وعزّ الشرق أوّله دمشق

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

"فتح" في ضيافة الأسد.. بعد ذرف الدموع على عوفاديا!

الذي يعزّي الكنيست الإسرائيلي بوفاة أحد كبار عنصريي اليهود في عصرنا، وأحد أعتى المتطرفين في كراهية العرب، وبغض الـ"غوييم" عموماً وسائر "الأغراب" عن بيت إسرائيل؛ لماذا، في التوقيت ذاته، لا يرسل مندوباً شخصياً عنه، يحدث أيضاً أنه عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، للتضامن مع بشار الأسد، سفّاح الشعب السوري، وريث واحد من اشرس سفّاحي الشعب الفلسطيني؟ هذه آخر أحوال الرئيس الفلسطيني محمود عباس: في إهراق العبرات (التي قد تكون صادقة حقاً، وليست من صنف دموع التماسيح) على رحيل الحاخام عوفاديا يوسف، الذي وصف العرب بـ"أبناء أفاعٍ" ندم الربّ ذاته على خلقهم؛ وفي إيفاد الأخ شريف علي مشعل (عباس زكي، في ألقاب نضالات أيام زمان!)، لتمجيد رأس النظام السوري.

وقبل أن ينتفض أشاوس "فتح" وسلطة عباس دفاعاً عن أحد قادتهم، ليست مفردة "تضامن" من عندياتنا، وليست انسياقاً بلاغياً مستمداً من روحية اللقاء بين الأسد وزكي؛ بل هي واردة في النصّ الرسمي الذي وزّعته سانا، وكالة أنباء النظام، في تغطية الزيارة. ولقد نقلت عن زكي تشديده على "تضامن الشعب الفلسطيني مع سورية في مواجهة العدوان الذي تتعرّض له"؛ كما اقتبست قوله إنّ "استهداف سورية استهداف للأمة العربية، لأنّ ما يجري من استنزاف لمقدّرات شعبها وجيشها يأتي في سياق مخطط أكبر يرمي إلى تقسيم دول المنطقة وإضعافها خدمة لمصالح إسرائيل". إلى هذا، لم توحِ الصور الفوتوغرافية بأنّ جفناً قد رفّ في محيّا زكي حين تكاذب الأسد، ومخيم اليرموك يعاني الحصار والتجويع، بأنّ "الأحداث التي تشهدها سورية لم ولن تغيّر نهج الشعب السوري إزاء أشقائه الفلسطينيين الموجودين في سورية، بل زادتهما لحمة وتماسكاً في مواجهة الاعتداءات الإرهابية التي تستهدفهما معاً"!

ولكي لا تبدو هذه التصريحات وكأنها "مدسوسة" على المناضل الفتحاوي المخضرم، أو "منتزَعة من سياقاتها" كما جرت العادة في أصول التنصّل من الأقوال؛ أكمل زكي دقّ المسمار إلى النهاية، فالتقى مع مندوب "جراسا نيوز"، في العاصمة الأردنية عمّان هذه المرّة، عقب عودته من دمشق، وأكمل ما استحى إعلام النظام السوري ذاته من نسبه إليه. ففي ملفّ "العدوان" ـ الذي يتعرّض له النظام السوري، وليس غزّة أو رام الله أو المسجد الأقصى... ـ شطح زكي بما لم يشطح به أردأ "الممانعين" وأشدّهم بلادة وسطحية: "دمشق عاصمة المقاومة والممانعة، دمشق العاصمة والدولة التي حافظت على هوية الفلسطيني وأعطته حقوق المواطنة كاملة بالوقت الذي أبقت فيه على هوية الفلسطيني كشاهد على جرائم الصهيونية التي احتلت الأرض وهجّرت الإنسان. دمشق لم تسقط خيار المقاومة يوماً. سورية التي رفضت التخلي عن الفلسطيني في أدق مراحل تاريخه".

هل نسي زكي، الذي درس في دمشق وتخرّج من جامعتها، دلالات وجود جحيم أمني مخصص اسمه "فرع فلسطين"، خاصّ كذلك في شراسة ضباطه وهمجية أساليبه؛ تكفّل بترويع فلسطينيي سورية، قبل أن يوحّدهم مع أشقائهم السوريين في الترهيب والتنكيل والتعذيب؟ هل نسي مشاركة حافظ الأسد، شخصياً، في التآمر على المقاومة الفلسطينية أثناء جولات "أيلول الأسود"، ثمّ شنّ الحرب عليها بعدئذ في لبنان، مباشرة أو عن طريق وكلاء محليين؟ هل نسي حصار المخيمات، وحصار بيروت، وحصار طرابلس...؟ ومَنْ يعلّم ابن "فتح"، ربما أكثر من سواه، مجلدات ومجلدات في تاريخ غدر آل الأسد بالحركة، وذلك منذ عام 1964، أي منذ انطلاقة "فتح" والعمليات الفدائية الأبكر؟

كذلك، في هذا الصدد، ألا تنطوي أكاذيب زكي على إهانة شخصية لذكرى ياسر عرفات نفسه، القائد التاريخي الحقّ لحركة "فتح"، الذي عانى الأمرّين من الأسد الأب، ليس في "أدقّ مراحل" التاريخ الفلسطيني، فحسب؛ بل في كامل ذلك التاريخ، منذ صعود نجم الأسد داخل معمار النظام السوري، بعد حركة 23 شباط (فبراير) 1966، ثمّ انقلاب الأسد سنة 1970؟ ثمة هنا إغراء دائم في استذكار واقعتين ضمن هذا التاريخ، أولاهما تعود إلى سنة 1964، حين قامت مفرزة تابعة للمخابرات العسكرية السورية باعتقال عرفات، بتهمة "التحضير لأعمال تخريبية"، بعد تفتيش صندوق سيارته والعثور فيها على أصابع ديناميت. الاعتقال دام ساعات قليلة، لكنّ الحادثة بدت غريبة لأنّ عرفات كان ينقل الديناميت بعلم وتسهيل القيادة السورية، ولديه موافقة رسمية بنقل أسلحة مختلفة إلى معسكرات تدريب "فتح" في سورية.

وكان اللواء أحمد سويداني، رئيس الأركان آنذاك، هو الذي نقل ذلك إلى عرفات شخصياً، بعد مفاوضات بين الرجلين كانت قد بدأت مطلع ربيع ذلك العام. أمّا الآمر الحقيقي وراء مذكّرة الاعتقال فقد كان الرجل القويّ في الجيش، وصاحب النفوذ الواسع في مختلف أجهزة الاستخبارات، وقائد القوى الجوية، اللواء حافظ سليمان الأسد. كان سويداني يمثّل طموح حزب البعث الحاكم في احتكار القضية الفلسطينية سياسياً وعقائدياً، ولهذا أقنع القيادة بالسماح لـ "فتح" بحرّية التدريب على الأراضي السورية. في المقابل، كان الأسد يمثّل مطامحه الشخصية في السيطرة على مقاليد الأمور والتمهيد لاستلام السلطة، ولهذا فقد ذكّر عرفات بأنه صاحب القرار الأقوى، وأنه هو المرجعية العليا التي يتوجب على "فتح" أن تعود إليها.

وتلك الحادثة الأولى سجّلت بدء تاريخ طويل من العداء بين عرفات وخصمه (العربيّ!) الأكثر شراسة، الأسد الأب؛ الذي أصرّ على تحويل جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، و"فتح" بصفة خاصة، إلى ورقة في جيبه ولصالح خططه التكتيكية والستراتيجية على حدّ سواء. أمّا الأوّل، عرفات، فقد ظلّ مصرّاً على ضرورة بقاء البندقية الفلسطينية، والقرار الفلسطيني تالياً، في حال من الاستقلال التامّ عن مختلف الأنظمة العربية، وعن صراعاتها الداخلية أو الإقليمية. وهذا ما جعل الواقعة الثانية مجرّد تتمة منطقية للواقعة الأولى؛ حين قرّر الأسد، في 24 حزيران (يونيو) 1983، طرد عرفات من العاصمة السورية بوصفه "شخصاً غير مرغوب به". ويروي ألان هارت، في كتابه "عرفات"، أنّ جورج حبش كان آخر الفلسطينيين الذين ودّعوا عرفات في مطار دمشق، وأنه احتضنه قائلاً: "يا الله يا أبو عمّار! إذا كنتَ أنت تغادر الشام هكذا، فكيف سأغادرها أنا؟ ربما في كفن"!

وريث ذلك النظام، الأسد الابن، هو الذي يتطوّع زكي لغسله اليوم، بل يمارس في الغسيل ما عفّ عنه مزيّفو خرافة "جهاد النكاح" أنفسهم: "نحن مع محور دمشق ايران روسيا الدولة العظمى في وجه التغول الصهيوني المدعوم من ماكينة إعلام صهيونية ولوبي استطاع غسيل العقل الغربي واقناعه بأن هذا الوطن العربي من المحيط الى الخليج صحارى وكثبان من القبائل المتقاتلة على مكاسب دنيوية رخيصة لفكر انتج جهاد المناكحة"! وأيضاً، لكي يذكّرنا الفتحاوي بأنه فلسطيني، نقتبس المزيد من أقواله العصماء (مع الاحتفاظ بأخطائها اللغوية): "ذهبنا الى دمشق لحماية 15 مخيم للاجئيين فلسطين، ذهبنا الى دمشق لحماية مخيمات اللجوء التي حاولت القوى الاسلامية وقوى فلسطينية مشبوهة بزج الفلسطيني في سورية كحطب لمعركة الاخرين التي تخوضها القوى الغربية باموال عربية وسلاح غربي حيث تم خلط الاوراق وتحولت وجهة النضال والكفاح ضد الاخ وتركت اسرائيل تنام في عسلها"...

ولا يكتفي زكي بإغداق هذه المدائح على نظام الأسد، بل يتوجب أيضاً قدح الانتفاضات العربية جمعاء، بلا استثناء: "هذا ليس ربيعا هذا استكمال لمشروع فرق تسد الاستعماري فالغرب الاستعماري ومنذ اكتشاف النفط هذه اللعنة التي حلت بالامة العربية حيث ابتدات الدول العظمى انذاك بالتفكير بحماية منابع الطاقة، هذا ما دفع هذه القوى الاستعمارية بايجاد كيان في قلب المنطقة تقوم بدور الحارس الامين لكنوز النفط والطاقة وتعمل على تاجيج الخلافات الدينية والاثنية والقومية والعصبية وفي كل مرحلة من مراحل القضية يتم اشهار ورقة من هذه الاوراق بحسب الضخ الاعلامي الذي سيطرت عليه مبكرا المنظمات الصهيونية، هذا الكابوس ليس ربيعا انه معولا لهدم ما تبقى من قومية وعروبة"!

ويبقى اقتباس أخير، ضروري أخلاقياً، قبل ضروراته السياسية والتاريخية، حول الموقف من حسن نصر الله و"حزب الله"؛ نسوقه مع الاحتفاظ بالأخطاء اللغوية، هنا أيضاً. يسأله محاوره: "هل لاحظتم ان هذا القائد وحزبه يشكلون خطرا على الامة العربية لكونه كما يشاع قبضة ايرانية متقدمة؟"، فيجيب زكي: "على العكس تماما السيد نصرالله من الاقلاء المؤمنون بالامة العربية والاسلامية واداة قياسنا لاية قوة هو علاقته باسرائيل ان كان هاديء اضع يدي على قلبي وان كان مصدر قلق لاسرائيل فهو الى جانبي، فأي دولة تطمأن لها اسرائيل تدفعنا للقول لاحول ولا قوة الا بالله. بالنسبة لحزب الله فاننا نقول عاشت الايادي طالما كنتم تهددون اسرائيل"!

بيد أنّ زكي، ليس صوت نفسه، حتى إذا كان هو الناطق بهذه الشطحات الفاضحة؛ لأنه، ببساطة، صوت سيّده محمود عباس، الذي يندر أنه أفلح في إخفاء عواطفه تجاه آل الأسد، الابن بعد الأب؛ ويندر، أكثر، وعلى مستوى جوهري أعمق، أنه أفلح في تمثيل كرامة الشعب الفلسطيني على نحو مشرّف. والقبلات التي تبادلها زكي مع الأسد، سبق أن تبادلها سيّده مع الدكتاتور نفسه، مطلع العام 2007؛ في مسعى من عباس لطرح الزيارة بضاعة في اسواق التبادل الأمريكية ـ الإسرائيلية، أو المساومة عليها مع بعض الأطراف العربية مثل مصر والأردن والسعودية وقطر، ثمّ إعادة تسويق دور ما للرئاسة الفلسطينية في ما يخصّ الحوارات الأعرض نطاقاً مع طهران ودمشق.

وذات يوم، لكي نبقى في سيرة القبلات، كان يوري أفنيري ـ الكاتب الإسرائيلي المعروف، أحد أنزه يهود العالم القلائل الذين يدعمون الحقّ الفلسطيني بلا هوادة، وأوّل إسرائيلي يلتقي علانية مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ـ قد اختار تعبير "قبلة الموت" في توصيف ما طبعه إيهود أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، على خدّي عباس. أكثر من هذا، أضاف أفنيري: "منذ أن عانق يهوذا الإسخريوطي يسوع المسيح، لم تشهد أورشليم القدس قبلة مثل هذه"! لعلّ القبلات، أسوة بالدموع المدرارة التي ذُرفت حزناً على حاخام "شاس"، أحدث منتوجات السلطة الفلسطينية من بضائع؛ كاسدة، فاسدة، رخيصة...

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

"ممانعة"... ولكن غير كيميائية!

كباحث عن إبرة في كوم قشّ، أو كساعٍ بعدئذ إلى حشر فيل في خرم الإبرة ذاتها، يفتش المرء عن "ممانع" عربي واحد رأى في قرار مجلس الأمن الدولي 2118، حول تفكيك الأسلحة الكيميائية في سورية، انبطاحاً من جانب نظام بشار الأسد، أو تنازلاً عن ركن أساس في ما سُمّي "الردع الستراتيجي" مع العدوّ الإسرائيلي. في المقابل، يعثر المرء إياه على اكتظاظ، بل تزاحم بالمناكب، لدى أولئك "الممانعين" الذين يرددون، على نحو يخجل منه طائر الببغاء، أقوال الأسد التي ترى في ذلك القرار انتصاراً شخصياً لمهاراته التكتيكية (نعم، بل لعلّه ظفر مبين!)؛ لأنّ تلك الأسلحة كانت "عبئاً" في الأساس، ومجلس الأمن الدولي تطوّع (أم هو اضطرّ، صاغراً؟) إلى مساعدة النظام في التخلّص من الترسانة بأسرها!

وهكذا، قال الأسد لعدد من زوّاره، حسبما نشرت صحيفة "ممانعة" يشرف عليها "حزب الله" اللبناني: "الكيميائي ليس هدفهم ولم يكن. هم كانوا يريدون تغيير موازين القوى وحماية إسرائيل. نحن قلبنا الطاولة عليهم ورمينا الكرة في ملعبهم، فأحرجوا أمام الرأي العام الأمريكي والأوروبي، بل داخل الإدارة الأمريكية نفسها"! كيف هذا، والسلاح الكيميائي معادل كبير في "التوازن" ضدّ إسرائيل؟ وأية طاولة تلك التي انقلبت؟ هنا إجابة الأسد: "أصلاً صنعنا الكيميائي في الثمانينيات كسلاح ردع في مواجهة السلاح النووي الإسرائيلي. الآن لم يعد سلاحاً رادعاً. لدينا ألف طن من الكيميائي يشكلون أصلاً عبئاً علينا. التخلص منها يكلف أموالاً طائلة ويستغرق سنوات، ويطرح تحديات بيئية ومشكلات لا بد من حلها. فليأتوا ويأخذوها".

ما الذي يبقى من "التوازن" إياه، مرّة أخرى؟ الشطر الثاني من إجابة الأسد يصلح قنبلة نووية في يد "الممانع"، المتعطش إلى "ممانعة" من أيّ طراز، حتى في أضعف الإيمان، أي على مستوى الجعجعة وحدها: "لدينا اليوم أسلحة ردع أكثر أهمية وأكثر تطوراً حيال إسرائيل التي يمكننا أن نعمي بصرها في لحظات"! الويل للعدوّ الإسرائيلي من هذه "اللحظات"، لأنها لا تُبقي على الكيان، ولا تذر! الثبور، وعظائم الأمور، ممّا يخبئه جيش الأسد من أسلحة فتاكة، ساحقة ماحقة، لم تتجاسر على نسج مآثرها حتى المخيّلات المنفلتة من كلّ عقال، عند أمثال وئام وهاب أو ناصر قنديل أو فايز شكر! وليس مطروحاً البتة، عند رهط "الممانعة" في أصنافه وأطرافه كافة، ذلك السؤال البسيط الذي يقول: حسناً، أين كانت، ولماذا ظلت خبيئة، تلك القوّة الجبارة حين أغارت إسرائيل على سورية، مراراً وتكراراً، طيلة 13 سنة من توريث الأسد؛ وقبله، طيلة سنوات من سلطة أبيه؟

ليست، أو بالأحرى لم تعد، مطروحة (حتى عند حسن نصر الله، ومرجعياته العليا في طهران) سلسلة الأسئلة التي عدّدها، ذات يوم غير بعيد، الصحافي الأمريكي شارلز ريز، وصاغها على هيئة أحجية متكاملة تكون مفردة إسرائيل هي الإجابة الوحيدة عليها، كلّها: من هي الدولة التي تنفرد عن جميع دول الشرق الأوسط في امتلاك الأسلحة النووية؟ التي ترفض حتى الآن التوقيع على الاتفاقيات الدولية لحظر انتاج الأسلحة النووية، بل وتمنع القيام بأي تفتيش على منشآتها النووية؟ التي احتلت عسكرياً أراضي الدول المجاورة، وتواصل الاحتلال متحدية بذلك جميع قرارات مجلس الأمن الدولي المطالِبة بإزالة آثار العدوان؟ التي استخدمت جاسوساً يُدعى جوناثان بولارد، لسرقة وثائق سرّية أمريكية، ثم باعتها إلى الاتحاد السوفييتي؟ الدولة التي أنكرت الواقعة في البدء، ثم اعترفت بها ومنحت بولارد الجنسية الفخرية، بل ونظمت حملات ضغط واسعة لإطلاق سراحه، لأنه في نظرها بطل وطني؟

فإذا كان فلسطينياً، ذلك "الممانع" المطبّل لنظام الأسد، الساكت عن جرائمه بحقّ الشعب السوري، أو المدافع عن المجازر والمذابح واستخدام أسلحة "الردع" ضدّ الغوطة، وليس تل أبيب؛ فإنه سيتغاضى، عامداً، عن سلسلة أخرى من الأسئلة التي تخصّ عشرات الممارسات العسكرية والأمنية والاستيطانية التي تدخل جميعها، ودون كبير عناء، في مسمّى واحد وحيد، هو النازية الجديدة: الأسوأ والأشدّ فظاعة وبشاعة وبربرية ووحشية. أمّا إذا كان "الممانع" مصرياً، ويحبّ محمد البرادعي، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنه سيتناسى أسئلة مثل هذه: مَن هي الدولة التي كانت تكنّ للوكالة الاحتقار كلّ الاحتقار، ولكنها أخيراً تواضعت وتكرّمت فسمحت للبرادعي أنّ يتفقد منشآتها من ارتفاع طائرة محلّقة في الأعالي، فقط؟ الدولة التي كافأ ذلك المدير العام كرمها، بالقول إنه "يتفهم" مخاوفها الأمنية والوجودية، ثمّ صبّ جام غضبه في المقابل على إيران، وعلى "الإرهابيين" الذين يمكن أن يمتلكوا الأسلحة النووية ذات يوم قريب، دون أن ينسى التشهير بالعالِم الباكستاني عبد القادر خان... الذي هرّب أسرار القنبلة النووية إلى 18 بلداً؟

والخلاصة أنّ هذه "ممانعة" تكره إسرائيل، حتماً، ولكنها لا تُكره النظام السوري على ممارسة الكره ذاته، ما دام الأسد "يمانع"، حتى على مستوى القول الكاذب المضلل وحده. وهي "ممانعة" صارت تكره الكيمياء، بالضرورة واستطراداً، خاصة في ظلّ القرار 2118، وشروحاته الأسدية، واستبداله بسلاح آخر أشدّ فتكاً وهولاً، يعمي بصر إسرائيل، قبل أن يزلزل الأرض بها، ويحرق الأخضر فيها واليابس!

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

صناعة "الصوملة": انتظروها في سورية.. فأتت من كينيا!

 شتان بين كينيا، بوصفها صورة الفردوس الأرضي الذي شهد المغامرة العاطفية للكاتبة الدانمركية البارونة كارين بليكسن، وعشيقها دنيس فينش هاتون (ميريل ستريب وروبرت ردفورد، في الشريط السينمائي الشهير "خارج أفريقيا")؛ وكينيا الأيام القليلة الماضية، حين نفّذت "حركة الشباب المجاهدين" الصومالية عملية إرهابية واسعة النطاق، دامت أربعة أيام، واستهدفت أحد أهمّ مراكز التسوّق السياحية في العاصمة نيروبي، وزاد عدد ضحاياها عن 70 قتيلاً. وسيّان، في المقابل، مع حفظ فوارق طفيفة تخصّ متغيرات الأزمنة، لا الجوهر والأساس؛ بين إرهاب قادم من الجوار، يثأر لتدخل عسكري كيني ضدّ الحركة في الصومال، بدفع من واشنطن، وتسهيل لوجستي، إضافة إلى تقارير جدّية عن استخدام طائرات أمريكية بلا طيار في اغتيال قادة "الشباب"؛ وبين إرهاب شقيق، كينيّ صرف هذه المرّة، يستعيد التراث الدامي لعملية التفجير التي استهدفت السفارة الأمريكية في نيروبي، أيضاً، وأوقعت قرابة مئتَي قتيل، جلّهم من أهل البلد.

فتّشْ عن أمريكا، إذاً، كما سيقول البعض (وفي عدادهم كاتب هذه السطور)، وعن سياسات البيت الأبيض هنا في كينيا، وكذلك في الصومال والقرن الأفريقي إجمالاً؛ ثمّ دعْ جانباً، أو حتى إشعار آخر غير منظور، صورة كينيا الفردوس الأرضي، أو صورة البلد الذي ظلّ، طيلة عقود، واحة تجانس اجتماعي ـ إثني (رغم قبائله التي يتجاوز عددها الـ 40)، وتنعّم باستقرار سياسي لم ينهض على سيرورة ديمقراطية متقدّمة نسبياً، فحسب، بل بدت نادرة في غمرة اضطرام الصراعات والنزاعات؛ في القارّة الأفريقية، عموماً، وفي منطقة البحيرات الكبرى بصفة خاصة. ولا مناص، في استكمال التشابك الجدلي لهذه السيرورة، من ربط حاضر هذه الأيام، بماضيها القريب، سنة 2008، حين كان التدخّل الأمريكي السافر في الانتخابات الرئاسية الكينية (فوز مواي كيباكي، رجل واشنطن، بفارق ضئيل عن منافسه رايلا أودينغا) إلى صبّ المزيد من الزيت على نيران المواجهات الإثنية العنيفة، وإلى استدراج عمليات "القاعدة" الإرهابية.

ولأنّ جذور الإرهاب، أينما استوطنت وضربت عميقاً، لا تنفكّ عن تربتها الاجتماعية؛ فإنّ ظواهره الكينية ارتبطت سريعاً بنزاعات اجتماعية عميقة، تعكس صراعات طبقية مستعصية، بين البؤس والرفاه، والفاقة والفساد، ومنتهى الفقر الشعبي وذروة التكلّف الحكومي. ومن جانب آخر، لم تكن "حكاية النجاح السعيدة"، كما استطاب بعض زعماء أوروبا وصف كينيا، عرضة لتهديد صراعات داخلية إثنية وقبائلية واجتماعية وسياسية، فقط؛ بل توفرت أيضاً سلسلة أسباب ذات صلة بسياسات كيباكي الخارجية، الإقليمية والدولية. فالرجل اعتُبر "رئيس الغرب المدلل"، و"صديق صندوق النقد الدولي"، و"منفّذ وصفات التقشف" القاسية التي يصدرها "البنك الدولي"، والحليف السائر كالأعمى خلف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في "الحملة ضدّ الإرهاب".

ولا يغيب عن الذاكرة الكينية مقدار الاستخفاف الذي طبع موقف واشنطن من الانتخابات الرئاسية تلك، حين سارع البيت الأبيض إلى تهنئة كيباكي، بعد نصف ساعة أعقبت تنصيبه؛ بل ذهب روب ماكينترف، الناطق باسم الخارجية الأمريكية آنذاك، إلى درجة مطالبة الشعب الكيني بقبول النتيجة (سوف تضطرّ واشنطن إلى التملّص من هذا الموقف الفاضح بعد ساعات، حين اتضح أنّ التزوير كان أشدّ جسامة من أن يُغطى). كذلك لم يكن غريباً أن يسكت الغرب بأسره عن فضائح حكومة كيباكي، التي لم يكشفها أحد آخر سوى جون غيثونغو، الرجل الذي عيّنه كيباكي نفسه للتحقيق في الفساد، فاختار المنفى الطوعي في أكسفورد، بريطانيا، بعد أن ذهبت تقاريره أدراج الرياح. وحين اضطرّ إدوارد كلاي، المفوّض الأعلى البريطاني، إلى استخدام لغة مقذعة في وصف فاسدي كينيا (قال بالحرف: لقد ابتلعوا وابتلعوا حتى تقيأوا على أحذية المانحين الأوروبيين)، كان عقابه الفوري هو الإعفاء من المنصب، وتعيين بديل أكثر تفهماً للإقياء والمتقيئين!

هذا فضلاً عن حقيقة أنّ كينيا كانت ميدان إقامة وتدريبات الـ Africom، القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة الخاصة بأفريقيا؛ رغم أنّ مدينة شتوتغارت، في ألمانيا، هي المقرّ الرسمي لرئاسة أركان هذه القوّات. وهكذا، تكتب ميكيلا رونغ، الأخصائية في الشؤون الأفريقية وصاحبة العملَيْن المميّزين "على خطى المستر كرتز: العيش على حافة الكارثة في الكونغو"، و"لست الفاعل: كيف استخدم الغرب وأساء استخدام الدول الأفريقية الصغرى": "لأنها عرضة لاستهداف متكرّر من منظمة ’القاعدة’، كما أنها ممرّ للمخدّرات الثقيلة المنصبّة على شوارع أوروبا في آن معاً، يرى الدبلوماسيون الغربيون أنّ كينيا بلد لا يعتمد استقرار المنطقة على قوّته أو ضعفه داخلياً فحسب، بل يعتمد عليه أمن البلدان الغربية كذلك".

ثمة هنا تكرار لسلسلة خطايا (فهي ليست محض أخطاء!) ارتكبتها الإدارات المتعاقبة، منذ أن اكتشفت الولايات المتحدة وجود القارّة الأفريقية، على صعيد الثروات والجيو ـ سياسة، أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. وطيلة عقود أعقبت ذلك الاكتشاف، ظلّ مخططو السياسة الخارجية الأمريكية يمارسون في القارّة دور الثور الضخم البليد الذي يغرق في سبات عميق حتى تلوح في الأفق نجمة حمراء سوفييتية، وعندها فقط يهيج ويرغي ويزبد، ثمّ يحيك المؤامرات ويشتري العملاء ويسلّح الطغاة حتى النواجذ. خلال الثمانينيات صرف الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان مئات الملايين من الدولارات لإغواء واجتذاب أسوأ دكتاتوريي القارّة، في ليبيريا وكينيا والصومال وزائير وسواها. وخلال تلك الحقبة قبض محمد سياد بري، دكتاتور الصومال الأشهر، أكثر من 700 مليون دولار على شكل مساعدات مالية وعسكرية من إدارتَيْ ريغان وجورج بوش الأب، استخدمها في بناء شبكات الولاء العشائرية، وقمع الشعب الصومالي، وتفتيت الوحدة الوطنية الداخلية.

وهل ثمة حاجة إلى التشديد على أنّ غزوة واشنطن الصومالية الشهيرة، في عام 1991، لم تكن تسعى إلى اقتفاء أثر "القاعدة" أو مطاردة أسامة بن لادن، بقدر ما شاءت إطلاق مشروع انتداب عسكري يستهدف استئناف ما كان سياد برّي يقوم به لصالح واشنطن، أي ضبط القرن الأفريقي؟ كذلك كانت الغزوة تسير على نقيض صريح، وصفيق تماماً، مع منطوق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 751، الذي منح التخويل بنشر قوّات عسكرية أممية لتنظيم عمليات الإغاثة الإنسانية، لا لشيء إلا لأنّ الرجل المسؤول عن خراب البلد (سياد بري، نفسه) كان ببساطة صنيعة البيت الأبيض. وفي تلك الأثناء كان رجل مثل هنري كيسنجر يفلسف الغزوة على أنها محض ممارسة للعبء التمديني العتيق إياه، المُلقى ـ تاريخياً، حضارياً، سياسياً، واقتصادياً... ـ على عاتق الرجل الأبيض. وأمّا عملياً فقد كانت القارّة تستشرف المزيد من المجاعات والأوبئة والحروب الأهلية، وتخضع أكثر فأكثر لهيمنة مؤسسات كونية لا تشتغل إلا لصالح اقتصاد السوق.

ثمّ أتى ردح من الزمن أجبر الثور الأمريكي على استبدال النجمة السوفييتية الحمراء بالراية الإسلامية الخضراء، أو السوداء هذه الأيام، أو الهلال في كلّ حال (تسهيلاً للأمريكي ذي الوعي المتوسط، ربما، كي يدرك مغزى التوافق بين النجمة الحمراء والهلال الأخضر!). ومنذئذ حلّت ذريعة محاربة الإرهاب الإسلامي محلّ ذريعة محاربة الشيوعية، دون أن يتغيّر الكثير في المعادلة الفاسدة العتيقة: لكي تحارب هذا أو ذاك (الشيوعية، أو الإرهاب الإسلامي)، ينبغي أن تساند الطغاة على الأرض، أياً كانت موبقاتهم وجرائمهم. ويبقى أنّ تعَلُّم أيّ شيء من دروس التاريخ كان خياراً غير ممكن، أو حتى غير مطروح على رجالات البيت الأبيض؛ بل ظلّ عند بعضهم رياضة ماركسية ديالكتيكية، غير مستحبة أيضاً، أو مكروهة بالضرورة!

وقبل الولايات المتحدة كان التاج البريطاني قد اكتشف "وكر الدبابير" الصومالية، حين قام السلاح الجوي الملكي بقصف بلاد الصومال عشرات المرّات في عام 1919، لقمع ثورة محمد بن عبد الله حسن بربر (أو "الملاّ المجنون" كما سيصفه أرشيف حروب الإمبراطورية البريطانية)، فلم يفلح التاج إلا في حراثة الرمال. الجنرال إسماي، قائد القوات البريطانية في الصومال آنذاك، كتب في مذكراته يقول: "ما تكاد طائرات سلاح الجوّ الملكي تغادر سماء المعركة بعد إلقاء حمولاتها المدمرة، حتى تعجّ الصحراء بالدراويش والهتافات: الله أكبر! الله أكبر! لكأنهم يخرجون من شقوق الصخر وأخاديد الصحراء"...

وللوهلة الأولى، وكما في كلّ مرّة، تبدو المعادلة خرقاء حمقاء ذات نتائج مدمّرة بعيدة الأثر، قبل أن تتكشف عناصرها عن انسجام عالٍ مع معظم المعادلات الأعلى التي منها يتشكّل التفسير الأمريكي لفلسفة "الحملة ضدّ الإرهاب". تلك معادلة تدير الميزان التالي: أغلِقوا هنا ثغراً (أي: حاضنة!) للتشدد الإسلامي الذي يُعدّ المناخات ويصنع ويصنّع ظواهر التطرّف والإرهاب؛ ولكن لا بأس أن تفتحوا، هناك، ثغراً جديداً لتشدّد مماثل، أو أدهى، بهوية مختلفة وأجندات ملتهبة. وفي صياغة وقائعية: أغلِقوا ثغور الطالبان في أفغانستان، وافتحوا ثغور "المحاكم الشرعية" في الصومال، أو في "صومال ـ ستان"، كما شاع بعدئذ؛ ثمّ أغلقوها في معاقل "المحاكم الشرعية"، بعد كرّ وفرّ وعنف وتدخّل عسكري مباشر وغير مباشر، وافتحوا ثغرة جديدة في كينيا، قد لا يطول الوقت قبل أن تستغلّ وقائعها محاكم شرعية من نوع آخر جديد ـ عتيق، فتشتعل كلّ الأسباب الجديرة بإطلاق وانطلاق كوابيس "كينيا ـ ستان"، حيث يستوي العنف القبائلي والإرهاب الأعمى، وحيث يشترط واحدهما الآخر!

والمرء يتعثر ـ جيئة وذهاباً، صبحاً ومساءً، في تسعة أعشار ما يُنشر عن سورية الراهنة من "تحليلات" ـ بذلك الصنف من خبراء الإسلام/خبراء الإرهاب (إذْ بات هؤلاء من طينة واحدة، باختصاص متماثل!)، ممّن لم يسجّلوا من مباذل المحاكم الشرعية في المناطق السورية "المحررة" إلا أكذوبة تحريم الـ"كرواسان"، وأغمضوا البصر والبصيرة عن جدل صعود هذه المجموعات، وتعاموا عن المخاطر الأعمق المرتبطة بتجذّرها في تربة سورية وطنية لم تكن في أيّ يوم حاضنة صالحة لها؛ ثم انتظروا أن تتمخض الظاهرة عن ولادة "الصوملة"، دون سواها؛ أو صورة طبق الأصل عنها، كما أسسها شيخ شريف شيخ أحمد في مقديشو، سنة 1991!

.. في الغضون، وحتى يأتيك بالأخبار مَن لم تزوّد، هلّت أحدث طبعات "الصوملة" من نيروبي، كينيا؛ وليس من حلب، أو الباب، أو اعزاز، أو سراقب...   

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

مَنْ ضحك أخيراً: عبابنة الأردني أم لافروف الروسي؟

بدأت الحكاية يوم 29 آب (أغسطس) الماضي، حين نشر موقع Mint Press الإخباري، ومقرّه في منيسوتا، الولايات المتحدة، تقريراً يحمل العنوان المثير التالي: "سوريون في الغوطة يزعمون أنّ ثوّاراً تزوّدهم السعودية بالسلاح هم وراء الهجمة الكيميائية". والفقرة الاستهلالية من التقرير، تسير هكذا: "الثوّار والسكان المحليون يتهمون الأمير بندر بن سلطان بتوريد أسلحة كيميائية لمجموعة من الثوّار ذات ارتباط بـ'القاعدة'". وجاء، في الخلاصة الأهمّ من معلومات التقرير، نسبة إلى مواطنين سوريين في الغوطة، بينهم أطباء وثوّار (عُرّفوا بحروف أولى من أسمائهم)؛ أنّ سوء نقل تلك الأسلحة، وكانت معبأة في أسطوانات وأنابيب، أسفر عن انفجارها، وتسبب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا.

ولقد سرت الحكاية سريان النار في الهشيم، فتلقفتها مصادر معنية بالخبر المثير في ذاته، على خلفية قرع طبول الضربة العسكرية الأمريكية ضدّ النظام السوري، بعد ذيوع أخبار مجازر الكيميائية في الغوطتَين؛ مثلما انقضت عليها منابر "الممانعة"، وأوساط تبرئة النظام السوري، فوجدت فيها ضالة دعاوية لا تُقدّر بثمن؛ كما أنّ جاذبية الحكاية لم تغب عن مناهضي الحرب، عموماً، من أصحاب النوايا الحسنة أو السيئة، على حدّ سواء. وإذا كان طبيعياً تماماً، ومنتظَراً، أن تتبناها وسائل إعلام إيرانية، وأخرى مرتبطة بأجهزة "حزب الله"، ومَنْ لفّ لفّهم من مواقع ومدوّنات وأفراد؛ فإنّ اللافت، بصورة خاصة، كان إسراع مواقع إخبارية روسية رسمية إلى المصادقة على الرواية، بحذافيرها، وإلى اعتناقها، إلى درجة اقتباسها ـ نصّاً كاملاً، أو تحريفاً قليلاً، أو تلميحاً ـ في تصريحات كبار المسؤولين الروس، بمَنْ فيهم وزير الخارجية سيرغي لافروف!

اعتبارات أخرى ساهمت في رواج الحكاية، بالطبع؛ بينها أنّ الرأي العامّ العالمي ـ على نطاق عريض، في أربع رياح الأرض ـ كان، ويظلّ، جاهزاً لتصديق كلّ ما يُنسب إلى المعارضة السورية، وخاصة أجنحتها الإسلامية المتشددة، من فظائع (ليس دون بعض الأسباب الوجيهة، على غرار اقتلاع القلوب الآدمية، والتهامها، وتصوير المشهد، ثمّ تعميمه على الـ"يوتيوب"، كما يتوجب التذكير). اعتبار آخر، مهني صرف هذه المرّة (وقع ضحيته عدد من كبار الصحافيين الأجانب المختصين بشؤون الشرق الأوسط، ومتابعي الملفّ السوري تحديداً)، انبثق من هوية موقِّعي التقرير: الأمريكية ديل غافلاك، وزميلها الأردني يحيى عبابنة (والمعذرة من كلّ حامل آخر للاسم ذاته، لأنّ العبابنة عائلة كبيرة كما هو معروف). وإذا كان الأخير مغموراً بصفة عامة، أو بالأحرى ظلّ مغموراً تماماً حتى ساعة انكشاف فضيحة الحكاية؛ فإنّ الأولى كانت مراسلة الـ"أسوشيتد برس"، وتقيم في العاصمة الأردنية عمّان منذ عقدين، وتغطي المنطقة في إذاعتَيْن جبارتين، الـ NPR الأمريكية والـ BBC البريطانية، وهي ـ كما تعرّف عن نفسها، على الأقلّ ـ "أخصائية"، تحمل الماجستير في الدراسات الشرق ـ أوسطية من جامعة شيكاغو.

أولى خيوط التشكيك في الرواية جاءت من المعطيات الدقيقة، الموثقة بمشاهد الفيديو المتقاطعة وذات المصادر المتعددة، حول الصواريخ التي حملت الرؤوس الكيميائية إلى الغوطة؛ وكيف أنها في عهدة قوّات النظام، وانطلقت من المواقع التي يسيطر عليها، في جيل قاسيون بصورة خاصة. وهذه تفاصيل تقنية، معقدة بقدر ما هي دقيقة، نشرها الصحافي البريطاني إليوت هغنز، على مدوّنته الشهيرة المعروفة باسمBrown Moses؛ ثمّ أكدها تقرير محققي الأمم المتحدة الذين زاروا مواقع المجازر بعدئذ. في عبارة أخرى، لا صحة البتة ـ علمياً وعقلياً، ثمّ تكنولوجياً ـ للافتراض بأنّ المجازر قد وقعت نتيجة "سوء نقل" أسلحة كيميائية معبأة في أسطوانات وأنابيب؛ ومطلوب من غافلك وعبابنة، استطراداً، تقديم المزيد من البراهين الميدانية على صحة التقرير، وصدقية ما احتواه من أقوال نُسبت إلى أهل الغوطة.

هنا كرّت سبحة الأكذوبة، وانفرط عقدها تباعاً: كتبت غافلاك إلى هغنز، وإلى صحافيين في مواقع أخرى، بينهم روبرت ماكي من "نيويورك تايمز"، تقرّ بأنها لم تذهب إلى سورية، ولم تستمع بنفسها إلى أقوال أهل الغوطة، ودورها في التقرير هو نقل أفكار زميلها عبابنة إلى الإنكليزية، وأنها أوصت التحرير بالامتناع عن وضع اسمها على المادة، لكنهم رفضوا، ولهذا فإنها تنوي مقاضاة الموقع. من جانبه، توارى عبابنة عن الأنظار، فمسح المعلومات القليلة المتوفرة عنه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتهرب من الصحافيين الذين حاولوا التحقق من صحة تقريره، قبل أن يتضح أنه دائم الزيارات إلى روسيا، ويكتب في "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية باسم "يان بركات"، وله باع طويل في تقديم الخدمات السياحية للإسرائيليين! وأمّا الموقع الإخباري ذاته، Mint Press، فقد اتضح أنّ كبير مستشاريه يُدعى عوده مهاوش الدعجة، الذي يعلن (في محاضرة تتوفر على "يوتيوب") أنه مواطن أردني، كان من أهل السنّة ثمّ اهتدى إلى التشيّع!    

ومن حيث المبدأ، يبدو الأردني عبابنة في موقع مَن ضحك أخيراً، حتى إذا لم يكن قد ضحك طويلاً؛ مقابل لافروف، الذي يواصل اقتباس التقرير (بوصفه "معطيات ميدانية روسية"). إلا أنّ قهقة الأوّل لا تبلغ أسماع الثاني، فحسب؛ بل تطيل أنفه، على وتيرة الكذاب في الأكذوبة، حتى يبلغ الأرض طولاً!

الجمعة، 20 سبتمبر 2013

واشنطن وطهران: مصارعة في سورية وتانغو في إسرائيل؟

لم تبدأ كرة الثلج في التدحرج إثر "زلّة لسان" من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على غرار حكاية "الخطّ الأحمر" الكيميائي الذي يتوجب على النظام السوري أن لا يعبره؛ ولا، أيضاً، من "زلّة" أخرى جديدة، تصدر عن وزير خارجيته، جون كيري. ذلك لأنّ الإفصاح عن تدشين جولة إضافية في الحوار الأمريكي ـ الإيراني بدأ من ذلك التسريب الذي تعمده أوباما نفسه، في حواره مع جورج ستيفانوبولوس، عبر قناةABC  الأمريكية، يوم 15 من هذا الشهر، بصدد احتمالات الضربة العسكرية الأمريكية ضدّ نظام بشار الأسد. هنالك رسائل متبادلة، أقرّ أوباما، واتصالات مباشرة أو عن طريق وسطاء، مع الرئيس الإيراني المنتخَب حسن روحاني.

تتمة مسير كرة الثلج سوف تشهدها اروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع القادم في نيويورك، حين سيتواجد أوباما وروحاني معاً؛ بعد تمهيد دراماتيكي من الأخير، خلال حوار غير مسبوق مع إحدى كبريات وسائل إعلام "الشيطان الأكبر"، شبكة NBC الأمريكية. لقد أعلن الرئيس الإيراني أنّ لديه سلطة كاملة للتفاوض مع الغرب، بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم؛ وأنّ بلاده لن تقدم أبداً، مهما تكن الظروف، على تصنيع أسلحة دمار شامل، بما فيها تلك النووية؛ كما أكّد أنّ رسالة بعث بها إليه أوباما، مؤخراً، كانت "من وجهة نظري إيجابية وبناءة"؛ وأنّ هذه، جميعها، "خطوات صغيرة تجاه مستقبل هام". جاي كارني، المتحدث باسم البيت الأبيض، أدلى بدلوه: "في رسالته أوضح الرئيس أنّ الولايات المتحدة مستعدة لتسوية القضية النووية بطريقة تسمح لإيران بأن توضح أنّ برنامجها النووي لأغراض سلمية فقط". ومن جانبه قال علي أكبر صالحي، رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية: "نحن متفائلون جداً بشأن العملية التي بدأت لحلّ القضايا النووية".

وعلى هامش اجتماعات قمّة "منظمة شنغهاي للتعاون"، في العاصمة القرغيزية بيشكيك، تردد أنّ روحاني أطلع الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، على "الأجواء الإيجابية" التي أخذت تكتنف مشروع الحوار الإيراني ـ الأمريكي. وثمة مًن قرأ، طيّ الفقرات التي تخصّ الملفّ السوري في البيان الختامي للقمّة، رائحة اعتدال إيراني لا سابق له بصدد ترسانة الأسلحة الكيميائية للنظام السوري، والنأي عن تحميل المسؤولية لأيّ من طرفَي الصراع، النظام والمعارضة، في استخدام تلك الأسلحة (الأمر الذي عدّه البعض تنازلاً إيرانياً، لا يخلو أيضاً من خطوة روسية إلى الوراء).

ولكي تُسند أوراق اعتماد الحوار الوشيك بشهادة حسن سلوك إيرانية إضافية، بادرت سلطات طهران إلى مباغتة العالم بقرار الإفراج عن 11 من سجناء الرأي، بينهم ثماني سيدات، وعلى رأس المجموعة يبرز اسم المحامية والناشطة الشهيرة نسرين ساتوده، وكذلك السياسي الإصلاحي محسن أمين زاده. وكانت ساتوده تخدم حكماً بالسجن ستّ سنوات، بعد اعتقالها خلال الاضطرابات التي أعقبت انتخاب محمود أحمدي نجاد، سنة 2009؛ وجاء الإفراج عنها مفاجأة للجميع، بما في ذلك المفرَج عنها نفسها، إذْ صرّحت بأنها تجهل الحيثيات القانونية التي كانت وراء قرار إطلاق سراحها. ولا يخفى أنّ للتوقيت دلالاته الثمينة، بل الفاضحة في الواقع، إذْ يتصادف مع اقتراب موعد سفر روحاني إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

غير أنّ الضوء الأخضر الأشدّ سطوعاً، على طريق ابتداء حوار أمريكي ـ إيراني، جاء من آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، في لقاء ـ غنيّ الدلالات، كما يتوجب التشديد ـ مع قادة "الحرس الثوري"؛ قال فيه التالي، حول التفاوض: "لا أعارض الدبلوماسية المرنة، شريطة ان تكون شجاعة"، و"أؤيد إظهار تسامح الأبطال"، إذْ "قد يتساهل المصارع لأسباب تكتيكية، ولكنه يجب أن يتذكر مَنْ خصمه وعدوّه"؛ ثمّ قال التالي، الذي لا يقلّ أهمية، حول وظائف المنصتين إليه: "الحرس الثوري، ومن أجل الحفاظ على الثورة، ينبغي أن يمتلك بالتأكيد معرفة كافية وشاملة عن التطورات والتيارات في مختلف الساحات"، ولكن "ليس من الضروري أن يمارس الحرس الثوري أنشطة سياسية"، لأنّ "العيش حياة ثورية، والديمومة الثورية والثبات من المظاهر الجميلة للحرس الثوري".

وهكذا، بدا واضحاً أنّ خامنئي أباح للدبلوماسي الإيراني (الرئيس روحاني) أن يرقص التانغو مع نظيره الأمريكي، في نيويورك وما بعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليس في الملفّ النووي وحده، بل في كلّ وأيّ ملفّ سواه، بما في ذلك مصير النظام السوري؛ كما طالب المصارع الإيراني (الحرس الثوري عموماً، والجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" ضمناً) باتباع بعض "الحركات الفنّية المرنة"، ذات الطبيعة التكتيكية، والمرنة؛ لأنّ "الساحة الدبلوماسية مسرح للابتسام" كما قال، وحلبة المصارعة باتت مسرحاً للمجازر الكيميائية، كما للمرء أن يفترض! في عبارة أخرى، ما دام روحاني سيؤكد للبيت الأبيض أنّ إيران لن تصنّع أسلحة نووية (الأمر الذي سيطمئن إسرائيل)؛ فإنّ في وسع سليماني، ثمّ نصر الله من بعده، تهدئة الحلبة قليلاً، حتى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الحوار الأمريكي ـ الإيراني.

والمرء، هنا، يعود بالذاكرة إلى ربيع العام 2009، حين جاز للبعض أن يطلق صفة الـ"دراماتيكية" على رسالة التهنئة التي وجهها أوباما إلى الشعب الإيراني،في مناسبة السنة الجديدة الفارسية؛ وحين امتزجت اعتبارات شكلية (اختيار الصيغة المتلفزة، والترجمة المتزامنة إلى اللغة الفارسية أسفل الصورة، والبثّ عبر إذاعة صوت أمريكا) مع أخرى تخصّ المحتوى الأهمّ، لترجيح انطلاقة أخرى في مشاريع الحوار الأمريكي ـ الإيراني. ذلك لأنّ تلك الرسالة كانت، والحقّ يُقال، قد مثّلت انعطافة فارقة عن خطّ الإدارة السابقة، وانفكاكاً عن خطاب "المحافظين الجدد" بصدد إيران إجمالاً، ونظرية "محور الشرّ" التي اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بصفة خاصة. أمّا في الجوهر، أي سلسلة الخيارات الستراتيجية التي ظلّت إدارة أوباما تقرّها وتعمل بهدي منها (وبعضها يرتقي إلى مستوى "الثوابت" الراسخة، مثل أمن إسرائيل)، فإنّ المبادرة كانت محتومة؛ ليس بالمراوحة في المكان، هذه المرّة، بل بالموت الفوري.

فإذا طوى المرء صفحة خطابات التشدّد والتهديد والعدوانية التي أشاعها جورج بوش الابن ونائبه ديك شيني ضدّ إيران، واستبشر خيراً في ميل أوباما إلى فتح صفحة جديدة مع "حضارة عظيمة"، لشعب "كان فنّه، وموسيقاه، وأدبه، وابتكاره قد جعلت العالم مكاناً أفضل وأجمل"، كما جاء في رسالة التهنئة تلك (وكما في لغة أوباما الوردية عن "الطاقة الفكرية" الإيرانية، هذه الأيام)؛ فإنّ حصيلة المحاولات السابقة ـ قبل بوش الابن، وقبل صعود خطاب "المحافظين الجدد" ـ لا تبشّر بخير جلي، أو لعلها تنذر بالنقيض. وقبل عقد من الزمن، سبق تلك الرسالة، كانت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، قد دعت إلى رسم "خريطة طريق" للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، واعدة بالخير إذا أحسن الإيرانيون قراءة ما حمّلته عليها الإدارة من تفاصيل طبوغرافية (بحار وأنهار، تلال ووديان، دروب مستقيمة وأخرى متعرّجة... كما للمرء أن يتخيّل!).

العقدان صارا ثلاثة ونيف اليوم، وبدل أن تنجسر الهوّة (كما استبشرت أولبرايت في خطبة مأثورة، أمام "الجمعية الآسيوية")، فإنها ازدادت اتساعاً؛ والخريطة التي يمكن أن تُرسم اليوم تحتوي على أربعة عناصر متفجرة (برنامج إيران النووي، نظام بشار الأسد، عراق نوري المالكي، و"حزب الله") لم تكن متوفرة في خريطة 1998. كذلك لم يكن نجاد (صاحب التصميم على "محو" إسرائيل من الخريطة، واليقين بأنّ الإمام المهدي يدير العالم) هو رئيس إيران، بل محمد خاتمي، الرئيس الأكثر اعتدالاً وتنويراً في تاريخ الثورة الإسلامية الإيرانية.

وفي تلك الحقبة أجرى خاتمي حواراً مع شبكة الـ CNN بدا دراماتيكياً بدوره، وربما أكثر من رسالة التهنئة المتلفزة التي وجهها أوباما، إذْ كان الأوّل من نوعه ومحتواه ومستواه منذ انتصار الثورة سنة 1979. ولقد سعى الرجل إلى توجيه أكثر من رسالة سياسية ـ عقائدية إلى الداخل (حيث كانت رسائل كهذه ترقى إلى مستوى العلاج بالصدمة)؛ ثمّ إلى العالم بأسره، وإلى الولايات المتحدة خاصة (حيث لا تبدو الرسالة "شيفرة" مبطنة، قياساً على وضوح سياقاتها ودوافعها). وكان خاتمي أشدّ ذكاء وحصافة من أن يصرف نصف ساعة في مديح "الأمّة الأمريكية العظيمة"، ودقائق معدودات فقط في ملامة القيادات الأمريكية، ويعتبر هذه الحصيلة رسالة "اعتدال" هادفة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية. كان، في الحقيقة، يمارس مزيجاً من التسليم والنقد الذاتي، حين اعتبر أنّ السطور الأولى في تلك الصفحة لن تكتبها مبادرة دبلوماسية من أي نوع (معلَنة أو خفية، فالأمر سيان)؛ بل قد يدشنها "أساتذة الجامعات والكتّاب والعلماء والفنانون والصحفيون والسيّاح"، كما اقترح خاتمي، ربما على غرار المعجزة التي اجترحتها كرة الـ"بنغ بونغ" في العلاقات الصينية ـ الأمريكية ذات يوم.

وثمة، ما تزال، "لاءات" ثلاث كبرى، إذا صحّ القول، تختصر روح الموقف الأمريكي من إيران: الأولى، بسبب دعم طهران لما تسمّيه واشنطن "حركات الإرهاب الإسلامي" إجمالاً، و"حزب الله" تحديداً (وكذلك "حماس" في حقبة سابقة)؛ والثانية، بسبب إصرار إيران على تطوير قدراتها النووية، في الصناعة المدنية قبل العمل على امتلاك أسلحة الدمار الشامل؛ والثالثة، بسبب موقف إيران المناهض، أو غير المؤيد، للعملية السلمية التي تديرها الولايات المتحدة بين العرب وإسرائيل. على تخوم "لاءات" كهذه يبقى العراق شوكة عالقة بجبهات الصدام الثلاث، منفردة أو مجتمعة، ولعلّ الانسحاب العسكري الأمريكي انقلب إلى إعادة جدولة لتلك اللاءات، بما أسفر عن حقنها بالمزيد من أسباب التوتّر. وعلى التخوم، هذه الأسابيع بصفة خاصة، ثمة نظام الأسد في أبعاده الداخلية التي تخصّ الانتفاضة الشعبية، وفي استقطابات قوى المعارضة الديمقراطية والوطنية والعلمانية، مقابل قوى التشدد الإسلامية؛ وثمة، أيضاً، استقطابات المحاور الإقليمية الإيرانية/الخليجية/التركية/الإسرائيلية...

الأرجح، إذاً، أنّ تقاسم المهامّ بين المصارع الإيراني ومواطنه راقص التانغو سوف يفضي إلى طراز من الازدواج والتضارب والتناقض، وليس إلى أيّ حدّ أدنى من التناغم والانسجام والتكامل؛ الأمر الذي يراقبه، بأناة وخبث وترصّد، أناس من أمثال بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وينجرّ إلى حلباته البيت الأبيض أسوة بالكرملين، كلٌّ من حيث تقديره لحصيلة الربح والخسارة؛ ويتساقط ضحيته، باضطراد وثبات، خاسرون طغاة من أمثال بشار الأسد، وخاسرون أتباع على شاكلة حسن نصر الله. والأيام القادمة، القليلة، كفيلة بتبيان الحدود القصوى للفارق بين "التسامح البطولي" في المصارعة، و"الحركات الفنّية" في التانغو!