وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

على ذمة غالاوي وفيسك: براءة الأسد من دم عباس خان!

إذا ظنّ امرؤ أنه رأى الأقصى، والأشدّ قباحة وفداحة، في الأداء الدبلوماسي لرجال النظام السوري؛ فإنّ ذلك الظنّ سرعان ما يتبدد حين يصغي المرء ذاته إلى تعليق فيصل المقداد، نائب وزير خارجية النظام، على مقتل الطبيب البريطاني عباس خان (32 سنة)، إعداماً أغلب الظنّ، في معتقل كفر سوسة، بعد اعتقال دام 13 شهراً. أمّا إذا كان امرؤ ينتظر من المقداد، أو رئيسه المباشر وليد المعلّم، أو زميله بشار الجعفري مندوب النظام لدى الأمم المتحدة، أداءً أقلّ رثاثة وانحطاطاً وإسفافاً؛ فإنّ الانتظار ذاك لا يقتصر على الجهل بطبائع عمل السلطة هناك، وأواليات اشتغال أجهزة "الحركة التصحيحية" كافة، طيلة 43 سنة؛ بل يشمل، أيضاً، تجاهل سمة كبرى في المعمار السلوكي للنظام: أنّ الكذب ملح الرفاق!

ففي حديث مع إذاعة الـBBC، باللغة الإنكليزية (لكي يبرهن أنه في عداد "وجوه سَحّارة" النظام الدبلوماسية، أي أولئك الذين يتولون تجميل موبقات الاستبداد والفاشية والفساد والهمجية)، يقول المقداد إنه حزن عندما اتصلوا به فجأة وأبلغوه بأنّ "الرجل مات"؛ ويتابع: "أوه! أصابتني صدمة حقاً. ما الذي حدث؟ ثمّ بدأت أجمع المعلومات". وهكذا، قيل له التالي: الطبيب البريطاني استفاق "وهو في أحسن حالاته"، و"معنوياته عالية"، فتناول إفطاره، حوالي الساعة السابعة صباحاً، ثمّ أخلد إلى الراحة "في غرفته"؛ وحين أتوا لاصطحابه "كي يتنفس كالعادة خارج غرفته"، قرعوا بابه، فلم يردّ؛ ثمّ "اكتشفوا أخيراً أنه كان ميتاً، وفي الحقيقة خلع منامته، وعلّقها على شيء ما في النافذة أو الجدار، وانتحر. وهذا ما حدث بالضبط".

وللوهلة الأولى يخال المرء أنّ خان كان نزيل منتجع وليس زنزانة، في ضوء تفاصيل الإفطار والراحة والمعنويات والقرع على الباب قبل الدخول، وكأنّ عناصر الأمن (الذين لا تُعرف عنهم غير الخصال الوحشية والسادية) كانوا خدماً في فندق من فئة خمس نجوم. كذلك يرتاب المرء في أنّ المقداد يستطيع، بافتراض أنه سيغامر ويتجاسر ويحاول، "جمع معلومات" من أدنى عنصر، في أصغر جهاز أمن؛ فيدلي بأيّة معلومة غير تلك التي ستصله عن طريق التسلسل، فيؤمر بترديدها كالببغاء. أمّا حكاية الانتحار باستخدام المنامة، فإنّ تكذيبها أتى أوّلاً على لسان المقداد نفسه، حين ادّعى أنّ الطبيب البريطاني كان في حال نفسية ومعنوية طيبة ذلك الصباح؛ قبل أن يثنّي على تكذيب الكذبة إياها أحد أبواق النظام، النائب البريطاني جورج غالاوي، الذي تساءل: ما الذي يدفع خان إلى الانتحار، بعد موافقة الأسد شخصياً على إطلاق سراحه؟

والحال أنّ مواقف غالاوي، إزاء النظام السوري عموماً، وفي تفسير هذه الواقعة الأخيرة تحديداً، تنقلنا إلى مستوى ثانٍ من الابتذال والإسفاف والتزييف؛ لأنّ النائب البريطاني يساجل على هذا النحو: لسنا نقول إنّ الأسد مسؤول عن موت خان، ولكن لا بدّ من وجود مسؤول ما! إنه، بذلك، يعيدنا إلى تلك الخرافة التي سادت ـ لدى أنماط واسعة النطاق من الساسة والمراقبين، هنا وهناك في العالم، وحتى لدى بعض معارضي النظام السوريين في السنوات الأولى من توريث الأسد الابن ـ وكانت تقول إنّ بطانة الأخير هي وحدها السيئة، وأنه "شابّ" و"عصري" وإصلاحي". وغالاوي يستعيد الخرافة، تماماً على القياس الميكانيكي، المسطح والتسطيحي عن سابق عمد وتصميم، الذي جعله ينزّه النظام عن استخدام الأسلحة الكيميائية ضدّ الغوطتَين الشرقية والغربية، لمجرّد أنّ محققي الأمم المتحدة كانوا يومذاك في دمشق، يقيمون في فندق على مبعدة ستة كيلومترات من موقع الهجمة!

وبسبب صداقته هذه مع النظام، ولكي يُمنح "مكافأة" إنسانية على أتعابه الانتهازية، استقرّ رأي الأسد على اختيار غالاوي بالذات لكي يأتي إلى دمشق، ويتسلّم الطبيب البريطاني اليوم بالذات، الجمعة، بحيث يكون الأخير بين أفراد أسرته وأهله أثناء أعياد الميلاد. وغالاوي يزعم أنه اشترى تذكرة الطائرة، بالفعل، وكان يستعدّ للسفر حين أعلمته أسرة خان بنبأ "انتحار" الرجل في زنزانته؛ الأمر الذي يرفضه غالاوي بالطبع: "حتى الساعة لم يُقدّم لنا تفسير مقبول. أمر يصعب تصديقه أن ينتحر رجل قبل أربعة أيام تسبق الإفراج عنه. اتصل بي وزير سوري بالنيابة عن الرئيس كي أسافر إلى دمشق قبل أعياد الميلاد واصطحب عباس خان. نحن نريد تفسيراً". وكأنّ أيّ تفسير آخر، سوى أكذوبة الانتحار هذه، يمكن للنظام أن يوفّره حتى لأصدق أصدقائه وأخلصهم؛ أو كأنّ التفسير الذي ينتظره غالاوي يمكن أن يشرح، أيضاً، سبب اعتقال طبيب جرّاح بريطاني، ومبرّر إبقائه قيد الاحتجاز والتعذيب طيلة 13 شهراً، ليس لأيّ ذنب آخر سوى أنه جاء متطوعاً لعلاج سوريين مدنيين.

ما لا يقلّ رثاثة وإدقاعاً، فضلاً عن التسطيح المتعمد ذاته، هو موقف الصحافي البريطاني المخضرم روبرت فيسك؛ الذي لا يوفّر مناسبة دون أن يبرهن على أنّ أفدح سقطاته المهنية لم تكن تلك التي قادته، مطلع الانتفاضة السورية، إلى التصديق، ثمّ المصادقة بحماس على، ما يمكن أن يبوح به معتقل تمّ إحضاره إلى مكتب... أحد ضبّاط استخبارات النظام السوري! وفي قضية خان هذه، أدلى فيسك بدلوه فخرج بالنظرية ـ التحفة التالية: "هل كان أحدهم يحاول تخريب العلاقات، المتحسنة باضطراد رغم أنها ما تزال مجمدة، بين الرئيس السوري وبريطانيا والولايات المتحدة؟ مَن الذي سيرغب في منع هذا التحسن؟ السعودية؟ بالطبع. قطر؟ قطعاً. إسرائيل؟ لِمَ لا؟ ولكن الإيحاء بأنّ أياً من هؤلاء الثلاثة يمكن أن يهندس مقتل الإنكليزي الشاب في سجن دمشقي، أمر منافٍ للعقل".

فإذا كان منافياً للعقل، كما يقرّ فيسك نفسه، فما الغاية من طرحه إذاً؛ إلا إذا كانت الخلفية، الأخرى الفعلية التي يتمسك بها فيسك، هي التالية: "موت عباس خان يثير اليوم إمكانية أن يكون أناس داخل الحكم السوري في دمشق يريدون تحدّي سلطة وسمعة رئيسهم نفسه. من الواضح أنّ السوريين أرادوا إبداء ملمح لحسن النيّة تجاه الغرب عن طريق إطلاق سراح الدكتور خان، إلا أنّ وفاته توحي بأنّ ثمة أولئك الذين يرغبون في تدمير فُرَص الأسد في المصالحة مع القوى الغربية التي كانت، قبل أشهر قليلة، تعتزم تدمير نظامه في ضربة عسكرية". وبالتالي، إذا صحّ هذا الافتراض، بعد تأكيد فيسك نفسه بأنه لا يصدّق رواية الانتحار، فمَن هم أولئك الذين يسعون إلى تخريب سمعة الأسد، أو سدّ آفاق مصالحته مع الغرب؟

لا يراهن أحد على أنّ فيسك سيسعف قارئه بإجابة ما، أية إجابة في الواقع، حول هوية هؤلاء؛ هو الذي سبق له أن قابل من رجال النظام كلّ الأصناف، ابتداءً بالوزير الأشبه بالبيدق، مروراً بضابط الاستخبارات، وانتهاءً بحاشية الأسد المقرّبة وأهل بيته. وليس للمرء أن ينتظر معلومة واحدة ملموسة، أو غير منافية للعقل، من صحافي مخضرم سبق له أن امتدح "عصرية" أسماء الأخرس، وتنبأ بأنّ أية انتفاضة شعبية لن تقع في "سورية الأسد"، وهو اليوم يعتبر أنّ "الضربة العسكرية الصغيرة المحدودة للغاية"، التي كان أوباما قد هدّد بها، كانت تستهدف "تدمير" نظام الأسد. وما القول في المحلل المخضرم إياه، يزعم في أوّل مقالته أنّ صلاته الشخصية بمعارفه داخل النظام السوري أفادت بأنّ قضية الطبيب البريطاني "صارت بين أيدي أرفع المسؤولين السوريين"؛ ثمّ يستخلص، في ختام المقالة، أنّ بعض هؤلاء يتآمرون للإضرار بسمعة "رئيسهم"؟

وقبل زمن غير بعيد، حين كانت الانتفاضة الشعبية في أشهرها الأولى، شاء الأسد أن يكون أندرو غليغان، الصحافي البريطاني المعروف بعواطفه الجارفة المنحازة لإسرائيل، أوّل صحافي غربي يجري معه حواراً مباشراً منذ انطلاقة الانتفاضة السورية. كذلك اختار، استطراداً، صحيفة هي الـ"صنداي تلغراف" التي تُعدّ، أسوة  بقرينتها الأمّ، الـ"دايلي تلغراف"، منبراً مكرّساً للدفاع الأعمى عن إسرائيل والصهيونية العالمية، فضلاً عن خطّها اليميني المحافظ إجمالاً. وفي جولة صحفية لاحقة، وقع اختيار الأسد على برباره والترز، الإعلامية الأمريكية اليهودية، لكي تكون صاحبة الحظّ السعيد في إجراء مقابلة متلفزة هي الأولى من نوعها مع قناة رئيسية غربية، الـ ABC، منذ ابتداء الانتفاضة.

كلا المقابلتين اكتسبت خصوصيتها، كما حققت انتشارها الواسع، نتيجة اجتماع عاملين: أنّ الجهة التي أجرتها كانت نافذة إعلامياً وسياسياً، وأنّ الأسد زوّد محاوره ومحاورته بمادّة دراماتيكية شدّت الانتباه (الحديث، مع غليغان، عن إحراق المنطقة إذا تعرّض نظامه لأذى؛ ونفي مسؤولية الأسد الشخصية عن أعمال القتل التي ترتكبها أجهزة النظام، في الحوار مع والترز). ولهذا فإنّ الارتياب في اختيار والترز وغليغان، تحديداً، انبثق من حقيقة مشتركة مفادها أنّ حصيلة المقابلتين كانت واحدة تقريباً، أي تبييض صفحة النظام، والترويج لروايته عن "العصابات المسلحة" و"المندسين"، فضلاً عن تلميع شخص الأسد وإعادة إنتاجه كسياسي شرق ـ أوسطي "عصري"، "منفتح"، "درس في الغرب"، و"يتقن اللغة الإنكليزية" و"متزوج من سيدة تربّت في الغرب". أمّا الشطر الثاني من الحصيلة فقد كان الإيحاء بأنّ العاصمة السورية "آمنة" و"مسالمة" و"خالية من التظاهرات"، حتى أنّ والترز صرّحت بأنها تجوّلت في دمشق دون حارس شخصي، وأنها "لم تشعر في حياتها بالأمان كما شعرت به وهي تتسكع لوحدها في طرقات دمشق"!

وتلك حصيلة كان في وسع المرء أن يتفهمها من إعلام إيراني أو صيني أو روسي، ولكن أن تأتي من إعلاميين يهود أو أصدقاء خلّص لإسرائيل، أمر استدعى ترجيح دوافع أخرى أبعد غرضاً من مجرّد تحقيق السبق المهني. وهذا يقود المرء إلى تساؤل رديف: فماذا، إذاً، عن حصيلة ذات طبيعة مماثلة، تبريرية وتسويغية ودفاعية، مثل هذه التي تأتي من أمثال غالاوي وفيسك، المحسوبين عموماً على اليسار، أو الوسط، أو الصفّ المعادي لليمين؟ ثمة، هنا، إجابات شتى متعددة، سياسية وأخلاقية وإيديولوجية ومهنية؛ ولكنها تنتهي، جميعها، في كثير أو قليل، عند ذاك الضمير الذي يتعطل أو ينحرف أوبتعامى بعد أن  يُشترى، والذي ـ إذْ يتعرى تماماً، وينفضح ويُفتضَح ـ لا يملك إلا الإطراق أرضاً، بحثاً عن ورقة توت... تغطي العورة المنكشفة!
19/12/2013

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

هل كان إدوارد سعيد سيناصر الانتفاضة السورية؟

 في ختام محاضرة تشرّفت بإلقائها خلال أعمال مؤتمر حاشد في تكريم الراحل الكبير إدوارد سعيد (1935 – 2003)، نظمته "دار ثقافات العالم" HKW، في برلين، مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي؛ طُرح عليّ السؤال المزدوج التالي: كيف تفترض طبيعة موقف سعيد من الانتفاضة السورية، لو كان اليوم على قيد الحياة؟ وكيف، أو بماذا، كانت نظرته ستختلف عن أمثال طارق علي أو سلافوي جيجيك، اللذَين انتقدتَ مواقفهما في محاضرتك؟

ورغم أنّ السائل لم يكن، البتة، يتقصد اقتيادي إلى شرك، أو يتعمّد دفعي إلى عالم الافتراض بعد أن أدرتُ السجال في محاضرتي حول الواقع والوقائع حصرياً؛ فإنّ السؤال المزدوج كان يفضي إلى هذا وذاك، معرفياً على الأقلّ، ومنطقياً أيضاً. ولهذا فقد بدأت إجابتي بالقول إنني لا أفترض أمراً، بل إنني لا أرجّح كذلك، ولا أستنطق غائباً، وأقصى ما أستطيع السماح لنفسي به هو هامش متواضع من التكهن، أتكاءً على معطيات قياس توفّرها مواقف سعيد وأفكاره بصدد قضايا مماثلة؛ وكذلك ما يتوفر من محطات ذات دلالة، في سلوكه وخياراته الشخصية، إزاء النظام السوري.

ولقد بدأتُ بهذا العنصر الأخير، فاستذكرت أنّ الراحل رفض على الدوام زيارة النظام السوري، رغم أنّ الدعوات كانت تتقاطر عليه، من جهات سلطوية (مكاتب حافظ الأسد، ثمّ وريثه، وقيادة حزب البعث، والنائبة للشؤون الثقافية نجاح العطار...)؛ أو حكومية (وزارات التعليم العالي، والثقافة، والإعلام...)؛ أو شبه سلطوية (اتحاد الكتّاب، واتحاد الصحافيين، ونقابة المعلمين، واتحاد الطلاب...). كان سعيد يدرك القواسم المشتركة التي تجمع هذا النظام بسواه من الدكتاتوريات العربية، ولكنه ميّزه من حيث طبيعة الأذى الشديد الذي ألحقه بالقضية الفلسطينية، ودوره في الحرب الأهلية اللبنانية، وانضمامه إلى تحالف "عاصفة الصحراء". كذلك طوّر، في قرارة نفسه، شعوراً جارفاً بالنفور من هذا النظام تحديداً؛ لأنّ سورية، البلد والشعب والتاريخ والحضارة، لا تليق بها هذه الأنساق البغيضة من الاستبداد والفساد، وتغييب السياسة والثقافة والفكر، وتفتيت اللحمة الوطنية...

وفي مقالاته، السياسية خاصة، تحدث سعيد عن مجزرة حماة، 1982، وكيف ذبح الأسد الأب آلاف المواطنين السوريين في سياق استماتته لدحر المعارضة الإسلامية. وفي قراءة النزاع مع منظمة التحرير الفلسطينية، أوضح أنّ النظام السوري اعتاد امتطاء القضية الفلسطينية لصرف الأنظار عن القمع الداخلي، ولم يستهدف إلا السيطرة والهيمنة، بمعزل عن أيّ قِيَم أو مبادىء أو أفكار، وشنّ على الفلسطينيين حرباَ شعواء بل هوادة. ولم تفته الإشارة إلى أنه واصل إعلان هذه المواقف الناقدة، حتى حين كان بعض أفراد أسرته وأقاربه يقيمون في لبنان، حين كان البلد واقعاً تحت سلطة النظام السوري العسكرية والأمنية.

وفي مقال بعنوان "التجربة الفلسطينية"، يصف سعيد برهة فريدة، أتاحت هذا التعليق الاستثنائي: "حين كانت الطائرة المتجهة إلى عمّان تحلّق فوق دمشق، كان مظهر المدينة من الجوّ يؤكد انطباعي عنها، بوصفها العاصمة العربية الأشدّ استعصاءً. لقد بدت غاصّة بالتبدّلات القسرية الكتيمة. والنظام السوري، الذي شبك الألغاز البلاغية للسياسة البعثية بالمستغلقات السرّية للديانة العلوية، سدّ أبواب الولوج إلى البلد، وحوّل أنظار المراقب بعيداً عن نكهة الحياة فيها". وفي مقال آخر، بعنوان "جناح اليمين العربي"، لا يحكم سعيد على النظام السوري بانفصام الشخصية، بالمعاني المرَضية الأشدّ، فحسب؛ بل يرى أنّ الأسد ظلّ يتصرّف وكأنه مفوّض باتخاذ ما يشاء من قرارات، بالنيابة عن الفلسطينيين واللبنانيين، بعد السوريين!

فإذا جاز التكهن بأنّ مواقف سعيد، لو كان حيّاً بيننا اليوم، سوف تكون متعاطفة تماماً مع الانتفاضة الشعبية السورية، قياساً على بغضه لنظام الأسد الأب أسوة بوريثه؛ فهل يجوز القول، استطراداً، أنه كان سيرى واقع القوى الإسلامية داخل المعارضة السورية، على نحو مختلف، مقارنة بمواقف طارق علي وسلافوي جيجيك؟ أميل، بقوّة، إلى الردّ بالإيجاب؛ وهذا ما سعيت إلى البرهنة عليه في محاضرة برلين، قبل أن أتكهن به ردّاً على سؤال السائل، ضمن الخطّ السجالي التالي: يصعب ألا تكون مواقف سعيد شديدة الاختلاف مع، وناقدة تماماً لتلك، التنميطات الاستشراقية الجديدة، التي تضع كلّ القوى الإسلامية في سلّة واحدة، أو تنتفي تماماً الدينامية الاجتماعية ـ التاريخية، المادية والملموسة، التي كانت وراء صعودها. وصعب، تماماً، أنّ "العلمانية"، الكاذبة الزائفة الجوفاء، التي يتذرع بها النظام السوري، كانت ستخدع سعيد كما خدعت سواه.

هذا معلّم كان سيرشدنا ـ  نحن الأمسّ حاجة إلى التتلمذ على يديه، هنا تحديداً! ـ إلى طرائق الانشقاق عن المألوف، والمعطى الجاهز، والكليشيه، والتنميط المصطنَع المصنَّع؛ ليس في نقد الإسلاميين، والاختلاف معهم، في كلّ ما هو مبدئي وجوهري وصميمي، فحسب؛ بل كذلك في مقارعتهم عن طريق اقتراح برامج بديلة، ديمقراطية وطنية بالمعنى الشعبي الأصيل الأعمق، وعلمانية مدنية تعددية لا تردّ على التشدد بمغالاة وغطرسة، ولا تواجه التطرّف بتعنت وإقصاء. وكنّا، أغلب الظنّ، لن نشفق على جيجيك وأضرابه من الحَوَل الذي يعتور نظرتهم إلى الانتفاضة السورية؛ بل سنردّ بالإمعان أكثر، وأعمق من ذي قبل، في إعادة قراءة المعلّم!

السبت، 14 ديسمبر 2013

شيعة العراق في سورية: من المستنقع إلى الحمأة؟

شريط الفيديو، الذي نُشر مؤخراً على موقع "يوتيوب"، يُظهر مجموعة شبّان عراقيين من أنصار مقتدى الصدر، يرتدون اللباس العسكري المموّه، ويحملون رشاشات ومسدسات، ويهزجون بحميّة دينية طافحة، مطالبين بأخذهم إلى الشام، لمحوها من الوجود. قبل هذا، انتشرت صورة فوتوغرافية لمقاتل عراقي شيعي، يقتاد مواطناً سورياً في ستينيات عمره، من أبناء مدينة النبك، لكي يعدمه رمياً بالرصاص. صورة ثالثة تبيّن مسلحاً عراقياً، باللباس المموّه، وسط نفر من زملائه، يحمل رزمة من النقود لاح أنه قبضها لتوّه لقاء "خدمة" ما، أو نهبها خلال عملية عسكرية. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، خاصة مع احتدام المعارك في منطقة القلمون، تكاثرت أشرطة وصور مماثلة، تكشف سلسلة من المظاهر والأفعال والممارسات الفاشية المقترنة بالميليشات العراقية المساندة لنظام بشار الأسد.

المرء يخال، للوهلة الأولى، أنّ هؤلاء نفروا إلى سورية (أو إلى "الشام" تحديداً، كما يقولون)، خفافاً وثقالاً، دفاعاً عن المقدّسات الشيعية، وفقاً للأكذوبة الكبرى (التي أطلقها حسن نصر الله، الأمين العام لـ"حزب الله"، وتتردد اليوم على كلّ شفة ولسان في أوساط هذه الميليشيات المذهبية)؛ وذلك بعد أن طهروا بلدهم، العراق، من "التكفيريين" و"الإرهابيين" و"المتشددين" و"الغلاة"... أجمعين! لكنّ الأخبار تتناهى، كلّ يوم في الواقع، فلا تفيد إلا العكس: أي عودة عمليات "القاعدة" على نحو أشدّ، وأوسع نطاقاً، وأكثر تعقيداً من حيث التكتيك العسكري، خاصة في الجانب الذي يخصّ تنفيذ عدد متزامن من العمليات المتباعدة جغرافياً. كذلك فإنّ أوضاع التنظيمات السياسية العراقية، ذات الطابع المذهبي الصريح أو المستتر، ليست البتة في وضع مريح يتيح لها التفرّغ لأداء "تكليفات شرعية" على أراضي الآخرين.

وبالطبع، ليس جديداً ـ وهو أمر مؤسف، في المحصلة ـ أن يقول المرء إنّ ما يجري في العراق بعد مرور عقد على "التحرير" هو بعض تجليات المعادلة الجدلية العسيرة وراء غزو عسكري سهل، مارسته قوّة عظمى، نصّبت أنصارها وأزلامها في سدّة الحكم، دون التبصّر في معضلات السلام الأهلي الذي يعقب الغزو. ولقد قلنا من قبل، مثل سوانا في الواقع، إنّه سوف يتعين على الغازي الأمريكي مواجهة معضلات عاجلة تحتاج إلى حلول عاجلة، وذلك قبل أن يجد نفسه عالقاً أكثر فأكثر في وحول المستنقع العراقي، وقبل أن يصبح وجهاً لوجه أمام المعضلات الكبرى للشطر الأصعب في سيرورة الغزو: هضم العراق، البلد والحضارة والتنوّع الفسيفسائي المعقد، وبلوغ درجة دنيا من السلام الذي لا مناص من بلوغ بعضه قبل إعلان الظفر الشامل.

وفي مطلع نيسان (أبريل) 2003، حين سقطت العاصمة العراقية بغداد في قبضة الغزو الأمريكي، كان دويل ماكمانوس، الكاتب في صحيفة "لوس أنجليس تايمز" الأمريكية، قد نقل عن ضابط في قوّات الـ"مارينز" قوله، بعد دقائق من توغّل دبابات وحدته في قلب بغداد: "ها قد وصلنا. نحن الكلب الذي اصطاد السيّارة. ماذا سنفعل بها الآن"؟ وفي الواقع كان الضابط الأمريكي (الحصيف، الحكيم، المتطيّر شرّاً، كما يلوح) يعيد باللغة اليانكية صياغة الحكمة الشهيرة التي أطلقها في مطالع القرن التاسع عشر كارل فون كلاوزفيتز، الضابط البروسي الشهير وأحد أعظم أدمغة التفكير في شؤون الحرب ومعضلات السلام الذي يلي الانتصار العسكري: "في الحرب ليس ثمة نتيجة نهائية".

وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، الابن، بحاجة إلى هذه المغامرة العسكرية في العراق، ليس لأنها بدت "نبيلة وضرورية وعادلة"، كما سيقول؛ بل لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته الأولى ومنحها المضمون الذي شرعت تبحث عنه بعد مهزلة إعادة عدّ الأصوات في فلوريدا، وبالتالي صناعة ـ وليس فقط تقوية ـ حظوظه للفوز بولاية ثانية. وكان بحاجة إلى هذه الحرب لأنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي شنّها، لثلاثة أسباب ستراتيجية على الأقلّ: 1) تحويل العراق إلى قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تخلّص أمريكا من مخاطر بقاء قوّاتها في دول الخليج، وما يشكّله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة، وتشجيع ولادة نماذج جديدة من «القاعدة» وأسامة بن لادن؛ و2) السيطرة على النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلى أنه الآن يعدّ الإحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يتفوّق على المملكة العربية السعودية ذاتها؛ و3) توطيد "درس أفغانستان" على صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.

آنذاك قال بوش في "الديمقراطية العراقية القادمة" ما عجزت عن تدبيجه أقلام أكبر الكذبة المنافقين من رجالات "المعارضة" العراقية، فلم يترك زيادة لأي مستزيد بينهم: "إنّ عراقاً محرراً يمكن أن يبيّن قوّة الحرّية في تحويل تلك المنطقة الحيوية عن طريق تقديم الأمل والتقدّم إلى حياة الملايين. إنّ اهتمام أمريكا بالأمن، وإيمانها بالحرية، يقودان معاً إلى اتجاه واحد: إلى عراق حرّ ومسالم". وأغلب الظنّ أنّ هذا لم يكن الرأي الفعلي السائد في أروقة البيت الأبيض الداخلية، على صعيد الصقور مثل الحمائم، لأنّ الجميع كانوا يعرفون حقّ المعرفة أنّ أوّل انتخابات حرّة في العراق سوف تجلب أغلبية شيعية مطلقة، وستُدخل إيران من البوابة الأعرض، إذا لم تكن مرشحة لإعادة إنتاج كوارث شبيهة بما حدث في الجزائر بعد فوز "جبهة الإنقاذ الاسلامية". فوق هذا وذاك، هل كان أحدهم يتنبأ آنذاك بما سيجري في، أو ربما سمع لتوّه باسم، مدينة الفلوجة؟ هل كانوا، بمعزل عن السيستاني والحكيم، قد سمعوا باسم مقتدى الصدر؟

ولقد كُتب الكثير في وصف انقلاب السحر على الساحر الأمريكي، ولعلّ من الدالّ أن يقتبس المرء توصيف الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما: هذه الحرب، الأطول من الحربين العالميتين الأولى والثانية، والأطول من الحرب الأهلية الأمريكية، جعلت أمريكا أقلّ أماناً، وأضعفت نفوذها في العالم، وزادت من قوّة إيران، وعزّزت حركة "طالبان" وكوريا الشمالية وتنظيم "القاعدة"... ما لم يقله أوباما هو أنّ هذه هي الحال الكلاسيكية التي أخذت تنتهي إليها جميع حروب الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، بوصفها أسوأ مَن يستخدم الجبروت العسكري، وبالتالي أردأ مَن يتعلّم دروس التاريخ. ويكفي استعراض "طرائق" محاربة "القاعدة" في العراق، والتي تباحث فيها أوباما مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مؤخراً، لكي يدرك المرء الحدود القاصرة التي انتهت إليها عملية اصطياد السيارة، وفق تعبير الضابط الأمريكي المتشائم.

آنذاك، أيضاً، لم يتلكأ رجل مثل هنري كيسنجر في إطلاق صفة "الحرب الأهلية" على أعمال العنف، والإفتاء بأنّ تقسيم العراق على أسس إثنية قد يكون المخرج؛ هو الذي أنبأنا قبلئذ أنّ احتلال العراق كان محض تفصيل في تخطيط أعلى يستهدف لجم الإسلام المتشدد! ففي مقالة مسهبة بعنوان "دروس من أجل ستراتيجية مخرج"، نشرها أواخر آب (أغسطس) 2005، كتب حكيم الدبلوماسية الأمريكية يقارن بين فييتنام والعراق: "من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو  أحدوثة Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري (...) الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام. فلو قامت، في بغداد أو في أيّ جزء من العراق، حكومة على شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية، فإنّ موجات الصدمة سوف تتردّد على امتداد العالم المسلم"...

آنذاك، ثالثاً، كان ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأمريكي، قد سطّر مذكّرة سرّية أثار فيها الكثير من الشكوك حول كفاءة المالكي، رغم أنه غضّ البصر عن ملفات كثيرة تخصّ الفساد وسوء إدارة العوائد النفطية والارتهان لإيران... والإنصاف يقتضي القول إنه ما من سبب كان يدعو هادلي إلى التحامل على المالكي، ليس لأنّ رئيس الوزراء العراقي كان رجل الاحتلال المفضّل في المنصب، فحسب؛ بل لأنّ هادلي ساق جملة من الحقائق البسيطة عن الرجل؛ بينها هذه مثلاً: "صحيح أنّ نواياه تبدو طيبة حين يتحدث مع الأمريكيين، إلا أنّ الواقع في شوارع بغداد يوحي بأنّ المالكي إما جاهل لما يجري، وبالتالي فهو يسيء تقديم نواياه، أو أنّ قدراته ليست بعد كافية لتحويل نواياه الطيبة إلى فعل".  

إذا كانت تلك حال رئيس الوزراء الممثل لكتلة الأغلبية البرلمانية المنتخَبة ديمقراطياً، تحت الاحتلال بالطبع؛ فما الذي يمكن أن تسير إليه قدرات الإرهابيين الذي يقودون مفارز الخطف، والإعدام على الهوية، وإحراق البشر أحياء؟ وكيف يمكن للساسة، الذين يتغنى المالكي بقدراتهم على الحلّ والربط متناسياً أنه يقف على رأسهم، جامعاً تمثيل السلطة التشريعية (بوصفه رجل الأغلبية البرلمانية) والسلطة التنفيذية في آن؛ أن يتمكنوا من تربيع دائرة الدم الجهنمية هذه، إذا كانت الحال بأسرها تسير حثيثاً إلى الهاوية؟ وكيف لمعجزة كهذه أن تقع إذا كانت الحال الراهنة في العراق، حيث البون شاسع شاسع بين النوايا في القلوب وعلى الألسن، والجثث في الشوارع والقبور الجماعية ليست طارئة ونتاج العنف غير المسبوق في الأشهر السابقة، بل هي سيرورة متصلة مترابطة كما سيفكر أيّ عاقل؟

أليس المرء، لا سيما إذا مارس رياضة الربط بين الظواهر سنة بعد سنة وشهراً بعد شهر، لكي لا نقول أسبوعاً بعد أسبوع، مخوّلاً ببلوغ خلاصات جلية حول بدء تلك الحال، ومسيرها، ومآلاتها الراهنة؛ كما تتجلى، على سبيل المثال الأبرز، في تشجيع ورعاية هؤلاء المرتزقة، الهمج الجدد الذين ينفرون إلى الشام، بهدف تدميرها ومحوها عن وجه الأرض؟ وهل في الإمكان تصدير الأزمات والمآزق الداخلية إلى الجوار، واصطناع حمأة صراعات شيعية ـ سنّية في سورية، بينما الأقدام عالقة لتوّها في مستنقعات سياسية واجتماعية واقتصادية ومذهبية وطائفية... تكبّل العراق المعاصر؟   

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

حرسي علي.. الأسد!

 في غمرة المتبارين حول الانتفاضة السورية، أو المتكالبين عليها، من زاعمي الخبرة الجيو ـ سياسية في شؤون وشجون الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلام عموماً، ومدّعي الدراسة والدربة والدراية في أدقّ تفاصيل تاريخ سورية واجتماعها واقتصادها وثقافتها؛ لم يكن ينقص إلا... أعيان حرسي علي، دون سواها: المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة "العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل"، أحدّ أشدّ الأعمال ركاكة وغثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ "خضوع"، الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية، وأسفر عن اغتيال المخرج واختباء "النجمة" بعد وضعها تحت حراسة أمنية مشددة...

ماذا أبدعت هذه العبقرية عن الانتفاضة السورية؟ أو، بالأحرى، ما الذي يمكن أن تخرج به قريحتها الضحلة، سوى التنميطات الركيكة التي لم تعد مكرورة وفارغة وجوفاء، فحسب؛ بل صارت أقرب إلى النفخ في قربة مثقوبة، أو تشغيل أسطوانة مشروخة كانت نشازاً في الأصل. ما يجري في سورية، وخاصة سقوط مئة الف ضحية (لإنّ الستّ حرسي علي ما تزال واقفة عند هذا الرقم) ليس ناجماً عن وحشية النظام، ولا عن استخدام جميع صنوف الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك صواريخ الـ"سكود" والقاذفات والأسلحة الكيميائية؛ بل هو نتيجة طبيعية لامتناع "الثقافة الإسلامية" عن "قبول الآخر"، وعجز المسلم عن تقديم التنازلات لأخيه المسلم، وانعدام مبدأ التفاوض في الشريعة!

"في سورية، تندلع حرب أهلية تتزايد باضطراد طبيعتها الطائفية. وفي تونس، تتعاظم الاحتجاجات ضدّ الحكومة الإسلامية، في أعقاب اغتيال سياسي علماني آخر. وفي ليبيا يتفاقم العنف بين الميليشيات المتنافسة. وهناك، كما في العراق، نشهد السيارات المفخخة واقتحام السجون"؛ وأمّا "فرصة تدخّل غربي فعّال" للمساعدة في إسقاط النظام، فإنها "نُسفت بسبب سيطرة المجموعات الجهادية على الحرب ضدّ الرئيس بشار الأسد""؛ تكتب حرسان علي، على سبيل توصيف مآلات "الربيع العربي"، في تعليق نشره موقع "هفنغتون بوست" الإخباري الأمريكي. وبفضل علومها النيّرة، ومعلوماتها التاريخية الفذّة، نكتشف أنّ النزاعات الدينية التي تشهدها المنطقة ليست عائدة إلى الانقسام السنّي ـ الشيعي (إذْ لا ترد هذه الثنائية على بال حرسي علي، البتة)؛ بل هي ناجمة عن... سقوط الإمبراطورية العثمانية!

مفيد أن يعود المرء بالذاكرة إلى صيف 2006، حين استقالت الحكومة الهولندية ودعت إلى انتخابات برلمانية مبكرة، بعد انهيار ائتلافها الليبرالي جراء انسحاب الحزب الأصغر في التحالف، احتجاجاً على سعي وزيرة الهجرة ريتا فردونك إلى سحب جواز السفر الهولندي من النائبة حرسي علي. ورغم أنّ فردونك كانت تطبّق القانون بحذافيره، على نائبة يحدث أنها تمثّل الحزب الليبرالي ذاته الذي تنتمي إليه الوزيرة، خصوصاً بعد أن أقرّت حرسي علي علانية بأنها خالفت القوانين المرعية وقدّمت معلومات كاذبة في استمارة طلب اللجوء؛ إلا أنّ البرلمان صوّت على قرار يطالب فردونك بإيقاف إجراءات سحب الجواز، الأمر الذي امتثلت له الوزيرة.

كادت القضية أن تنتهي هنا، إذاً، مع تسجيل نقطة لصالح الديمقراطية ضدّ البيروقراطية، خاصة بعد رضوخ الوزيرة العنيدة؛ لولا أنّ حرسي علي برهنت على عناد أشدّ وأمضى، فلم تكتفِ بالاستقالة من البرلمان، وإنما أدارت ظهرها للبلد بأسره، ويمّمت شطر الولايات المتحدة، لتلتحق بالمعهد اليميني المحافظ "أمريكان إنتربرايز"؛ حيث عملت ـ صدّقوا ما تقرأون! ـ "خبيرة" في شؤون الإسلام! "شهادات الخبرة"، التي جعلت المعهد يسارع إلى توظيفها، نهضت على هذا التقريظ (الذي لفّقه أحد الناطقين باسم المعهد، دون أدنى خجل من التخابث الرخيص في حشر الألقاب الدينية كيفما اتفق): إنها "إبنة الإسلام المتمردة على آيات الله"!

مفيد، كذلك، استعراض الشريط التالي، من وقائع حياة هذه المهاجرة: 1992، تصل إلى هولندا، من الصومال، وتحصل في زمن قياسي على اللجوء السياسي بسبب ما تعرّضت له من اضطهاد على يد الإسلاميين في الصومال؛ 1997، تُمنح الجنسية الهولندية، دون مشكلات تُذكر، وفي زمن ماراثوني بالقياس إلى الغالبية الساحقة من الحالات المماثلة؛ 2002 يضمّها الحزب الليبرالي إلى لائحة مرشحيه للبرلمان، فتضطرّ عندها إلى الإقرار بأنها قدّمت معلومات مضللة في طلب اللجوء والجنسية؛ 2003، تفوز في الانتخابات، وبعد سنة فقط تظهر في شريط ثيو فان غوغ... أيّ مسار "مهني" و"أكاديمي"، ذاك الذي أهّلها للعمل "خبيرة" إسلام ومسلمات ومسلمين، في المعهد الأمريكي العريق، الحصين المنيع الذي لا يدخله إلا ثقاة المحافظين والمرضيّ عنهم من أهل اليمين!

ولكن لِمَ العجب، إذا كانت الدورية الشهيرة "فوريين بوليسي"، التي يصدرها معهد كارنيغي الأمريكي الشهير، اختارتها في المرتبة 37 من لائحة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيراً في الوظيفة الحساسة التي يطلق عليها الغرب تسمية "المثقف العمومي"؟ ثمّ ما الغرابة ـ من سيدة لم تنتج إلا ركاكة الأقوال عن الشريعة، والعزف على ذات الأوتار التي تطرب خواف الغرب من الإسلام، وتغذية بعض نزوعاته العنصرية ـ في أن تخاطب سفاح سورية بـ"الرئيس"، فيصفّق لها إعلامه، ويتلهف شبّيحته على نسبها إلى آل بيته، ولعلها بذلك تكتسب كنية جديدة: أعيان حرسي علي... الأسد!

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

ادخلوا مصر آمنين.. حقاً؟

بلال فضل (الكاتب في صحيفة "الشروق" المصرية، وأحد القلائل الذين يواصلون القبض على جمرة الشجاعة السياسية والنزاهة الأخلاقية، في مصر هذه الأيام)، نشر مؤخراً عموداً عنوانه "بسلام آمنين!"؛ مستوحى، كما هو معروف، من الآية القرآنية "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، والتي يجدها الواصل مدوّنة على مدخل مطار القاهرة. لكنّ فضل يريد المعنى النقيض في الواقع، ومن هنا علامة التعجب في عنوان عموده؛ أو، على الأقلّ، يشدّد على التشكيك في أنّ زائر مصر الراهنة يمكن أن يدخلها آمناً، خاصة إذا كان... سوريّ الجنسية!

والعمود ينقل عن الصحافية المصرية نهلة النمر سلسلة مشاهدات، جرى توثيقها وتصويرها، لأحوال "إخواننا اللاجئين السوريين المحتجزين في الإسكندرية"، ويهدي تقرير زميلته إلى "الفريق أول عبدالفتاح السيسي الذى يقولون إنه سيعيد أمجاد القومية العربية فى مصر، وإلى الرئيس القاضي عدلي منصور الذى أقسم بالله أنه لا يوجد أحد يمنعه من ممارسة سلطاته كاملة، وإلى الدكتور حازم الببلاوي قائد الجناح الديمقراطي فى حكومة الحرية الحمراء، وإلى المناضلين القدامى وزراء الحكومة الديمقراطية ورفاق حامي الأمن والأمان اللواء محمد إبراهيم، وإلى كل من كان لديه قلب أو أوعى السمع فهو شهيد".

والنمر تبدأ بتسجيل حقيقة أولى، مفادها أنّ "أخواتنا السوريات" أصبحن في عرف شرطة الإسكندرية "سجينات"، والتهمة هي "محاولة الهرب" من مصر، واعتقالهنّ دائم مفتوح رغم أنّ جميع قرارات النيابة جاءت بإخلاء سبيلهنّ. التفصيل الثاني في التقرير يشير إلى أنّ جميع المحتجزين، ذكوراً وإناثاً، شيباً وشباباً، لديهم تصاريح قانونية بالإقامة في مصر، ولم يتخذوا القرار الصعب بالمغادرة إلا بعد أن تراكمت عليهم أنساق التضييق والمعاملة السيئة والتحريض، فضلاً عن التشكيك السياسي والتأثيم الأخلاقي، عبر وسائل الإعلام أوّلاً (والمرء يتذكر ذلك المذيع الشهير، البهلوان على النحو الأشدّ خسّة ونذالة وافتئاتاً وبهتاناً، الذي اتهم النساء السوريات بممارسة الدعارة المأجورة في اعتصام رابعة). وأمّا الجانب السوريالي في هذا التفصيل، فهو أنّ الجهات الأمنية المصرية ألغت الإقامات تلك، أو أوقفت تمديدها؛ في حين أنّ الشرطة، وسلطات الاحتجاز، مدّدت الإقامات ذاتها... لكي يصبح الاعتقال قانونياً!

التفصيل الثاني (ونعرضه، هنا، بعد تحويل لغته من العامية المصرية إلى الفصحى)، يسير هكذا، حرفياً: وإذا كنّا لا نفهم غرض الأمن من استمرار حبس نساء وأطفال، بينهم رضّع"، في ظروف غير إنسانية ولأسباب غير واضحة، فإنّ ما لا يُفهم أكثر هو تصرفات ضباط قسم "المنتزه تاني" على وجه التحديد، وممارساتهم الغريبة تجاه النساء السوريات المحتجزات، اللواتي خرجن من بلادهنّ هرباً بأعراضهنّ من الاغتصاب، وأتوا إلى مصر كملاذ وحماية بين ظهراني المصريين، فكان جمالهنّ نقمة عليهنّ في بلادنا. ما تتعرّض له النساء السوريات في هذا القسم هو انماط متعددة من التحرش، بينها الشتائم والسباب بكلّ الألفاظ الجنسية التي لم ترد يوماً على آذانهنّ، إلى حدّ دفع إحدى السيدات إلى أن تصرخ في الضابط المتحرش: "لماذا تخاطبنا هكذا؟ نحن نساء شريفات لم نأتِ إلى هنا بسبب تهمة أو ارتكاب إثم". ردّ الضابط الهمام كان فرض عقوبة جماعية، وإغلاق الأبواب على الجميع، ممّا جعل الأطفال يتبوّلون على أنفسهم!

تفاصيل أخرى تتحدث عن طعام المحتجزين، الذي توفّره أصلاً مفوضية اللاجئين وليس إدارة الشرطة، وكيف يُنهب القسط الأعظم منه، فلا يتبقى إلا الفتات، وهذا بدوره يصبح موضوعاً للابتزاز؛ وحين فكّر المحتجزون في الإضراب عن الطعام، احتجاجاً على سوء المعاملة والتحرّش الجنسي، جاءت الفكرة برداً وسلاماً على ضباط الشرطة وعناصرهم، فاستولوا على مخصصات الطعام بأكملها! حكاية وجود حمام واحد للجميع، أي للشرطة مثل المحتجزات والمحتجزين، وما أسفرت عنه من أهوال أخلاقية؛ تدفع النمر إلى القول: ما أعرفه هو أنّ حماية عرض أي إنسانة في بلدنا، هي جزء من عرض وشرف بلدنا.

وإذا كان فضل قد شاء إهداء التقرير إلى السيسي ومنصور والببلاوي وإبراهيم، فإني من جانبي أهديه أوّلاً إلى مثقفين وكتّاب مصريين على شاكلة علاء الأسواني، الروائي والناشط النجم، الذي انزلق بدوره إلى تلك الهوّة السحيقة، المخزية المعيبة؛ فلم يتخذ موقفاً صريحاً يردع أصوات التجريح بالسوريين على أرض مصر، وأمسك العصا من منتصفها، الزائف والتضليلي: طالب بالتمييز بين "الأبرياء" و"العملاء"، فأنعم على الفئة الأولى بالإشفاق، وأنزل بالفئة الثانية العقاب، وكأنّه ـ أسوة بعناصر أجهزة الأمن المصرية، ومحترفي الردح والشتائم على الفضائيات البذيئة المنفلتة من كلّ عقال ـ حامل غربال سحري قادر على كشف سوأة العميل، وردّ اعتبار البريء.

ولستُ، في المقابل، أجد جدوى من إهداء التقرير إلى أمثال جمال الغيطاني (الذي امتدح جيش بشار الأسد مؤخراً، ونزّهه عن ارتكاب المجازر استخدام السلاح الكيميائي)؛ أو حمدين صباحي (لأنّ "العرق دساس"، ومَن امتدح صدّام حسين ذات يوم، يمتدح أضرابه من الطغاة في أيّ يوم)؛ أو فريدة الشوباشي (العاجزة عن التمييز بين استبداد آل الأسد وغلوّ الجهاديين، وبات أفضل شعاراتها اليوم: "نعم، السيسي هو رئيسي"!)؛ واللائحة، للأسف، طويلة طويلة... تبيح التساؤل الجارح، والمشروع: أما زلنا ندخلها، حقاً، آمنين؟