وعزّ الشرق أوّله دمشق

الخميس، 13 أكتوبر 2011

المجلس الوطني السوري: حذارِ من وليد غير خديج!

حتى يعتنق المجلس الوطني السوري، الذي أُعلن عن ولادته من اسطنبول، يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، سياسة أخرى غير تلك التي نصّ عليها بيان التأسيس، ويكون لكلّ حادث حديث آخر بالتالي؛ فإنّ تظاهرات "جمعة المجلس الوطني"، التي شهدتها عشرات القرى والبلدات والمدن السورية الأسبوع الماضي، كانت بمثابة تصويت على تلك السياسة في المقام الأوّل، فضلاً عن تأييد هذا المجلس تحديداً، سواء من حيث فكرته الإئتلافية والتحالفية، أو لجهة توازن تركيبته بين الداخل والخارج، وعلى صعيد الأطياف السياسية والحساسيات العقائدية والفكرية. وليس بلا مسوّغ كاف أن يتذكر المرء، هنا، وبين الفينة الضرورية والأخرى، ظروف الولادات العسيرة التي قادت إلى نشوء هذه الصيغة المجالسية، وكم اقتضت من شدّ وجذب ومؤتمرات وملتقيات واجتماعات، وعمليات إجهاض شاقة، لم تخل من مظاهر الحمل الكاذب أيضاً!

وإذا جاز السجال بأنّ أنّ هذه الصيغة الراهنة هي الأنجح حتى الآن، الموفقة أكثر من سواها، الجديرة بصفاتها هذه أن تحظى بالدعم والمساندة، وتوفير كلّ الشروط التي تكفل تلبية ما عُلّق عليها من آمال ومهامّ ومسؤوليات؛ فذلك لأنّ أحد أبرز الأسباب الجوهرية التي أتاحت نجاح الصيغة كان انتصار مبدأ التوافق داخل المجلس، وليس مبدأ التذويب أو الانصهار في كتلة واحدة. ولعلّه لم يعد سرّاً أنّ جولات التفاوض المعقدة، التي سبقت الإعلان عن ولادة المجلس، والتي كان رياض الترك ـ الشخصية الأبرز في المعارضة الديمقراطية الوطنية، الأمين الأوّل الأسبق لـ"حزب الشعب الديمقراطي"، والقيادي في "إعلان دمشق" ـ قد شارك فيها أو صاغ منطلقاتها البدئية والمبدئية، استهدفت بلوغ هذه النتيجة الحاسمة: اعتبار القوى المكوّنة للمجلس مستقلة في تحالفها، وليست مندمجة تحت أية صبغة؛ وأنها، بعد الاتفاق على الخطوط العريضة التي نصّ عليها بيان التأسيس، تعمل بالتوافق على تلك الخطوط وليس بالامتثال لرأي الكتلة العددية، بالنظر إلى أنّ تكوين المجلس، من حيث أعضاء الداخل كما الخارج، اعتمد خيار التعيين والتسمية، ولم ينهض على أي مبدأ تمثيلي انتخابي.

وبمعزل عن تركيبة الجمعية العمومية للمجلس (والمحاصصة بشأنها تعطي الأغلبية للداخل، التنسيقيات وأحزاب "إعلان دمشق" والمستقلين...)، حيث تظلّ النسب قابلة للتعديل بالنظر إلى إبقاء العدد مفتوحاً بين 230 ـ 320؛ فإنّ تركيبة الأمانة العامة للمجلس (29 عضواً) هي التي تستوجب مبدأ التوافق، بدل اعتماد قاعدة اتخاذ القرار بالأغلبية، البسيطة منها أو حتى معدّل الثلثين. هذه، في نهاية المطاف، ليست لجنة مركزية لحزب سياسي توافق أعضاؤه على التكتيك والستراتيجية والسياسة والفكر، وانتخبوا قيادة تمثّل إرادتهم في الحلّ والترحال، على نحو يشبه التفويض الحزبي المطلق. وما دامت التركيبة، على صعيد الاسم المحدد وليس الإنابة التمثيلية أو الانتماء الحزبي أو التوزّع بين داخل وخارج فحسب، قامت أساساً على مبدأ التعيين وليس الانتخاب؛ فما الذي يمنحها الحقّ في ادعاء التجانس عند اتخاذ أي قرار لم يحسم الأمر فيه بيانُ التأسيس ذاته؟ 

وهذه، في الاعتبار الأوّل، حساسيات يسارية وقومية وليبرالية وإسلامية وعلمانية وإثنية... قد تختلف، ومن الطبيعي أن تفعل، حول مسائل شتى؛ جمع شملها، مع ذلك، أنها توافقت على هذه الخلاصة الثمينة، الكبرى: "تعبئة جميع فئات الشعب السوري، وتوفير كل أنواع الدعم اللازم من أجل تقدم الثورة، وتحقيق آمال وتطلعات شعبنا بإسقاط النظام القائم بكل أركانه ورموزه بما فيه رأس النظام. وبناء نظام ديمقراطي تعددي في إطار دولة مدنية تساوي بين مواطنيها جميعاً، دون تمييز على أساس القومية أو الجنس أو المعتقد الديني أو السياسي". بيد أنّ اتفاق جميع القوى على هذه الخلاصة جاء نتيجة التوافق العريض على مطلب تكتيكي وستراتيجي في آن (أوحى به الحراك الشعبي، وطلبه، واعتبره سقف وحدة المعارضة وغايتها)، وليس نتيجة ترجيح هذا الرأي أو ذاك، لهذه المجموعة السياسية أو تلك، انحناءً أمام أية أغلبية تحققت داخل المجلس أو هيئاته، أياً كانت.

فما الذي يمكن أن يحدث، على سبيل المثال، عندما تُطرح مجدداً مسألة التدخل العسكري الخارجي في أحد اجتماعات الأمانة العامة، وذلك رغم أنّ البيان التأسيسي حسم الموقف منها بوضوح كاف (يقول النصّ: "يعمل المجلس الوطني مع جميع الهيئات والحكومات العربية والإقليمية والدولية وفق مبدأ الاحترام المتبادل وصون المصالح الوطنية السورية العليا. ويرفض أي تدخل خارجي يمس بالسيادة الوطنية")؟ هذه ليست فرضية ضعيفة الاحتمال، لأنّ بعض القوى داخل المجلس، وعدداً غير قليل من الأعضاء المستقلين، لا تمانع في طلب التدخل الخارجي، بل ترحب به، ولا تعدم استخدام هذا القناع أو ذاك لتجميل وجوهه القبيحة. وبذلك فإنّ التوصّل إلى قرار بهذا الخصوص، وهو بالطبع إجراء يرقى إلى مستوى الارتداد عن النصّ السابق، التأسيسي والتوافقي، لا يمكن أن يتمّ عبر التصويت البسيط، بصرف النظر عن طبيعة ما سيحيط به من تكتلات وتجاذبات.

هذه الحال ينبغي أن تسود، أيضاً، في اجتماعات اللجنة التنفيذية (سبعة أعضاء، قد يُنتظر توسيعهم إلى ثمانية)، سواء تلك التي تخصّ تسيير الأعمال اليومية لمهامّ اللجنة، أو تلك التي تتطلب العودة إلى الأمانة العامة، وربما الجمعية العمومية للمجلس. والحال أنّ هذه اللجنة التنفيذية معنية، أكثر من هيئات المجلس الأخرى، بتعديل ميزان صورتها الديمقراطية، وهو ميزان يبدو خاسراً حتى الساعة، في ناظر الرأي العام السوري، مثل العربي والعالمي، بعد سلسلة العثرات التي أعقبت إعلان اسطنبول. لم يكن مستحباً، في المثال الأول، أن يؤكد برهان غليون، في حواره مع أحمد منصور على "الجزيرة"، أنه الرئيس القادم للمجلس، وأنه المرشح الوحيد، وذلك رغم جدارته بمسؤولية الرئاسة الأولى، التي ستكون دورية في كلّ حال.

فما نفع الإيحاء بأنّ "انتخاب" الرئيس سوف يتمّ خلال اجتماعات قادمة ستشهدها العاصمة المصرية، القاهرة، إذا كان الأمر قد تمّ الاتفاق عليه مسبقاً؛ خاصة وأنه جرى مراراً تقديم غليون بهذه الصفة في لقاءات عربية ودولية علنية؟ ألم يكن من الأفضل مصارحة الناس، خاصة في هذه الإطلالة الإعلامية الأولى للرئيس العتيد، بأنّ التوافق كان سيد اللعبة، وأنّ الأمر مداورة في كلّ حال، فضلاً عن ضرورة تبيان السبب/ الأسباب في أنّ الرئاسة عُقدت للخارج وليس الداخل، كما كان مرجحاً، وكما كان غليون نفسه قد أعلن في بيان شخصي سابق؟ ولست أخفي هنا، ضمن يقين شخصي صرف بالطبع، أنني كنت أفضّل أن يعهد المجلس بالرئاسة الأولى إلى شخصية من الداخل، مثل السيدة فداء حوراني (تكريماً للمرأة السورية، والعربية، ولمدينة حماة المجيدة، ولأسرة سياسية كريمة...)، أو رياض سيف (احتفاء برمزيته الإنسانية والبرلمانية، وموقعه الراهن في المعارضة)، ولا أستثني رياض الترك إلا لأنّ الرجل أكثر انخراطاً في العمل النضالي والقاعدي اليومي من أن يتفرّغ لأي موقع رئاسي.

علينا، بعد سرد كلّ هذه الاعتبارات، أن نمنح المجلس كلّ الوقت اللازم، وقبله الكثير من التأييد والدعم والمساندة، لتمهيد الأرض أمام استكمال مختلف مؤسساته، على نحو آمن وسلس وسليم، في الجوانب السياسية والتنظيمية والقانونية، على اختلاف تعقيداتها ومشكلاتها. ويبهج، كما يستحقّ التحية، أنّ عدداً من أعضاء اللجنة التنفيذية يمارس مهمة مطلوبة جداً، ومستحبة للغاية، هي الانفتاح على المعارضة السورية التي لم تعلن انضمامها إلى المجلس، أو هي انضمت لتوّها إلى سواه (مجلس الإنقاذ، المجلس المؤقت، هيئة التنسيق...)، سواء في مستوى القوى والأحزاب، أو على صعيد الأفراد أيضاً. ننتظر، بصفة خاصة، اقتناع شخصيات من أمثال ميشيل كيلو وعارف دليلة وحسين العودات وعبد المجيد منجونة وفايز سارة وسواهم، بأنّ المجلس الوطني السوري هو حاضنة المعارضة الأفضل في المرحلة الراهنة، ما دامت مظانهم ضدّه ليست جوهرية؛ كما ننتظر من تجمعات، مثل "هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي"، ومن حسن عبد العظيم شخصياً، تجاوز حساسيات الماضي القريب، والانضمام إلى المجلس من منطلق مبدأ التوافق ذاته، ما دام شعار إسقاط النظام هو القيمة العليا التي لا خلاف عليها، وما دام رفض التدخل الخارجي مسألة لا لبس فيها.

وفي المقابل، للمرء المبتهج بانفتاح المجلس الوطني السوري على أطياف المعارضة السورية، كافة، أن يستهجن لجوء بعض أعضاء المجلس إلى رياضة نشاز، بالغة الضرر والأذى، هي نقض بعض مبادىء بيان التأسيس بذريعة التعبير عن رأي شخصي. نسمع، مثلاً، مَنْ يرحّب بالتدخل الخارجي تحت مسميات لا تنتهي في النتيجة إلا إلى استدراج التدخل الخارجي العسكري؛ ولكننا، رغم تأكيد القائل بأنه يعبّر عن رأي شخصي، نقرأ على الشاشة صفته القيادية في المجلس الوطني السوري (وليس موقعه القيادي في حزبه أو جماعته!)، وكأنها مقامه الأوّل والأسبق! كذلك، وكما "ضاعت الطاسة" على السوريين في التمييز بين أسماء المؤتمرات وما تمخّض عنها من هيئات ومجالس وقيادات، اختلط الحابل بالنابل في تمييز ألقاب السادة أعضاء المجلس: هذا "منسّق عام للمجلس"، لا نعرف ماذا ينسّق، ومع مَنْ؛ وهذه "ناطقة محلية باسم المجلس"، لا نعرف محلّها من الإعراب المجالسي؛ وذاك "عضو" يكتفي بهذه الصفة المتواضعة، ولكن تصريحاته توحي بأنه الرئيس الدوري الآتي؛ وتلك مجرّد "متحدثة"، تجعلنا في حيرة حول الفارق بينها والأخت الناطقة المحلية!

ذلك كله لا يطمس الحقيقة الكبرى، والأهمّ، التي تشير إلى أنّ المجلس الوطني السوري هو أفضل صيغة توصلت المعارضة السورية إلى بلوغها، وإلى التوافق عليها ضمن نطاق هو الأعرض حتى الساعة، رغم أنه ليس الأكمل عدداً وقوى، وليس الأمثل في الأداء الديمقراطي. وإذا شاءت أقدار هذا الوليد أن لا يولد خديجاً منذ الساعة الأولى، فذلك لأنّ الإنتفاضة السورية ولدت راشدة منذ البرهة الأولى، وتعمدت على الفور بدماء السوريين، فاشتدّ عودها دونما أطوار انتقالية، وتصاعدت، وتطامنت، وارتقت... حتى صار محالاً على مَنْ يريد تمثيلها في المحافل الدولية ألا يولد ناضجاً، متعالياً على العرضي الزائل، متواضعاً أمام الأزلي الخالد، وجديراً بأمثولات درعا ودوما وبانياس وحماة وحمص ودير الزور والقامشلي، ولائقاً بأسماء محمود الجوابرة وحمزة الخطيب وغياث مطر.

الرحم كان عملاقاً، فحذارِ أن يعجز المتطوعون إلى تمثيله عن وضعه نصب أعينهم، في كلّ صغيرة وكبيرة، وخاصة في المسائل التي لا مساومة حولها؛ وإلا فإنّ القامة الشامخة لن تنتهي إلى حجب ظلال هؤلاء على الأرض فحسب، إذْ ثمة مصائر أدهى وأمرّ، وأبعد اثراً في نفوس البشر، إسوة بحوليات التاريخ!

الأحد، 9 أكتوبر 2011

مشعل الكرد وصورة الجزيرة




لم تكن مفاجأة، في يقيني الشخصي، أن تلجأ أجهزة النظام السوري إلى اغتيال الصديق المهندس مشعل التمو، المناضل والناشط الكردي البارز، مؤسس "تيار المستقبل" الكردي والناطق باسمه، وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري. كان من المنطقي أن تدرج تلك الأجهزة اسم التمو على لوائح التصفية الجسدية لعدد من قادة المعارضة النشطاء على الأرض، بالنظر إلى أنّ خيار الاغتيال المباشر لا يكتفي بإبعاد الناشط عن ساحة العمل الميداني المباشر؛ بل يسعى أيضاً إلى استفزاز مواطنيه ومناصريه وأحبّته وأهله، وشحن ما يمتزج في نفوسهم من مشاعر الحزن والغضب إلى مستويات عارمة، قد تتيح استدراجهم إلى ردود قصوى، بينها العنف المضادّ.

ليست مصادفة، كما يشير المنطق البسيط، أن يكون أوّل عضو/ شهيد، في الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، حاملاً للمواصفات التالية: كردي، مثقف، معارض مخضرم جرّب التظاهر والاعتصام والاعتقال والحياة السرّية، مدافع عريق عن حقوق الشعب الكردي القومية والديمقراطية في إطار نظام ديمقراطي تعددي، وناقد يقظ لشتى أنماط القصور في العمل السياسي الكردي... ولم يكن مدهشاً، أيضاً، أن تُنفّذ جريمة اغتياله على هذا النحو الصارخ والهمجي، ولكن المتعمَّد تماماً في أدقّ تفاصيله، على مرأى من نجله مارسيل، ورفيقته زهيدة رشكيلو عضو مكتب العلاقات العامة في "تيار المستقبل". أخيراً، لم يكن غريباً أن تفتح الأجهزة الأمنية النار على مشيّعي الجنازة في مدينة القامشلي، حيث وقعت جريمة الاغتيال، وأن تتعمّد الواقعة بدماء المزيد من شهداء الانتفاضة.  

بيد أنّ المدينة في ذاتها كانت مستهدفة أيضاً، بالأصالة عن تمثيلاتها ورموزها ومكوّناتها، وبالنيابة عن منطقة فريدة وذات مقام خاصّ، اسمها "الجزيرة السورية". وبالمعنيين السوسيولوجي والاقتصادي، كانت علاقة البشر مع المواسم الزراعية قد جعلت هذه المنطقة تنفرد عن بقية المناطق السورية في أنّ معظم سكانها خليط ثنائي التركيب: إمّا من الوافدين الذين قَدِموا من مناطق الداخل السوري بحثاً عن العمل الزراعي الموسمي ثم استقرّوا، أو من المهاجرين الذين توافدوا من تركيا والعراق وأرمينيا هرباً من الاضطهاد العرقي أو السياسي.

وذات يوم، في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1973، أعلنت إذاعة دمشق أنّ حافظ الأسد سوف يزور المحافظات الشرقية، وكان الخبر مفاجئاً لأنّ الأسد دشّن عهده بزيارات استعراضية صاخبة إلى جميع المحافظات السورية، باستثناء الشرقية منها، الرقة ودير الزور والحسكة. ويُقال إنه كان يعتبر هذه المحافظات معادية له شخصياً، مثلما هي مناهضة لنظامه؛ أمّا أبناء المحافظات فلم تكن لديهم أوهام حول مدى ما يتعرّضون له من إهمال، فبدا الإعلان عن زيارة الأسد غريباً وباعثاً على الآمال في آن معاً. إلى حين فقط، لأنّ الوقائع اللاحقة كشفت أنّ إشاعة أنباء الزيارة كانت تستهدف خداع إسرائيل، بعد اتفاق الأسد وأنور السادات والملك حسين على موعد بدء الأعمال الحربية في سياق ما سيُعرف باسم "حرب تشرين". ومضت 27 سنة، ورحل الأسد دون أن تطأ قدماه شبراً في تلك "الأصقاع المعادية"!

المثير في الأمر أنّ هذه المحافظات الشمالية هي "أهراء سورية" على نحو أو آخر، وفيها تتمركز ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في الحسكة النفط وزراعة الحبوب التي تعدّ محاصيل ستراتيجية، وفي دير الزور النفط، وفي الرقّة الكهرباء وسدّ الفرات. وإذا كان التمييز البيّن يقع على مواطني هذه المحافظات الشمالية بالمقارنة مع سواهم، فإنّ التمييز الذي يعاني منه المواطنون الأكراد أشدّ وأبعد أثراً، وهو بلغ ويبلغ مستوى التجريد من الجنسية والحرمان تالياً من حقوق التعليم وتسجيل الولادات الجديدة والسفر، فضلاً عن التهجير، والتحريم شبه التامّ المفروض على الحقوق الثقافية والسياسية الأساسية.

أمّا "عروس الجزيرة" بامتياز فهي مدينة القامشلي، التي صارت موطناً لأقوام من الأكراد واليزيديين والأرمن والسريان والآشوريين و"المردلية" و"المحلمية" والبدو الرحّل والعشائر المستوطنة... الأمر الذي استدعي تعدّدية أخرى على صعيد اللغات والأديان والمذاهب والتراثات والأساطير والفنون، فضلاً عن طقوس الأفراح والأتراح. حكومات حزب البعث المتعاقبة، ومنذ استلام السلطة سنة 1963، تكفّلت بالإجهاز على الكثير من أخلاقيات التعدّد الراقية هذه، أو رسّخت نقائضها على نحو منهجي مقصود، اعتمد سياسة اللعب على حساسيات طائفية ومذهبية بين المسلم والمسيحي، أو بين المسلم العربي والمسلم الكردي أو اليزيدي، وإيقاظ ما كان منها خاملاً نائماً، وإحياء ما اندثر وانطوى.

لكنّ صورة القامشلي هي أنموذج عن سورية المستقبل، التي من أجل بنائها ينتفض السوريون كلّ يوم، ويضحّون كلّ ساعة؛ وهي، على نحو ما، أمثولة تجعل تعددية البلد، الثقافية والدينية والإثنية، منابع اغتناء متبادل، وموارد خصب وإخصاب. إنها، في المقابل، صورة لا تنسجم مع أغراض النظام، لا سيما في الطور الراهن من خطوط دفاعه الأخيرة: إثارة النعرات، وزرع الفتن، والاشتغال على التفتيت المنهجي في مختلف أشكاله، المناطقية والطائفية والدينية والأقوامية. وهكذا فإنّ اغتيال مشعل التمو ليس سوى خطوة تالية، سبقتها خطوات لم تكن أقلّ خبثاً، في مسعى النظام إلى تدمير الأمثولة، وإلى إشعال الحريق في ثوب العروس، المطرّز بأزاهير النوروز وقمح الفقراء وحداء السهوب...

الخميس، 6 أكتوبر 2011

"فيتو" موسكو والرهان على شرعية رامي مخلوف

قبل أن تستخدم روسيا والصين حقّ النقض في مجلس الأمن الدولي، لتعطيل قرار يدين ممارسات النظام السوري في قمع الانتفاضة الشعبية، كان البلدان قد استخدما في واقع الأمر الحقّ ذاته الذي سبق للولايات المتحدة أن استخدمته، مراراً وتكراراً، لتعطيل أيّ قرار يمسّ إسرائيل، لكي نبقى في قضايا المنطقة. كذلك كانت روسيا والصين تتساويان، في استخدام الـ"فيتو"، مع جميع القوى العظمى التي تحتكر هذا "الحقّ" وتلجأ إليه دفاعاً عن مصالحها القومية، في المقام الأوّل، ومصالح الحلفاء والشركاء والأصدقاء في المقام الثاني، وكلما اقتضت الضرورة. مَنْ كان منهم بلا خطيئة، في هذا المضمار، فليرجم موسكو وبيجينغ بحجر!

غير أنّ هذه الحقيقة البسيطة، التي لا ينكرها أحد حتى في صفوف أشدّ السذّج طوباوية، لا تُبطل مقدار قلّة الأخلاق في استخدام القوى العظمى للـ"فيتو"، هذا إذا توجّب الاكتراث بأي "خلق قويم" في السياسة أصلاً، من جهة أولى؛ كما لا تقي الشعوب أو القضايا محلّ اختلاف تلك القوى، ومبرّر ذهابها إلى النقض، مخاطر ما تنطوي عليه سيرورة تعطيل مشروع القرار، من جهة أخرى. وإذا توفّرت قلّة تعلّق الكثير من الآمال على تمرير أي مشروع في مجلس الأمن الدولي ضدّ النظام السوري، فإنّ غالبية المراقبين يمكن أن تقتفي منطق الأمور الأبسط، فترى في إصدار القرار نافذة ضغط نوعي، معنوي وملموس في آن، لا يجوز إغلاقها أمام الشعب السوري.

من وجهة النظر الصينية، تبدو خيارات مساندة النظام السوري أوضح، وأسهل في الواقع، لأنّ بيجينغ تنفر نفوراً تاماً، وغريزياً على نحو ما، من أيّ "فيروس" ديمقراطي يمكن أن يبلغ الشارع الصيني، حتى إذا ابتدأت حضانته على مبعدة مئات الآلاف من الأميال، أو كان من طينة ثقافية وسياسية مختلفة تماماً. كذلك ليس في وسع الصين أن تهدر، من نيويورك وفي قاعة مجلس الأمن الدولي، استثمارات بمليارات الدولارات في سورية، سواء في القطاع العام أم تلك التي يشهدها القطاع الخاصّ، ويديرها (ليس دون مفارقة صارخة) رجل الأعمال السوري محمد حمشو، أحد كبار تماسيح الفساد في البلد، صاحب قناة "الدنيا" الأشدّ تطبيلاً للنظام وتزويراً لإرادة الشعب وتشبيحاً ضدّ الانتفاضة، والذي يحدث ايضاً أنه... رئيس "مجلس الأعمال الصيني ـ السوري"!

فإذا انتقل المرء من تفويت فرصة الضغط على النظام إلى النقيض، أي إسداء خدمة لمخططاته ومزاعمه ودعاوته، وإلحاق الضرر بالانتفاضة والشعب السوري؛ فإنّ من اليسير ترقّب طبيعة التوجهات التي يمكن أن تتخذها ردود الأفعال المعاكسة في الشارع الشعبي السوري: ابتداء من ارتفاع مقادير البغض للبلدين، إسوة بالحكومتين كما يتوجب القول، مروراً بحرق أعلامهما أثناء التظاهرات، وليس انتهاء بتقديم ذريعة جديدة للذين ضاقوا ذرعاً بسلمية الانتفاضة وأخذوا يطالبون بتسلّحها ويدعون إلى انتهاج عنف دفاعي مضادّ في وجه آلة النظام الوحشية.

لا تُنسى أيضاً، رغم أنها هامشية وغير جوهرية، درجة الإحباط التي قد تصيب الشارع الشعبي إزاء المبتهجين بقرارَيْ الـ"فيتو"، الروسي والصيني، ليس في صفوف السلطة وأبواقها وأتباعها، فهذا أمر منتظَر بالطبع، بل في الأوساط التي تحتسب ذاتها على المعارضة. فإذا تجاهل المرء موقف شخصية هلامية وسلطوية مثل قدري جميل، ممثّل ما يُسمّى "الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير في سورية"، الذي اعتبر أنّ الـ"فيتو" الروسي يشبه ما جرى في العام 1956 عندما استخدم الاتحاد السوفيتي حقّ النقض أثناء العدوان الثلاثي على مصر؛ فماذا يُقال في موقف حسن عبد العظيم، حامل هذه المسؤوليات الجسام مجتمعة: الأمين العام لـ"حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي"، والناطق باسم "التجمع الوطني الديمقراطي"، والمنسق العام لـ"هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي"، الذي دعا موسكو إلى أن تكون "متوازنة" في علاقتها بكلّ من النظام والشعب في سورية؟

مصالح روسيا، التجارية والعسكرية والسياسية، التي تقف وراء مساندة النظام السوري، ليست سرّاً على أحد، ولا ينبغي لها أن تكون مفاجئة إلا لبسطاء العقول ودعاة الخلق القويم في السياسة، والطوبى في الاقتصاد. يقرأ المرء تقريراً حديث العهد في الطبعة الإنكليزية من صحيفة "أخبار موسكو"، فيقع على استثمارات روسية في سورية تبلغ 19,4 مليار دولار، تتركز أساساً في التسلّح والبنى التحتية والطاقة والسياحة. تُضاف إلى هذا حقيقة أنّ الاتحاد السوفييتي المنحلّ كان المزوّد الأكبر لأسلحة الجيش السوري، وأنّ الديون المترتبة على دمشق وصلت إلى 13,4 مليار دولار، محت موسكو القسم الأعظم منها فيما بعد، واستبدلتها بعقد تسليح يبلغ أربعة مليارات، جرى التوقيع عليه سنة 2006.

من المعروف، أيضاً، أنّ إيران هي التي تتعهد سداد غالبية هذه الفواتير، ليس إكراماً للنظام السوري في الاعتبار الأوّل، بل لأنّ بعض هذه الأسلحة يُعاد شحنه إلى طهران، ضمن سياسة موسكو في التحايل على قرار حظر تصدير السلاح إلى إيران، وهذا بُعد أقليمي، ودولي، للموقف الروسي في تأييد النظام. بُعد آخر، ذو طبيعة مشابهة، يتمثّل في التسهيلات التي تحصل عليها موسكو من منشأة الخدمات البحرية الواقعة على الساحل السوري، في طرطوس، والتي ترقى عملياً إلى مستوى القاعدة البحرية. أهمية هذه المنشأة انها تُعتبر نافذة موسكو الثانية على المياه الدافئة بعد ميناء سيباستوبول على البحر الأسود، إذْ أنّ جميع الشحنات البحرية الروسية ينبغي أن تمرّ من مضيق البوسفور، الواقع في المياه التركية.

وفي مطلع أيار (مايو)، سنة 2005، حين قام بزيارته الرسمية الأولى إلى دمشق (وكانت أيضاً أوّل زيارة يقوم بها رئيس روسي إلى سورية، في عهد الإتحاد الروسي) اختار ديمتري ميدفيديف صحيفة "الوطن" السورية الخاصة، وليس أية صحيفة أخرى حكومية مثل "البعث" أو "الثورة" أو "تشرين"، لتوجيه رسالة إلى الشعب السوري. أغلب الظنّ، اعتماداً على المنطق البسيط، أنّ المستشار الذي نصح مدفيديف باختيار "الوطن" لم يكن جاهلاً بشؤون سورية المعاصرة، وكان يعرف أنّ الصحيفة أطلقها ويملكها رامي مخلوف، ابن خال الرئاسة وأشدّ رجال الأعمال السوريين نفوذاً وسطوة، وأعلاهم سيطرة على ميادين المال والاستثمار والتجارة والتصنيع المحلي. وبذلك فإنّ استقراره على اختيار هذه المطبوعة بالذات لم يكن عشوائياً ولا بريئاً، وكان إرسال إشارات ذات مضامين سياسية واقتصادية واستثمارية هو القصد؛ لم يغب عنها المغزى الإيديولوجي ربما، في تفضيل القطاع الخاصّ على الحكومي.

مدفيديف ـ ونقتبسه، هنا، في نصّ صحيفة "الوطن" السورية ـ استذكر علاقات التعاون التاريخية بين البلدين، وعدّ عشرات المشاريع الصناعية ومشاريع البنية التحتية؛ ثمّ انتقل مباشرة إلى ما يهمّ موسكو بصفة أولى في ميزان العلاقات الدولية، أي نظام تعدد الأقطاب، وقال: "قبل كل شيء يجب تفعيل الحوار السياسي المتعدد الأبعاد، وتجمعنا فكرة إقامة نظام عالمي عادل يقوم على سيادة القانون الدولي، ومساواة كل الدول – أكانت كبرى أم صغرى ـ والتعامل بينها من أجل حلّ القضايا العالمية، بما فيها التحديات والمخاطر الجديدة التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين".

وللوهلة الأولى تبدو هذه النقطة أقرب إلى تحصيل حاصل متفق عليه ويحظى بإجماع طبيعي، لولا أنّ ما وراء الأكمة فيها يُظهر منطقاً آخر مختلفاً، لعلّه يطيح بقسط كبير من روحية الاتفاق. ذلك لأنّ النظام السوري يمدّ يد الصداقة إلى موسكو، ولكنّ القلب يخفق لهفة على تحسين العلاقات مع واشنطن، قبلئذ وبعدئذ وفي الغضون، فهذه لا تكتسب الأولوية على المستوى العملي التكتيكي فحسب، وإنما قد تكون الغاية القصوى والعليا على المستوى الستراتيجي كذلك. وموسكو لا تجهل هذا، بل كانت تقيم التوازن مع نظام الأسد الابن على هذا المعيار طيلة عهد الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين، وحتى سنة 2005 عندما قرّر الأسد اتخاذ خطوة نوعية تجاه موسكو حين ضاقت به سبل ترطيب الأجواء مع واشنطن.

والمرء، بالطبع يتمنى أن تلعب موسكو أي دور حيوي يكسر نظام القطب الأمريكي الواحد، لولا أنّ التعويل على روسيا الراهنة هو ضرب من الاتكاء على قوّة عالقة في شباك مآزقها المحلية والوطنية ذاتها، قبل مآزق الكون. وليس جديداً التذكير بأنّ روسيا تعاني من انحدار متواصل في مستوى المعيشة، وتآكل ثابت في القدرة الشرائية، وفشل متواصل في الخطط الاقتصادية، وتضخّم وعجز وبطالة وعصابات مافيا. وروسيا العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين ترتدّ إلى ما يذكّر بروسيا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكأنّ مشاهد البلاد اليومية قفزت مباشرة من أفلام سيرغي ميخائيلوفيتش أيزنشتاين.

وإذ ترتدّ هذه الأيام إلى ما يشبه المربّع الأول في حسابات القوّة الدولية، فذلك لأنها تعود من بوّابة واحدة وحيدة هي كاريكاتور التحديث الليبرالي، الذي يتجلّى في صورته الأكثر بشاعة وإثارة للرعب: مخلوق ديناصوري نووي اغترب عن هويته وعن أطرافه الجغرافية والسكانية (25 مليون مواطن روسي يقيمون في بلدان الجوار غير الروسية)، لا يستطيع التقدم خطوة إلى الأمام إلا إذا توقّف في المكان بمعدل زمني يساوي خطوتين إلى الوراء. فكيف يمكن لروسيا، وهي على هذه الحال، أن تتنافس مع سواها من القوى الكونية في إقامة نظام متعدد الأقطاب، تكون فيه مالكة أي قول وفصل، ما خلا "حقّ" النقض" إياه؟ وهل ميادين تنافسها مع واشنطن أو باريس أو لندن أو برلين... انتقلت إلى درعا وحمص وحماة ودير الزور واللاذقية، حيث يختلط دم الشهيد السوري برماد العلم الروسي؟

خطأ موسكو القاتل أنها هذه المرّة، على نقيض سوابق العلاقة مع النظام السوري، تراهن على عصبة تحتضر، آيلة إلى سقوط وشيك، ولا يدلّ سلوكها الانتحاري إلا على سكرات الموت، وقد فقدت كلّ شرعية ما عدا تلك التي ما يزال الـ"فيتو" الروسي يتمسّح بها، ويبحث عنها عند أمثال بشار وماهر الأسد، رامي وحافظ مخلوف، آصف شوكت وعلي مملوك ومحمد حمشو وطريف الأخرس...  فأيّ غرابة، إذاً، في أن لا يتورّع الديناصور الروسي عن مساندة وحوش القمع وذئاب النهب في سورية، على مستوى الأفراد إسوة بالنظام والمؤسسات؟ ولماذا لا تدافع موسكو عن نظام ديناصوري بدوره، وتوريثي أيضاً (حتى إذا اختلفت قواعده عن لعبة الكراسي الرئاسية بين مدفيديف وبوتين)، لا يتقدّم خطوة إلا لكي يرتدّ عشر خطوات؟    

الأحد، 2 أكتوبر 2011

"خوش صموتيم" المثقف السوري


كان يحلو للفنّان الفلسطيني الراحل ناجي العلي أن يعقد جناساً لفظياً طريفاً، ومريراً قاتماً في الآن ذاته، بين حركة «غوش إيمونيم» الإسرائيلية المتطرّفة، وما أسماه حركة "خوش صموتيم" العربية التي ينتسب إليها الحكّام العرب كافة، والتي لا تمارس إلا الصمت في أفضل (أي: خوش) أنماطه! وفي الوسع استخدام ذلك الجناس اليوم أيضاً، لوصف صمت عشرات المثقفين العرب عن قبائح أنظمة الاستبداد العربية، أو انخراطهم في تجميلها تحت ذرائع فاضحة ومفتضَحة؛ وذلك رغم أنّ "خيانة المثقف"، في المفهوم الذي أشاعه الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا منذ عشرينيات القرن الماضي، ليست طارئة في التاريخ، قديمه وحديثه، وليست البتة مفاجئة، بسبب من طبيعة موقع المثقف الإيديولوجي والوظيفي والاجتماعي.

وأبقى في بلدي، سورية، ليس لأنني أدرى بشعاب مثقفيها، كما أرجو، فحسب؛ بل لأنّ الانتفاضة السورية صارت أمّ انتفاضات العرب، ولا فخر، إذْ تدخل شهرها السابع أكثر عزيمة وصموداً، وأشدّ مضيّاً في بذل التضحيات وتطوير ثقافة المقاومة، ومعها تذهب أجهزة نظام الاستبداد والفساد إلى المدى الأقصى في البربرية والهمجية، وفي اليأس والسلوك الانتحاري. وأبقى في سورية لأنّ العشرات من مثقفيها المشاهير يواصلون الانضواء في "حركة صموتيم"، مخجلة تماماً حين تُقارَن بمواقف زملاء لهم، سوريين وعرب وأجانب؛ كما أنها مخزية حين تضع ضمير الصامت أمام تفاصيل الأهوال التي يتعرّض لها بنات وأبناء بلده، وحين تُخرج صمته من نطاق الرأي الشخصي أو الموقف من الانتفاضة، لتنتهي به إلى المشاركة في المجزرة والاغتيال والاعتقال وجلسة التعذيب وكسر التظاهرة، فضلاً عن حصار الحيّ والقرية والبلدة والمدينة، ودكّ البشر والحجر والزرع والضرع بأكثر الأسلحة فتكاً وتدميراً.

ولعلّي أعود إلى برهة مفصلية في تاريخ علاقة المثقف السوري بـ"الحركة التصحيحية"، نظام حافظ الأسد ووريثه بشار الأسد، هي "بيان الـ99"، الذي صدر بتاريخ 27/9/2000، أي بعد قرابة ثلاثة أشهر على توريث الأسد الابن. لم يكن مألوفاً، آنذاك، أن يصدر بيان يحمل تواقيع 99 من أبرز مثقفي سورية، يطالب بثلاث: 1) إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبقة في سورية منذ 1963؛ و2) إصدار عفو عام عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير والملاحقين لأسباب سياسية، والسماح بعودة المشردين والمنفيين؛ و3) إرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي، وتحرير الحياة العامة من القوانين والقيود وأشكال الرقابة المفروضة عليها، بما يسمح للمواطنين التعبير عن مصالحهم المختلفة في إطار توافق جماعي وتنافس سلمي وبناء مؤسساتي...

فأين يتموضع اليوم الموقّعون على البيان، وما موقفهم من الانتفاضة تحديداً؟ ثمة أولئك الذين رحلوا عن عالمنا، ومن الوفاء البسيط أن نستذكرهم (أنطون مقدسي، عبد المعين ملوحي، عبد الرحمن منيف، علي الجندي، ممدوح عدوان، عمر أميرالاي)، وأن نعتبر مساهماتهم في نقد الاستبداد معيناً أساسياً يرفد تراث الانتفاضة الإجمالي. ثمة، في المقام الثاني، أناس يواصلون روحية ذلك البيان، بوسائل وتعبيرات شتى، وعلى نحو أوضح انحيازاً إلى الشعب والانتفاضة وسورية المستقبل؛ وكان طبيعياً أن ينالهم من عسف السلطة الكثير، وبعضهم يعيش شرط الحياة السرية أو غادر إلى المنفى. وثمة، ثالثاً، مَن اختاروا تعليق الآمال على النظام ذاته، واعتبروا أنّ إسقاطه شعار "مغامر" أو "غير سياسي" أو "غير ممكن"، ومن الخير حثّ رجالات السلطة أنفسهم على القيام بإصلاحات تكفل انتقال سورية إلى نظام ديمقراطي مدني، وتضمن في الآن ذاته عدم تفكيك مؤسسات الدولة.
 
فئة رابعة اختارت الوقوف في صفّ السلطة، ظاهراً أو باطناً، بذرائع تتراوح بين "الشفقة" على سورية من أخطار المستقبل، أو ازدراء الحراك الشعبي بوصفه محض مظاهرات تخرج من الجوامع، تتألف من "إسلاميين" أو "رعاع" أو "دهماء". مثقفو هذه الفئة لا يتورعون عن الكتابة في إعلام السلطة، أو العمل لدى المؤسسات الحليفة لها، دون رادع أو حرج. وأمّا الكتلة الخامسة، والأكبر للأسف، فهي تنتمي إلى جماعة الـ"خوش صموتيم"، حيث لا يُكسر الصمت إلا في المجالس المغلقة، رغم أنّ تهديم جدران الخوف، واحداً تلو الآخر، صار عادة مفضّلة لدى السوريين منذ انطلاق الانتفاضة. وبالطبعـ لا يُدهَش المرء إزاء صمت مثقفين ينتسبون إلى أحزاب متحالفة مع النظام، وبينها حزبان ما يزالان يزعمان هوية شيوعية (جماعة بكداش، وجماعة يوسف فيصل)؛ أو مثقفين ينتابهم الخواف على مصير الأقليات، طائفية كانت أم دينية أم إثنية، وذاك ترحيل مقنّع لرغبة دفينة في اللوذ بحياض النظام القائم.

هذا هو "خوش الصمت"، لإنه ذروة في النطق ضدّ الانتفاضة عن طريق الإحجام الإرادي عن النطق لأجلها، وليس في الأمر مفارقة أو تضاد إذا تذكّر المرء فلسفة النظام الأمنية الراهنة: مَنْ ليس معهم، فهو معنا نظرياً و... عملياً في المحصلة! وإذا كان انقسام شرائح المثقفين السوريين إلى فئات خمس هو مصيبة، في حدّ ذاته؛ فإنّ انخراط البعض في التراشق بالبيانات وشنّ حملات التخوين، بالنيابة عن أجهزة النظام، ليس المصيبة الأعظم فحسب، بل هو صمت القبور الأعلى صخباً، وجعجعة!

بيان حول المجلس الوطني السوري

العبارة ـ الأمّ التي كنت أنتظرها في بيان إعلان المجلس الوطني السوري، الذي صدر اليوم من اسطنبول، هي التي تقول إنّ المجلس "يعمل على تعبئة جميع فئات الشعب السوري، وتوفير كل أنواع الدعم اللازم من أجل تقدم الثورة، وتحقيق آمال وتطلعات شعبنا لإسقاط النظام القائم بكل أركانه ورموزه، بما فيه رأس النظام، وبناء نظام ديمقراطي تعددي، في إطار دولة مدنية تساوي بين مواطنيها جميعاً دون تمييز على أساس القومية أو الجنس أو المعتقد الديني أو السياسي".



فهذه عبارة ينبغي لها أن تجبّ مماحكات شتى، أدخلت أطراف المعارضة السورية الخارجية في متاهات مخجلة ومخزية، فضلاً عن كونها ألحقت الضرر واشاعت البلبلة، وكانت متخلفة أصلاً عن نبض الشارع الشعبي السوري وشعارات الانتفاضة المجيدة. وهذه العبارة سقف أدنى، حتى إذا شاء البعض اعتباره الأعلى في حوارات الطرشان التي شهدتها أكثر من عاصمة عربية وإسلامية وغربية، يتوجب البناء عليه في كلّ ما سيتولاه المجلس من مهامّ مستقبلية. هي، أيضاً، مسبار ومعيار وبوصلة.



وإذْ أعربُ عن تأييدي التامّ لبيان المجلس الوطني، وانضوائي في قرار الشعب السوري الذي دفع باتجاه وحدة المعارضة في الداخل والخارج، شاكراً الرفاق والأصدقاء الذين سبق لهم أن محضوني ثقة أن أشاركهم ما ينتظرهم من أعباء ثقيلة حين يستكمل المجلس هيئاته؛ فإنني أشدّد مجدداً على ما كنتُ قد بيّنته في مناسبة سابقة، من اعتذاري عن عضوية أي من مجالس الخارج، ليس تهرّباً من العمل الوطني العام (إذْ أذكّر، بتواضع أقصى، أنني أعارض نظام آل الأسد منذ 30 سنة ونيف، من داخل تنظيم سياسي محظور وملاحَق، وليس من موقع المثقف والكاتب فحسب). لقد حافظتُ، ويهمّني أن أحافظ دائماً، على مسافة نقدية واضحة، ملموسة وميدانية، من فصائل المعارضة السورية، عموماً؛ ومن "حزب الشعب الديمقراطي"، الذي أنتمي إليه، بصفة خاصة؛ وسأسعى إلى أن تكون هذه حالي أيضاً، في العلاقة مع المجلس الوليد. وتلك، في يقيني، هي المسافة التي تسبغ المعنى، فضلاً عن الجدوى والشرف، على انتماء المثقف إلى قضايا شعبه، وانحيازه إلى الحقّ والحرّية والمساواة والديمقراطية، ودفاعه عن مجتمع مدني علماني وتعددي تنظّم علاقاته دولة القانون.



ذلك يجعلني أفتح عينيّ، على اتساعهماـ أثناء سيرورة مزدوجة تنطوي على تأييد المجلس الوطني، ومراقبة أدائه، في آن معاً، دون أن يخلّ الواجب الوطني العامّ بالحقّ الشخصي النقدي. لا بدّ، بادىء ذي بدء، من التذكير بأنّ المجلس لا يضم الغالبية الساحقة من قوى المعارضة السورية في الداخل، ولا غالبيتها في الخارج أيضاً، الأمر الذي ينبغي أن لا يمنحه صفة التفويض التامّ، حتى إشعار آخر. يطمئن، من جانب آخر، أنّ المجلس يزمع مواصلة التشاور والتحاور مع الجميع، أياً كانت تلاوين مواقفهم، وما دامت تندرج في خطّ الانتفاضة الجوهري، المطالب بإسقاط النظام ورموزه كافة.
 
كذلك سوف أتذكّر جيداً، وأذكّر كلما أدركت أنّ الذكرى نافعة، بأنّ المجلس العتيد يضمّ جماعات أو هيئات أو أفراداً سبق لهم أن هادنوا النظام، أو غازلوه، أو سكتوا عن جرائمه طيلة أربعة عقود، أو حضّوا على خفض سقوف معارضته أو قبلوا لرأس النظام الاستمرار في منصبه المورَّث حتى بعد إصداره شخصياً الأوامر باستخدتم الذخيرة الحية وارتكاب المجازر والجرائم...



بيد أن الانتفاضة جبّت ما قبلها، بالفعل، وكان قميناً بها أن تهدي البعض إلى سواء السبيل، بصرف النظر عن السوابق؛ وكذا فعل الشعب السوري، الذي تحلى بمقدار مدهش من التسامح إزاء بناته وأبنائه، ومنحهم الفرصة تلو الفرصة لكي يطووا صفحات الماضي ويلتحقوا بالركب النضالي الشريف، والمشرّف. ويبقى أن يبرهن أعضاء المجلس الوطني، لا سيما أولئك الذين أنسوا في أنفسهم إمكانية خدمة الانتفاضة دون تفويض مباشر من شارعها الشعبي والسياسي، أنهم ليسوا أهلاً بالثقة فحسب، بل أنهم ليسوا أقلّ تفانياً وإخلاصاً.

أخلص أمنيات التوفيق للمجلس الوطني
والرحمة لشهدائنا الأبرار الكبار
والنصر لانتفاضة شعبنا المجيدة.