلت هذه الشبكة إلى العراق وليبيا لأنّ هناك إستراتيجية تهدف خلال الفترة القادمة إلى اقتحام البنوك والمراكز البريدية". وينتهي التعميم بطلب "تشديد الإجراءات الأمنية من خلال تركيب بوابات أمنية وأجهزة إنذار وكاميرات مراقبة مخفية، وتشديد الحراسة على المباني وإعادة النظر بعناصر الحراسة غير الكفوءة".

التعميم موجّه إلى وزراء الإتصالات والتقانة، والثقافة، والمالية، فضلاً عن حاكم مصرف سورية المركزي؛ وهذه، بالطبع، ليست جهات أمنية أو استخباراتية، وأدوارها في مقارعة "عصابات دولية محترفة" سوف تكون بائسة ومضحكة في آن. بيد أنّ ما يختفي طيّ التعميم هو الحقائق المفزعة عن تكاثر حوادث نهب وتزوير وتهريب آثار سورية ثمينة، وهذه أعمال معقدة لا يعقل أن تتمّ دون تسهيل من جهات أمنية عليا، لعلّها السادنة الأولى لهذه التجارة القذرة. تناسى رئيس وزراء النظام، كما ينبغي له أن يفعل صاغراً أو طائعاً، حقيقة أخرى جلية تشير إلى عصابات من طراز آخر تمارس تخريب الآثار السورية، ولا تعمل تحت جنح الظلام هذه المرّة، بل في وضح النهار، بمباركة النظام، وتهليل أبواقه.

فماذا يقول سفر في دبابات ماهر الأسد، التي اخترقت دوّار السباهي في مدينة حماة، حيث الأعمدة العتيقة، فأخذت تخبط فيه خبط عشواء، وكأنها تسير في أرض يباب؛ ومن نقاط تمركزها هناك قامت بقصف أحياء المدينة، فألحقت الأضرار بالكثير من معالم المدينة الأثرية، بما في ذلك القلعة الآرامية؟ وماذا يقول في قصف الجامع العمري (الذي أمر ببنائه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، عند مروره في حوران)، مرّة بعد مرّة، على رؤوس اللاجئين إليه؟ وماذا عن النهب اليومي الذي يتعرّض له تل الأشعري، أحد سقوف وادي اليرموك الحوراني، والذي تعود مكتشفاته الأقدم إلى العصر الحجري؟ وماذا عن التشبيح الآثاري الذي يجري في إدلب ومعرّة النعمان وسائر جبل الزاوية، حيث مملكة إيبلا وتل مرديخ (الألف الرابع قبل المسيح)، ودير سنبل البيزنطي، ودير سيتا الروماني؟ وماذا عن النبش العشوائي، تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية، في تل حموقار، في منطقة الجزيرة، حيث تقع مدينة تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد، ويتفق الآثاريون على أنها واحدة من أقدم مراكز العمران؟

ما لا يفاجيء أنّ قطعة أثرية كبيرة سُرقت بعد أيام من صدور تعميم رئاسة مجلس وزراء النظام، وفي مدينة سورية ليست البتة مفتقرة إلى الرموز الكبرى: حماة، دون سواها! القطعة المسروقة هي تمثال ذهبي نادر لآلهة آرامية، وقد سُرق من داخل متحف المدينة، حيث اتضح للمحققين أنه لم تقع عمليات خلع لأبواب المتحف أو كسر للزجاج، وأنّ السارق تجوّل في المكان بحرّية تامة، وتوفّر له كلّ الوقت اللازم لنزع التمثال من قاعدته ونقله خارج المتحف. سلطات الأمن الجنائي سارعت إلى توقيف موظفي المتحف، دون التوصل إلى نتيجة بالطبع، لأنّ السارق الشبيح كان ويظلّ في حماية سادته الشبيحة الكبار، حيث لا قانون يردع ولا سلطة تمنع.

ولقد سبق لهؤلاء الشبيحة الكبار أن عاثوا فساداً في دمشق العتيقة، ولم يتورعوا عن تخريب أسواقها العريقة، وطمس معالم كبرى من تاريخها الأيوبي والمملوكي، بغية إقامة منشآت سياحية ومجمّعات تجارية، دون أي اكتراث بالعواقب العديدة، البشرية والتاريخية والآثارية والمعمارية والاقتصادية والثقافية، التي ستخلّفها هذه الجرائم الصريحة المعلنة. وهكذا، لم يعد يشبعهم أنهم نهبوا وينهبون ـ مثل ضباع شرهة جشعة، لا تشبع ـ في قطاع الاتصالات والهاتف الجوّال والأسواق الحرّة وصناعة الإسمنت، وما خفي من أشغال حرام هنا وهناك؛ فتوجّب أن يخرّبوا لكي يشتغلوا بإعمار ما خرّبوا، مع فارق أنهم يهدمون ما لا يجوز تهديمه، ويمسّون ما ينقلب أيّ مساس به إلى جريمة كبرى بحقّ الإنسان والتاريخ في آن معاً.


لا يفاجيء، أيضاً، أنّ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تبدي من القلق على كنوز سورية الآثارية والتاريخية والعمرانية، أكثر بكثير ممّا تبديه السلطات السورية، ليس السياسية أو الإدارية وحدها، بل السلطات الآثارية أيضاً! وكيف ستفعل هذه، أو هل تتجاسر أصلاً، إذا كانت جهات التخريب والنهب والسرقة هي ذاتها عصابات التشبيح العاملة لدى رجال النظام؛ وهؤلاء يمارسون النهب الشمولي على نحو وجودي أو غريزي، لأنهم ببساطة بعتبرون سورية مزرعة لهم ولأبنائهم، كما كانت لآبائهم!

وثمة، لا ريب، فارق في نوعية الألم إزاء ما يقترفه ضابط أمن بحقّ شهيد، مثل الناشط الشابّ غياث مطر، قضى تحت التعذيب؛ وما يقترفه شبيح آخر بحقّ آلهة آرامية، أو رقيم سومري، أو مسجد عمري. ثمة، في المقابل، على ضفّة الشعب، فارق المقاومة الذي يستولد الأمل، من قلب الألم...

الخميس، 8 سبتمبر 2011

قيادات الأسد وقانون السقوط: ما طار طير وارتفع...

أشارت تقارير حديثة العهد إلى أنّ حلقة النظام السوري الأضيق، بشار الأسد وشقيقه ماهر بصفة خاصة، أخذت تميل أكثر فأكثر إلى إعادة تأهيل قيادات أمنية شائخة، تولّت مسؤوليات أجهزة أمنية رئيسية طيلة عقود، منذ أواسط السبعينيات وحتى الأشهر الأخيرة قبيل وفاة حافظ الأسد. يتصدّر هؤلاء اللواء المتقاعد علي دوبا (الأمن العسكري)، واللواء المتقاعد محمد الخولي (مخابرات القوى الجوية)، وأفادت التقارير أنهما عُيّنا مؤخراً بصفة مستشارَين للشؤون الأمنية، والتحقا بمكتب خاصّ في القصر الجمهوري، ومُنحا التخويل باستدعاء أو فرز عدد من الضباط المتقاعدين أو الإحتياط أو العاملين في مواقع أمنية وعسكرية أخرى، للإنضمام إلى ذلك المكتب.

وكان الأسد الابن يرفض هذا الحلّ بشدّة، لثلاثة أسباب تبدو مرجحة من زاوية انطباقها مع مزاجه، ومع المنطق السليم أيضاً: 1) أنّ هذه العودة تشكّل "إهانة" لصورته الشخصية، التي سُوّقت ضمن صفات "الشباب" و"الحداثة" و"الإنفتاح" و"التجديد"، ومن غير المعقول، أو المقبول، أن يلجأ إلى الديناصورات، خاصة في هذه المرحلة القاتلة من أحوال نظامه؛ و2) هي طعنة، فضلاً عن كونها إهانة، للفريق الأمني ـ العسكري الذي صعد معه بعد التوريث، أو جرى تصعيده في حياة الأسد الأب، لكي يتحمّل مع الوريث الشابّ أعباء مرحلة بالغة الخطورة، وحافلة بالمخاطر، بعيداً عن أطماع "الحرس القديم" في اقتناص الحصّة الأدسم من مغانم نظام كانوا في عداد كبار صنّاعه وحماته؛ و3) كيف للوريث أن يعيد الثقة بأناس شاء المورِّث نفسه، الأسد الأب، أن يبعدهم عن مواقعهم، خشية أن ينقلبوا على سيرورة التوريث، أو يستغلوا نفوذهم في غير صالح الوريث؟

قبول الأسد اليوم بإعادة تأهيل أمثال دوبا والخولي هو، إنْ صحّ وتحقق في الميدان العملي، مزدوج الدلالة: أنه تسليم بفشل الحلّ الأمني ـ طبعة بشار وماهر الأسد، وترحيل حاضر هذا الحلّ إلى طبعة أخرى يتولاها الديناصورات (وكأنّ الزمن هو أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات!)، قد لا تكون البتة أقلّ وحشية، من جهة، ولكنها أيضاً قد لا تكون أقلّ فشلاً، من جهة أخرى؛ وأنه، في الدلالة الثانية، أقرب إلى التسليم القدري بأنّ عجز النظام عن كسر الإنتفاضة، التي تدخل شهرها السادس أكثر تجذراً ونضجاً وتصميماً، يمكن أن يذهب إلى أكثر الخيارات يأساً، وأدناها إلى سلوك الإنتحار. فما الذي يمكن لدوبا أن يجترحه من "معجزات"، أفضل ممّا فعل ويفعل ضبّاط من أمثال ماهر الأسد وذو الهمة شاليش وحافظ مخلوف وعلي مملوك وعبد الفتاح قدسية ومحمد ديب زيتون وجميل حسن وعلي يونس وزهير الحمد وتوفيق يونس وعاطف نجيب وثائر العمر وناصر العلي وإياد محمود وعلاء سعّود وغسان بلال...؟

 وسوى هذه وتلك، ثمة ما يذهب بالدلالة إلى مستوى المقامرة المفتوحة التي تعمّم معضلات الفرقة الرابعة (وهي "جيش النظام" الأوحد، حتى الساعة، في مواجهة الإنتفاضة)، بحيث تنسحب على فصائل النظام كافة، من الكتائب الأمنية ـ العسكرية، إلى الشبيحة والميليشيات، مروراً بـ"اللجان الشعبية" المسلحة. وتلك المعضلات تنطوي على الهجنة مقابل الإنتخاب الطائفي والعشائري، واختلاط الولاءات بين تلك القديمة الراسخة والأخرى الجديدة الهشة، وتضارب المصالح بين بندقية على هذا الكتف وأخرى على الكتف الثاني، واهتراء المعنويات إلى مستوى يجعل القتال إلى جانب النظام بمثابة طغيان أقصى لغريزة في البقاء عمادها السلوك الوحشي وحده...

فإذا احتسبنا على مكتب دوبا والخولي ذلك المؤتمر الذي عقده، قبل نحو شهر، وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان، ونفر من البعثيين القدماء الذين تقاطروا إلى بيته لاقتراح حلول إنقاذية، فإنّ الحال تردّنا إلى مطلع وراثة الأسد الابن، حين كانت القاعدة الذهبية تقول التالي: ما لا يخسره "الحرس القديم"، بفئاته العسكرية والأمنية والحزبية، لا يكسبه "الحرس الفتي" بفئاته الموازية في المواقع ذاتها؛ وما يكسبه أمثال ماهر الأسد وآصف شوكت وذو الهمة شاليش، في الشريحة الثانية من معمار السلطة التوريثي، ليس بالضرورة خسراناً مبيناً وبائناً لأمثال دوبا والخولي وعلي حيدر وشفيق فياض (ورفعت الأسد، قبلئذ وبعدئذ!) في معمار السلطة ما قبل التوريث.

أجدني، في هذا السياق، مدفوعاً إلى إعادة مناقشة مصطلح "القيادة السورية"، بالمعنى المفهومي والمؤسساتي، وليس بمعنى الأسماء في حلقات السلطة الأضيق، إذْ أنّ من الطبيعي أن تتبدّل تلك الحلقات بمرور الزمن، وأن تتغيّر مكوّناتها طبقاً للمعضلات والمشكلات التي جابهها النظام. فالمصطلح ذاته بات غائماً ومبهماً وغير ملموس بعد وفاة الأسد في حزيران (يونيو) 2000، فاكتنفته الأسئلة التالية: مَن هي هذه القيادة على وجه التحديد؟ كيف تشكلت، ومتى؟ ومَن، وما الذي، يمنحها سلطة اتخاذ القرارات بلا أساس دستوري؟ هل هي متماسكة منسجمة متفاهمة، سياسياً وأمنياً وعلى مستوى المصالح والتوازنات بين أطرافها؟ هل بقيت على الحال التي بدأت عليها حين تشكّلت، أو أعادت إنتاج نفسها، بعد غياب الحاكم الوحيد الأوحد حافظ الأسد؟

وفي تلمّس بعض الإجابة على هذه الأسئلة، ثمة تفسير أوّل، هو أيضاً ذاك الذي اعتمده أنصار السلطة، يقول ببساطة إنّ النظام متماسك ومستقرّ، وما جرى ساعة وفاة الأسد الأب لم يكن سوى محاولة بارعة لتطويق الأمور سريعاً، وتنفيذ القرارات والإجراءات التي كانت "القيادة السورية" قد أجمعت عليها في الأساس، ومنذ وقت طويل، في عهد الأسد الأب، وبرعايته. وهذا التفسير يضرب صفحاً تاماً عن طبيعة جولات التطهير التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة قبيل رحيل الأسد، ويغفل المغزى السياسي والأمني لاستبعاد رجال من أمثال دوبا وحكمت الشهابي (رئيس الأركان الأسبق، وأبرز أعضاء مجلس الأمن القومي حينذاك)، واللواء علي حيدر (القائد التاريخي لـ"الوحدات الخاصة")، وقادة فرق عسكرية من أمثال شفيق فياض وإبراهيم الصافي وعلي الصالح، فضلاً عن انتحار محمود الزعبي (رئيس الوزراء الأسبق، والأطول ولاية في عهد الأسد).

التفسير الثاني يقول إنّ الحرس الفتي (الذي توجّب أن يمثّله الأسد الابن، مبدئياً) تصالح سريعاً مع الحرس القديم الذي مثّله عبد الحليم خدّام في الواجهة، وضمّ جميع الذين يطالبون بحصّة في الإرث، من قادة الأجهزة الأمنية الأربع (المخابرات العسكرية، المخابرات العامة، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي)، إلى رئاسة أركان الجيش وقادة الفرق العسكرية، وصولاً إلى الأفيال والتماسيح الكبار والصغار في قيادة الحزب ومؤسسات القطاع العام. وإذا صحّ هذا التفسير فإنّ سورية تكون قد فقدت حافظ الأسد جسداً فقط، وليس منهجاً أو سياسات: مات الأسد! عاش الأسد! وبالطبع، سوف تتكفّل السنوات اللاحقة بتفكيك هذا التفسير إلى مستويات أبسط، وأدقّ، مفادها أنّ نظام الابن محض استمرار لنظام أبيه، وليس ما تغيّر إلا ذاك الذي استوجبته فوارق الزمن والشخوص والوقائع، داخل سورية وخارجها.

التفسير الثالث يقول إنّ الحرس القديم سارع إلى "امتطاء" حدث الوفاة، وسعى مباشرة إلى تطويق الموقف بما ينطوي عليه من احتقان في المشاعر وتضارب في الولاءات، فوضع الأسد الابن في قلب السيناريو الذي كان يدور على الألسن منذ ستّ سنوات. وإذْ بدا ذلك بمثابة "وفاء" لنهج الأسد الراحل، وتنفيذ لوصيّته غير المعلنة، فإنه في الآن ذاته أسفر عملياً عن وضع الأسد الابن في فوهة المدفع مباشرة، وأظهر البلاد وكأنها ملكية فردية لأسرة حافظ الأسد وحدها (وليس حتى لآل الأسد مجتمعين، بدليل ما وقع آنذاك من مطالبة رفعت الأسد بحصّته الشخصية في الكعكة). ذلك الوضع كان كفيلاً بإثارة المزيد من مشاعر السخط على مستوى القواعد التحتية في السلطة والجيش، وعلى مستوى الشارع السوري، وكفيلاً بوضع الوريث وفريقه في موقف دفاعي صرف، بدلاً من الموقع الهجومي الذي كانوا يرتاحون إليه لأنه الأفضل من الناحية التكتيكية. وفي سياق هذا التفسير، كان من الطبيعي أن ننتظر من الحرس القديم شنّ هجوم معاكس لاحق، بعد أن تهدأ الخواطر وتصبح وفاة الأسد مجرّد ذكرى، وهذا ما جرى بالفعل عند وأد "ربيع دمشق".

التفسير الرابع يقول إنّ القوى التي تمكّن الأسد الأب من حشدها خلف نجله، بما توفّر له من وقت آنذاك، هي التي تحرّكت بسرعة قصوى وفرضت سيناريو التغيير كما تابعه العالم بدهشة. وتلك القوى كانت تبدأ من وحدات الحرس الجمهوري ذات الولاء المطلق لشقيق الوريث، ماهر، قبل الوريث نفسه؛ وكانت تمرّ بعدد من الفروع الأمنية، في المخابرات العسكرية والمخابرات العامة تحديداً؛ وكانت تنتهي عند هذه أو تلك من أفواج القوات المسلحة، وهذا أو ذاك من كبار ضباط الأركان. والتفسير هذا بدا وكأنه يصف انقلاباً عسكرياً وليس مرحلة انتقال "سلسة"، ويصحّ فيه ما يصحّ في الإنقلابات العسكرية من سيادة منطق داخلي خاصّ، متقلّب تماماً، ليس الإستقرار ضمن خصائصه.

وفي مناسبات سابقة، أو بالأحرى في انعطافات حاسمة شهدها نظام التوريث، خضع مفهوم "القيادة السورية" إلى اختبار عناصره التكوينية الكبرى، من حيث الأشخاص والسياسات، فبدا أنّ فتيانه مثل شيوخه يخضعون بالتساوي للقانون الذي تختصره الحكمة الشهيرة: ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع! خذوا، في مثال واحد فقط، تركيبة هذه "القيادة السورية" عشية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري: الأسد، شقيقه ماهر، اللواء غازي كنعان وزير الداخلية، واللواء آصف شوكت رئيس الإستخبارات العسكرية، واللواء بهجت سليمان الرجل الأقوى في جهاز أمن الدولة، وعبد الحليم خدّام النائب الأوّل للرئاسة. وخذوا ما انتهت إليه "حلقة الستة" هذه: خدّام بدّل تجارة الفساد بتجارة "الإنشقاق"، وسليمان سفير في الأردن عاجز عن تنظيم وليمة يحضرها صحافي أردني واحد شريف، وكنعان نُحر أو "انتُحر" كما في التعبير الطريف، وشوكت صار خارج الحلقة يزعم "الحرد" لكنه يشتغل لحساب مشروعه الخاص، فلم يبق في الميدان إلا... الشقيقان! 

واليوم، كما في الماضي ساعتئذ، في وسع المرء اختيار أيّ من تفسيرات مفهوم "القيادة السورية"، أو تركيب عناصرها في كلّ متداخل أقرب إلى تحصيل الحاصل، وسينتهي المرء دون عناء إلى أنّ مصالح الحرس القديم التقت بمصالح الحرس الجديد، وكان لا مناص من استيلاد تحالف كهذا لكي لا تُصاب بنية النظام بشقوق وصدوع وانكسارات قاتلة تذهب بشوكته، وتخلّ بتوازناته الداخلية، ومحاصصات النهب التي تُبقي أواصر الولاء المشترك حيّة في نفوس أهل النظام ودوائر السلطة الأعلى والأضيق. فهل من غرابة، إذاً، أن يعود الأسد الابن إلى تراث أبيه، على ما فيه من مخاطر ومزالق، فيتكيء على الديناصورات في الميمنة، مثلما يُبقي على الفتيان في الميسرة؟

لا غرابة، ولا غريب يمكن أن ينتظره المرء من نظام متهالك سائر إلى مأزق شامل تامّ، ولن تزيده الحلول المتناقضة التي يعتمدها ـ ويستبدلها أو يستعيدها بين يوم وآخر، في صورة مموّهة أو في نسخة طبق الأصل ـ إلا السقوط أكثر فأكثر نحو هاوية سحيقة دانية.

الأحد، 4 سبتمبر 2011

اللهم نجّ الإنتفاضة من أصدقائها!

يُنسب إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير (والبعض يرجّح الماريشال الفرنسي كلود دو فيلار) هذا الدعاء الرهيب: "اللهم نجّني من أصدقائي، أمّا أعدائي فإنني كفيل بهم"؛ الذي يرفع الخشية من الأصدقاء، في هذا أو ذاك من أنماط الغدر أو الخيانة أو الإنقلاب على روح الصداقة، إلى مستوى أشدّ وطأة من ذاك الذي ينتظره المرء، عادة، من أعدائه. وفي الطور الراهن من مساراتها الظافرة، المضمخة أكثر فأكثر بدماء الشهداء الزكية وتضحيات السوريين الغالية، لعلّ الإنتفاضة السورية بحاجة إلى اتقاء شرّ أصدقائها، لأنها ببساطة تكفّلت وما تزال تتكفّل بأعدائها: النظام، بطغمته الضيقة وأجهزته وعسكره وشبّيحته، في الداخل؛ وحلفاء النظام، على اختلاف راياتهم "الممانِعة" و"المقاوِمة"، أو ما يذرفونه من دموع كاذبة على "قلب العروبة النابض"، في الخارج.

أوّل هؤلاء "الأصدقاء" هم سدنة ما يُسمّى بـ"المجتمع الدولي"، من أمثال الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل... هؤلاء، ومَنْ شغلوا مناصبهم ذاتها طيلة 41 سنة سابقة، كانوا في طليعة مساندي نظام "الحركة التصحيحية" منذ انقلاب حافظ الأسد سنة 1970، بما في ذلك توريث بشار الأسد سنة 2000، وعلى امتداد محطات كثيرة ومنعطفات كبرى في تاريخ المنطقة المعاصر: من اتفاقية سعسع، 1974؛ إلى التدخل العسكري في لبنان، 1976؛ إلى الحرب ضدّ الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وحصار المخيمات، والإجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، ومجزرة تلّ الزعتر؛ وصولاً إلى الإنضواء تحت الراية العسكرية الأمريكية في تحالف "حفر الباطن"، والمشاركة في مؤتمر مدريد، والمفاوضات مع إسرائيل سرّاً أو علانية، في شبردزتاون وكامب دافيد وعمّان وأنقرة...

أسلاف سدنة "المجتمع الدولي" هؤلاء سكتوا عن عشرات المجازر التي ارتكبها النظام السوري، في حماة وتدمر وحلب وجسر الشغور ودير الزور واللاذقية وحمص، وسقط خلالها عشرات الآلاف من الأبرياء، خلال سنوات 1979 ـ 1982؛ بل تعاقدوا على تشجيعها ضمناً لأنّ التفكير الذرائعي كان يبرّرها على هذا النحو: معركة ضدّ الإسلاميين يخوضها نظام دكتاتوري إستبدادي فاسد، يقصف المدن ويسفك الدماء ويحرق الأرض، ولكنه "علماني" و"مستقرّ" و"مرن"؛ وأرضه تحتلها إسرائيل، ولكنّ خطوط الإحتلال صامتة خرساء آمنة؛ ويبسط نفوذه على كامل الأراضي اللبنانية، وهو خطّ إمداد "حزب الله" بالسلاح الإيراني، ولكنه في نهاية النهار يقوم بمهامّنا هناك، ويلبّي حاجات حلفائنا، على أحسن وجه، وبأفضل ممّا نستطيع نحن!

جليّ أنّ ضغط الرأي العام الشعبي في هذه البلدان ـ خاصة بعد افتضاح ممارسات النظام الوحشية ضدّ الحراك الشعبي الأعزل والسلمي، وانتقال النظام إلى الخيارات القصوى في محاولة قمع الإنتفاضة ـ هو الذي أخذ يجبر حكوماتها على اتخاذ هذا الموقف أو ذاك من النظام السوري، واعتماد عقوبات ذات تأثير محدود أو منعدم أو شكلاني محض. ضغط شعبي مماثل، في الشارع العربي، أجبر بعض الحكومات العربية على إعلان مواقف خجولة، طافحة بنفاق الحثّ على "حقن الدماء"، على نحو يضع الضحية والجلاّد في مصافّ متساوية؛ وهؤلاء هم النمط الثاني من "أصدقاء" الإنتفاضة السورية، أعداء الديمقراطية في بلدانهم، وكارهي الحرّية في كلّ زمان ومكان.

نمط ثالث، لا يستحقّ سوى إشارة عابرة، يمثّله أناس من أمثال الفرنسي برنار ـ هنري ليفي، الذي يدّعي معاداة النظام، ولكنه لا يقوم عملياً إلا بخدمة أغراض النظام؛ أو الأمريكي جوشوا لانديس، الذي يستحي من ادعاء صداقة النظام، ولكنه يكمل وظيفة ليفي. الأذى الذي يُلحقه هؤلاء "الأصدقاء" بالإنتفاضة لا يقتصر على مواقفهم وكتاباتهم، فهذه أمرها يهون، وكشفها لا يحتاج إلى كبير عناء؛ بل يمتدّ إلى تصنيع أذى أبعد أثراً حين يقع في حبائلهم أناس يحتسبون أنفسهم على المعارضة، أو يزعمون الإشفاق على سورية من أخطار الحرب الطائفية والتفكك وهيمنة الإسلام الأصولي المتشدد. والمصيبة أنّ هذه الفئات تمتشق الحسام دون إبطاء، ليس لقتال النظام كما ينتظر المرء ويقتضي المنطق، بل للإجهاز على مخالفيهم في الرأي، نيابة عن ناصبي الحبائل؛ وليس بصدد أية إشكالية تخصّ الإنتفاضة، بل دفاعاً عن... الحبائل، إياها!

نمط رابع ينتمي إلى البيت السوري، أيضاً، ويضمّ رجال دين دجّالين من كلّ الأديان والطوائف والمذاهب، ومافيات تجّار مصّاصي دماء، وقادة أحزاب سياسية متحالفة مع النظام، و"مستقلين" ليسوا في نهاية المطاف سوى شهود زور، ومستحاثات تصنّف ذاتها في "تيارات" قومية أو تقدّمية أو علمانية أو ليبرالية أو إسلامية... هؤلاء، كما أبواق النظام بالضبط، يعلنون إيمانهم بمشروعية "الإصلاح" من جهة، شريطة أن يكون المُصْلِح الوحيد المخوّل هو بشار الأسد، من جهة ثانية؛ ولا نعدم في صفوفهم أناساً كانوا، حتى عهد قريب، على مسافة متساوية من الشعب والنظام؛ أو سجيناً سياسياً سابقاً، كان ذات يوم ماركسياً ـ لينينياً وقائداً لحزب عريق مناضل، يعلن اليوم إيمانه بوجود "مندسين" و"عصابات مسلّحة"!

بهذا فإنّ خشية فولتير تصبح غير كافية للوقاية من أذى هذا النمط الأخير، فيتوجب أن يلهج المرء بدعاء آخر: اللهم نجّ الإنتفاضة من بعض زاعمي قيادتها، ومزيّفي تمثيلها، وغاصبي صوتها!

الخميس، 1 سبتمبر 2011

تركيا والإنتفاضة السورية: الخيار الأطلسي أم الخلافة العثمانية؟

ليست مصادفة محضة، كما أنها لا تُعزى إلى مرونة القوانين الناظمة لحرّية التعبير وحدها، أنّ تركيا استضافت غالبية المؤتمرات التي عقدتها بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج، من جهة أولى؛ وأنّ مقرّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية قد انتقل من عمّان ولندن إلى اسطنبول، من جهة ثانية؛ وأنّ رجال أعمال سوريين معارضين للنظام لأنهم تضرّروا من سياساته، من أمثال آل سنقر، صاروا يجدون راحة أكبر في إطلاق المبادرات من أنقرة، بدل القاهرة أو طرابلس (لبنان)، من جانب ثالث. وهكذا، في ملاحظة الشكل الأولى، ليس صحيحاً أنّ المنابر التركية (وهي، في نهاية المطاف، ليست حكومية أو رسمية البتة) لا تشرع أبوابها إلا للإسلاميين، كما تردّد مراراً؛ إذْ شهدت المؤتمرات واللقاءات ولجان العمل حضور سوريين من مشارب شتى، من أهل اليمين واليسار والوسط، المتديّن فيهم مثل العلماني، والماركسي مثل الليبرالي، فضلاً عن التنويعات الإثنية والدينية والمذهبية كافة.

هذا من حيث الشكل، الذي يعكس في واقع الأمر بعض علائم المحتوى أيضاً، في أنه يسبغ على تحركات المعارضة السورية صفة سياسية، وربما إيديولوجية، ليس من السهل التهرّب منها: أنّ الحاضنة الأولى لهذه المؤتمرات، بالمعنى القانوني والإجرائي على الأقلّ، هي في عهدة شخصيات أو مؤسسات تابعة لـ"حزب العدالة والتنمية" التركي الحاكم؛ وأنّ هذه الحاضنة تشكّل، بدورها، ميداناً عملياً لرأب الصدع الظاهري بين موقف الحكومة التركية من الإنتفاضة السورية، وموقف الحزب الحاكم. في عبارة أخرى، ما يجد المسؤول التركي حرجاً في التصريح به، لا يتردد المسؤول الحزبي التركي في الإعراب عنه من خلال رعاية هذا أو ذاك من لقاءات السوريين على الأرض التركية؛ فلا تقع الحكومة التركية في محذور قد يحمّلها أعباء دبلوماسية وسياسية في غير أوانها، ولا يفوت المسؤول الحزبي أن يشبع تطلّع جماهير الحزب إلى مواقف أكثر صلابة في تأييد الشعب السوري، الجار في الجغرافيا، والشريك في التاريخ، والأخ في الإسلام.

وثمة سلسلة من الاعتبارات التي حكمت وتحكم العلاقة بين النظام السوري وتركيا المعاصرة، في عهد "حزب العدالة والتنمية" بصفة خاصة، ترقى من الجانب التركي إلى مستوى المزايا الكبرى الجيو ـ سياسية والاقتصادية والإيديولوجية، على مستوى تركي محلّي، وآخر إقليمي وإسلامي، وثالث أوروبي وأطلسي. بيد أنّ الحال تغيّرت، وكان لا بدّ لها من أن تتغيّر، بعد انطلاق الإنتفاضة السورية، ولجوء النظام الفوري إلى الحلّ الأمني وأعمال العنف الوحشية ضدّ المدنيين العزّل والتظاهرات السلمية، سيّما تلك التي وقعت في جسر الشغور والقرى المحاذية للحدود، وأجبرت آلاف السوريين على اللجوء إلى تركيا. وهكذا، كانت العلاقات التركية مع النظام السوري في أبهى أزمنتها، فأخذت تتدهور يوماً بعد آخر، وكلما حنث بشار الأسد بما قطعه من وعود لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان شخصياً؛ وتوجّب أن تنقلب اعتبارات الجوار من مزايا إلى تحدّيات، ومن مغانم إلى مخاطر.

فعلى الصعيد الجيو ـ سياسي، كان على تركيا أن تتخلى عن ركائز كبرى في فلسفة وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو، وهي الناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح "حزب العدالة والتنمية" في حيازة أغلبية برلمانية مريحة. بين تلك الركائز مبدأ تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط؛ وليس الإقتصار على علاقات أنقرة التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، أو البقاء في أسر التلهف على عضوية الإتحاد الأوروبي. ركيزة ثانية هي خيار "الدرجة صفر في النزاع" مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية. وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام "القوّة الخشنة"، واليوم "نعرف أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها'، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير "العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي". وتدهور العلاقات مع النظام السوري يعني، أيضاً، هذا المقدار أو ذاك من تدهور العلاقات مع إيران، ومع حكومة نوري المالكي في العراق، و"حزب الله" في لبنان...

كذلك، على الصعيد الاقتصادي، ظلّت تركيا حريصة على إدامة ميزان تجاري رابح تماماً بالنسبة إلى أنقرة، وخاسر على نحو فاضح من الجانب السوري، بلغ 2,5 مليار دولار في سنة 2010، بزيادة تقارب 43 بالمئة، وكان يُنتظر له أن يبلغ خمسة مليارات في السنتين القادمتين. الصادرات التركية تشمل المعدّات الكهربائية، والوقود المعدني، والزيوت النباتية والحيوانية، والبلاستيك، ومنتجات الصناعات التحويلية والمؤتمتة، ومشتقات البترول المصنعة، والمنتجات الكيماوية، والإسمنت، ومنتجات الحديد والصلب، وصناعة القرميد والبلاط، والمنتجات الجلدية، والأخشاب، والقمح، والدقيق، والسمن النباتي، والملابس الجاهزة... الإستثمارات التركية في سورية تبلغ أكثر من 260 مليون دولار، وتحتلّ الشركات التركية المرتبة الأولى من حيث عدد المشاريع التابعة لجهات أجنبية... ولقد اتضح، طيلة أسابيع الإنتفاضة، أنّ كبار التجار الأتراك تكاتفوا مع كبار التجّار السوريين، في حلب ودمشق بصفة خاصة، لإبقاء العاملين في مؤسساتهم بمنأى عن الحراك الشعبي، حتى إذا كلّفهم ذلك سداد تعويضات إضافية ومغريات مادية مجزية.

ومن جانب آخر، تغاضى النظام السوري عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت الأجهزة الأمنية السورية مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار "حزب العمال الكردستاني"، الـ PKK، الذين كانت دمشق تزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنها سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ من هذه الاعتبارات الاقتصادية، الجيو ـ سياسية بامتياز ايضاً، أنّ النظام السوري أقرّ، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، وهو منطقة سورية واسعة قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الإنتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.

في المستوى الإيديولوجي، لم يكن "حزب العدالة والتنمية" يملك الكثير من هوامش المناورة في ضبط مشاعر جماهيره وناخبيه، وغالبيتهم الساحقة من المسلمين السنّة، إزاء ما يرتكبه النظام السوري من مجازر وأعمال وحشية، وخاصة في مواقع ذات قيمة عاطفية ورمزية عالية مثل مدينة حماة، فضلاً عن دمشق التي تظلّ "الشام الشريفة" في ناظر الجمهور التركي العريض. وكيف للفريق التركي الحاكم أن يسكت عن جرائم النظام السوري، فيضحّي بما اكتسبته تركيا من شعبية واسعة في الضمير العربي العريض، بسبب الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وانسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس، ومأثرة "أسطول الحرية"، وسواها؟

وفي الجانب الذي يخصّ المقارنة بين نظامين في الحكم، لا مناص للجارة تركيا من أن تشكّل مثالاً نقيضاً، وبالتالي قدوة حسنة، لمواطن سوري عانى طيلة ثلاثة عقود من نظام الإستبداد والفساد الذي ترأسه حافظ الأسد، ويعيش منذ 11 سنة في ظلّ النظام ذاته بعد أن ازداد سوءاً وصار وراثياً وأقرب إلى حكم العصابات والشبيحة. صحيح أنّ الديمقراطية التركية لم تكن أبهى نماذج الديمقراطية في العالم، ولكنها في الحساب الأخير تقوم على انتخابات حرّة، وتداول سلمي للسلطة، وحرّيات مدنية أساسية؛ كما أنها، وهنا الأخطر ربما، ديمقراطية لا يغيب عنها العسكر والجنرالات، وهي إسلامية المنشأ، آسيوية شرق ـ أوسطية؛ واقتصادها مزدهر متطّور، ينتقل من نجاح إلى نجاح!

غير أن تركيا، بمعزل عن تطورات ما بعد انطلاق الإنتفاضة السورية، كانت تسير حثيثاً نحو احتلال موقع أبعد نفوذاً من ذاك الذي تتولاه قوّة أقليمية، لأنها ـ في فلسفة داود أوغلو، التي يتبناها أردوغان بالحرف تقريباً ـ قوّة دولية أوّلاً وقبلئذ، ويتوجب عليها أن تتصرّف على هذا الأساس، فتعمل على خلق منطقة تأثير تركية ستراتيجية، سياسية واقتصادية وثقافية. ولم يكن غريباً أنّ وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون ثمّنت عالياً، ومراراً، هذه المرونة التركية في التعامل مع محاور مسلمة ومسيحية ويهودية، في العالم العربي والإسلامي، وفي أوروبا وإسرائيل، فأطلقت على تركيا لقب "القوّة الكونية الصاعدة". البعض، ليس خارج تركيا فحسب، بل في داخلها أيضاً، يفضّل استخدام تعبير نظير، أكثر تعبيراً عن واقع الحال ربما: إمبراطورية عثمانية جديدة، وليدة، ناهضة من رماد ذلك "الرجل المريض" الذي ساد، ثمّ تفكك، دون أن تبيده العقود تماماً!

وهنا، في تراث العلاقات السورية ـ التركية، لا تُنسى تلك الواقعة المفصلية التي شهدها صيف العام 1998، حين أبلغت تركيا الأسد الأب هذه الرسالة الوجيزة القاطعة التالية: إمّا أن يرفع النظام الغطاء عن عبد الله أوجلان، زعيم "حزب العمال الكردستاني"، فتطرده من سورية ومن البقاع اللبناني، وتغلق معسكراته، وتوقف أيّ دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي كانت تقدّمه له؛ ثمّ تفعل الشيء ذاته مع "الجيش السرّي لتحرير أرمينيا" ASALA، الذي يحظى برعاية أمنية سورية في لبنان؛ وإمّا... الحرب العسكرية المباشرة الشاملة، بوضوح وبساطة وبلا تأتأة! قبل تسليم الرسالة كانت تركيا قد استنفرت فرقة عسكرية كاملة، نشرتها مع قوّات مختلفة التسليح على طول الحدود مع سورية، فقلّب الأسد الأب الرسالة التركية على كلّ وجه ممكن، وتأكد أنّ أنقرة لا تمزح، فانحنى. وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، غادر أوجلان الأراضي السورية واللبنانية إلى غير رجعة، أو بالأحرى غادرها إلى حيث سيقيم اليوم: في المعتقل التركي!

وتركيا، إلى هذا، عضو في الحلف الأطلسي، يستمدّ من هذه العضوية سلسلة منافع، ويتكيء عليها لجني المزيد، أو لتعزيز أمن تركيا القومي والجيو ـ سياسي الستراتيجي؛ الأمر الذي يحفظه جنرالات تركيا عن ظهر قلب، وعلى نحو يدغدغ ذلك المزيج من التربية الإنكشارية العثمانية، والغطرسة الكمالية المتقنعة بالعلمانية. فإذا بلغ النظام السوري في حلّه الأمني مرحلة قصوى ختامية، وانتحارية، تبرّر للحلف الأطلسي اختراع تدخّل عسكري من نوع ما، كما في إقامة منطقة آمنة على سبيل المثال، أو فرض حصارات جوية وبحرية، فإنّ لعاب الجنرالات الأتراك لن يكون وحده الذي سوف يسيل، وسيلحق بهم الساسة المدنيون لا محالة، بذرائع قد تبدأ من خطر عودة الـPKK، ولا تنتهي عند زعم انهيار الحدود جرّاء تدفّق اللاجئين.

فإذا امتزجت فلسفة الإحياء العثمانية لدى ساسة "حزب العدالة والتنمية"، بنزوعات الإحياء الإنكشارية والأطلسية لدى الجنرالات الأتراك، وطُولب أصحاب المزيج باتخاذ موقف "إنساني" من مأساة الشعب السوري ومجازر جلاديه من آل الأسد، فإنّ مؤتمرات اسطنبول وأنقرة لن تذهب سدى... لصالح الحاضنة التركية، غنيّ عن القول، وليس لمشاريع المجالس السورية "الإنقاذية" و"الوطنية" و"الإنتقالية"؛ فهذه ستواصل سجالاتها على الفضائيات وحدها، أغلب الظنّ، حيث الجعجعة بلا طحن!