وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 18 سبتمبر 2011

قناة "الدنيا" الموسكوفية

خطاب الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف عن الإنتفاضة السورية، واستسهاله إطلاق صفة "الإرهابيين" على بعض المتظاهرين، واستنكاره عزوف المعارضة عن الحوار مع النظام، يذكّر المرء بمفردات الحرب الباردة، حين كان القاموس أشبه بطبول تهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنها في نهاية المطاف لا تقرع إلا اللغة الخشبية التي تجرّدت من الدلالة، ولم تعد تكترث بتظهير أيّ معنى. وهكذا وجدتني أنساق إلى زيارة واحد من أشهر المعاقل الإعلامية والدعاوية في تلك الحرب، وأعرقها تاريخاً، وأغربها مآلاً: صحيفة الـ "برافدا" الروسية.


.. أو ما تبقى منها الآن في الواقع، إذا كان قد تبقى فيها شيء من أعراف ماضيها الزاخر الحافل!

ذلك لأنّ زائر موقع الصحيفة على الإنترنيت، في الطبعة الإنكليزية، سوف يجد التالي على الصفحة الأولى: في الخبر الرئيسي تقرير عن ثقة الروس بالمواهب العقلية والسياسية والفلسفية لرئيسهم الراهن، وآخر عن قيام الحلف الأطلسي بتشديد الخناق على روسيا، وثالث عن إخفاق الغرب في ليبيا، ورابع عن رغبة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في تدمير صربيا، وخامس عن ساره جيسيكا باركر... الزائر يلاحظ، أيضاً، طغياناً غير عادي للموضوع الليبي، ومن زاوية تمتدح نظام العقيد معمر القذافي، علانية أو استبطاناً، حتى يخال المرء أنّ الـ"برافدا" هي الملحق الروسي لصحيفة "الزحف الأخضر" الليبية، أيام اللجان الثورية!

أمّا أذا تصفّح المرء المادّة المخصصة للشأن السوري، فإنّ الـ"برافدا" تنقلب إلى طبعية موسكوفية من قناة "الدنيا" السورية، فلا تغيب أخبار المندسين والعصابات المسلحة والإرهابيين، ولا تعدم محللاً أريباً يحذّر الكرملين من مغبّة التهاون مع "العرعوريين" في صفوف المعارضة السورية، كما لا تفتقر أعمدة الصحيفة إلى الـ"منحبكجية" على الطريقة الروسية. على سبيل المثال، يرى سيرغي بالماسوف أنّ ردّ الفعل الحادّ الذي صدر من الغرب ضدّ بشار الأسد كان ناجماً عن "حقيقة أنّ الأسد، في سعيه إلى تصفية الإسلاميين، أدخل المزيد من قوى الأمن والدبابات إلى شمالي درعا في بلدة نافا والمنطقة الحدودية مع لبنان في مقاطعة تل كالاح غرب حمص"!

وإلى جانب عدم اهتمام هذا المحلل العبقري بتدقيق أسماء بلدات نوى وتل كلخ، أيّ سخف في الزعم بأنّ الغرب غاضب من الأسد، دفاعاً عن الإسلاميين! وأيّ سماكة دماغ في مساجلة بالماسوف اللاحقة، من أنّ الأسد لا يُلام في قرار نشر الدبابات ما دامت "المعارضة ترفض السلام معه، بزعم أنه يطلق النار عليهم من مدافع الدبابات. ولكن، ماذا يمكن للأسد أن يفعل سوى هذا، حين تقتل المعارضة جنوده؟"؛ أو، في "سحبة" أخرى أين منها مآثر مذيعي ومذيعات "الدنيا"، اتكاء صاحبنا على بيانات وزارة الداخلية السورية، لتكذيب التقارير عن مقابر جماعية، وللردّ على "الحملات المغرضة" التي تشنها قناة "الجزيرة" وسواها.

هل هذه هي الـ"برافدا"، دون سواها؟ كلا، بالطبع، ومن العبث أن يبحث المرء فيها عن رسوبات باقية من أيام زمان، ليس لأنّ العالم تبدّل في روسيا، وحيثما توزّع هذه الـ "برافدا" الجديدة، فحسب؛ بل لأنّ المعارك المالية والقانونية الشرسة التي توجّب أن تُخاض من أجل بقاء الصحيفة واستمرار الاسم ذاته اقتضت مثل هذه الخيارات في التحرير، وفي الخبر والرأي والتغطية. ومن الإنصاف القول إنّ قلّة قليلة فقط من أهل الحنين إلى الماضي والمتباكين على الأطلال هم وحدهم الذين يعيبون على هذه الـ"برافدا" أنها لم تعد تمثّل تلك الـ"برافدا".

المرء، من جانب آخر، لا ينصف هؤلاء أنفسهم إذا لم يتفهم الأسباب العميقة، الوجدانية والتاريخية والعقائدية، التي تدفعهم إلى مقدار هائل من مشاعر النوستالجيا كلما قلّبوا صفحات الجريدة الراهنة، فلم يجدوا فيها ما هو أشدّ جاذبية للقرّاء من طرائف هذا المحلل الشبيح. ذلك لأنّ الـ"برافدا" التاريخية لم تكن محض صحيفة سياسية، بل كانت أشبه بسجلّ وأرشيف وخزّان ذاكرة، سيما عند أولئك الذين ما تزال حميّة الماضي تغلي في عروقهم. ولعلّ الصحيفة عرفت من المصائر المتقلبة مقداراً يكاد يفوق ما عرفه الحزب الشيوعي السوفييتي ذاته، وحين كانت أرقام توزيعها تتجاوز 11 مليون نسخة يومياً، كانت مصداقية الصحيفة تهبط إلى الحضيض في يقين الرأي العام، وكانت تحكمها علاقة تناسب معاكسة: كلما طبعت المزيد من النسخ، ازدادت الهوة بينها وبين الشارع.

والمرء يتذكر أن الإعلام الرسمي السوفييتي كان يتوزع على صحيفتين أساسيتين: "البرافدا" (أي: الحقيقة) و"الإزفستيا" (أي: الخبر)؛ وأمّا النكتة الشعبية، الذكية والصائبة تماماً، فكانت تقول: في الـ"برافدا" لا يوجد "إزفستيا"، وفي الـ"إزفستيا" لا توجد "برافدا". والترجمة: جريدة الحقيقة لا تنطوي على الخبر، وجريدة الخبر ليس فيها حقيقة!

وبعد عام 1991، حين بلغت "بيريسترويكا" ميخائيل غورباتشوف مآلاتها المنطقية الأخيرة، وقعت الصحيفة ضحية معارك شتى، وتنقّلت بين مستثمرين كثر، وتقلّبت توجهاتها، لكنّ ثابتها الوحيد في غمرة هذا التاريخ الصاخب المتبدّل كان ذلك القاموس الأشبه بالطبول، حيث لا حقيقة في الخبر، ولا خبر عن الحقيقة. وكيف، إذاً، لا تجد الـ"برافدا" توأمة تامة مع شقيقتها "الدنيا"، على مبعدة آلاف الأميال، إذا كان الطبل هو الطبل؟

الخميس، 15 سبتمبر 2011

"إعلان دمشق": بيضة القبّان أم المظلة ذات الثقوب؟

في وسع المرء أن يضع جانباً (مؤقتاً، في الأقلّ، وحتى تتضح حدود الغابة المخفية خلف الشجرة) شراهة معارضي الخارج السوريين إلى عقد المؤتمرات والملتقيات والمشاورات، لتشكيل مجالس وطنية أو إنقاذية أو انتقالية، عُقدت في أنطاليا أو بروكسيل أو إسطنبول أو الدوحة أو القاهرة، وضمّت محاربين قدماء وآخرين انضموا إلى النادي مجدداً، بينهم مَنْ عارض النظام طيلة عقود، ومَنْ كان مقرّباً من دوائر السلطة حتى ساعة انطلاق الإنتفاضة، وبعدها، والآن أيضاً. ليس عجيباً، والحال هذه، أن تنتهي جميعها إلى فشل ذريع معلن، أو آخر ذريع بدوره ولكنه مقنّع، أو الاستعاضة عن الإقرار بالفشل بما هو مزيج من ذرّ الرماد في العيون وقطع الوعود الخلّبية والآمال السديمية.

هذه السيرورة تكفّلت، كما يليق بها أن تفعل منطقياً، بكشف العورات هنا وهناك، وفضح هزال الغابة التي ينتظرها السوريون خلف شجرة هذا المؤتمر أو ذاك، وإسقاط أسطورة "الإجماع" على زيد أو عمرو من "نجوم" تلك الغابة (وهم، في الغالب، صناعة آلة المماحكات على الفضائيات، وليس السجال الحيوي النزيه والصادق، حول مسائل أصيلة وحيوية وملحّة). لكنها، من جانب آخر وثيق الارتباط وجدلي، كانت السبب غير المباشر، بل كانت عند البعض هي أمّ الأسباب المباشرة، في إشاعة خرافتَين: أنّ نجوم الخارج أقدر من سواهم على تمثيل حاجات الإنتفاضة في الداخل، من حيث التمثيل والتنظير والقيادة، وتسطير الدساتير والعهود والمواثيق، وما إلى ذلك؛ وأنّ معارضة الداخل الكلاسيكية، المؤلفة من الأحزاب والمنظمات والنشطاء خارج "اتحاد التنسيقيات" و"لجان التنسيق" والتنسيقيات المهنية المختلفة، ينبغي أن تمتثل للجهود التي يبذلها نجوم الخارج في مؤتمراتهم، تحت طائلة تخريب وحدة المعارضة وتفتيت الحراك الشعبي.

جرى هذا طيّ المسكوت عنه بالطبع، وكان ديدن السلوك الخفيّ للتحركات والمشاورات والمداولات، إذْ أنّ أحداً من النجوم لا يتجاسر على إغفال الداخل أو الزعم بأبوّة متعالية على الانتفاضة، بل كان العكس هو المشاع دائماً وأبداً: أنّ الأصل هناك، ونحن الفرع والامتداد. وتلك حال انتقلت، بالعدوى الفطرية، إلى بعض مبادرات الداخل (مثل "هيئة التنسيق الوطنية" في المقام الأوّل)، فبدا وكأنّ المبادرين لا يعوّلون على قوى الداخل (رغم تفاخرهم بأعداد هائلة من "الأحزاب" المنضوية في صفوفهم)، بقدر ما يتوكأون على بعض نجوم الخارج، أو كلّ ما يمكن حشده من هؤلاء. ولهذا شهدنا، تماماً كما حدث في مهازل إعلان مجالس وطنية وانتقالية وإنقاذية، شكوى بعض النجوم من أنّ الهيئة أضافت أسماءهم دون علمهم، ودون التشاور معهم؛ وأنهم قبلوا على مضض، أو جنحوا إلى الصمت حرصاً على... وحدة المعارضة!

وفي المناسبة، من الحكمة للمرء أن يؤجّل السجال مع "هيئة التنسيق الوطنية"، إلى ما بعد انعقاد ما أسمته "المجلس الوطني الموسع"، بعد أيام، في إحدى ضواحي دمشق، حيث من المقرّر أن تناقش وتقرّ سلسلة من أدبياتها، وتنتخب مجلسها المركزي. سوف يتضح، كذلك، ما إذا كان ماراثون المفاوضات في الدوحة قد أسفر عن تقارب الهيئة مع أية مجموعة محدّدة، أو مع أفراد بعينهم، بحيث يكون انعقاد المجلس مناسبة لانكشاف حجم غابة جديدة خلف الشجرة الواحدة؛ أو أنّ الدوحة ردّت الهيئة إلى سابق مبادرتها الأولى، التي أعلنها حسن عبد العظيم، المنسق العام للهيئة والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي، أواخر حزيران (يونيو) الماضي. وثمة، في كلّ احتمال، حسابات متقاطعة أو متضاربة تستوجب انتظار الخلاصات التي سينتهي إليها المجلس، ليس أقلّها دلالة أن توافق السلطة على انعقاده في الأساس.

ما هو، في المقابل، جدير بالنقاش هذه الساعة، ولعلّه سوف يطغى كذلك على وقائع الأيام القليلة القادمة، من إعلان اسطنبول أمس إلى انكشاف أسرار ماراثون الدوحة، هو موقف "إعلان دمشق" من مسائل شتى تخصّ الانتفاضة والراهن السوري، مثلما تتصل بمشاريع المجالس الوطنية أو الإنقاذية أو الانتقالية. وليس سرّاً أنّ "إعلان دمشق" صار أشبه بـ"بيضة القبان" في غالبية تلك المشاريع، من حيث ترجيح مقدار أعلى من تمثيل الداخل، أو إسباغ معنى أوضح على مفهوم "الشرعية"، وصارت غالبية المبادرين تراهن على خطب ودّ أهل الإعلان، أو اتقاء الخلاف معهم، في العلن على الأقلّ. وفي هذا جوانب إيجابية بالطبع، لأنها تفضي إلى صيغة تفاعل وحوار أياً كانت عوائقه، من جهة؛ ولكنه ينطوي، من جهة أخرى، على تسليم ضمني بأنّ إطارات المعارضة الكلاسيكية (التي لم تكن أداة انطلاق الانتفاضة في الأساس) هي مرجعيات أولى لتمثيل الانتفاضة، وليس إحدى مرجعياتها (بالنظر إلى أنّ مواقعها في تاريخ المعارضة ترشحها لأن تكون ضمن المرجعيات).

والحال أنّ الإعلان سعى، منذ انعقاد مجلسه في خريف 2005، إلى أن يكون مظلة عريضة لفصائل المعارضة الوطنية والديمقراطية كافة، في مختلف أطيافها اليسارية والقومية والليبرالية والإسلامية، فضلاً عن اجتذاب موشور عريض من المستقلين ذوي المزاج المعارض. فهل ما تزال المظلة على حالها، صامدة بصفتها هذه على الأقلّ، أم اعترتها ثقوب وشقوق شتى تطعن في قدرتها على تأمين ظلّ مشترك للجميع، على نحو الحدّ الأدنى؟ آخر ما يزجّ بهذا السؤال إلى واجهة الاحداث ما أُعلن في اسطنبول، أمس، عن عضوية أنس العبدة (الذي يترأس مجلس "إعلان دمشق" في الخارج) في أحدث طبعات المجالس الوطنية السورية، رغم أنّ الأمانة العامة للإعلان لم تتخذ بعد موقفاً محدداً من مقترحات مجموعة اسطنبول؛ إذْ لا يعقل أنّ العبدة يمثّل جماعته (وهو رئيس "حركة العدالة والبناء") وحدهم، ولا تشمل عضويته في المجلس الجديد تمثيل الإعلان أيضاً.

ذلك ثقب جديد يُضاف إلى ثقوب أخرى تجلّت في البيان الذي صدر مؤخراً عن قيادة الإعلان، تحت عنوان "أسس عامة لرؤية سياسية لعمل المعارضة الديمقراطية"، وتضمّن عشر نقاط شاملة للمسائل المطروحة على ساحة العمل الوطني إجمالاً، والتي تنسحب أيضاً على حال الإنتفاضة إذْ تدخل شهرها السادس هذه الأيام بالذات. ثمة انحياز إلى ثورة الشعب، وتمسّك بالطابع السلمي للإنتفاضة، ونبذ للعنف أو اللجوء إلى السلاح، وحرص على الوحدة الوطنية، وتكريس جزء كبير من الشعارات للإعراب عن رفض الطائفية والفئوية، والتعويل على اللحمة الوطنية للشعب السوري من أجل إنجاز التغيير. وثمة تشديد على أنّ موضوع وهدف السوريين الآن، والمعارضة جزء مسؤول منهم، هو الانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى الديمقراطية، عبر إسقاط النظام الحالي الفاقد للشرعية...

بناء الدولة المدنية الحديثة، يتابع البيان، يتأسس على عقد اجتماعي، ودستور جديد تضعه جمعية تأسيسية منتخبة وتطرحه على الاستفتاء العام، ليكون أساساً لنظامٍ برلماني، يضمن الحقوق المتساوية للمواطنين ويحدّد واجباتهم من دون تمييز قومي أو ديني أو مذهبي، كما يكفل التعدّدية وتداول السلطة واستقلال القضاء وسيادة القانون، واللامركزية الإدارية، واحترام حقوق الإنسان والالتزام بالشرائع الدولية ذات الصلة. ويرى البيان أنّ النظام يعتمد طريقتين للخروج من مأزقه: استخدام أجهزته الأمنية المتوحشة وملحقاتها، وتوريط الجيش الوطني في مواجهة شعبه، وتقطيع أوصال البلاد والمدن، وضرب وحدة الشعب الكيانية من خلال التعامل معه كإثنيات وطوائف؛ والطريقة الثانية هي تشتيت القوى المعارضة، والمناورة لتخفيض سقف طروحاتها، وإشغالها بمسائل متشعبة ومبادرات مرتجلة تنتج عنها مواقف متعارضة.

وإذ يقرّ البيان بضرورة عقد مؤتمر وطني سوري في المستقبل، يتولى بحث آليات الانتقال وتشارك فيه القوى المعارضة وممثلو الشعب، فإنّ عبارة "بما في ذلك مَنْ يقبل من أهل النظام، ولم تتلوث يداه بدم السوريين أو بالفساد" تعيد المرء إلى عاقبة الثقوب في المظلة، فلا تفوح منها نبرة التنطّح إلى تفصيل غير مطروح أصلاً فحسب، بل تبدو متكلفة وجوفاء، لكي لا يرى المرء فيها دغدغة لشريحة من "أهل النظام" لا يعلم احد أين تقع، أو كيف ولماذا لم تتلوّث بدماء السوريين. ثقب آخر هو العبارة التي تقول: "وسيتحقق هذا [أي الانتقال إلى دولة ديمقراطية حسب المعايير الدولية المعروفة] حين يقتنع النظام بأنّ الشعب هو مصدر كل شرعية، وهو مَنْ يحدد موازين القوى". هل ينتظر الإعلان من النظام أي "اقتناع" بهذا، في أي وقت قريب؟ وماذا سيفعل النظام، إذا وقعت المعجزة فـ"اقتنع"؟

ثقب الثقوب، إذا جاز القول، هو التيارات الخلافية التي تتفاعل داخل قيادة الإعلان، لا على نحو تعددي صحّي يجعلها منبع إغناء وثراء، وهذا حاصل جزئياً لحسن الحظّ؛ بل على نحو يزيد الشقة تباعداً، يوماً بعد يوم، ويحيل نقاط الخلاف إلى متاريس للتكتل تارة، أو إلى منابر تعويم غائم للمسائل الملموسة والعاجلة والحساسة تارة أخرى. وليس هذا سرّاً يُهتك، بالطبع، كما أنّ انتهاكه ـ حتى إذا وقع ـ لا يُلحق الأذى بالإعلان وأهله وقيادته، بل هو واجب أمام الشعب، وحقّ للإنتفاضة، وتعبير عن احترام التضحيات المشرّفة التي بذلتها القيادات ذاتها المنخرطة في الخلاف على أيّ نحو.

ذلك ينقذ الإعلان، والمعارضة السورية بأسرها، من مغبة تلك التقديرات الأمنية ـ السياسية، التي آمنت بها أجهزة النظام ذات يوم، وكانت تذهب إلى الخلاصة التالية: إذا واصل "إعلان دمشق" حضوره الهلامي، سياسياً واجتماعياً وإيديولوجياً وثقافياً، عدداً وعدّة وأنشطة، كما بدأ في 16/10/2005؛ ثمّ إذا انقلب، أكثر فأكثر، إلى مظلة عريضة (أي: منفلشة، مفلطحة، غامضة، شائهة التكوين...) تدلف تحتها، وتحتمي بها، وتتعطّل معها مختلف تيّارات المعارضة السورية (بما في ذلك مكوّن المعارضة الأمّ والأقدم، "التجمّع الوطني الديمقراطي" الذي تأسس أواخر 1979)، وكفى الله المعارضين شرّ المجابهة... فلا ضرر على السلطة، والحال هذه، ولا ضرار!

ولا ضرر، هنا أيضاً، من استذكار حقبة كان مأمول السلطة خلالها ـ أو على نحو أدقّ: كان مطلوباً ـ من "إعلان دمشق" أن يفاقم عطالة المعارضة السورية، لا أن يرفدها هلى نحو جدّي وملموس، لكي ينشّطها وينتقل بها ومعها إلى طور أرقى في العمل السياسي والمجتمعي والمدني المعارض. وكانت تقديرات السلطة، الأمنية ـ السياسية ذاتها، تذهب إلى أنّ الوقت لن يطول قبل أن يغرق أهل الإعلان في سفسطة نظرية طاحنة بين مكوّنات الإعلان القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية، فتنشب حروب داحس والغبراء حول أولوية مسمّى الأجندة الوطنية (التي لا مناص من أن تخدم "نظام الممانعة والتصدّي" في آخر النهار) مقابل مسمّى الأجندة الديمقراطية (التي تزعج النظام بالضرورة لأنها تضع الاستبداد في رأس المخاطر التي تتهدّد استقلال البلد ووحدته الوطنية)؛ وحول الفارق بين "الديمقراطية الليبرالية" و"الليبرالية الديمقراطية" (نعم، هكذا!)، أو حتى بين "الليبرالية الوحشية" و"الليبرالية الإنسانوية"!

بيد أنّ الانتفاضة جبّت هذا كلّه، في ما يخصّ قوى المعارضة وقياداتها، فضلاً عن أنساق الاحتجاج ومعنى التغيير الجوهري، فلم يعد مسموحاً لـ"إعلان دمشق" أن يكون بيضة قبّان هنا، ومظلة ذات ثقوب هناك، أو في آن معاً!

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

حوار أسبوعية "أخبار الأدب" المصرية

نائل الطوخي  
في حوار سابق مع أخبار الأدب، وصف صبحي حديدي نفسه بأنه "منفي وليس مهاجراً طوعا"، لذا كان لابد من سؤاله في البداية: هل تنوي العودة لسوريا إذا سقط نظام الأسد؟ فأجاب:

بالتأكيد، بل أرجو ان أعود قبل أن يسقط النظام تماماً ونهائياً، أي حين يضطرّ إلي تقديم سلسلة تنازلات بينها إصدار عفو عام شامل عن جميع المعتقلين والملاحقين والمنفيين لأسباب سياسية. لقد غادرت سورية سرّاً، منذ 23 سنة، بعد ملاحقة لأسباب سياسية صرفة وعيش في الحياة السرّية، جعلت المنفي الطوعي خياراً وحيداً مقابل الزنزانة. ولم أكن مستعداً لإعطاء النظام فرصة كمّ فمي وضميري وقلمي، فاخترت صيغة تتيح لي مقارعة الاستبداد علي نحو مختلف، من موقع مختلف. وقبل خمس سنوات، في حوار مع الصديق محمد شعير نشرته "أخبار الأدب" أيضاً، قلت إنني لن أعود إلي الزنزانة بالطبع، ولن أعود ضمن صفقة فردية بالتأكيد، لأنّ الإلحاح علي عفو عام شامل ينبغي أن يظلّ جزءاً لا يتجزأ من حزمة مطالب المعارضة السورية، والصفقة الفردية ـ وأنا لست ضدها بالمناسبة، فلكلّ حريته في هذا ـ تُسقط عن النظام واجب إصدار العفو المطلوب. سوي ذلك لن أضع شروطاً علي أحد لكي أعود، ولكني أيضاً لن أقبل شروطاً من أحد!

الحالة السورية تبدو محتملة مقارنة بالحالة العراقية أيام صدام حسين، وبالتالي لم نشهد تلك الموجات من نزوح المثقفين السوريين للخارج كما حدث لمثقفي العراق، هل تتضح لذلك آثار سلبية اليوم؟ بينما يتحدث مثقفو وغير مثقفي الوطن العربي كله عن الانتفاضة السورية فصوت المثقف السوري غائب عن المشهد؟

أصارحك القول أنني لست من هواة المقارنة بين أنظمة الاستبداد العربية، لأنها تتماثل في الكثير ولا تتباين إلا في القليل، وهذا يخصّ طبائع "التثقيف" القمعي الذي يمحضه ذلك النظام أو ذاك لأجهزته الأمنية. وبهذا ففي الوسع الحديث عن حال المثقفين السوريين مع النظام السوري دونما حاجة إلي المقارنة مع النموذج العراقي، باستثناء القول مثلاً إنّ غالبية ملموسة من المثقفين العراقيين تمكنت من مغادرة العراق إلي المنافي، وغالبية ملموسة من المثقفين السوريين نُفيت داخلياً إذا جاز القول، أي زُجّ بها في السجون والمعتقلات. ذلك لا يعني أنّ صوت المثقف السوري كان غائباً تماماً في الداخل، ففي عهد حافظ الأسد توفّر مثقفون كبار تحلوا بشجاعة نقد النظام دون أن ينخرطوا مباشرة في تنظيمات المعارضة، بينهم أنطون مقدسي وعلي الجندي وسعد الله ونوس وبوعلي ياسين وممدوح عدوان وهاني الراهب. كذلك تمكن الأدباء والفنانون من تطوير آداب وفنون رفيعة المستوي، في المحتوي والشكل علي حدّ سواء، كما سعوا إلي التحايل علي تدابير النظام ذاتها فاستغلوا دوريات مثل "المعرفة" و"الموقف الأدبي" و"الحياة السينمائية" و"الحياة المسرحية"، أو أنشطة حكومية مثل مهرجان السينما ومهرجان المسرح، لتمرير خطاب معارض.
وفي عهد الوريث بشار الأسد، وبعد أن خرج عشرات المثقفين من السجون لأنهم أتموا أحكام سجن تراوحت بين 6 و12 سنة، تزايدت أعداد المثقفين المعارضين، وأخذت تلمع أسماء شابة تجمع بين العمل الفكري والتنظيمي، وبين الكتابة السياسية والنشاط المعارض. واليوم، إذْ أقرّ بأنّ صوت المثقف السوري غائب نسبياً عن مشهد الانتفاضة الداخلي، أو لعله ليس حاضراً بما يليق بحجم تضحيات الشعب وزخم الحراك الجماهيري، فإنّ ذلك الصوت الغائب ليس مؤيداً للسلطة، وليس متفرجاً فقط للإنصاف، ولكنه أشبه بالترقّب الحذر أو الصمت الإيجابي. هذه حال سلبية، لا ريب، ولكني لا أردّ أسبابها إلي ضعف تواجد المثقفين السوريين في المنافي، مقارنة بالنموذج العراقي، خاصة وأنّ متغيّرات العراق نجمت عن احتلال عسكري خارجي قادته القوّة الكونية الأعظم، وليس نتيجة انتفاضة شعبية عارمة.
ولكن لعلّ ما تشير إليه من غياب هو، أيضاً، مثال جديد علي تلك المقولة الكلاسيكية التي طرحها الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا منذ عشرينيات القرن الماضي، حول "خيانة المثقف" بسبب طبيعة موقعه الإيديولوجي الوظيفي والاجتماعي، مع الاعتراف بأنّ المواطن السوري يخرج إلي التظاهرة وهو يضع روحه علي راحته، فعلياً وليس مجازاً، ومن المعيب ألا يقابله المثقف بأداء ثقافي ملائم ونظير.
  
هناك دائماً آليات للتآلف مع الوضع الراهن في أي نظام دكتاتوري، في مصر مثلاً كان مسموحاً بحرية التعبير وانتقاد الرئيس المخلوع وعائلته بينما الحركة السياسية نفسها مقيدة لأبعد الحدود، وبالتالي فقد استطاع المثقفون التكيف مع هذا الوضع. كيف تآلف فنانو ومثقفو سوريا مع الوضع الذي فرضه عليهم نظام الأسد؟ ما آليات الاستيعاب التي انتهجها النظام ليضمن ولاء المثقفين السوريين، وكيف تكيفوا هم مع هذا؟

لعلك تعلم أنه لم يكن مسموحاً في سورية أن تصدر أي جريدة مستقلة، حتي لو كانت رياضية، وأنّ الأحزاب ذاتها المتحالفة مع السلطة كان محظوراً عليها إصدار الصحف، وبالتالي كان الإعلام الحكومي هو المصدر الوحيد للمطبوعات السياسية والثقافية والأكاديمية والفنية والرياضية، وإذا توجّب علي كاتب أن ينشر شيئاً في مطبوعة محلية، فإنّ رقابته الذاتية علي ما يكتب إنما تسبق رقابة السلطة. لكنّ النظام لم يكن قادراً علي تأمين كوادر ثقافية أو إعلامية من داخل صفوفه، تدير تلك المؤسسات وتحظي في الآن ذاته بحدّ أدني من الاحترام أو المصداقية في ناظر الرأي العام السوري. ولهذا اضطرّ النظام إلي الاستعانة بعدد من المثقفين الذين عُرف عنهم ذلك المقدار أو ذاك من حسّ المعارضة، وتلك كانت بعض منافذ التعبير المختلف، خصوصاً في النصوص الإبداعية الشعرية والسردية التي تضمر أكثر ممّا تصرّح، وكان من مصلحة النظام أن يتجاهلها وكأنّ مضامينها لا تنتقد طبائع استبداده. كذلك شكلت وسائل الإعلام الخارجية، من صحف ومجلات وفضائيات، منفذاً لاستيعاب كتابات المثقف السوري المعارض، ولكن النطاق ظلّ ضيقاً ومحدوداً، وكان كذلك محفوفاً باتهام الكاتب بـ"العمالة" لقوي "أجنبية" افترض النظام أنها معادية له.
وفي عهد الوريث جري الترخيص لبعض الصحف والمجلات، لكنها سرعان ما فُرزت إلي مطبوعات معارضة (مثل صحيفة "الدومري" التي أصدرها رسام الكاريكاتير علي فرزات)، وتلك أُغلقت بقرارات حكومية؛ وإلي وسائل إعلام موالية، يملكها شركاء النظام أو رجالاته، مثل رامي مخلوف مالك صحيفة "الوطن" وقناة "الدنيا". وبالطبع، مع تطوّر النشر علي الإنترنت، أنشأت المعارضة عدداً من المواقع التي صارت تستوعب الكتابة الأخري وتصنع المنبر المعارض.
أتباع النظام من المثقفين لم يكن استيعابهم يختلف عن استيعاب الأتباع من الفئات الأخري، ولعلّ تلك الحال تنطبق علي أنظمة الاستبداد جمعاء، رغم أنّ التنويع الذي أدخله النظام السوري تمثل في تكليف الأجهزة الأمنية بتطويع عدد من المثقفين، وتوزيع المهامّ عليهم، وتوجيه أدائهم في ذلك الميدان أو ذاك (تلك، علي سبيل المثال، كانت إحدي وظائف اللواء بهجت سليمان، أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العامة حتي تقاعده). وبالطبع، كانت هناك أيضاً وسائل الترغيب ومنح الامتيازات والمناصب، فضلاً عن وسائل الترهيب عندما تقتضي الحاجة.
 
هل لك أن تحدثنا قليلاً عن وسائل الترهيب المباشر؟

بالطبع، من بينها مثلاً، خلال الانتفاضة تحديداً، ما جري للزجّال والمغنّي الحموي إبراهيم القاشوش، الذي استحقّ سلسلة صفات، بينها "حنجرة الثورة السورية"، و"بلبل حماة"، و"عندليب العاصي"، تنطلق من أدائه الجميل والمميّز في اعتصامات ساحة العاصي، بمدينة حماة. ولقد حرصت الأجهزة الأمنية، بالتعاون الوثيق مع قطعان الشبيحة، علي اعتقاله، وإخضاعه لتعذيب وحشي تبدّي علي أطراف جسده، قبل اغتياله بدم بارد، وإلقاء جثته في نهر العاصي، بعد ممارسة الطقس البربري الأهمّ في نظر القتلة: جزّ حنجرته، لأنها صدحت طويلاً ضدّ بشار الأسد شخصياً، وضدّ عدد من شخوص النظام الأبرز.
واقعة أخري هي خطف رسام الكاريكاتير علي فرزات في ساعة متأخرة من الليل، ولكن من ساحة الأمويين التي تقع علي مبعدة أمتار من وزارة الدفاع ومبني الإذاعة والتليفزيون، والاعتداء عليه بالضرب الوحشي، وتركه مرمياً علي الطريق في منطقة نائية خارج دمشق، أقرب إلي جثة هامدة. هنا أيضاً، لم يغادره الشبيحة قبل أن ينذروه بأن يتوقف عن التطاول علي "أسياده"، وأنّ "صرماية الرئيس تسوي أهلك يا عميل"، بعد أن ظنّوا أنهم بالفعل كسروا له أصابعه التي يرسم بها. المفارقة أنّ فرزات كان المثال الأثير الذي اعتاد بشار الأسد أن يستشهد به كلما أراد التفاخر أمام الصحافة الأجنبية بأنه رئيس انفتاح وحريات، فكان يقول ما معناه: أنظروا، ها هو علي فرزات، صديقي الشخصي، وأنا الذي أعطيته رخصة إصدار جريدة مستقلة!

يبدو لي أن بعض المثقفين السوريين (أدونيس نموذجاً) يختارون الحديث بلا انقطاع عن الدولة العلمانية في مقابل الدولة الدينية، لتجنب الحديث عن المشكلة الأخطر وهي العدالة في مقابل انعدام العدالة أو القمع في مقابل الحرية. هل يصنف النظام السوري نفسه كنظام علماني، ما معني علمانيته في تلك الحالة؟ أو هل يشجع الحديث عن العلمانية لتخويف الشعب من الثوار بزعم أنهم يريدون إقامة إمارات إسلامية وكلام من ذلك النوع؟

أدونيس وأمثاله يعلمون أنّ الشعب السوري في غالبيته الساحقة علماني المزاج، تعدّدي الأديان والطوائف والإثنيات، تسامحي ومتسامح، وكانت هذه حاله قبل عقود طويلة من انقضاض حزب البعث علي السلطة، وهكذا سوف يظلّ. وأن يزعم أحد اليوم أنّ انتصار الإنتفاضة سيجلب إمارات إسلامية أو أنظمة دينية، أمر يتجاوز الجهل إلي ما هو أدهي: أي النطق باسم النظام، والتطوّع لترويج أكاذيب السلطة. ذلك، للتذكير، بلد قدّم أوّل رئيس مجلس نوّاب، وأوّل رئيس وزراء مسيحي، هو فارس الخوري. وكان قائد الثورة السورية ضدّ الاستعمار الفرنسي هو الدرزي سلطان باشا الأطرش، ونائبه في المنطقة الساحلية هو العلوي الشيخ صالح العلي، والكردي إبراهيم هنانو كان رجل الثورة في حلب. وفي سورية ولدت أول تجربة برلمانية عربية، كما مُنحت المرأة حقّ التصويت للمرّة الأولي علي نطاق العالم العربي... أدونيس نفسه، حين كان طفلاً يعيش في قرية علوية فقيرة ونائية، كتب قصيدة في مديح شكري القوتلي، رئيس الجمهورية السنّي، وردّ عليه الأخير بأن أمر بتدريس الفتي علي حساب الدولة.
ومن المؤسف أنّ علمانية البلد لم تتعرّض لتهديد جدّي إلا في عهد نظام الأسد، الأب والابن، عن طريق اشتغال السلطة المنهجي علي التجييش الطائفي، والإيحاء لأبناء الطائفة العلوية بأنّ مصيرهم صار مرتبطاً إلي الأبد بمصير النظام، وصار البيت الأسدي هو وحده ضامن بقاء الطائفة، وضامن ما حظيت أو تحظي أو ستحظي به من امتيازات. 

ما المقصود في سوريا بـ"الفن السياسي الملتزم"، أو "الفن المقاوم"، مقاوم لمن: إسرائيل وأمريكا، النظام، سلبيات الحكومة؟

لست واثقاً من وجود "فن سياسي ملتزم" أو "فن مقاوم" في سورية، وهناك في المقابل تنويعات شتي لما يمكن أن أسمّيه "ثقافة المعارضة"، التقدّمية أو اليسارية عموماً، الديمقراطية غالباً، التعددية إجمالاً، التي أنتجتها سلسلة من الفنون سعت إلي الاستقلال عن مؤسسات السلطة، وعن فنون السلطة استطراداً. وتلك ساهمت في تطوير وعي جمالي وسياسي يستحقّ، حقاً، صفة المقاومة: ضدّ الاستبداد في المقام الأول، ومن أجل الديمقراطية والحرّية والعدالة الاجتماعية في المقام التالي، الأمر الذي يجعلها ثقافة مقاومة ضدّ إسرائيل والولايات المتحدة لأسباب وطنية تخصّ القضية الفلسطينية والقضايا العربية القومية عموماً، ولأسباب وطنية سورية تخصّ تواطؤ واشنطن وتل أبيب علي مساندة النظام.
من جانب آخر، أري أنّ الانتفاضة الشعبية الراهنة أخذت تستولد ثقافة احتجاج جديدة تعيد السياسة إلي المجتمع، بعد أن تعمّد النظام وأدها طيلة أربعة عقود، وتستعيد وعياً كان مغيّباً حول ضرورات التغيير وطاقاته، وحول مضامين الفعل الثقافي وأشكاله وأنساقه، وتلك كلها تنتج بالضرورة فنون التزام ومقاومة من طراز مركب ربما، هو بعض عبقرية الانتفاضات الشعبية.

كيف تتوقع آثار سقوط نظام الأسد علي الوضع الإقليمي، بالتحديد فيما يخص حزب الله وإسرائيل؟

سقوط النظام السوري سيقلب الموازين في المنطقة بأسرها، وسيعيد صياغة تحالفات لاح أنها راسخة ومديدة العمر، ويمكن للمرء أن يلحظ المتغيّرات منذ الآن، سواء علي الصعيد العربي والإقليمي، أو علي النطاق العالمي. وبصفة عامة يمكن القول إنّ الربيع العربي ليس في صالح إسرائيل، لأنّ الاستبداد صديقها والديمقراطية خصمها، وحين تكون الشعوب العربية هي صانعة قرارها الوطني، فإنّ وجود إسرائيل في ذاته، ككيان غاصب صهيوني العقيدة ومخفر أمامي للإمبريالية الأمريكية، سيصير محطّ مراجعة جذرية، ومثله "عملية السلام" التي فقدت كلّ معني. أمّا "حزب الله" فهو تنظيم مسلّح أدّي قسطاً مشرّفاً في تحرير الأرض اللبنانية من المحتلّ الإسرائيلي، وسورية الديمقراطية ستظلّ معادية لإسرائيل، وحليفاً لكلّ وأيّ مقاومة لإسرائيل، تماماً كما كانت عليه حال الشعب السوري الأصيل طيلة عقود، بمعزل عن مواقف النظام الذي اعتبر "الممانعة" تجارة رابحة وهامش مناورة لتحسين أوراق التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة. لكنّ عقيدة "حزب الله" الفكرية، واعتناق مبدأ "ولاية الفقيه" بصفة خاصة، مسألة أخري تسبغ علي الحزب سمة مذهبية رجعية، لا تنسجم مع الحياة المعاصرة، وتتنافي مع مستقبل عربي في كنف أنظمة ديمقراطية حقة. وذلك يقين شخصي أعربت عنه مراراً في مناسبات سابقة، كما أنّ اصطفاف قيادة "حزب الله" خلف النظام السوري، وبالتالي ضدّ الانتفاضة الشعبية، لا يترك مجالاً للشكّ في كيل تلك القيادة بمكاييل عدّة حين يتصل الأمر بالثورات العربية.


الأحد، 11 سبتمبر 2011

شبّيح ما قبل المسيح!

بتاريخ 7 تموز (يوليو) الماضي أصدر عادل سفر، رئيس مجلس وزراء النظام السوري، تعميماً تحت تصنيف "فوري وسرّي"، يبدأ هكذا: "وردتنا المعلومات التالية: ستقوم عصابات دولية محترفة بدخول القطر بعد ان قامت تلك العصابات بإدخال حزء من معداتها التكنولوجية وأجهزة اتصالات عبر الأقمار الصناعية إلى القواعد. وهذه العصابات متخصصة بسرقة المخطوطات والآثار والمتاحف والخزائن والبنوك، وسبق أن دخلت هذه الشبكة إلى العراق وليبيا لأنّ هناك إستراتيجية تهدف خلال الفترة القادمة إلى اقتحام البنوك والمراكز البريدية". وينتهي التعميم بطلب "تشديد الإجراءات الأمنية من خلال تركيب بوابات أمنية وأجهزة إنذار وكاميرات مراقبة مخفية، وتشديد الحراسة على المباني وإعادة النظر بعناصر الحراسة غير الكفوءة".

التعميم موجّه إلى وزراء الإتصالات والتقانة، والثقافة، والمالية، فضلاً عن حاكم مصرف سورية المركزي؛ وهذه، بالطبع، ليست جهات أمنية أو استخباراتية، وأدوارها في مقارعة "عصابات دولية محترفة" سوف تكون بائسة ومضحكة في آن. بيد أنّ ما يختفي طيّ التعميم هو الحقائق المفزعة عن تكاثر حوادث نهب وتزوير وتهريب آثار سورية ثمينة، وهذه أعمال معقدة لا يعقل أن تتمّ دون تسهيل من جهات أمنية عليا، لعلّها السادنة الأولى لهذه التجارة القذرة. تناسى رئيس وزراء النظام، كما ينبغي له أن يفعل صاغراً أو طائعاً، حقيقة أخرى جلية تشير إلى عصابات من طراز آخر تمارس تخريب الآثار السورية، ولا تعمل تحت جنح الظلام هذه المرّة، بل في وضح النهار، بمباركة النظام، وتهليل أبواقه.

فماذا يقول سفر في دبابات ماهر الأسد، التي اخترقت دوّار السباهي في مدينة حماة، حيث الأعمدة العتيقة، فأخذت تخبط فيه خبط عشواء، وكأنها تسير في أرض يباب؛ ومن نقاط تمركزها هناك قامت بقصف أحياء المدينة، فألحقت الأضرار بالكثير من معالم المدينة الأثرية، بما في ذلك القلعة الآرامية؟ وماذا يقول في قصف الجامع العمري (الذي أمر ببنائه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، عند مروره في حوران)، مرّة بعد مرّة، على رؤوس اللاجئين إليه؟ وماذا عن النهب اليومي الذي يتعرّض له تل الأشعري، أحد سقوف وادي اليرموك الحوراني، والذي تعود مكتشفاته الأقدم إلى العصر الحجري؟ وماذا عن التشبيح الآثاري الذي يجري في إدلب ومعرّة النعمان وسائر جبل الزاوية، حيث مملكة إيبلا وتل مرديخ (الألف الرابع قبل المسيح)، ودير سنبل البيزنطي، ودير سيتا الروماني؟ وماذا عن النبش العشوائي، تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية، في تل حموقار، في منطقة الجزيرة، حيث تقع مدينة تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد، ويتفق الآثاريون على أنها واحدة من أقدم مراكز العمران؟

ما لا يفاجيء أنّ قطعة أثرية كبيرة سُرقت بعد أيام من صدور تعميم رئاسة مجلس وزراء النظام، وفي مدينة سورية ليست البتة مفتقرة إلى الرموز الكبرى: حماة، دون سواها! القطعة المسروقة هي تمثال ذهبي نادر لآلهة آرامية، وقد سُرق من داخل متحف المدينة، حيث اتضح للمحققين أنه لم تقع عمليات خلع لأبواب المتحف أو كسر للزجاج، وأنّ السارق تجوّل في المكان بحرّية تامة، وتوفّر له كلّ الوقت اللازم لنزع التمثال من قاعدته ونقله خارج المتحف. سلطات الأمن الجنائي سارعت إلى توقيف موظفي المتحف، دون التوصل إلى نتيجة بالطبع، لأنّ السارق الشبيح كان ويظلّ في حماية سادته الشبيحة الكبار، حيث لا قانون يردع ولا سلطة تمنع.

ولقد سبق لهؤلاء الشبيحة الكبار أن عاثوا فساداً في دمشق العتيقة، ولم يتورعوا عن تخريب أسواقها العريقة، وطمس معالم كبرى من تاريخها الأيوبي والمملوكي، بغية إقامة منشآت سياحية ومجمّعات تجارية، دون أي اكتراث بالعواقب العديدة، البشرية والتاريخية والآثارية والمعمارية والاقتصادية والثقافية، التي ستخلّفها هذه الجرائم الصريحة المعلنة. وهكذا، لم يعد يشبعهم أنهم نهبوا وينهبون ـ مثل ضباع شرهة جشعة، لا تشبع ـ في قطاع الاتصالات والهاتف الجوّال والأسواق الحرّة وصناعة الإسمنت، وما خفي من أشغال حرام هنا وهناك؛ فتوجّب أن يخرّبوا لكي يشتغلوا بإعمار ما خرّبوا، مع فارق أنهم يهدمون ما لا يجوز تهديمه، ويمسّون ما ينقلب أيّ مساس به إلى جريمة كبرى بحقّ الإنسان والتاريخ في آن معاً.


لا يفاجيء، أيضاً، أنّ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تبدي من القلق على كنوز سورية الآثارية والتاريخية والعمرانية، أكثر بكثير ممّا تبديه السلطات السورية، ليس السياسية أو الإدارية وحدها، بل السلطات الآثارية أيضاً! وكيف ستفعل هذه، أو هل تتجاسر أصلاً، إذا كانت جهات التخريب والنهب والسرقة هي ذاتها عصابات التشبيح العاملة لدى رجال النظام؛ وهؤلاء يمارسون النهب الشمولي على نحو وجودي أو غريزي، لأنهم ببساطة بعتبرون سورية مزرعة لهم ولأبنائهم، كما كانت لآبائهم!

وثمة، لا ريب، فارق في نوعية الألم إزاء ما يقترفه ضابط أمن بحقّ شهيد، مثل الناشط الشابّ غياث مطر، قضى تحت التعذيب؛ وما يقترفه شبيح آخر بحقّ آلهة آرامية، أو رقيم سومري، أو مسجد عمري. ثمة، في المقابل، على ضفّة الشعب، فارق المقاومة الذي يستولد الأمل، من قلب الألم...

الخميس، 8 سبتمبر 2011

قيادات الأسد وقانون السقوط: ما طار طير وارتفع...

أشارت تقارير حديثة العهد إلى أنّ حلقة النظام السوري الأضيق، بشار الأسد وشقيقه ماهر بصفة خاصة، أخذت تميل أكثر فأكثر إلى إعادة تأهيل قيادات أمنية شائخة، تولّت مسؤوليات أجهزة أمنية رئيسية طيلة عقود، منذ أواسط السبعينيات وحتى الأشهر الأخيرة قبيل وفاة حافظ الأسد. يتصدّر هؤلاء اللواء المتقاعد علي دوبا (الأمن العسكري)، واللواء المتقاعد محمد الخولي (مخابرات القوى الجوية)، وأفادت التقارير أنهما عُيّنا مؤخراً بصفة مستشارَين للشؤون الأمنية، والتحقا بمكتب خاصّ في القصر الجمهوري، ومُنحا التخويل باستدعاء أو فرز عدد من الضباط المتقاعدين أو الإحتياط أو العاملين في مواقع أمنية وعسكرية أخرى، للإنضمام إلى ذلك المكتب.

وكان الأسد الابن يرفض هذا الحلّ بشدّة، لثلاثة أسباب تبدو مرجحة من زاوية انطباقها مع مزاجه، ومع المنطق السليم أيضاً: 1) أنّ هذه العودة تشكّل "إهانة" لصورته الشخصية، التي سُوّقت ضمن صفات "الشباب" و"الحداثة" و"الإنفتاح" و"التجديد"، ومن غير المعقول، أو المقبول، أن يلجأ إلى الديناصورات، خاصة في هذه المرحلة القاتلة من أحوال نظامه؛ و2) هي طعنة، فضلاً عن كونها إهانة، للفريق الأمني ـ العسكري الذي صعد معه بعد التوريث، أو جرى تصعيده في حياة الأسد الأب، لكي يتحمّل مع الوريث الشابّ أعباء مرحلة بالغة الخطورة، وحافلة بالمخاطر، بعيداً عن أطماع "الحرس القديم" في اقتناص الحصّة الأدسم من مغانم نظام كانوا في عداد كبار صنّاعه وحماته؛ و3) كيف للوريث أن يعيد الثقة بأناس شاء المورِّث نفسه، الأسد الأب، أن يبعدهم عن مواقعهم، خشية أن ينقلبوا على سيرورة التوريث، أو يستغلوا نفوذهم في غير صالح الوريث؟

قبول الأسد اليوم بإعادة تأهيل أمثال دوبا والخولي هو، إنْ صحّ وتحقق في الميدان العملي، مزدوج الدلالة: أنه تسليم بفشل الحلّ الأمني ـ طبعة بشار وماهر الأسد، وترحيل حاضر هذا الحلّ إلى طبعة أخرى يتولاها الديناصورات (وكأنّ الزمن هو أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات!)، قد لا تكون البتة أقلّ وحشية، من جهة، ولكنها أيضاً قد لا تكون أقلّ فشلاً، من جهة أخرى؛ وأنه، في الدلالة الثانية، أقرب إلى التسليم القدري بأنّ عجز النظام عن كسر الإنتفاضة، التي تدخل شهرها السادس أكثر تجذراً ونضجاً وتصميماً، يمكن أن يذهب إلى أكثر الخيارات يأساً، وأدناها إلى سلوك الإنتحار. فما الذي يمكن لدوبا أن يجترحه من "معجزات"، أفضل ممّا فعل ويفعل ضبّاط من أمثال ماهر الأسد وذو الهمة شاليش وحافظ مخلوف وعلي مملوك وعبد الفتاح قدسية ومحمد ديب زيتون وجميل حسن وعلي يونس وزهير الحمد وتوفيق يونس وعاطف نجيب وثائر العمر وناصر العلي وإياد محمود وعلاء سعّود وغسان بلال...؟

 وسوى هذه وتلك، ثمة ما يذهب بالدلالة إلى مستوى المقامرة المفتوحة التي تعمّم معضلات الفرقة الرابعة (وهي "جيش النظام" الأوحد، حتى الساعة، في مواجهة الإنتفاضة)، بحيث تنسحب على فصائل النظام كافة، من الكتائب الأمنية ـ العسكرية، إلى الشبيحة والميليشيات، مروراً بـ"اللجان الشعبية" المسلحة. وتلك المعضلات تنطوي على الهجنة مقابل الإنتخاب الطائفي والعشائري، واختلاط الولاءات بين تلك القديمة الراسخة والأخرى الجديدة الهشة، وتضارب المصالح بين بندقية على هذا الكتف وأخرى على الكتف الثاني، واهتراء المعنويات إلى مستوى يجعل القتال إلى جانب النظام بمثابة طغيان أقصى لغريزة في البقاء عمادها السلوك الوحشي وحده...

فإذا احتسبنا على مكتب دوبا والخولي ذلك المؤتمر الذي عقده، قبل نحو شهر، وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان، ونفر من البعثيين القدماء الذين تقاطروا إلى بيته لاقتراح حلول إنقاذية، فإنّ الحال تردّنا إلى مطلع وراثة الأسد الابن، حين كانت القاعدة الذهبية تقول التالي: ما لا يخسره "الحرس القديم"، بفئاته العسكرية والأمنية والحزبية، لا يكسبه "الحرس الفتي" بفئاته الموازية في المواقع ذاتها؛ وما يكسبه أمثال ماهر الأسد وآصف شوكت وذو الهمة شاليش، في الشريحة الثانية من معمار السلطة التوريثي، ليس بالضرورة خسراناً مبيناً وبائناً لأمثال دوبا والخولي وعلي حيدر وشفيق فياض (ورفعت الأسد، قبلئذ وبعدئذ!) في معمار السلطة ما قبل التوريث.

أجدني، في هذا السياق، مدفوعاً إلى إعادة مناقشة مصطلح "القيادة السورية"، بالمعنى المفهومي والمؤسساتي، وليس بمعنى الأسماء في حلقات السلطة الأضيق، إذْ أنّ من الطبيعي أن تتبدّل تلك الحلقات بمرور الزمن، وأن تتغيّر مكوّناتها طبقاً للمعضلات والمشكلات التي جابهها النظام. فالمصطلح ذاته بات غائماً ومبهماً وغير ملموس بعد وفاة الأسد في حزيران (يونيو) 2000، فاكتنفته الأسئلة التالية: مَن هي هذه القيادة على وجه التحديد؟ كيف تشكلت، ومتى؟ ومَن، وما الذي، يمنحها سلطة اتخاذ القرارات بلا أساس دستوري؟ هل هي متماسكة منسجمة متفاهمة، سياسياً وأمنياً وعلى مستوى المصالح والتوازنات بين أطرافها؟ هل بقيت على الحال التي بدأت عليها حين تشكّلت، أو أعادت إنتاج نفسها، بعد غياب الحاكم الوحيد الأوحد حافظ الأسد؟

وفي تلمّس بعض الإجابة على هذه الأسئلة، ثمة تفسير أوّل، هو أيضاً ذاك الذي اعتمده أنصار السلطة، يقول ببساطة إنّ النظام متماسك ومستقرّ، وما جرى ساعة وفاة الأسد الأب لم يكن سوى محاولة بارعة لتطويق الأمور سريعاً، وتنفيذ القرارات والإجراءات التي كانت "القيادة السورية" قد أجمعت عليها في الأساس، ومنذ وقت طويل، في عهد الأسد الأب، وبرعايته. وهذا التفسير يضرب صفحاً تاماً عن طبيعة جولات التطهير التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة قبيل رحيل الأسد، ويغفل المغزى السياسي والأمني لاستبعاد رجال من أمثال دوبا وحكمت الشهابي (رئيس الأركان الأسبق، وأبرز أعضاء مجلس الأمن القومي حينذاك)، واللواء علي حيدر (القائد التاريخي لـ"الوحدات الخاصة")، وقادة فرق عسكرية من أمثال شفيق فياض وإبراهيم الصافي وعلي الصالح، فضلاً عن انتحار محمود الزعبي (رئيس الوزراء الأسبق، والأطول ولاية في عهد الأسد).

التفسير الثاني يقول إنّ الحرس الفتي (الذي توجّب أن يمثّله الأسد الابن، مبدئياً) تصالح سريعاً مع الحرس القديم الذي مثّله عبد الحليم خدّام في الواجهة، وضمّ جميع الذين يطالبون بحصّة في الإرث، من قادة الأجهزة الأمنية الأربع (المخابرات العسكرية، المخابرات العامة، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي)، إلى رئاسة أركان الجيش وقادة الفرق العسكرية، وصولاً إلى الأفيال والتماسيح الكبار والصغار في قيادة الحزب ومؤسسات القطاع العام. وإذا صحّ هذا التفسير فإنّ سورية تكون قد فقدت حافظ الأسد جسداً فقط، وليس منهجاً أو سياسات: مات الأسد! عاش الأسد! وبالطبع، سوف تتكفّل السنوات اللاحقة بتفكيك هذا التفسير إلى مستويات أبسط، وأدقّ، مفادها أنّ نظام الابن محض استمرار لنظام أبيه، وليس ما تغيّر إلا ذاك الذي استوجبته فوارق الزمن والشخوص والوقائع، داخل سورية وخارجها.

التفسير الثالث يقول إنّ الحرس القديم سارع إلى "امتطاء" حدث الوفاة، وسعى مباشرة إلى تطويق الموقف بما ينطوي عليه من احتقان في المشاعر وتضارب في الولاءات، فوضع الأسد الابن في قلب السيناريو الذي كان يدور على الألسن منذ ستّ سنوات. وإذْ بدا ذلك بمثابة "وفاء" لنهج الأسد الراحل، وتنفيذ لوصيّته غير المعلنة، فإنه في الآن ذاته أسفر عملياً عن وضع الأسد الابن في فوهة المدفع مباشرة، وأظهر البلاد وكأنها ملكية فردية لأسرة حافظ الأسد وحدها (وليس حتى لآل الأسد مجتمعين، بدليل ما وقع آنذاك من مطالبة رفعت الأسد بحصّته الشخصية في الكعكة). ذلك الوضع كان كفيلاً بإثارة المزيد من مشاعر السخط على مستوى القواعد التحتية في السلطة والجيش، وعلى مستوى الشارع السوري، وكفيلاً بوضع الوريث وفريقه في موقف دفاعي صرف، بدلاً من الموقع الهجومي الذي كانوا يرتاحون إليه لأنه الأفضل من الناحية التكتيكية. وفي سياق هذا التفسير، كان من الطبيعي أن ننتظر من الحرس القديم شنّ هجوم معاكس لاحق، بعد أن تهدأ الخواطر وتصبح وفاة الأسد مجرّد ذكرى، وهذا ما جرى بالفعل عند وأد "ربيع دمشق".

التفسير الرابع يقول إنّ القوى التي تمكّن الأسد الأب من حشدها خلف نجله، بما توفّر له من وقت آنذاك، هي التي تحرّكت بسرعة قصوى وفرضت سيناريو التغيير كما تابعه العالم بدهشة. وتلك القوى كانت تبدأ من وحدات الحرس الجمهوري ذات الولاء المطلق لشقيق الوريث، ماهر، قبل الوريث نفسه؛ وكانت تمرّ بعدد من الفروع الأمنية، في المخابرات العسكرية والمخابرات العامة تحديداً؛ وكانت تنتهي عند هذه أو تلك من أفواج القوات المسلحة، وهذا أو ذاك من كبار ضباط الأركان. والتفسير هذا بدا وكأنه يصف انقلاباً عسكرياً وليس مرحلة انتقال "سلسة"، ويصحّ فيه ما يصحّ في الإنقلابات العسكرية من سيادة منطق داخلي خاصّ، متقلّب تماماً، ليس الإستقرار ضمن خصائصه.

وفي مناسبات سابقة، أو بالأحرى في انعطافات حاسمة شهدها نظام التوريث، خضع مفهوم "القيادة السورية" إلى اختبار عناصره التكوينية الكبرى، من حيث الأشخاص والسياسات، فبدا أنّ فتيانه مثل شيوخه يخضعون بالتساوي للقانون الذي تختصره الحكمة الشهيرة: ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع! خذوا، في مثال واحد فقط، تركيبة هذه "القيادة السورية" عشية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري: الأسد، شقيقه ماهر، اللواء غازي كنعان وزير الداخلية، واللواء آصف شوكت رئيس الإستخبارات العسكرية، واللواء بهجت سليمان الرجل الأقوى في جهاز أمن الدولة، وعبد الحليم خدّام النائب الأوّل للرئاسة. وخذوا ما انتهت إليه "حلقة الستة" هذه: خدّام بدّل تجارة الفساد بتجارة "الإنشقاق"، وسليمان سفير في الأردن عاجز عن تنظيم وليمة يحضرها صحافي أردني واحد شريف، وكنعان نُحر أو "انتُحر" كما في التعبير الطريف، وشوكت صار خارج الحلقة يزعم "الحرد" لكنه يشتغل لحساب مشروعه الخاص، فلم يبق في الميدان إلا... الشقيقان! 

واليوم، كما في الماضي ساعتئذ، في وسع المرء اختيار أيّ من تفسيرات مفهوم "القيادة السورية"، أو تركيب عناصرها في كلّ متداخل أقرب إلى تحصيل الحاصل، وسينتهي المرء دون عناء إلى أنّ مصالح الحرس القديم التقت بمصالح الحرس الجديد، وكان لا مناص من استيلاد تحالف كهذا لكي لا تُصاب بنية النظام بشقوق وصدوع وانكسارات قاتلة تذهب بشوكته، وتخلّ بتوازناته الداخلية، ومحاصصات النهب التي تُبقي أواصر الولاء المشترك حيّة في نفوس أهل النظام ودوائر السلطة الأعلى والأضيق. فهل من غرابة، إذاً، أن يعود الأسد الابن إلى تراث أبيه، على ما فيه من مخاطر ومزالق، فيتكيء على الديناصورات في الميمنة، مثلما يُبقي على الفتيان في الميسرة؟

لا غرابة، ولا غريب يمكن أن ينتظره المرء من نظام متهالك سائر إلى مأزق شامل تامّ، ولن تزيده الحلول المتناقضة التي يعتمدها ـ ويستبدلها أو يستعيدها بين يوم وآخر، في صورة مموّهة أو في نسخة طبق الأصل ـ إلا السقوط أكثر فأكثر نحو هاوية سحيقة دانية.