وعزّ الشرق أوّله دمشق

السبت، 7 سبتمبر 2013

ديمقراطية أوباما: سراء أم ضراء؟

فشل دافيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، في الحصول على تخويل من مجلس العموم، يتيح له مشاركة الولايات المتحدة الامريكية في توجيه ضربة عسكرية؛ هو هزيمة، بالطبع، سياسية ومعنوية وحزبية، فضلاً عن كونها شخصية تصيب كاميرون نفسه. ولكنّ صفتها الأخرى المتلازمة هي أنها انتصار للديمقراطية البريطانية، أياً كانت تحفظات المرء ضدّ أحفاد أوليفر كرومويل وميثاق الـ"ماغنا كارتا"، وبصرف النظر عن المظانّ التي قد تطعن في مصداقية هذا البرلماني الرافض، أو ذاك الموافق. الأساس، في كلّ حال، أنّ كاميرون كان ملزَماً بالرجوع إلى المجلس، على أصعدة دستورية وأخلاقية، قبل أن تكون رمزية صرفة، ولم يكن حرّاً طليق اليدين. 

من جانبه، لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما مجبراً على العودة إلى الكونغرس بصدد الأمر ذاته، وكان يكفيه التشاور الشكلي مع زعماء الأغلبية ورؤساء اللجان المختصة بالأمن القومي والقوات المسلحة والسياسة الخارجية؛ وثمة سابقة حديثة العهد، في هذا المضمار، هي انخراط أمريكا في عمليات الحلف الأطلسي ضدّ نظام معمّر القذافي، دون أيّ تخويل من الكونغرس. لكنّ أوباما فاجأ العالم، وغالبية معاونيه ورجالات إدارته (باستثناء رئيس أركان البيت الأبيض، دنيس ماكدونو، كما تردد)، حين أعلن أنه ينوي إرسال مشروع قرار إلى الكونغرس، مجلسَيْ النوّاب والشيوخ، يتضمن طلب التفويض بعملية عسكرية (محدودة، ضيّقة النطاق، ولا تستهدف إسقاط الأسد، أو تغيير نظامه... للتذكير الضروري!)، بعد تنظيم نقاش، وإجراء تصويت.

هل تراجع، إذاً، وصرف النظر عن الضربة العسكرية، وعَكَس تيّار الإدارة التي لم تعد تصريحات كبار ممثليها تتحدّث عن "هل"، بل "متى" و"كيف" سيتمّ تنفيذها؟ أم أنّ الرجوع إلى الكونغرس يستهدف تأمين غطاء دستوري، وشرعية عابرة للخلافات الحزبية، إذا تطوّرت الضربة المحدودة إلى ما هو أبعد أثراً، وأطول زمناً، وأشدّ عاقبة على القائد الأعلى للقوّات المسلحة الأمريكية؟ أم أنّ غرض أوباما هو ممارسة التمرين الديمقراطي، وتكريم رأي ممثّلي الشعب، وإظهار بلده بمظهر أقوى من الوحدة والتلاحم بين الرئيس والمشرّعين، كما قال؛ خاصة وأنّ الديمقراطية الأمريكية ليست أقلّ من نظيرتها البريطانية حرصاً على دستورية قرارات كبرى مثل الانخراط في عمل عسكري خارجي؟

الحال أنّ تصريحات أوباما لا توفّر إجابة صريحة على هذه الأسئلة، ولكنها لا تغلق احتمالاتها، أو هي بالأحرى لا تغلق أيّ احتمال؛ خاصة تلك الفقرة التي تشير إلى أنه "اتخذ القرار" بالفعل، حول ضرورة معاقبة النظام السوري بضربة عسكرية، ثمّ اتخذ قراراً تالياً هو الرجوع إلى الكونغرس. المحزن، في هذه الرياضة بأسرها، أنّ بعض أقطاب المعارضة السورية الخارجية ـ ممّن يتوجب أن يدفعهم برنامجهم السياسي والأخلاقي، من أجل سورية المستقبل الديمقراطية، إلى امتداح هذا الطراز من السلوك الديمقراطي الذي لجأ إليه أوباما ـ أعربوا عن "خيبة أمل" لأنه انحنى أمام مؤسسة التشريع الأعلى في بلده!

بيد أنّ سلوك أوباما هذا يقودنا إلى واحد من دروس التاريخ البليغة: أنّ بين أشدّ خلائط السياسة خطراً، وشذوذاً وغرابة، تلك التي تجعل الولايات المتحدة ديمقراطية داخلية وإمبريالية خارجية، في آن معاً؛ الأمر الذي تناوله شالمرز جونسون، أحد أذكى متابعي مخاطر صعود الإمبراطورية الأمريكية، على نحو ثاقب ومعمّق في كتابه "نيميسيس: الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية". وهذا العمل، الذي قد يكون التحليل الأعمق والأشجع والأشدّ قتامة لانحطاط الديمقراطية الأمريكية، خاصة في ولايتَيْ جورج بوش الابن، هو الجزء الأخير من ثلاثية بدأها جونسون سنة 2000 بكتاب "ردّ الصاع: أكلاف وعواقب الإمبراطورية الأمريكية"؛ ثمّ أعقبها بكتاب "ضرّاء الإمبراطورية: النزعة العسكرية، الكتمان، ونهاية الجمهورية".

ويرسم جونسون المشهد التالي الذي لا ينطوي على أيّ تهويل أو مبالغة: ثمة خليط من جيوش هائلة منتشرة خارج البلاد، موضوعة في حالة حرب؛ واعتماد اقتصادي متزايد على المجمّعات الصناعية ـ العسكرية، وتصنيع الأسلحة خصوصاً؛ وإنفاق خرافي على القواعد العسكرية، مع تضخّم هائل غير مسبوق في ميزانية البنتاغون؛ إذا وضع المرء جانباً ذلك الانتشار السرطاني لنفوذ وزارة الأمن الداخلي وصلاحياتها، والتدمير المنظم لبنية الحكم الجمهوري لصالح رئاسة إمبريالية أكثر فأكثر... ولا يتردد جونسون في إنذار أبناء جلدته: "نحن على حافة خسران ديمقراطيتنا من أجل الحفاظ على إمبراطوريتنا. وحين تسير الأمّة على هذا الدرب، فإنّ الديناميات التي تنطبق على كلّ الإمبراطوريات السالفة لا بدّ ان تنطبق علينا: العزلة، الإفراط في التوسع، توحيد العناصر المحلية والكونية المناهضة للإمبريالية، والإفلاس في الختام".

وهكذا، إذا جاز افتراض الباعث الديمقراطي في لجوء أوباما إلى تخويل الكونغرس، حول عقاب النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيميائية؛ فإنّ ما يجوز التفكير به، استطراداً، هو أنّ هذه الديمقراطية الأمريكية هي، ذاتها، التي استخدمت القنبلة النووية، وأشكال أخرى من أسلحة الدمار الشامل؛ أو زوّدت الجيوش الحليفة بأنماط مختلفة منها، أو تغاضت عن استخدامها في حروب شتى. وهي ديمقراطية فظائع سجون "أبو غريب" العراقي، و"باغرام" الأفغاني، و"غوانتانامو" الأمريكي، والمعتقلات الطائرة، والسجون السرّية...

وهذه، في نهاية المطاف، بعض تناقضات شخصية نيميسيس، ربّة الثأر والعقاب في الأسطورة الإغريقية، حيث السراء ضراء... والعكس!

الجمعة، 30 أغسطس 2013

الضربة الأمريكية: تقليم أظافر الأسد وليس اقتلاع براثنه

إذا وقعت ضربة عسكرية أمريكية ضدّ النظام السوري، بمشاركة بريطانية أو فرنسية أو تركية، وربما أطلسية مباشرة أو مقنّعة؛ فالأرجح أنها لن تكون، من حيث نطاق الأهداف وطبيعتها، أو مدّة العمليات العسكرية، أشدّ من عملية "ثعلب الصحراء"، التي نفّذتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون، وحليفها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ضدّ نظام صدّام حسين، في منتصف كانون الأول (ديسمبر) 1998. ذلك رأي ساجلتُ فيه منذ الساعات الأولى لابتداء خطاب التسخين اللفظي العسكري على لسان الناطقين باسم البيت الأبيض، وقبل خطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي ألقى على نظام بشار الأسد مسؤولية استخدام الأسلحة الكيميائية، واعتبرها "بذاءة أخلاقية"؛ وكذلك، بالطبع، قبل تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه، التي خفّضت سقوف البلاغة، وحدها، وأبقت ميادين الإدارة مشرّعة لقرع طبول الحرب.

وإذا صحّ أنّ تسعة أعشار أنماط التدخّل العسكري الأجنبي في شؤون الشعوب تُصنّف، بدورها، في خانة "البذاءة الأخلاقية" التي تحدّث عنها كيري؛ إلى جانب مضامين أخرى لا تقلّ بذاءة، حول افتراض دور الشرطي الكوني المخوّل ذاتياً، بعد التذرّع بأسباب "أخلاقية" و"إنسانية"، بوضع حدّ لعذابات الشعوب؛ وهو دور ينتهي، غالباً، إلى سياسات الكيل بمكاييل عديدة، لا مكيالين اثنين فقط (وموقف أمريكا، والغرب عموماً، من إسرائيل هو المثال الكلاسيكي)؛ فالصحيح الموازي يشير إلى أنّ أنماط التدخل العسكري الأمريكي، كافة، كانت الأسوأ بلا استثناء، أينما وقعت على خريطة الكون عموماً، وحيثما وقعت في بلدان العالمَين العربي والإسلامي خصوصاً. والتاريخ سجّل، بالدماء والأشلاء والخراب والعواقب بعيدة المدى وشديدة الأذى، سلسلة المآلات الكارثية التي انتهت إليها وقائع التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الصومال والعراق وأفغانستان وليبيا، فضلاً عن أنماط التدخّل الأخرى الكثيرة وغير المباشرة.

ما يصحّ حول التدخل العسكري، المباشر أو غير المباشر، يصبح أكثر صحّة في العمليات على شاكلة "ثعلب الصحراء"، التي تستهدف إنزال العقاب بطاغية ما، ليس بهدف الحدّ من شدّة بطشه بشعبه، أو ردعه، أو كفّ يده بما يتيح لذلك الشعب فرصة مقاومة نظام البطش وإسقاطه؛ بل لأنّ ذلك الطاغية تجاوز هذا "الخطّ الأحمر" أو ذاك، فلجأ إلى طراز من البطش غير متفَق عليه، أو يغيّر قواعد اللعبة، كما سيقول أوباما لنظام الأسد، بصدد الجوء إلى الأسلحة الكيميائية. ومن الجلي، في مثال التسخين الراهن، أنّ رأس النظام السوري، في ارتكاب مجازر الغوطتَين الشرقية والغربية، على ذلك النحو الهمجي الوحشي المروع، لم يترك لرئيس القوّة الكونية العظمى أيّ خيار ثالث: إمّا أن يُؤدَّب الأسد على تجاوز للخطّ الأحمر (لم يكن الأوّل في الواقع، بل الرقم 50 ونيف، وإنْ كان الأعلى خرقاً لقواعد اللعب، واستهتاراً بالحدود القصوى لصبر البيت الأبيض)، أو أن يدخل أوباما التاريخ بصفات أخرى، غير أنه أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي: أنه، أيضاً، ذلك الخَرٍع المتردد العاجز الأضعف من بطة قعيدة!

هذه حال أثارت سؤالاً طبيعياً، اتكأ عليه أنصار النظام أوّلاً، ثمّ طوّره ـ ضمن وضعية الاتكاء إياها، أو على نحو أسوأ ـ عدد من فئات "الممانعين" هنا وهناك (وفي مصر ما بعد السيسي، تحديداً، حيث بات ممانعوها الجدد، من أمثال حمدين صباحي، ينافسون ممانعي الأردن القدماء!)، أو معارضي الولايات المتحدة المزمنين في اليسار الغربي إجمالاً (جان ـ لوك ملنشون، زعيم "جبهة اليسار" الفرنسية، مثلاً)، أو أصدقاء النظام السوري في أوروبا (النائب جورج غالاوي...). السؤال يقول، ببراءة منطقية: ولكن... ما مصلحة النظام في استفزاز أوباما، وإجباره على الذهاب إلى خيارات قصوى ضدّ النظام، كما يحدث الآن في أجواء التسخين للعمل العسكري؟ وأمّا التفريع التالي لهذا السؤال الأوّل، فإنه يسير هكذا: لماذا هذا التوقيت القاتل لاستخدام الأسلحة الكيميائية، الآن إذْ يقيم فريق التحقيق الأممي في دمشق، على مبعدة كيلومترات قليلة من الغوطة؟

يتناسى هؤلاء أنّ المنطق الأوّل الذي حرّك دوافع النظام، في استخدام الأسلحة الكيميائية على هذا النحو الهستيري الفاضح والمفضوح، هو الحاجة العسكرية الصرفة، او بالأحرى منطق الحاجة إلى التعجيل بحسم معركة الغوطة بوسائل عسكرية غير تقليدية. كان النظام، وما يزال حتى الساعة، يخوض واحدة من أشرس مواجهاته مع كتائب "الجيش السوري الحرّ"، وكان في وضع حرج ومرتبك ظلّ يتفاقم طيلة شهور، ولم يعد يقبل انقلاب استمرار الأمر الواقع إلى هزيمة تدريجية للنظام تُدني فصائل المعارضة من قلب العاصمة دمشق. في عبارة أخرى، إذا صحّ أنّ الأسد استفزّ أوباما، فلم يكن ذلك الاستفزاز متعمداً وعشوائياً، بل كان قسرياً ولا غنى عنه في حسابات النظام؛ خاصة وأنّ تجارب استخدام الأسلحة الكيميائية في الماضي، وهي تُعدّ بالعشرات، لم تستجلب غضبة أوباما، وأبقت "الخطّ الأحمر"، إياه، افتراضياً ونظرياً فقط.

في عبارة ثالثة، لم يستفق الأسد من نومه ذلك الصباح الباكر، يوم مجازر الغوطتَين، وقد أنس في نفسه قوّة جديدة خارقة تستدعي استعراض العضلات، وصفع أوباما على الملأ، وإحراجه، بل إهانته شخصياً، قبل إرساله إلى زاوية الخيار العسكري الخانقة، الوحيدة. الذي حدث هو أنّ صمت البيت الأبيض الطويل على مجازر النظام، وتقرير الجنرال مارتن دمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، إلى الكونغرس (قبل ساعات سيقت تنفيذ مجازر الغوطة)، في الجانب السياسي؛ والحرج الشديد الذي كانت تنزلق إليه قوّات النظام على جبهات الغوطة، وبعض قرى الساحل السوري، في الجانب العسكري؛ سرّعت قرار استخدام السلاح الكيميائي، بل زيّنت للأسد أنه إجراء آمن، غير مستفِزّ، غير محفوف بالمخاطر، و... منطقي! بالطبع، إذْ سيتساءل العالم، تماماً كما فعل في الواقع: أيعقل منطقياً أن يستخدم الأسد هذه الأسلحة، وفريق التحقيق الأممي يحقق في دمشق؟         

المتحمسون للضربة الأمريكية ـ ولستُ شخصياً في عدادهم، بل أعلن صراحة أنني على الطرف النقيض ـ ينقسمون إلى أصناف، بالطبع: بينهم المفرط في التفاؤل، إلى درجة الوثوق بأنّ النظام ساقط بسببها، أو بعدها، لا محالة؛ وبينهم الواقعي، المتفائل بدوره، الآمل في أن تتسبب الضربة بخلخلة ما تبقى من تماسك في صفّ النظام، وبالتالي تعجّل في سقوطه؛ وبينهم ذاك الذي يكتفي بتقليم أظافر النظام، والحيلولة دون لجوئه إلى استخدام هذه الأسلحة، أو سواها من أصناف اسلحة الدمار الشامل. الآخرون، المشككون في جدوى الضربة، أو المناهضون لخيار التدخل العسكري الأجنبي، والأمريكي خاصة ـ وأضع نفسي بين دعاة هذا الطراز الأخير من المناهضة ـ يساجلون بالعكس تماماً: أنّ الضربة قد تقلّم أظافر النظام، إلى حين فقط، ولكنها لن تقتلع أنيابه ولن تنتزع براثنه؛ وأنها لن تمنعه من أيّ استخدام جديد لهذه الأسلحة، في أية فرصة يجدها النظام سانحة أو إلزامية لقوّاته الموالية؛ بل قد تجد إدارة أوباما، في هذه الحالة، أنها ضربت مرّة واحدة، وكفى، ولن تعيد الضربة كلما فتح الأسد ترسانة أسلحته الكيميائية!

ما العمل، إذاً، بعد أن أقرّ أوباما، ومن ورائه "المجتمع الدولي"، بأنّ الأسد تجاوز الخطّ الأحمر، الكيميائي حصرياً؛ على صعيد القوى الشعبية للانتفاضة السورية، أوّلاً، وكتائبها المقاتلة، المقاومة للنظام وللقوى الظلامية التي تصادر روح تلك الانتفاضة وجوهرها الديمقراطي التعددي، ثانياً؟ الإجابة لا تقتضي مشقة كبيرة، إذْ تنحصر في خطوتين: ما دام الصراع قد اتخذ الصفة العسكرية، عموماً وعلى النطاق الأوسع، فإنّ تزويد كتائب "الجيش الحرّ" بأسلحة نوعية (مضادّة للدروع وللطيران، تحديداً) لم يعد ضرورة عسكرية محضة، بل إنّ الامتناع عنه، او التلكؤ فيه، صار هو "البذاءة الأخلاقية"؛ وما دام هدف "المجتمع الدولي" هو حماية المدنيين السوريين، والكلّ يتباكى على عذاباتهم، فليفرض العالم على نظام الأسد قبول منطقتين عازلتين في شمال سورية وجنوبها، للمرّات الإغاثية والإنسانية تحديداً؛ وهذه هي الإجابة على الشقّ الثاني من السؤال.  

إكمال الانتفاضة حتى انتصارها الختامي هو مسؤولية الشعب السوري، الذي انتفض من أجل الحرّية والكرامة والعدل والمستقبل الديمقراطي والتعددي الأفضل، وخاض معارك مشرّفة طيلة سنتين ونصف، ودفع الأثمان الباهظة من دماء أبنائه وخراب بلده الجميل العريق، لا لكي يتسوّل الخلاص عبر بوّابة التدخل الأجنبي الخارجي؛ هذه التي لا تتعارض مع معمار أخلاقي يتوجب أن تنهض عليه سورية الجديدة، فحسب؛ بل تتعارض أيضاً مع الدروس التي خلّفها التاريخ، ساطعة وجلية وأليمة، من كلّ تجارب التدخّل الخارجي في الجوار. وكيف للشعب السوري ـ الذي ينتفض بوسائله، واعتماداً على ذاته، ويلحق الهزائم بجيش النظام، ولا يصمد بقوّة فقط، بل يحرز الانتصارات أيضاً، منذ آذار (مارس) 2011 ـ كيف له أن يدين التدخل الإيراني والروسي، وكتائب "حزب الله" و"أبو فضل العباس" والحوثيين... ويقبل، أو يعلّق الأمال على، عملية عسكرية محدودة النطاق، تستهدف عقاب النظام لا إسقاطه أو تبديله؟

وكيف إذا كان "الخلاص" منعقداً على الولايات المتحدة، دون سواها، صاحبة أربعة عقود ونيف من عمر علاقات مع آل الأسد، الأب قبل الابن، نهضت على الدعم والمساندة والتعاون والتفاهم والشراكة، وليس على العداء والتناقض والقطيعة. وذاك تاريخ جيو ـ سياسي حافل، شمل لبنان أوّلاً، منذ دخول قوّات النظام بإذن أمريكي سنة 1976، وضرب تحالف القوى الوطنية والمقاومة الفلسطينية في ذلك البلد، وشنّ حرب المخيمات على الفلسطينيين؛ وصولاً إلى "عاصفة الصحراء"، حين انخرطت وحدات من جيش النظام في تحالف "حفر الباطن"؛ دون إغفال الرضا الإسرائيلي الغامر، بصدد نظام كان حارس حدود للاحتلال الإسرائيلي للجولان، تحت مسمّى "دولة مواجهة". وذاك سجلّ يشير إلى أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لم تشجّع أي مساس جدّي بنظام "الحركة التصحيحية"، بل ظلّ العكس هو الصحيح على الدوام، وبقي الخيار المعتمَد هو هذا: الاستغناء عنه، وعن سواه، ممكن بالطبع، ودائماً؛ ولكن لماذا نفعل، والنظام خدم ويخدم أجنداتنا، وأجندات حليفتنا إسرائيل، وغالبية حلفائنا في المنطقة، رغم كلّ الضجيج والعجيج حول "الممانعة" و"المقاومة"؟

نقلّم أظافره، إذاً، حين يتجاوز ما رسمناه له من حدود؛ ولا نقتلع براثنه، لأنّ لنا بها حاجة... أصلاً!

الاثنين، 26 أغسطس 2013

ما خفي كان أعظم!

في مناسبة الذكرى الستين لتنفيذه، يوم 19 آب (أغسطس) 1953، في إيران؛ اضطرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الـ CIA، إلى الإفراج عن سلسلة وثائق تقرّ بضلوعها، ضمن تعاون وثيق مع الاستخبارات البريطانية MI6، في الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة محمد مصدق، المنتخَبة ديمقراطياً. رجالات الـ CIA، أسوة بزملائهم البريطانيين، والساسة على جانبَيْ الأطلسي، أنكروا على الدوام أيّ دور لأجهزتهم، سواء في التخطيط أم في التنفيذ؛ والوثائق لا تُنشر اليوم إلا عنوة، بموجب القانون الأمريكي حول حرّية المعلومات، الذي استند إليه معهد أبحاث "وثائق الأمن القومي"، صاحب طلب الكشف عن الوثائق.

والحال أنّ الأمر لم يكن سرّاً إلا على صعيد توثيقي رسمي فقط، وآخر الجولات في كشوفاته تولتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في خريف سنة 2000، حين أماطت اللثام عن واحدة من وثائق الـ CIA السرّية، والتي تعود إلى العام 1954 وتحكي تفاصيل الانقلاب. والوثيقة دراسة مفصّلة تقع في 200 صفحة، كتبها الدكتور دونالد ن. ولبر، الذي شغل منصب رئيس هيئة التخطيط للعملية (مهنته الرسمية المعلنة كانت تدريس علوم العمارة الفارسية في الجامعات الأمريكية، وكان يتباهى بصورته مرتدياً العقال العربي!).

تفاصيل "حبكة" الانقلاب، كما عرضتها وثيقة ولبر، هي التالية:

ـ في عام 1951 صوّت البرلمان الإيراني على تأميم صناعة النفط في البلاد، وانتُخب بطل حملة التأميم هذه، الدكتور محمد مصدّق، رئيساً للوزراء.

ـ في أواخر العام 1952 تشاور ممثّلو المخابرات البريطانية مع زملائهم في الـ CIA حول خطّة للإطاحة بمصدّق عن طريق انقلاب عسكري، بعد أن كان الأمريكيون قد عثروا على شخص قائد الانقلاب، والبطل المضادّ: الجنرال فضل الله زاهدي.

ـ كانت الخطة تقوم على إثارة الشغب والفوضى في البلاد، على نحو يمهّد لتدخّل الجيش بحجة فرض النظام. وبين الطرائق التي اعتمدتها الوكالة في هذا الصدد أنّ عملاءها انتحلوا هويّة مسؤولين في الحزب الشيوعي الإيراني (توده)، وهدّدوا رجال الدين المسلمين بالتصفية الجسدية إذا امتنعوا عن تأييد مصدّق، كما قاموا بنسف بيوت عدد من كبار الأئمة والعلماء ونسبوا الأمر إلى الشيوعيين.

ـ دور الشاه رضا بهلوي في العملية كان يقتصر على إصدار أمر ملكي يقضي بعزل مصدّق وتعيين الجنرال زاهدي بدلاً عنه. لكنّ الشاه، الذي لم يكن يثق بالبريطانيين، تردّد في إصدار الأمر حتى بعد سماع كلمة سرّ تطمينية عبر القسم الفارسي في الـBBC (لاحظوا هذا الدور الفريد للإذاعة العريقة!). كان الشاه يخشى تأييد الجيش للدكتور مصدّق، فاضطرّت الـCIA إلى استدعاء شخصيتين تكفلتا بإقناعه: شقيقته التوأم الأميرة أشرف (وكانت تقيم على شواطىء الريفييرا الفرنسية)، وضابط أمريكي كبير كان يحظى بثقة الشاه التامة، هو الجنرال نورمان شوارزكوف... والد الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد "عاصفة الصحراء"... دون سواه!

ـ وبالفعل، وقّع الشاه الأمر الملكي، ولكنه مع ذلك ظلّ خائفاً، وفرّ إلى بغداد ثمّ إلى روما في اليوم التالي. وكاد الانقلاب أن يفشل تماماً حين اكتشف مصدّق الخطّة، وأخذت إذاعة طهران تتحدّث عن إحباط محاولة انقلابية تستهدف الحكومة الشرعية. لكنّ محطة الـ CIA في طهران سارعت إلى إعلان أمر إعفاء مصدّق عن طريق تمرير الخبر إلى وكالة أنباء الـ"أسوشيتد برس" وبعض الصحف الإيرانية، ممّا أسبغ على الانقلاب "شرعية" مطلقة في نظر أنصار الشاه، العسكريين والمدنيين على حدّ سواء.

ـ أخيراً، في امتداح ذلك اليوم، 19/8/1953، يختم الدكتور ولبر هكذا: "كان ينبغي لذلك اليوم ألا ينتهي، لأنه انطوى على الكثير من معاني الإثارة والإرضاء والاحتفاء"!

بالطبع، لسنا نعرف ـ على وجه التوثيق، تحديداً ـ عدد الانقلابات التي دبرتها وكالات مثل الـCIA أو الـMI6، وشقيقاتها في فرنسا وألمانيا، والزميلات والحليفات الأقلّ شأناً هنا وهناك في العالم؛ إلا أنّ من اليسير لنا، ومن المشروع، اتكاءً على المنطق البسيط، أن نتخيّل مسؤولية تلك الجهات عن تسعة أعشار ما شهدته بلدان "العالم الثالث"، في التسمية العتيقة، من صعود أنظمة وخسوف أخرى. ولنا، كذلك، أن نتعلّم الكثير من الدروس التربوية، حول أنساق الاستغفال، وطرائق الخداع، وأنماط ذرّ الرماد في العيون؛ فضلاً، بالطبع، عن نماذج تماهي الضحية السابقة مع جلادها، وسعيها إلى استنساخ أنساقه وطرائقه وأنماطه، وتطبيقها على شعوبها أوّلاً، ثمّ على الشعوب الأخرى. الاستخبارات في روسيا الراهنة، وفي إيران، وأجهزة "حزب الله"، ومحمد دحلان، و"حماس"... نماذج بارزة في هذا المضمار.

ولأنّ المناسبات تتناسب في ما بينها أحياناً، فتتكامل في تطابقها وتباينها معاً؛ فإنّ ما يُنشر اليوم من تقارير حول النوايا العسكرية الأمريكية ضدّ نظام بشار الأسد، في أعقاب المجازر الكيميائية الهولوكوستية التي شهدتها الغوطتان الشرقية والغربية مؤخراً، ليس بريئاً تماماً من سيناريوهات التدجيل الممنهج، واستبطان نقائض ما يُعلَن على الملأ. كذلك فإنّ حيرة البيت الأبيض، على مستويات اصطلاحية وقاموسية، إزاء تصنيف انقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر، يمنحنا مناسبة جديدة في تبصّر الخفايا الخبيثة خلف المرئيات الخيّرة.

وفي استذكار الحكمة القديمة الصائبة: ما خفي كان أعظم!

الجمعة، 23 أغسطس 2013

المجازر الكيميائية: الحساب في الغوطة وليس في واشنطن

غالبية عظمى من التعليقات على المجزرة الكيميائية، التي تعرّضت لها مناطق في الغوطتَين الشرقية والغربية، اتفقت على جمهرة أسباب ـ نابعة من منطق بسيط تماماً، في الواقع ـ ترجح لجوء نظام بشار الأسد إلى هذا الخيار الأقصى، بهذه السوية من الوحشية العمياء، وفي هذا التوقيت تحديداً. ثمة، في المقام الأوّل، ذعر النظام من التقدّم العسكري المضطرد الذي تحققه كتائب "الجيش السوري الحرّ"، في هذه المناطق أسوة بتخومها؛ وعجز الوحدات الموالية عن مواجهة هذه السيرورة، رغم استخدام صنوف القصف الكلاسيكة كافة، الجوية والصاروخية والمدفعية. وهذه حال ليست جديدة، بالطبع، وتتواصل بصفة حثيثة منذ سنة ونيف، وابتداءً بأولى الاختراقات ضدّ خطوط انتشار الجيش الموالي، في أحياء الميدان وبرزة وجوبر والقدم والتضامن ومخيم اليرموك.

وثمة ذلك الذعر الثاني، المتصل بالهزائم التي مُني بها جيش النظام في ريف حلب وإدلب وحماة، والتي كانت تتكامل مع هزائم أخرى في حوران والمنطقة الجنوبية عموماً، وما اقترن بالعمليات هذه من ارتسام صيغة جديدة في تناسق الجبهات القتالية بين مجموعات "الجيش الحرّ. ورغم أنّ الصيغة بدت، وما تزال، وليدة العفوية، والمبادرات الفردية التلقائية، ومقتضيات التطورات الميدانية الصرفة؛ فإنّ معنويات جيش النظام الآخذة في انهيار، وتردّي أداء وحداته، وتفكك خطوطها، وتبعثر جهودها، وانعدام صفة التخطيط القيادي المركزي... عوامل أتاحت، من جانب ثانٍ، الارتقاء بالصيغة هذه من مستويات الصمود في المكان، وإيقاع ما أمكن من خسائر في صفوف النظام، إلى مستويات تنفيذ هجمات مضادة ناجحة، واغتنام أراضٍ ومواقع ومستودعات سلاح.

وثمة، ثالثاً، طراز الذعر الخاصّ الذي دبّ في نفوس الفئة المتنفذة من رجالات النظام، والقشرة العليا من ضباطه بصفة خاصة، جرّاء عمليات "الجيش الحرّ" في بعض قرى الساحل السوري. ولقد بدا جلياً أنّ أنساق ذلك الذعر انعكست، على نحو شرطي مباشر، في هيئة ردّات فعل عسكرية متعجلة، مرتبكة تماماً (كما في سحب وحدات من جبهة حماة، ونقلها على عجل إلى الساحل، والمجازفة باحتمال تحريرها على يد "الجيش الحرّ"، الأمر الذي حصل هكذا بالفعل). الوجهة الثانية لتلك المنعكسات الشرطية اتخذت منحى انتقامياً، وحشياً وهمجياً وعشوائياً، تجلى أوّلاً في مجازر الغوطة الكيميائية، وقد يتجلى ـ مجدداً، لدى أية مناسبة، ثانياً وثالثاً وعاشراً ـ في ما لا عدّ له، ولا حصر، من الأفعال البربرية العمياء.

وليس خافياً (إلا عند أنصار النظام، المتواطئين مع خياراته هذه، المتعامين عنها عن سابق قصد وتصميم، المصفّقين لها بوصفها "ممانعة" أو "مقاومة" ضد "التكفيريين"، المشاركين في تنفيذها على الأرض...)، أنّ أرباب النظام وضباطه، وبشار الأسد شخصياً على رأسهم، يؤمنون بأنّ قتل مئات السوريين، والأطفال منهم بصفة خاصة، في دقائق معدودة، هو واحد من أفضل سُبُل رفع المعنويات المنهارة. وإذْ يبدو الأمر همجياً صرفاً، وغير آدمي على أيّ نحو، في تفكير امرىء عاقل متصف بالحدود الدنيا من طبائع التفكير الإنساني؛ فإنه ليس طبيعياً وعادياً ومقبولاً، فحسب، في نظر الآمر بإلقاء سلاح دمار شامل فتاك على بشر نيام، بل هو مدعاة بهجة وفرح وانتصار. وذلك الآمر لا يفكّر في قطعان الفرحين المبتهجين إلا بوصفهم حيوانات انتقام، أو أدنى ربما، تقف خلفه لانها تفرح لسفك الدماء وتبتهج، إشباعاً لغريزتَين: تهدئة المخاوف من الآخر، حتى إذا كان رضيعاً وطفلاً؛ وإشباع عصاب الانعزال، الأقلوي أو الطائفي أو القطيعي، المريض الملوّث.

والمرء، بالطبع، يراهن على أنّ أمثال هؤلاء السوريين، حيوانات الانتقام الراقصة على جثث الأطفال، ليسوا موجودين إلا ضمن نسبة مطابقة لأولئك الوحوش الآمرين بالذبح الجماعي؛ أو، حسب رهان آخر وطنيّ أكثر، أنّ النسبة ذاتها ليست إلا تلك العابرة المؤقتة التي لا يجوز أن تُرى في صفة الظاهرة، أو تُعمم اعتباطاً على أيّة جماعة. وبهذا المعنى فإنّ المشاهد المروّعة التي خلّفتها المجازر الكيميائية في الغوطتين ينبغي أن تهزّ ضمائر السوريين، أجمعين، أياً كانت ولاءاتهم وانحيازاتهم، وأن تكون لها سمات تطهيرية عند جميع السوريين؛ ما خلا، بالطبع، أولئك الذين أمروا بتنفيذ المجازر، إذْ أنّ انتماءهم إلى الإنسانية عامة، وليس إلى الصفّ السوري وحده، أمر مطعون فيه أساساً.

وليس أقلّ سوءاً من هؤلاء، القتلة الآمرين بارتكاب المجازر، إلا ذلك الفريق الذي ينزّههم عن ارتكابها؛ أو يلقي باللوم على المعارضة في "استفزاز" التسبب بوقوعها، أو حتى بالمسؤولية المباشرة عن تنفيذها، كما فعلت إيران وروسيا؛ أو، في فئة ثالثة ليست أدنى انحطاطاً، وضع النظام والمعارضة في سلّة واحدة، من حيث استخدام الأسلحة الكيميائية. أمّا الصفّ المنافق، الذي يكتفي بالإدانة اللفظية، أو ذرف الدموع مدرارة على الضحايا، أو يطالب بتحقيقات أكثر تمحيصاً لاستخدام (وبالتالي احتمال عدم استخدام!) هذه الأسلحة؛ فإنه يشمل الغالبية الساحقة من "أصدقاء الشعب السوري"، عرباً وعجماً على حدّ سواء، والرئيس الأمريكي باراك أوباما على رأسهم.

وهكذا، اختفى سيد البيت الأبيض، ذلك اليوم، حين تقاطرت أخبار مجازر الغوطة وتواترت مشاهدها الهولوكوستية، وتصدّرت الصحف غرباً وشرقاً؛ واختفى معه وزير الخارجية، ثمّ وزير الدفاع، ورئاسة المخابرات المركزية... فلم يظهر إلا جوش إرنست، النائب الأوّل للسكرتير الصحفي، الذي أعرب عن "قلق" الولايات المتحدة إزاء تقارير الهجمات الكيميائية. الذي ظهر أيضاً، وإنْ على نطاق آخر يخصّ الكونغرس، كان الجنرال مارتن دمبسي، قائد الجيوش الأمريكية، الذي قال ـ في رسالة إلكترونية إلى النائب الديموقراطي إليوت إنجل ـ إن أي تدخل عسكري أمريكي في سورية لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة، لأن "المعسكر الذي نختار دعمه يجب أن يكون مستعداً لتعزيز مصالحه ومصالحنا عندما تميل الدفة لمصلحته. والوضع حالياً ليس كذلك".

طريف، مع ذلك، أنّ أوباما هو المعنيّ الأوّل بتداعيات هذه المجازر الكيميائية، لأنه صاحب الوعد الشهير بأنّ استخدام أيّ سلاح كيميائي سوف يغيّر قواعد "اللعبة"، وبالتالي سوف يستدعي خطوات أخرى تصعيدية من جانب واشنطن، ضدّ النظام السوري. وقبل شهرين، فقط، كان أوباما قد أعاد التأكيد على هذا الخطّ، ثمّ تابع طرائق الالتفاف على تبعاته (التي كان هو الذي ألزم نفسه بها!)، حين أكّد: "مهمتي هي أن أزن المصالح الفعلية الحقيقية والشرعية والإنسانية لأمننا القومي في سورية، ولكن أن أزنها على أساس الخطّ الأساس الذي رسمته، وهو البحث عمّا هو أفضل لمصلحة أمن أمريكا والتأكد من أنني لا أتخذ قرارات مرتكزة على أمل وعلى صلاة، بل على تحليل صلب بمصطلح ما يجعلنا أكثر أماناً، ويكفل استقرار المنطقة".

كذلك اعتبر أوباما أنّ استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية ما يزال مسألة "تصوّر"، أي أنه احتمال "انطباعي" فقط، وليس واقعة ملموسة ومرئية، تستند على أدلة مادية قاطعة. الإدارة، استطراداً، ليست متأكدة بعدُ، أو ليست متأكدة نهائياً وقطعياً، من أنّ النظام السوري قد تجاوز ذلك الخطّ الأحمر الشهير. لهذا يصعب على البيت الأبيض "تنظيم تحالف دولي" حول أمر "مُتصوَّر" فقط؛ و"لقد جرّبنا هذا من قبل، بالمناسبة، فلم يفلح على نحو سليم"، قال أوباما، في إشارة صحيحة إلى الخطأ الذي ارتكبه سلفه جورج بوش الابن في العراق. كان مدهشاً، مع ذلك، أنّ ذلك المنطق التأويلي اتكأ على منطق تبريري ينسفه، أو يبطل سلامته: أنّ إدارة أوباما تقرن القول بالفعل حين تتيقّن، أو حين تعلن اتخاذ موقف محدد، والدليل على ذلك ما فعلته مع أسامة بن لادن، ومعمّر القذافي!

والحال أنّ أيّ خطّ أحمر، لأيّ سلاح لمجتمع الدولي": مسى خلف أمريكا نفسه بها!)،مّ سعى غلى دية من جانب واشنطن، ضدّ النظام السوري.
أنّ استخدام ايّ سلاح كيماوي سوف يغكيميائي أو جرثومي، لم يكن ذريعة أوباما في التعجيل بتصفية بن لادن، أو في في قيادة تحالف أطلسي ضدّ القذافي؛ وكلا المثالين لا يضيف جديداً في تثبيت مصداقية أوباما، رئيس القوّة الكونية الأعظم؛ وليس لأيّ منهما، أيضاً، تأثير مباشر حول اتضاح أو غموض السياسة الأمريكية حول سورية، بافتراض وجود سياسة كهذه أصلاً. من جانب آخر، أما تزال إدارة أوباما تواصل التشكيك في واقعة استخدام الأسلحة الكيميائية، بعد مجازر الغوطة؛ أم أنّ مئات القتلى، اختناقاً أو شللاً، وعشرات المشاهد الفظيعة التي تفحصها خبراء الأسلحة الكيميائية وقادتهم إلى الجزم باستخدام تلك الأسلحة... لا تشكّل، بعدُ، أدلة ملموسة قاطعة؟

ولا مفرّ، اليوم، من استعادة افتراض سابق، حوّلته مجازر الغوطة الكيميائية إلى حقيقة ساطعة، أخلاقية وإنسانية وسياسية في آن معاً: إصرار أوباما على حصر الخطّ الأحمر في استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، جعل الأسد يعطي لذاته كلّ ضوء أخضر ممكن، لاستخدام كلّ سلاح، من المدفعية الثقيلة، إلى القصف الجوي، فالبراميل المتفجرة وصواريخ "سكود"، مروراً بمجازر العقاب الجماعي ومذابح التطهير الطائفي. ولأنه عبر كلّ، وأيّ، خطّ أحمر في ارتكاب الفظائع بحقّ الشعب السوري، فإنّ الأسد بلغ تلك المرحلة التي بات الوصول إليها محتماً: أن يختبر إدارة أوباما في خطها الأحمر، ذاته، فلا يستخدم الأسلحة الكيميائية على هذا النحو الهمجي والوحشي الأقصى، فحسب؛ بل أن يفعل فعلته على مبعدة كيلومترات قليلة من فندق الـ"فور سيزن"، حيث يقيم الفريق الأممي المكلف باستقصاء استخدام الأسلحة الكيميائية!

وعلى شاكلة أوباما، ورهط المنافقين من "أصدقاء سورية"، ثمة من يتساءل ـ جاداً، بعد كلّ تلك المشاهد الهولوكوستية في الغوطتَين الشرقية والغربية ـ عن غرابة اختيار النظام لهذا التوقيت بالذات، حين تكون الأنظار معلقة على أعمال فريق التفتيش الأممي. تُنسى، هنا، اعتبارات الذعر الثلاثة التي سيقت في الفقرات الأولى من هذه السطور؛ مثلما تُسقَط من الحساب تلك الخيارات الانتحارية التي لم يتوقف النظام عن الاستقرار عليها، منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبية، في آذار (مارس) 2011؛ وتُغفل، أخيراً، حقائق سيناريوهات التصعيد الهوجاء التي صار النظام أداة تنفيذها، لصالح موسكو وطهران، والنيران التي صارت سورية باحة إشعالها بالنيابة عن إسرائيل.

ويبقى أنّ حساب قاصفي أطفال سورية بالأسلحة الكيميائية ليس في واشنطن أو باريس أو الرياض أو الدوحة أو اسطنبول، ذات يوم آت لا ريب فيه؛ بل في عين ترما وزملكا وعربين وحمورية، وسائر القرى والبلدات والمدن السورية التي كانت ضحية مرور البرابرة الجدد، في تاريخ سورية العريق العتيق.

الأحد، 18 أغسطس 2013

رفيق الصبان: وداع رائد كبير

في إحدى مستشفيات القاهرة، بعيداً عن وطنه سورية، ومدينته الأثيرة دمشق، رحل رفيق الصبان (1931ـ2013)، الناقد السينمائي الكبير الرائد، وكاتب السيناريو، والمسرحيّ، وأحد أهمّ نقّاد الدراما التلفزيونية، وبين الأكثر رصانة في الكتابة عن فنون عصرنا البصرية والسمعية. وهذا رجل، على شاكلة صفوة رائعة وفريدة من أبناء سورية الذين جايلوه أو سبقوه بقليل، كان مؤسسة ثقافية قائمة في ذاتها، معتمدة على ذاتها؛ جمعت بين فضائل الريادة والتأسيس، ومشاقّ دروبها الوعرة، وكرامة شقّ الطريق كمَن يغذّ السير في حقول ألغام متعاقبة. وأن يكون امرؤ رائداً ومؤسساً في آن، أمر كفيل بإثارة الأنواء العاتية والعواصف الهوجاء، فضلاً عن الكثير من حملات الإنكار والتحريم والتأثيم، وانطباق تلك الحكمة المأساوية العتيقة: لا كرامة لنبيّ في أهله!

رحل الصبان، إذاً، في مصر التي اختارها وطناً ثانياً، أقرب إلى منفى اختياري/قسري، وذاك ـ كما علّمنا إدوارد سعيد في واحدة من ألمع مقالاته عن ذهنية المنفيّ ـ بين الأنساق الأشدّ وطأة، والأقسى مرارة. ومنذ الشهور الأولى في عمر "الحركة التصحيحية"، خريف 1970، تهافت رجال انقلاب حافظ الأسد على التنكيل بعدد من خيرة رجالات الفنون، في السينما والمسرح والإذاعة والتلفزة، تحت ذرائع كاذبة شتى. ولم يكن عجيباً أنّ يكون الصبان (مؤسس "المسرح القومي"، ومديره طيلة سنوات؛ ومدير برامج التلفزيون، ومؤسس فرقته الدرامية؛ ومدير الشؤون السينمائية العامة في "مؤسسة السينما" الحكومية، وأحد أبرز المساهمين في تأسيس "صالة الكندي" التي احتضنت عشرات المهرجانات الرفيعة، وحاضنة أوّل نادٍ سينمائي جادّ)، في عداد أوائل المنكّل بهم.

وهذا الرجل، الذي يحمل الدكتوراه في الحقوق العامة من جامعة السوربون، وقع في هوى الفنون عبر خشبة المسرح أوّلاً، فأخرج ـ اتكاءً على مقاربات طليعية، عصرية، وإشكالية غالباً ـ سلسلة من الأعمال الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة؛ بينها شكسبير: "ليلة الملوك"، و"تاجر البندقية"، و"يوليوس قيصر"؛ ماريفو: "الاعترافات الكاذبة"، و"لعبة الحبّ والمصادفة"؛ وموليير: "طرطوف"؛ وألبير كامو: "العادلون"؛ وناظم حكمت: "حكاية حبّ". وحين استولت السينما على جلّ اهتمامه، لجهة السيناريو تحديداً، كتب الصبان مجموعة من أفضل أفلام السينما العربية المعاصرة، اتسمت على الدوام بإشكاليات سياسية واجتماعية ذات حساسية عالية، لعلّ أشهرها "زائر الفجر"، 1973، شريط ممدوح شكري الذي سُحب من الصالات بعد أسبوع واحد من عرضه. وحصيلته، في هذَين الميدانين، تبلغ 25 شريطاً سينمائياً، و16 مسلسلاً للتلفزة؛ فضلاً عن عشرات المراجعات النقدية المعمقة، التي واظب على نشرها في الصحف والمجلات.

كتابه الأخير "السينما كما رأيتها"، 2012، يستجمع خلاصات نصف قرن من مشاهدة سينمات العالم، وتحليل خصائصها المحلية المختلفة، وربطها بحصيلة إجمالية لتأثيرات الفنّ السابع في الذائقة الجمالية الإنسانية، خاصة في قدرة السينما على التنوّع والاختلاف، وتلوّن مدارسها بأساليب فردية وأخرى كونية، وطرائق عيش ونماذج وجود، بين أقصى توترات الحياة البشرية المعاصرة، في المأساة مثل الملهاة. وفصول الكتاب تعرّفنا على ما امتاز به الصبان دائماً، من إطلالات بانورامية على المشهد السينمائي العالمي، إذْ نقرأ عن سينما الهند أسوة بالسويد، ومنجزات "الموجة الجديدة" الفرنسية أسوة بالواقعية الإيطالية، ونثمّن الانفرادات (غريفيث، شابلن، أورسون ويلز) أسوة بالظاهرات الجماعية (السينما اليابانية، هوليوود، مصر).

وللصبان ترجمات متميزة، لعلّ أبرزها ثلاثة أعمال. الأوّل بعنوان "نظرات في الأدب الأمريكي"، للناقد الفرنسي موريس ـ إدغار كواندرو، الذي يقترح قراءة مختلفة في أعمال وليام فوكنر وجون دوس باسوس وإرسكين كالدويل، كما يعرّف القارىء على أدباء (كانوا، ساعة إصدار الكتاب) في عداد المؤلفين الجدد. العمل الثاني هو "في النقد السينمائي الفرنسي"، للفرنسي جان ـ لوي بوري، الذي لا يستعرض مدارس النقد السينمائي الفرنسي وتياراته، بصفة خاصة، فحسب؛ بل يناقش، أيضاً، جملة الركائز التقنية والمعرفية التي لا غنى عنها في أية كتابة عن فنّ بالغ الأهمية والخطورة، ويقتضي بالتالي أقصى التعمق والجدية. وأمّا العمل الثالث فهو في ميدان المسرح هذه المرّة: "الإسلام والمسرح"ن للباحث التونسي محمد عزيزة؛ وهنا، إضافة إلى موضوعات الكتاب الغنية في ذاتها، حرص الصبان على أن تضمّ الترجمة بحثاً ثانياً مترجماً عن الفرنسية، بعنوان "فكرة المسرح والطقوس الإسلامية"، كتبه رشيد بنشنب؛ وكذلك نصّاً مسرحياً تراثياً بعنوان "آلام الحسين ومأساة كربلاء".

وتبقى إشارة إلى مقال بعنوان "سينما تتحدى الاستبداد"، كتبه الصبان في صيف 2012، عن شريط حاتم علي "الليل الطويل"؛ والذي كتبه هيثم حقي "بحرفية عالية وإحساس ثوري شديد، مضيفاً إلى قدرته الإخراجية موهبة كتابية مؤثرة وملفتة للنظر"، كما قال الصبان. الشريط، في نظره، نموذج مضيء "يعيد لنا الثقة في سينما سورية تنبعث دائماً من رمادها، وترفض بإصرار متكبر وعناد"؛ لأنها، على غرار خالد تاجا في أحد مشاهد الفيلم، كناية عن سوري "يستقبل حبات المطر، مطر الحرية"، على وجه "طالما حلم بهذا الماء المقدّس، الذي حرمته منه القضبان".

.. أو المنفى، كذلك؛ هذا الشرط الرهيب الذي جعل الصبان يوصي بأن يُدفن في القاهرة، لا في دمشق، ربما لكي نتنبّه إلى أنّ "خيام اللاجئين السوريين تذكّرنا بخيام الهاربين من الجحيم الإسرائيلي بعد نكبة الأربعينات"، كما كتب.