وعزّ الشرق أوّله دمشق

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

النظام السوري والإعلام اليهودي: قصة غرام لدود!


قبل أسابيع قليلة استقرّ بشار الأسد على أندرو غليغان، الصحافي البريطاني المعروف بانحيازه المطلق لإسرائيل، ليكون أوّل صحافي غربي يجري معه حواراً مباشراً منذ انطلاقة الانتفاضة السورية، أواسط أذار (مارس الماضي)؛ كما اختار، بالتالي، صحيفة هي الـ'صنداي تلغراف' التي تُعدّ، إسوة بقرينتها الأمّ، الـ'دايلي تلغراف'، منبراً مكرّساً للدفاع الأعمى عن إسرائيل والصهيونية العالمية واليمين المحافظ. وبالأمس، شاء الأسد أن تكون برباره والترز، الإعلامية الأمريكية اليهودية، صاحبة الحظّ السعيد في إجراء مقابلة متلفزة هي الأولى من نوعها مع قناة رئيسية غربية، الـ ABC، منذ تسعة أشهر. وكلا المقابلتين اكتسبت خصوصيتها، وانتشارها الواسع، من تضافر عاملين: أنّ الجهة التي أجرتها كانت نافذة إعلامياً وسياسياً، وأنّ الأسد زوّد محاوره ومحاورته بمادّة دراماتيكية شدّت الانتباه (الحديث، مع غليغان، عن إحراق المنطقة إذا تعرّض نظامه لأذى؛ ونفي مسؤولية الأسد الشخصية عن أعمال القتل التي ترتكبها أجهزة النظام، في الحوار مع والترز).

ولهذا لا يُثار الارتياب في اختيار والترز وغليغان، تحديداً، إلا لأنّ حصيلة المقابلتين كانت واحدة تقريباً، أي تبييض صفحة النظام والترويج لروايته عن 'العصابات المسلحة' و'المندسين'، فضلاً عن تلميع شخص الأسد وإعادة إنتاجه كسياسي شرق ـ أوسطي 'عصري'، 'منفتح'، 'درس في الغرب'، و'يتقن اللغة الإنكليزية' و'متزوج من سيدة تربّت في الغرب'؛ وأنّ العاصمة السورية 'آمنة' و'مسالمة' و'خالية من التظاهرات'، حتى أنّ والترز صرّحت بأنها تجوّلت في دمشق دون حارس شخصي، وأنها 'لم تشعر في حياتها بالأمان كما شعرت به وهي تتسكع لوحدها في طرقات دمشق! وتلك حصيلة في وسع المرء أن يتفهمها من إعلام إيراني أو صيني أو روسي، ولكن أن تأتي من إعلاميين يهود أو أصدقاء خلّص لإسرائيل، أمر يدعو إلى ترجيح دوافع أخرى أبعد غرضاً من مجرّد تحقيق السبق المهني.

وكما في كلّ مرّة تشهد مساندة إسرائيلية للنظام السوري، والأمثلة هنا كثيرة وجلية ولا تقبل التشكيك، تقفز إلى الذهن عوامل عديدة تديم قصة الغرام العجيبة تلك، بين بلدين يُفترض أنهما في حالة حرب رسمية ومعلنة، حتى إذا كانت لا تُخاض إلا في مستوى الألفاظ. بين أولى العوامل أنّ إسرائيل ما تزال ترى في النظام السوري صيغة مثلى للحفاظ على حال اللاحرب التي تسود في هضبة الجولان المحتلة منذ 1973، وهذا التفضيل لا يشمل الاعتبارات العسكرية وحدها، بل تلك السياسية والاقتصادية أيضاً. ومن المنطقي أن يكون نقيض النظام، أي دولة الحقّ والقانون والديمقراطية والمنعة الوطنية، وكلّ ما تنطوي عليه أهداف الانتفاضة الشعبية، بمثابة انتكاسة قصوى للصيغة المثلى، وتقويض لمبدأ التعايش الهادىء والسلام الفعلي على الأرض. 

كذلك لا تنسى إسرائيل لائحة الأدوار التي لعبها النظام السوري على مدى 41 سنة من حكم آل الأسد، واستهدفت صالح النظام ومنجاته في المقام الأول بالطبع؛ ولكنها، في المقام الثاني، كانت تسدي خدمات كبرى لمصالح إسرائيل، جلّها ارتدى صفة ستراتيجية بعيدة الأثر، وليست تكتيكية عابرة فحسب. تلك الأدوار شهدتها الساحة اللبنانية، واللبنانية ـ الفلسطينية، والفلسطينية ـ الفلسطينية، فلم تسفر عن تسديد ضربات موجعة لأعداء إسرائيل في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، فحسب؛ بل ساعدت كذلك في ترقية نموذج 'حزب الله' إلى مستوى الفزّاعة الرهيبة التي تستوجب على الولايات المتحدة، ثمّ الحلف الأطلسي، تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة (الرادعة، ولكن الهجومية أيضاً، بالطبع)، والسخاء أكثر فأكثر في تقديم المساعدات المالية وتوفير الرعاية الاقتصادية.

غير أنّ النموذج الإعلامي الأخطر في تمثيل قصة الغرام بين النظام السوري وإسرائيل، ليس ذاك الذي تقترحه والترز، وقبلها غليغان، وآخرون سواهما، بل ما اقترحه ويواصل اقتراحه الكاتب الأمريكي ـ اليهودي الشهير دانييل بايبس. هذا، للتذكير، رجل كاره للعرب، وقبلهم المسلمين، بامتياز فريد يُحسب له وحده حقاً، ليس لأنه رافع شعارات استيهامية أو عنصرية، سياسية وفكرية وتاريخية فقط؛ بل كذلك، وجوهرياً، لأنّ بايبس أشدّ صهيونية من تيودور هرتزل نفسه ربما، وأكثر إسرائيلية من بنيامين نتنياهو، حتى قيل إنه آخر الليكوديين على الأرض. ذكاء الرجل، وخطورة مقاربته، فضلاً عن خبثها الدفين بالطبع، أنه لا يقع في السخف الذي يكرره أمثال والترز وغليغان (في امتداح صفات الأسد 'العصرية'، خصوصاً)، بل يذهب مباشرة إلى ما هو أبعد أثراً وأذى: أنّ وجود النظام ضمانة لعدم انجراف سورية إلى الحرب الأهلية، وإلى 'الصرع السنّي ـ العلوي' حسب توصيفه. 

ونصيب الانتفاضة السورية من تحليلاته هو ذات النصيب الذي يمحضه لانتفاضات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، إذْ ينتهي إلى ربط مصائر الشعوب المنتفضة بمعادلات جيو ـ سياسية إقليمية أو دولية، مثل 'الحرب الباردة الشرق ـ أوسطية'، أو 'الشطرنج الإقليمي'، أو التنافس الفارسي (الإيراني) ـ العثماني (التركي)...ولكنه لا يرى، مرّة واحدة، أنّ إرادة الشعوب، وتطلعها إلى الحرّية والكرامة والديمقراطية، وثورتها على أنظمة مستبدة فاسدة وراثية وعائلية، يمكن أن تكون عوامل تحريك أولى، بل الأكبر، في انطلاق تلك الانتفاضات (التي يحصرها، في كلّ حال، بين 'التمرّد' و'العصيان'، وليس الإنتفاضة أو الثورة). خصوصيتنا، نحن السوريين، أننا في نظره لسنا دعاة إصلاح وطلاّب مستقبل أفضل، بل ضحايا 'هوّة لا تُجسر' بين الطائفتين، السنّة والعلويين؛ وشارعنا السياسي ليس معارضاً، بل هو ضحية الاقتتال الطائفي!

هذه أذكى بكثير، وأشدّ خبثاً مرّة أخرى، من تلك الحماقات التي تسردها والترز، التي أسعدها ذلك 'الغداء الطويل' مع الأسد وقرينته؛ أو تلك التي يحكيها غليغان، المندهش من أنّ مقرّ إقامة الاسد لا يحرسه إلا 'عسكري إنكشاري' واحد! ذلك لأنّ ما يقوله بايبس هو التالي، في خلاصة الرسالة المبطنة: هذا دكتاتور، بالفعل؛ يداه مضرّجتان بدماء السوريين، لا ريب؛ وهو، وأفراد عائلته من أبناء عمومة وخؤولة، يحكمون سورية بالحديد والنار، وينهبون خيراتها، لا خلاف على هذا؛ ولا شك، أيضاً، في أنه حليف لإيران، وهو ممرّ السلاح إلى 'حزب الله'... كلّ هذا صحيح، ولكن تخيّلوا لحظة واحدة أنّ هذا النظام سقط غداً أو بعد غد؟ فكّروا في عواقب الحرب الأهلية (وبايبس، هنا، لا يفكّر في السوريين بقدر اهتمامه بنصيب إسرائيل من العواقب)، خاصة حين يكون التشدد الإسلامي هو البديل. ألا ترون نتائج الانتخابات في تونس ومصر، ثمّ المغرب، وقريباً ليبيا، واليمن؟

وفي أحدث تعليقاته على الانتفاضة السورية (وما أكثرها، في موقعه الشخصي) يكتب بايبس أنه يعمل على الملف السوري منذ سنة 1985، وظلّ على الدوام مقتنعاً بأنّ الانقسام السنّي ـ العلوي هو جوهر السياسة في البلد. وفي دراسته 'إحكام القبضة العلوية على السلطة في سورية'، 1989، أوضح كيف تمكنت جماعة صغيرة وضعيفة تاريخياً من بلوغ الذروة؛ كما بيّن في دراسة ثانية، عنوانها 'سورية بعد الأسد'، 1987، أنّ الانقسام الإثني، هذه المرّة، آت إلى سورية لا محالة. بيد أنه لا يقول إنّ ذلك الانقسام لم يقع، حتى الساعة في الواقع، بعد مرور 24 سنة على نبوءاته المشؤومة، من جهة؛ كما يتجاهل أنّ 13 سنة انقضت بعد أن تنبأ برحيل الأسد (استناداً إلى المعلومات عن مرضه، آنذاك)، ظلّ فيها الأخير حياً يرزق، بل نجح في تجاوز عثرة وفاة نجله باسل، وريثه الأوّل، وامتلك الوقت لتوريث نجله الثاني، بشار!

وفي أواخر تموز (يوليو) الماضي، حين اكتُشفت في مدينة حمص جثث ثلاثة مواطنين من أبناء الطائفة العلوية، كتب بايبس تعليقاً على الحادثة، يكاد يصرخ: ألم أقل لكم؟ ها هي الشرارة التي ستشعل الحرب الأهلية! وحين لم تستعر أي نار، وانطفأت الشرارة على الفور، أخلد بايبس إلى الصمت مجدداً، قبل أن يكسره مع إعلان تشكيل 'الجيش السوري الحرّ'، فكتب يقول ما معناه: أليس هذا العقيد، رياض الأسعد، هو قائد الحرب الأهلية؟ ولأنّ الأسعد لم يكتسب هذه الصفة حتى الساعة، فقد عاد بايبس إلى إلى حمص مجدداً، متكئاً هذه المرّة على تقرير صحافي نشرته 'نيويورك تايمز'، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، يسير عنوانه على ما يشتهي صاحبنا تماماً: 'مدينة كبرى في سورية تتعالى فيها نبرة الحرب الأهلية'. آخر اكتشافاته في هذا المضمار كان تحليله لتصريح للعقيد الأسعد، يقرّ فيه بأنّ الغالبية الساحقة من أفراد 'الجيش السوري الحرّ' هم من... السنةّ!

ولا يخفى أنّ تحليلات مثل هذه تستخدم معلومة صحيحة، لكنها تتكىء على دلالات ليست كامنة فيها بالضرورة لكي تقفز إلى نتائج خاطئة، أو مطلقة، بينها دنوّ الحرب الأهلية مثلاً. صحيح أنّ الكثير من المعلومات يمكن أن يفضي إلى هذا المستوى أو ذاك من تلمّس أخطار مواجهات ذات طابع طائفي، إلا أنّ تلك المواجهات تظلّ فردية محدودة النطاق، يرتكبها أفراد في سياقات احتقان محددة، ولا تنخرط فيها طوائف، أو حتى شرائح متجانسة سياسياً واجتماعياً، من طائفة أو أخرى. وعلى سبيل المثال النقيض، إذا كانت الغالبية الساحقة من منتسبي الفرقة الرابعة، ضباطاً وأفراداً، هم من أبناء الطائفة العلوية؛ فهل يعني هذا أنّ الفرقة تخوض حروبها ضدّ المدن والبلدات والقرى السورية دفاعاً عن الطائفة العلوية؟ كلا، بالطبع، لأنها إنما تدافع عن بقاء النظام ذاته، وهو متعدد الطوائف بالضرورة، عند مصالحه العليا تتكامل وتلتقي مصالح أطرافه جمعاء.

ولا يخفى، كذلك، أنّ بايبس ليس الوحيد الذي يهجس باحتمالات الحرب الأهلية، إذْ أنّ مناقشة الأمر على نحو رصين وموضوعي ليست أمراً محرّماً، ولعلّها صارت أكثر ضرورة من ذي قبل، مع اشتداد انكباب النظام على منهجة الأعمال الكفيلة بتسعير الاحتقانات الطائفية. بيد أنّ بايبس لا يلهج بهذا السيناريو منذ ربع قرن ونيف، ولا يواصل التنبؤ بوقوعه حتماً، بين ليلة وضحاها، وليس بين شهر وآخر، فحسب؛ بل هو أخبث مَنْ يطرح الكابوس الكارثي في صيغة تطهيرية وتحذيرية في آن، معادلتها بسيطة بقدر قباحتها: دعوا هذا النظام على قيد الحياة، فهو الضامن لكم ـ في الغرب عموماً، وفي الشرق أيضاً، ولكن في إسرائيل أوّلاً ـ من شرور انقسام سورية إلى طوائف وشيع ودويلات!

وإذا جاز أنّ النظام السوري يعيش قصة غرام عجيبة مع بعض الإعلاميين اليهود، وبالذات في هذه الأيام حين صارت نهايته على مرمى البصر، فإنّ دانييل بايبس يختلف عن برباره والترز وأندرو غليغان في أنّ غرامه ليس الأعجب فقط، بل هو اللدود الألدّ أيضاً!

الأحد، 4 ديسمبر 2011

اين المفرّ؟

 
يوم أمس نشرت أسبوعية الـ"أوبزرفر" البريطانية تقريراً من طراز خاصّ ونادر في الصحافة اليومية، عنوانه "وجهاً لوجه مع رادوفان كراجيتش"، وقّعه الصحافي البريطاني اللامع إد فليامي، ويروي وقائع لقائَين مع الزعيم الصربي السابق ومجرم الحرب المتورّط مباشرة في هندسة وتنفيذ مجازر عديدة، أشهرها تلك التي وقعت في سريبرنيتشا. اللقاء الأوّل جرى داخل زنزانة كراجيتش، والثاني خلال إحدى الجلسات أمام المحكمة الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة. الطريف، هنا، أنّ كراجيتش هو الذي استدعى فليامي بصفة شاهد، إذْ ينتظر أن تكون الشهادة لصالحه في نهاية المطاف، وستساعد على تبرئته!

تلك حال سوريالية، كما يصفها فليامي نفسه، محقاً بالطبع، لأنّ هذا الصحافي الشجاع كان أبرز، وبين أوائل، الذين سلّطوا الأضواء على معسكر أومارسكا من داخله، وذلك في تقرير شهير نشرته الـ "غارديان" االبريطانية بتاريخ 7/8/1992، بعنوان "عار معسكر أومارسكا". آنذاك كتب فليامي أنّ هذا المكان (الذي لا يبعد إلا قليلاً عن مرابع فينيسا الإيطالية!) "واحد من أكثر معسكرات الاعتقال جهنمية في زماننا. إنه المكان الذي يصبح فيه القتل والقسوة وشعائر الإذلال شكلاً من أشكال التسلية الشائهة. الحرّاس سكارى أغلب الأوقات، يغنّون وهم يعذّبون. يضربون الأسرى ويشوّهونهم ويذبحونهم".

ويتابع فليامي: "ثمة تلك الشهوة العارمة لإجبار السجينات على ممارسة الجنس عن طريق الفم، وإجبار السجناء على مضاجعة الحيوانات، وتشويه الأعضاء الجنسية. أحد السجناء أُجبر على عضّ خصيتَيْ سجين آخر، كان قد مات عندما حُشرت حمامة في فمه لكتم صرخاته. وفي نهاية حفلات العنف الجماعية هذه ـ والتي كانت تجري في ساحة ضيّقة أو في مبنيَين ملحقَين بالمعسكر، يُدعى الأوّل البيت الأبيض والثاني البيت الأحمر ـ يُجبر أصدقاء الموتى على تحميل جثث أصدقائهم، التي انقلبت إلى جِيَف في الواقع، في شاحنات أو تكديسهم باستخدام البلدوزر"....

في ما بعد، سوف تتكشف فظائع أخرى، وستستمع محكمة لاهاي إلى شهادات من النوع التالي: يقترب جندي صربي من امرأة مسلمة ويسألها لماذا يبكي طفلها؟ وتردّ المرأة: إنه جائع يا سيدي. وبضربة واحدة بارعة من حربته الحادّة يذبح الصربي الطفل ويقول: انتهت المشكلة. إنه الآن غير جائع. جندي آخر يستشيط غيظاً لأنّ الأمّ تعرّضت لإغماء فوري وتهاوت أرضاً، فيهدد بإجبارها على أكل أمعاء الطفل إذا لم تنهض واقفة خلال دقيقة واحدة. بعد قليل يصل الجنرال راتكو ملاديش إلى مدينة سريبرنيتشا "المحررة" لتوّها من أيدي المسلمين، ويلقي خطاباً في جنوده وفي آلاف المسلمين الذين سيُقادون إلى المذبحة الجماعية أو التهجير القسري. يستعيد ذكرى عصيان صربي ضدّ الأتراك العثمانيين وقع قبل قرن كامل، ويقول: "هاقد عادت سريبرنيتشا صربية، واليوم اكتمل ثأرنا ضدّ الله Allah".

وفي صيف 2008 عاد فليامي بالذاكرة إلى المواطن البوسني المسلم فكرت عليتش، الذي تصدّر صورة شهيرة نشرتها وكالة رويترز سنة 1992، سرعان ما شاعت في أربع رياح الأرض، وصار صاحبها شهيراً بين ليلة وضحاها، لأنه انقلب إلى تجسيد بليغ، ولكنه رهيب تماماً، للفظائع والمجازر وجرائم الحرب التي تعرّض لها أهل البوسنة على يد الصرب. كان فكرت يقف خلف الأسلاك الشائكة، في معسكر اعتقال ترنوبولي، عاري الصدر، وأضلاعه النافرة تكاد تشقّ ما تبقى من جلد على عظام جسده الهزيل، الأقرب إلى هيكل عظمي شاخص. بعد 16 سنة بدا عليتش وقد استردّ بعض مظاهر إنسانيته، ولكنه ما يزال ينتظر مَن يقول له: إغفرْ لنا! صحيح أنّ كرادجيتش، صاحب الأمر بتنفيذ غالبية الأهوال ضدّ مسلمي البوسنة، صار اليوم خلف القضبان؛ ولكن أيّ عزاء لضحية مثل عليتش إذا كان مصير 3205 من مواطني البوسنة ما يزال قيد المجهول حتى اليوم، في مدافن جماعية مجهولة على الأرجح، وذلك رغم كلّ ما نُبش منها حتى الآن؟

وفي لاهاي، أثناء جلسة المحاكمة، لم يتردد كراجيتش في "إحراج" فليامي حين سأله: هل تعتقد أنك كنت موضوعياً في مهنتك الصحفية؟ فلم يتردد الصحافي، بدوره، حين ميّز بين الموضوعية والحياد، وأجاب: محال عليّ أن أكون محايداً بين القاتل والقتيل، بين المغتصِب والمغتصَبة، وبين حرّاس المعسكر وسجنائه! ورغم جوانبها السوريالية، التي كان أحدثها استدعاء فليامي لكي يشهد لصالح لجلاد ضدّ الضحية، فإنّ محاكمة كراجيتش تذكّر بأنّ جرائم حرب مماثلة ما تزال تُرتكب هنا وهناك في العالم المعاصر، لعلّ أبشعها اليوم ما تقترفه أجهزة النظام السوري من فظائع، فردية أو جماعية، فيها الاعتقال التعسفي والخطف والتعذيب والاغتصاب والتصفية الجسدية والتمثيل بالجثث، وفيها ألوان جديدة من التنكيل هي الأبشع على امتداد تاريخ الإنسانية. كذلك فإنّ شهود الزور عليها كثر، عراة من كلّ ضمير، نبّاحون خلف الذئاب، كذبة ومنافقون ومتواطئون وشركاء، يدّعون التباكي على سورية فلا تختلط دوعهم الزائفة إلا بدماء السوريين، يزعمون "الموضوعية" و"الوطنية" و"الممانعة" فيستبقون النظام ذاته في ما لا يتجاسر على إعلانه: نعي الانتفاضة.   

ويبقى، بالطبع، ذلك الدرس العتيق العريق الذي حفظه التاريخ للطغاة ومجرمي الحرب: أين المفرّ؟ وهل من منجاة، طال الزمان أم قصر؟

الخميس، 1 ديسمبر 2011

المثقف السوري والانتفاضة: خمسة أنماط من خيانة الرسالة

صاروا أكثر من طابور ـ أوّل أو خامس، إذْ لم تعد ثمة فروقات تميّز ـ أولئك الذين يتباكون على مستقبل سورية، وتنهمر دموعهم مدرارة لأنّ البلد عرضة لمخاطر خطوب وحروب شتى، من كلّ الضروب: الأهلية، والطائفية، والإثنية، والمناطقية؛ بين المدينة والريف، أو بين الشباب والشيوخ، أو بين جيش نظامي كلاسيكي وجيش فئوي موالٍ، أو بين طبقات فقيرة محدودة الدخل وأخرى متوسطة أو متبرجزة، أو بين دعاة التدخل الخارجي ورافضيه، وصفّ "العسكرة" مقابل صفّ "السلمية؛ وكذلك، طبعاً، بين "الإسلاميين" و"العلمانيين"، و... "المحافظين" ضدّ الحداثيين"!

طبائع البكاء تتفاوت، إلى هذا، فنعثر أوّلاً على مثقف سكت دهر الانتفاضة كلّه، وليس بعضه أو قليله؛ ثمّ ارتأى أن يكسر قرابة تسعة أشهر من الصمت، لكي يهتف من سويداء قلبه: أواه يا سورية، يا بلدي الحبيب، إلى أين يسير بك أبناؤك الجهلة السفهاء المغامرون! صاحب هذا الخطاب يلوذ بالميلودراما، دون أن يقرّ بأنها هكذا بالطبع، مع حرص شديد (لكنه مفضوح تماماً) على عدم الإيحاء بنبرة عاطفية فاقعة، او أخرى شعبوية رخيصة. شعاره هو إنقاذ سورية من مصير أسود ينتظرها، عواقبه وخيمة لا عدّ لها ولا حصر؛ وقراءته تقول إنّ ما يشهده البلد ليس انتفاضة من أجل الديمقراطية والحرية، بل هو سلسلة مؤامرات خارجية، تقودها قوى غربية وأطلسية وعثمانية وعربية، وتهدف إلى تقسيم البلد وإعادة إنتاج سايكس ـ بيكو، على نحو أسوأ وأدهى.

في صياغة أخرى، يقول هذا المثقف إنّ الانتفاضة هي مصدر الخطر، واستمرارها هو الذي يغري القوى الكبرى بزيادة المؤامرات، وبالتالي يستدرج التدخل الخارجي، ويعرّض سورية إلى ما تعرّضت له بلدان مثل ليبيا والعراق وأفغانستان. وإذا كان لا يتجاسر على القول بأنّ الانتفاضة لم تكن ضرورية أصلاً، لكي يتجاسر استطراداً على المطالبة بوقفها فوراً؛ فإنّ المثقف من هذا النمط لا ينتهي عملياً إلا إلى هذا الطلب، خاصة حين يتكشف برنامجه البسيط للغاية: دحر المؤامرات عن طريق تكاتف الشعب مع السلطة، والنزوع إلى العقل وليس الجهل، ونبذ الفرقة بين مكونات المجتمع؛ و، أخيراً... قيام الحاكم ببعض الإصلاحات السياسية والإدارية التي يطالب بها المحكوم، فلا خلاف على هذا التفصيل! 

 نعثر، كذلك، على مَنْ عدّ ذاته في صفّ الانتفاضة، فكتب عنها، ونظّر لها، وسمّى نفسه ناطقاً باسمها، فوضع الكرة في ملعب النظام وحده، وعلى عاتق السلطة ألقى مسؤولية المسير بسورية إلى برّ الأمان، أو دفعها إلى هاوية المجهول. وحين يتسامح قليلاً مع السلطة، فإنّ ذلك المثقف يشرط التسامح بسؤال قاطع: هل "النخب الحاكمة والمالكة" قادرة على اجتياز الاختبار الذي يطرحه عليها الحراك الشعبي؟ هل ستتعاون مع الشعب، وخاصة شبابه، فتصلح ما أفسدته ممارساتها الأمنية خلال عقود طويلة؟ وهو، كذلك، اعتاد الكتابة عن الإصلاح بوصفه ردماً للهوة بين الواقع والفكر، أي بين "واقع البؤس" الذي تمثله الأنظمة القائمة، وفكر المستقبل الذي تطمح إليه الاجيال الشابة وتسعى إلى خلقه.

لم نقرأ له فزعاً من هؤلاء الشباب، أو قدحاً بقدراتهم على ممارسة السياسة كـ"فنّ"، أو إعراضاً عن شعارات يرفعونها دون أن يدركوا محتواها (مثل "الشعب يريد إسقاط النظام"، مثلاً)، أو سخرية من انجرارهم إلى برامج غير قابلة للتطبيق، أو تخوّفاً من انزلاقهم إلى العسكرة والعنف المضادّ والنزوعات الطائفية. وما دام قد فعل لاحقاً، وليس سابقاً، فإنّ من المنطقي محاسبته ـ بوصفه المثقف الطليعي الرائد والرائي ـ على أنه لم يبصر في الوقت المناسب، ولم يتبصّر فينذر ويحذّر؛ وهو، استطراداً، مسؤول بدوره عن قسط من "الأمراض" التي يشخصها اليوم، في غمرة ضجيج وعجيج، وكان قبلئذ عاجزاً عن إدراكها والتوعية إزاء مخاطرها، أو ساكتاً عنها لغاية في نفسه. لقد بلغ اليوم مرحلة انهيار مقادير كبيرة من التطابق بين ما كتب ونظّر ونطق، وبين ما قاله ويقوله الشارع الشعبي، وما فعله ويفعله، قبلئذ وبعدئذ؛ فكان طبيعياً أن تنهار تعاقداته القديمة، فينضوي في صفّ العويل والرثاء والوقوف على أطلال، أو تكاد، هي في نظره كلّ ما تبقى من الانتفاضة!

نمط ثالث ما يزال مؤمناً بأنّ نصر الشعب قادم لا محالة، لأنّ الميزان بين الأمل والقنوط لم يختلّ عنده تماماً لصالح الشعور الأخير، ولأنّ ما يركن إليه من عتاد فكري وعدّة تحليلة وانحيازات أخلاقية تقوده، متضافرة متكاملة، إلى المآل الوحيد المنظور منطقياً: سقوط النظام. إنه ليس في قلب الحراك الشعبي تماماً، ولكنه ليس على هوامشه أيضاً؛ ونجده تارة يدافع عن طروحات "المجلس الوطني السوري"، فيرى أنها تمثّل أفكاره مثلما تمثّل قطاعات واسعة من المعارضة وأبناء الشعب، دون أن نفتقده تماماً في ملتقيات "هيئة التنسيق" أو مجموعات المعارضة الأخرى التي تنادي بأفكار مرحلية أو ستراتيجية تجعلها على مبعدة من المجلس. خطابه عن السلطة ليس قاطعاً، بمعنى الإعراب عن معارضة جذرية لا تترك هامشاً ملموساً لتأويلها على غير وجهتها؛ لكنه، من جانب آخر، ليس البتة محابياً للنظام، على الأقلّ في مستوى ما توفّره القرائن من حصيلة عن مواقفه.  

تلك خصال لا تعيبه، غنيّ عن القول، بل تبدو أقرب إلى ترسيخ التكامل منها إلى إثارة التناقض؛ إلا... إذا صار صاحبنا هذا أسير الفزع من "كوابيس" شتى، هي تنويعات أخرى على ضروب الخطوب والحروب، فانقلبت الخصال ذاتها عليه، بعد أن كانت له! الخطر، هنا، أنّ ديناميات ارتباطه بالمعارضة، وصورته في ناظر الحراك الشعبي، خاصة لدى أولئك الذين يتماهون مباشرة مع شخصيته الفكرية والسياسية أو حتى الإنسانية، سوف تصاب بالعطالة، لكي لا يخشى المرء من تحوّلها إلى عبء وعالة (كما يحدث في المشاهد المحزنة، حين ترفع بعض التظاهرات لافتات ضدّ شخصيات معارضة، بالاسم). وليس الأمر أنّ الصمت ستار حاجب، وهو بالفعل قد يكون هكذا، بل في أنه قد يفضي إلى سوء فهم، وإلى إساءة تفسير أيضاً. 

النمط الرابع يعتلي برج عاج، على غرار مشهد خيانة المثقف الأكثر رسوخاً في التاريخ والتعريفات الكلاسيكية، فيضع النظام والمعارضة على قدم المساواة في الزلل، ويخضعها لسيرورات تخطئةٍ تكاد تنهض على ركائز متشابهة لا تفرّق بين شبيح ومتظاهر، وبين قاتل وقتيل. فإذا كبّر بعض الناس، في هذا الحيّ الشعبي المحافظ أو ذاك، عندما ينتهي عدنان العرعور من أحاديثه الليلية النارية، أو إذا هتف المتظاهرون بأنه لا معين لهم إلا الله، فاستجاروا بالذات الإلهية وحدها؛ فإنّ الذنب مشترَك بالمناصفة، تقريباً، بين نظام يحابي أمثال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، ومعارضة تحابي أمثال محمد رياض الشقفة! أمّا إذا أعلن المرء إدانته المطلقة لـ "ديمقراطية قصّ الألسن" كما ينادي بها العرعور، فإنّ هذا السلوك لا يكفي، والمرء مطالَب بعدها باستكمال شهادة حسن السلوك، وتأثيم كلّ وأيّ متظاهر يكبّر عند سماع العرعور!

ولا يستكمل هذا النمط إلا نموذج خامس لمثقف يُلصق تهمة خيانة سورية (وبعضهم لا يتورع عن الذهاب أبعد، فيتحدّث عن "خيانة الأمة"!) بكلّ مَنْ لا يدين ما صار يُعرف باسم "عسكرة الانتفاضة"، إدانة جازمة قاطعة حاسمة، لا هامش فيها للأخذ أو الردّ أو الجدل أو تقليب الرأي. العسكرة هي نهاية الانتفاضة، والانتفاضة هي اللاعسكرة بالضرورة، وهذا حكم باتّ لا استئناف فيه هنا أيضاً، حتى إذا كانت غالبية المرابطين في هذا الصفّ توافق على إقرار مزدوج، ثمّ تعمد بعد الموافقة إلى وأده في المهد: انّ عنف النظام المتزايد، المستشرس أكثر والمتغوّل أشدّ، هو الذي يدفع المتظاهرين إلى التسلّح، دفاعاً عن النفس والعرض والرزق، غالباً؛ وأنّ هذا الحقّ مشروع، وتعترف به شرائع الكون منذ بدء الخليقة. الجانب الأخطر في هذا النموذج هو ذلك الافتراض الضمني الذي يقول إنّ الشعب، وليس النظام، هو المتهَم بالعسكرة، وبالتالي فإنّ لجوء بعض المواطنين إلى حمل السلاح ليس نتيجة للسياسات الأمنية والعسكرية الهمجية التي ينتهجها النظام لكسر الانتفاضة، بل هو ردّ فعل غير صحي، وغير ثوري، وغير سلمي.

والحال أنّ التسلّح، مثل العسكرة والتخندقات الدينية والطائفية والإثنية، تطورات كفيلة بإلحاق الأذى الشديد بثقافة الاحتجاج والمقاومة السلمية والتعبئة الجماهيرية وروح الاجتماع الشعبي، وسواها كثير من الخصال العبقرية التي اجترحتها الانتفاضة السورية طيلة الأشهر الثمانية الماضية. لكنّ النقاش فيها ليس أحادياً سكونياً، أو مانوياً جامداً لا مساحة فيه إلا لـ"نعم" أو "لا"، أسود أو أبيض، سلمية مطلقة أو عسكرة لا تقلّ إطلاقاً، واقعية "فنّ" السياسة أو ميتافيزيقا "فنّ" التخوين. صحيح، بالفعل، أنّ على الانتفاضة أن لا تسقط في أحابيل العسكرة، ولا فخاخ التسليح والتسلّح أياً كانت مصادرها؛ ولكن هل يمكن حمل مسطرة قياس لا يأتيها الباطل أبداً، تُرفع مثل سيف بتار في وجه كلّ من حمل السلاح، دون تمحيص في الأسباب التي دفعته إلى هذا، كيف، متى، وأين...؟

ولو كان ممثّلو هذه الأنماط الخمسة من أهل النظام وأنصاره، على أي نحو، لهان الأمر واتضحت الدوافع الخافية دون كبير عناء، إذْ لن تكون مواقفهم أكثر من زخرف متكلف يميّزهم عن تلك الدفاعات التي يلهج بها الموالون عادة، مراراً وتكراراً، حتى صارت أشبه بعلامة فارقة، ديماغوجية ودعاوية صرفة. لكنّ المتباكين أولئك يتوزعون على فئات متباينة، سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً، احتُسبت على الدوام في رصيد "المعارضة"، بالمعنى الواسع الفضفاض للمصطلح؛ والغالبية بينهم تعرّضوا لأفانين قمع النظام، بين ملاحقة واعتقال وأحكام قضائية تعسفية واضطهاد مدني، فضلاً عن طراز خاصّ من التنكيل تعرّضوا له على يد محيط اجتماعي أو طائفي موالٍ للنظام، اعتبرهم مارقين على الجماعة، منشقّين عن الإجماع الأهلي.

هي، بذلك، تنويعات سورية على خيانة عتيقة أدمن المثقف ارتكابها على مدار التاريخ، في كلّ المجتمعات، خاصة خلال أطوار التأزم والثورة، حين تتطب الحياة موقفاً بالغ الوضوح من حيث الانحياز إلى صفّ الحرّية، أو الالتحاق بالطغيان. الموقف الثالث، حتى حين يسمّونه "توسطات" من باب التجميل، هو في نهاية المطاف انضواء ضدّ الحقّ، مقنّع كثيراً أو قليلاً، لكنه يخون رسالة المثقف. يخونها كثيرااً هذه المرّة، وليس قليلاً!
 

الأحد، 27 نوفمبر 2011

لؤلؤ الشام وعظام الأباطرة

في "أبرياء على سفر"، 1869، يكتب الروائي الأمريكي مارك توين عن العاصمة السورية: "تاريخ دمشق يعود إلى ما قبل إبراهيم، وهي المدينة الأقدم في العالم. أسسها عوص، حفيد نوح. تاريخها الباكر غارق في ضباب العصور القديمة التي شابت. دعْ جانباً الأمور المكتوبة في الفصول الأحد عشر الأولى من العهد القديم، ولن تجد واقعة مسجلة جرت في العالم إلا وبلغ دمشق خبرُها. عُدْ بالذاكرة إلى الماضي الغامض أنى استطعتَ، وستجد دمشق حاضرة على الدوام. وفي كتابات كلّ قرن، طيلة أكثر من أربعة آلاف سنة، تردد اسمها وصدحت له الأغاني. السنون في ناظر دمشق محض هنيهات، والعقود مجرّد لمحات زمن متطايرة. إنها لا تقيس الزمن بالأيام والشهور والسنين، بل بالإمبراطوريات التي شهدتها تقوم، وتزدهر، وتندثر إلى خرائب".

في الفقرة ذاتها يتابع توين، الذي زار فلسطين وسورية خلال مطلع ستينيات القرن التاسع عشر، أنّ دمشق: "ضرب من الخلود. شهدت إرساء مداميك بعلبك، وطيبة، وإفسوس؛ وأبصرت هذه القرى تتطوّر إلى مدن جبارة، تدهش العالم بعظمتها ـ وعاشت دمشق لتراها بائدة، مهجورة، متروكة للبوم والوطواط. شهدت الإمبراطورية الإسرائيلية في أوج غطرستها، كما شهدتها تُباد. شهدت بلاد الإغريق تقوم، وتزدهر طيلة ألفَيْ سنة، ثمّ تموت. وفي كهولتها أبصرت روما تُشيّد، وتهيمن على العالم بجبروتها، قبل أن تراها تفنى. لقد عاشت دمشق كلّ ما حدث على الأرض، وما تزال تحيا. لقد أطلّت على العظام النخرة لآلاف الإمبراطوريات، وستطلّ على قبور آلاف أخرى توشك على الموت. ورغم أنّ سواها يزعم حيازة اللقب، فإنّ دمشق تظلّ، بحقّ، هي المدينة الخالدة".

لا تنوء هذه السطور، إسوة بغالبية الفقرات التي تخصّ دمشق، تحت أثقال الروح الاستشراقية التي تعاني منها فقرات أخرى من كتاب توين، وتلك التي تتحدث عن فلسطين والأراضي المقدّسة بصفة خاصة؛ بل يلوح أنّ الكاتب، الساخر عموماً، يسير جادّاً متهيباً، على كتفيه أحمال التاريخ، القديم والوسيط والمعاصر، بل تاريخ الإنسانية جمعاء في المحصلة. وإذْ يعيد المرء قراءة تلك الفقرات، ولا سيما المشهد الفريد الذي يضع المدينة في موقع أزلي إزاء امبراطوريات شتى سادت ثمّ بادت؛ فإنّ حاضر المدينة الراهن، بوصفها عاصمة سورية التي تخوض انتفاضة شعبية عارمة، لا يرتدّ بها إلى ذلك الموقع مجدداً، فحسب، بل يعيد إنتاج سلطة دمشق التاريخية في وجه سلطات الاستبداد والفساد والحكم العائلي والعصابات والشبيحة... هذه التي أين منها، على همجيتها، ما تمتعت به إمبراطوريات سالفة من سلطان ونفوذ وسؤدد.

ليس غريباً، في ضوء هذه المعادلة الدمشقية التي تردّ التاريخ الغابر إلى التاريخ المعاصر، أن يحرص النظام على تكرار أكذوبة "صمت" دمشق، وعدم انخراطها في الانتفاضة، ممّا يفيد استطراداً أنها إمّا في صفّ النظام، أو ليست ضدّه تماماً. كأنّ أولى الاعتصامات لم تبدأ في دمشق، حين أشعل النشطاء شموع التضامن مع انتفاضات تونس ومصر وليبيا، وكانوا بذلك يطلقون شرارة الانتفاضة الأبكر؛ أو كأنّ أولى التظاهرات لم تبدأ من سوق الحريقة، في قلب دمشق التجارية، قبل أن تتواصل من الجامع الأموي وسوق الحميدية؛ أو كأنّ أحياء القدم، وكفر سوسة، وبرزة، وجوبر، والحجر الأسود وحرستا، فكيف بأحياء عريقة مثل الميدان وركن الدين والشعلان وعرنوس والمزرعة وساحة النجمة... ليست جغرافية دمشقية!                  

كذلك فإنّ دمشق تمتلك سلسلة أسباب خاصة بها، غير تلك التي تُجمع عليها مختلف المناطق السورية الثائرة، تضعها في قلب الحراك الشعبي، ولعلّها لم تعد تترك أيّ خيار لشرائح من سكانها لاح، خلال أطوار سابقة من عمر نظام "الحركة التصحيحية"، أنها متحالفة مع النظام أو متواطئة لأنها مستفيدة من بعض سياساته، الاقتصادية ـ التجارية بصفة خاصة. ذلك لأنّ أنساق النهب الشمولي، الذي انفلت من كلّ عقال قانوني أو أخلاقي عندما حوّل سورية إلى مزرعة للمافيات الحاكمة، كان محتماً لها أن تنحطّ إلى هذا الدرك الهمجي: تخريب دمشق العتيقة، وهدم أسواقها العريقة، وطمس مجلدات بأسرها من تاريخها القديم، بغية إقامة منشآت سياحية ومجمّعات تجارية، وتخديمها بكلّ ما يتيح اصطياد السائح وإجباره على الإنفاق، دون أي اكتراث بالعواقب العديدة البشرية والتاريخية والآثارية والمعمارية، فضلاً عن تلك الإنسانية والاقتصادية والثقافية التي ستخلّفها هذه الجرائم الصريحة المعلنة. لم يعد يشبعهم أنهم نهبوا في قطاع الاتصالات والهاتف الجوّال والأسواق الحرّة وصناعة الإسمنت والمصارف، وما خفي من أشغال حرام هنا وهناك؛ فكان لا بدّ لهم أن يخرّبوا لكي يشتغلوا بإعمار ما خرّبوا، مع فارق أنهم كانوا يهدمون ما لا يجوز تهديمه، ويقوّضون ما ينقلب المساس به إلى جريمة كبرى بحقّ الإنسان والتاريخ في آن معاً.

"رغم عمرك الذي من عمر التاريخ ذاته، فإنك نضرة مثل نَفَس ربيع، متفتحة مثل براعم وردك الجوري، عابقة مثل زهرة برتقالك؛ أواه يا دمشق، يا لؤلؤة الشرق!"، تابع توين في مديح المدينة الخالدة. فأي علامة في وسع طاغية صغير أن يحفرها على أسوارها العتيقة، سوى أنه ساد هنا هنيهة، فاستبدّ ونهب وتجبّر، ثم اندحر وباد واندثر؟  

الخميس، 24 نوفمبر 2011

وعيد الحرب الأهلية في سورية: زلزال.. في فنجان!

رغم أنهم ما يزالون أقلية بالمعنى النسبي، يلحّ عدد من مراقبي الانتفاضة السورية على أنّ البلد يتجه إلى "حرب طائفية"، لا يتردد بعضهم في استخدام التسمية الأخرى القصوى عند توصيفها: "حرب أهلية"، ليس أقلّ. ويندر، خاصة في صفوف المعلّقين السوريين والعرب، على نقيض من زملائهم الأجانب، أن يقطع الرأي الخطوة التالية الحاسمة، فيتمّ الإفصاح عن فرقاء هذه الحرب الآتية، وأين ستدور، وما هي توازناتها الراهنة المرئية أو القادمة المجهولة، ولصالح مَنْ سوف تنتهي (بعد تجاوز الخلاصة المعروفة: أنها مكروهة في كلّ حال ومآل): الشعب المصرّ على التغيير والمستقبل الأفضل، بوسائل سلمية حتى الساعة، أو محدودة إذا تعكسرت جزئياً؛ أم النظام المتشبث بالسلطة حتى آخر خطوط الدفاع، الأمنية والعسكرية، التي تزداد عنفاً وهمجية كلّ يوم؟

هذا المسكوت عنه، إذْ يجوز اعتباره هكذا في واقع الأمر، يخفي طرازاً من الحرج في استخدام الاسم المناسب للمسميات الفعلية، كأن يُقال إنّ تلك الحرب الأهلية قد تدور بين "دين" وآخر (إسلام مقابل مسيحية)، أو "طائفة" في وجه أخرى (السنّة مقابل العلويين، في المقام الأوّل). وحصر مفردتَيْ "دين" و"طائفة" بين أهلّة مردّه أنّ مثل هذه المصطلحات ذات طبائع دلالية عالية الإشكال ودائبة التبدّل، وليس من الحكمة اعتمادها كمسلمات لمعانٍ متفق عليها، في العموم؛ فكيف إذا كانت روافع تحليل لمسائل بالغة التعقيد، مثل الحروب الأهلية والطائفية. فلا الدين معطى لا خلاف على مضامينه، خاصة عندما يتصل الأمر بفرقاء يخوضون مواجهات مسلحة قد تبلغ حافة الحرب الشاملة المفتوحة؛ ولا الطائفة كذلك، بل هي موضع خلاف أكثر استدعاءً للتفريق والتمييز.

كذلك يشير المسكوت عنه إلى طراز ثانٍ من الحرج، يرتدي هذه المرّة صفة الافتقار إلى توفير عناصر ذلك الاحتراب الطائفي، أو الأهلي، كما سوف تتبدى (وينبغي لها أن تتبدى، منطقياً) خارج النطاق الوحيد المتوفر الآن، أي انتفاضة الشعب السوري ضدّ نظام الاستبداد والفساد العائلي الوراثي الذي يحكم منذ 41 سنة. في صياغة أخرى: هل ستنخرط الأديان أو الطوائف في احتراب داخلي، ضمن صفّين لا ثالث لهما: واحد يناهض النظام، وثانٍ يدافع عنه؟ أم أنها ستتقاتل على هذَين الخطّين، أوّلاً؛ ثم ستنخرط في صراع على الفروقات ما فوق الدنيوية، الفقهية واللاهوتية والمذهبية، بين دين ودين، وطائفة وطائفة؟ وإذا جاز هذا التوسيع لمضامين الاحتراب، فهل يجوز زجّ الناس هكذا في صفّين، أو بالأحرى قالبَيْن، لم يعد فيهما مكان لمطالب الشعب الواحد، في الحرية والديمقراطية والتعددية والعدالة والكرامة ودولة القانون...؟

هذا هو السبب الأوّل في أنّ ذلك الاحتراب، أياً كانت تسمياته الأخرى، ليس مآلاً محتوماً في الطور الراهن من مسار الانتفاضة السورية؛ وهو بالتالي لن يقع إلا في مساحات اشتغال الخطاب الترهيبي الذي يعتمده النظام بهدف كسر روح المقاومة، وردع المواطنين، ودفع "الأغلبية الصامتة" إلى الإمعان أكثر في انعزالها. سبب آخر، هنا، هو أنّ التطلع إلى الحرّية والمستقبل الأفضل ليس محلّ اختلاف بين أديان السوريين وطوائفهم، بل هو غاية تستقطب الاتفاق التامّ، وكانت هذه حالهم في الماضي، منذ فجر الاستقلال، كما هي حالهم اليوم أيضاً. وفي المقابل، ليس للنظام طائفة واحدة منفردة، حتى إذا كانت رؤوسه قد انخرطت في تجييش محموم لطائفة بعينها، وتقصدت الإيحاء بتمثيل تلك الطائفة، وتعهّد مصيرها؛ وليس له دين أيضاً، مهما أتقن ألعاب التمسّح بالأديان أو التزلف للمتدينين. ولهذا لن يدافع أنصار النظام عن بقائه لأسباب دينية أو طائفية، بصرف النظر عن توفّر هذا المقدار أو ذاك من الولاء العصبوي، بل ستحرّكهم أسباب أخرى أدنى إلى الأرض منها إلى السماء، على رأسها مصالح النهب والفساد، واتقاء الحساب العسير ساعة تنقلب سورية من مزرعة إلى دولة حقّ وقانون.

هذا يفضي إلى السبب الرابع الذي يجعل احتمال الحرب الأهلية أو الطائفية غير وارد اليوم، نتيجة الانتفاضة الشعبية أو بوحي من تطوراتها، أي سؤال الفرقاء، الذي يتمّ غالباً تفادي مناقشته على نحو ملموس. فإذا صحّ أنّ أديان المجتمع السوري وطوائفه لن تقتتل فيما بينها، دفاعاً عن نظام الاستبداد والفساد والنهب والحكم العائلي، وخاصة بعد سلسلة جرائمه بحقّ الشعب والوطن؛ فما الذي سيجعلها تقتتل اليوم، إذاً، ما دامت لم تنجرف إلى حافة مماثلة طيلة تاريخ سورية، القديم والوسيط والحديث والمعاصر؟ وإذا كان الانتداب الفرنسي قد فشل في إقامة دويلات سورية، مناطقية أو طائفية، وتمكّن السوريون من خوض حرب الاستقلال بقائد درزي، ونائب له علوي، ونائب ثاٍن كردي... فكيف لا يكون مصير مشروع التفتيت الذي ينخرط فيه نظام العصابات والميليشيات والشبيحة، على شاكلة المشروع الذي دبّرته إدارة استعمارية، بل أسوأ؟ وأخيراً، إذا كان السوريون المسلمون لم ينخرطوا، البتة، في أي شكل من أشكال المواجهة المسلحة مع السوريين المسلمين؛ وكذلك لم يفعل السوريون السنّة مع السوريين العلويين، فلماذا يتوجب أن يهرعوا الآن إلى الاحتراب الداخلي... الآن بالذات، حينما يصبح قطاف تضحيات بناتهم وأبنائهم، نسائهم وشيوخهم وأطفالهم، دانياً وشيكاً؟

سبب خامس هو الجغرافيا السورية، إذْ أين ستدور تلك الحرب على الأرض؟ بين أية منطقة ومنطقة؟ وهل ستسمح المعطيات الديمغرافية بوقوعها في أية بقعة، لا على التعيين؟ بل هل سيسمح الاختلاط السكاني المركب لأبناء سورية، وفسيفساء توزّعهم الإثني أو الديني أو الطائفي، بتعيين بقعة واحدة يمكن للنظام أن يدير عليها جولات توتير عسكري بين عناصر تلك الفسيفساء؟ واستطراداً، هل ستدور تلك الجولات، أو تُدار، على ركائز انفرادية أم ائتلافية، بمعنى أنّ طائفة واحدة سوف تخوضها ضدّ طوائف أخرى، أم ستتحالف مع سواها؟ ولماذا، ما دمنا في الافتراض المكروه ذاته، سوف يصمد ذلك التحالف إذا كان مجبراً على الانخراط في واحد من أقصَيَْن: مع الشعب، من أجل سورية حرّة كريمة أفضل؛ أو مع النظام، من أجل بقاء الاستبداد والفساد والنهب والحكم العائلي؟

هذه أسئلة جارحة بالطبع، ومثار حرج وتهيّب وتطيّر. بيد أنها ذات طبيعة لازمة تماماً عند نقاش احتمالات حرب اهلية او طائفية في سورية، ولا يكفي إغماض العين عنها والانتقال إلى ترجيح احتمال دون آخر، وكأنّ الاجتماع السوري يكفي بذاته، ولا حاجة إلى الجغرافيا. المراقب الغربي يستهوي لعبة الاختزال هذه، فيقفز مباشرة إلى إحصائيات ديمغرافية صرفة حول نسبة هذه الطائفة أو تلك بالمقارنة مع المجموع السكاني، ثمّ يتخيّل نشوب الصراع بين تلك النِسَب، على النحو الأكثر اعتباطاً، ودونما تمحيص في تمثيلاتها على الأرض، أو تدقيق مفاعيلها الجيو ـ ديمغرافية. لكنّ هذه الرياضة، القاصرة والاستشراقية بامتياز، تصبح فضيحة مدوية عندما يتعلّق بأذيالها مراقب سوري، أو حتى عربي، فينسخها صورة طبق الأصل، ويزجّ برأسه في الرمال، حيث سيناريوهات الحروب الأهلية والطائفية دفينة هناك، في الباطن!

سبب سادس يخصّ توازنات تلك السيناريوهات، من الجوانب العسكرية واللوجستية الصرفة، إذْ كيف سيكون موقف الجيش السوري، وأين سقف، إذا وقع احتراب بين أبناء الوطن الواحد؟ فهذا الجيش، تماماً على شاكلة الأديان والطوائف، ليس كتلة بازلتية صماء، متماسكة في المطلق حول معتقد مشترك، بحيث يسهل زجّه في جولات الاقتتال وكأنه مجرد قطعة على رقعة شطرنج. هنالك، داخل هذا الجيش كما داخل الأديان والطوائف، مصالح سياسية واجتماعية واقتصادية، وتباينات مناطقية وثقافية، بل إثنية أحياناً، تكسر أسطورة حجر البازلت ذاك، وتجعل انخراط الجيش أمراً محتوماً، على صعيد الافراد بادىء ذي بدء، ثمّ على صعيد تشكيلات عسكرية يمكن أن تتوسل غاية توحّد أفرادها. ولهذا يندر أن تجد، في صفوف عرّافي الحرب الأهلية أو الطائفية في سورية، مَنْ يخوض في تفصيل دينامية انخراط الجيش في الصراع؛ والشائع هو تهويل الأخطار وتضخيم العواقب، وهذه كلها واردة بالطبع، ولكن دون رفد التهويل بالوقوف على الحقائق الملموسة.

ويبقى، بالطبع، ذلك السبب السابع الذي يتكيء على اعتبار شائع مسكوت عنه أكثر من سواه، أي الافتراض القائل بأنّ أبناء الطائفة العلوية سوف يسارعون إلى الوقوف خلف النظام، صفاً واحداً متجانساً متماسكاً متماثلاً، إذا اندلعت مواجهات طائفية. وهذا افتراض سطحي تماماً، خامل وبليد، فضلاً عن كونه بالغ الخبث ومسبَق الظنّ بطائفة لم تكن في أيّ يوم أقلّ إسهاماً في معارك سورية الوطنية والسياسية والطبقية. ولا أجدني أتردد في تكرار يقيني بأنه ليس، البتة، منتَظراً من الغالبية الساحقة للسوريين من أبناء الطائفة العلوية أن يخونوا تراث الشيخ صالح العلي، نائب سلطان باشا الاطرش، قائد ثورة الاستقلال ضدّ الانتداب الفرنسي؛ أو أن يُساقوا، رغم كلّ هواجسهم المشروعة، أو تلك التي يغذّيها الرهاب الصرف، إلى حيث تسعى السلطة في ربط مصيرهم بمصير النظام. ليس هذا من باب التمنّي الصرف، كما يمكن أن يلوح عادة؛ أو إغماض العين عن حقائق الجهود المضنية التي بُذلت، وتُبذل على الدوام، من أجل تجنيد شرائح واسعة من أبناء الطائفة العلوية؛ بل هو يقين تسنده سلسلة معطيات فرضها ماضي الطائفة وحاضرها، وحقيقة أنها ليست أداة صمّاء بكماء عمياء يُلقي بها النظام أينما شاء، وكيفما أراد.

وغني عن القول، كما يتوجب التشديد هنا أيضاً، أنّ الطائفة العلوية مجتمع وطبقات وفئات ومصالح وتناقضات، إسوة بغيرها؛ وثمة، في الضيعة الواحدة إياها، فقراء يسكنون بيوتاً ما تزال سقوفها من طين، تتجاور مع قصور خرافية التصميم فاحشة الفخامة، شيّدها كبار الضباط الفاسدين. وثمة، يقتضي التذكير دائماً، مناضلون معارضون للنظام، سبق لهم أن قضوا في السجون عقوداً، وتلقوا عقاباً مضاعفاً عن سواهم من المعارضين أبناء الطوائف الأخرى، لأنهم في تقدير مهندسي التجييش الطائفي شقوا عصا الطاعة، وشاغبوا على "وحدة" الطائفة. وهنالك، بالطبع، أولئك الذين يخدمون النظام من منطلق تأمين لقمة العيش البسيط، تماماً كحال الآلاف في كلّ أرجاء سورية، من كلّ الطوائف، في المؤسسة العسكرية أو الأمنية، أو في مختلف قطاعات الدولة.

وثمة، أغلب الظنّ، أسباب أخرى تجعل تحذير السوريين من احتمالات الحرب الأهلية أو الطائفية محض ترهيب مكشوف، من النوع الذي اعتاد بشار الأسد التهديد به في أحاديثه الصحفية الأخيرة. هو، مع ذلك، وعيد بزلزال، لكنه في فنجان!