وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأربعاء، 26 يوليو 2017

غيفارا: أي ريح تهزّ الجبل؟

نايجل كوثورن كاتب أنغلو ـ أمريكي، صاحب رقم قياسي في التأليف: أكثر من 150 كتاباً، بين سيرة وتحقيق وتأريخ وسرد، يأخذ معظمها صفة السلاسل. هنالك، مثلاً، سلسلة "الحياة الجنسية"، للبابوات، ورؤساء أمريكا، وكبار الدكتاتوريين، وكبار الفنانين، وكبار الموسيقيين، ومشاهير المثليين، ومشاهير المثليات، وأباطرة روما، ونجوم هوليود؛ وأيضاً، سلسلة "تاريخ موجز"، لأمثال روبن هود، جيمس بوند، شرلوك هولمز، وأغاثا كريستي... ولأنّ مؤلفاته تعتمد على الإثارة والإبهار، والتغريد (النشاز، عن سابق عمد وتصميم) خارج السرب؛ فإنّ كوثورن "كاتب حسب الطلب"، كما يقرّ بنفسه، ولا مشكلة عنده البتة في أن يؤلف كتاباً بناء على رغبة هذا الناشر أو تلك الجهة.
أحدث صرعاته كتاب بعنوان "شي غيفارا: الفاتح الأخير"، تبدأ السطور الأولى في مقدّمته من الإقرار التالي: "مثل الكثيرين من الطلاب خلال أعوام الستينيات، اعتقدت أنّ شي غيفارا كان إلهاً في إهاب بشر، وكان مثالياً قاتل دفاعاً عن المضطهدين، من أجل الحرية والعدالة والتحرر". أمّا الآن، وفي هذا الكتاب، فإنّ شي غيفارا صار مجرماً، قاتلاً، مهووساً، عنصرياً، يكره السود وهنود أمريكا، ويغدر برفاقه ويقتلهم في الظهر؛ وكان ستالينياً، وشيوعياً متشدداً، وتقرّب من خوان بيرون دكتاتور الأرجنتين، وحرّض السوفييت على توجيه ضربة صاروخية ضدّ أمريكا خلال الأزمة الشهيرة، وفي الآن ذاته فتح أقنية خلفية مع الرئيس الأمريكي كنيدي، وشعب الكونغو يعاني حتى الآن من مغامرته الطائشة، والحزب الشيوعي البوليفي لم يرغب بمجيئه إلى البلد، أسوة بجميع الأحزاب الشيوعية في البلدان المجاورة. وباختصار، قولاً واحداً عند كوثورن: "منطلقاً من حافز العداء المتطرف لأمريكا، كان غيفارا بمثابة أسامة بن لادن الستينيات"!
بادىء ذي بدء، من حقّ كوثورن، أو سواه، التنقيب، والنبش حتى الأغوار الأعمق، في ما خفي من تفاصيل حياة أية شخصية عامة، فكيف برجل مثل شي غيفارا انقلب حقاً إلى أيقونة كونية، عابرة للحدود والحساسيات والثقافات والأجيال. ولكن من واجب هذا الطراز في التأليف، التأريخي التنقيبي، وبادىء ذي بدء أيضاً، أن يتحلى بالحدود الدنيا من الرصانة والنزاهة والموضوعية والإنصاف؛ وتلك ـ لدى قراءة الفصل الأول، فقط، من كتاب كوثورن، وعنوانه "موت أيقونة" ـ ليست خصال المؤلف، ولا تأليفه. العكس هو الصحيح، في الواقع، وعن سابق عمد وتصميم هنا أيضاً، إذْ كيف يكون التغريد خارج السرب، الغيفاري إذا جاز القول، دون النبش بطريقة التهشيم والتخريب، ذات اليمين وذات الشمال!
شي غيفارا كان آدمياً، وخطّاءً بالتالي، وبالضرورة؛ وربما كان قسط الخطأ البشري مرتفعاً عنده، هو بالذات، قياساً على الحياة الثورية التي عاشها، وتقلّبات الأزمنة والسياقات والجغرافيات، ثمّ السياسات والعقائد والذهنيات والشخوص، التي توجّب عليه مواجهتها، ومجابهتها. غير أنّ هذا كلّه لا يفضي به إلى الصورة الأحادية، البغيضة والمنفرة والكريهة، التي سعى كوثورن إلى حصره فيها؛ على نقيض ـ متعمد دائماً، ومقصود ومتخابث وحاقد ـ من الصور الكثيرة التي تبدّى فيها شي غيفارا، وما يزال يتبدى بعد 47 سنة أعقبت اغتياله في أحراش بوليفيا.
إنه أسطورة حيّة لا يلوح أنّ الكثير من الوهن قد أصابها، على صعيد الحنين الرومانتيكي إلى حقبة حافلة من كفاح الشعوب ضد الإمبريالية إجمالاً، والإمبريالية الأمريكية بصفة خاصة. واللافت أن الأسطورة تتواصل، بل تكبر وتترسخ أكثر، في ذروة الصعود الأمريكي ـ الإمبريالي وانكسار "حركات التحرّر"، أو اندحارها عملياً علي الأرض. وقد يصحّ القول إنّ أصل الحكاية الغيفارية يضرب بجذوره في فكرة الأسطورة ذاتها، وما دام الرجل "أسطورة"، أو يكاد؛ فلماذا ننتظر من الأسطورة أن تندثر خلال أقلّ من خمسة عقود، وهي حقبة زمنية قصيرة تماماً في حساب أعمار الأساطير؟
ومع ذلك فإن مشروعية السؤال تتكيء على حقيقة واحدة كبرى، إذا عزّت الحقائق الأخرى الأقلّ شأناً: أننا اليوم في زمن اندثار الرومانتيكية، سواء أكانت سياسية ثورية أم أخلاقية عاطفية؛ والعولمة الطاحنة الدائرة على قدم وساق لا تترك كبير هامش لاستعادة الأحلام المنكسرة، حين يكون الهشيم هو سيّد المشهد. فكيف تحتفظ أسطورة رومانتيكية بكلّ هذا الألق والبهاء والدلالة والحيوية، في غمرة الاندحار والانكسار والاندثار؟
سؤال قد يشجّع على قراءة كتاب كوثورن، من أبواب شتى؛ بينها، في نظري شخصياً، هذا الباب: التيقّن من أنّ الجبل لا تهزّه ريح!
30/8/2014

موتيفات محمود درويش


 
في سنة 2012 نشر الباحث والأكاديمي الفلسطيني حسين حمزة، من مجمع اللغة العربية في حيفا، ورئيس قسم اللغة العربية في كلية دار المعلمين هناك؛ عملاً فريداً في طرازه التأليفي، وبالغ الفائدة لقارىء محمود درويش (1941ـ2008)، الذي مرّت ذكرى رحيله السادسة يوم التاسع من آب (أغسطس) الجاري. وأعترف، في امتنان عميق للصديق حمزة، وعرفان بالجميل أيضاً، أنني ـ ومنذ أن تكرّم بإهدائي نسخة من كتابه، سنة صدوره ـ لم أتوقف عن العودة إلى فصوله وأقسامه؛ ليس لأنني أظلّ بحاجة ماسة إلى فوائد الكتاب العميمة، فحسب؛ بل، كذلك، وأساساً، لأنّ تقليب صفحاته كان متعة في ذاتها، معرفياً وجمالياً.
الكتاب عنوانه "معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش"، ومقاربته تنطلق من أنّ تجربة درويش الشعرية ترتكز على "محاور أساسية تنعكس في المكان، التاريخ، الأسطورة، الدين، الأدب والرموز الذاتية، التي أبدعها لتصبح دالّة عليه وعلى معجمه الشعري"؛ كما يقول حمزة. المنهجية بسيطة، وذات فاعلية عالية في الآن ذاته: اعتبار أوّل، عماده الحضور الكمّي للرمز والموتيف (وهذا، في يقيني، يشمل الموضوع، والموضوعة، والغرض...)، بصرف النظر عن تبدّل الدلالات بين قصيدة وأخرى؛ واعتبار ثانٍ، ينهض على الحضور النوعي، الأمر الذي يساعد أيضاً على تلمّس سيرورات التطوّر في تجربة درويش.
والجداول التي يستخلصها حمزة في الكتاب تفيد بأنّ موتيف الموت هو الأكثر حضوراً في جميع مراحل درويش الشعرية، ضمن ارتباط مع موضوعات أخرى مثل الشهيد والمنفى والاغتراب؛ ولهذا فإنّ دلالته تغيّرت عند درويش: "من تمجيد له في مراحله الأولى، إلى تصوير مأساة الموت الجماعي، ومن ثمّ إلى محاورة الموت في المطوّلة الجدارية، وتحميل موتيف الموت دلالات إنسانية وكونية". الأكثر تكراراً، بعد هذا ـ وعلى امتداد المجموعات، من "عصافير بلا أجنحة"، 1960؛ إلى "لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي"، 2009 ـ هي موتيفات الأرض، والاسم، والبحر، والذاكرة. وهنالك، بالطبع، موتيفات تكررت في مرحلة، ثمّ غابت عن مرحلة لاحقة، وأخال شخصياً أنّ بعضها انتقل بالمفردة الأمّ إلى نطاقات تعبيرية أرحب، وأعقد، وأكثر ثراءً.
والحال أنّ دراسة الجداول هذه، في الاعتبارين الكمّي والنوعي، توفّر معطيات دراسية ثمينة، كما تثير أسئلة نقدية شائكة لا تبدو بديهية إلا للوهلة الأولى. على سبيل المثال، ما الذي يجعل موتيف "القدس" يغيب، نهائياً، عن مجموعات درويش الخمس الأولى، طيلة عقد كامل بين 1960 و1970؛ ثمّ يظهر، بقوّة (12 مرّة!)، في مجموعة "أحبّك أو لا أحبّك"، 1972؟ ولماذا، في مثال ثانٍ، يحضر موتيف "القصيدة" في جميع مجموعات درويش، باستثناء "محاولة رقم 7"، 1973، و"أعراس"، 1977؛ رغم أنّ المجموعتين اتصفتا بنزوعات تجريبية طاغية، حول فنّ الشعر تحديداً؟ أو، في مثال ثالث، لماذا غاب موتيف "بيروت" عن المجموعات التسع الأولى، ثمّ ظهر في المجموعات الخمس اللاحقة (1977 وحتى 1986)، وعاد فغاب نهائياً حتى رحيل درويش؟
تلك أسئلة لا يطرحها حمزة في كتابه، بالطبع، لأنها ليست من وظائف المعجم كما شاء تصميمه؛ وللقارىء، أسوة بالدارس، أن يستنبط خلاصاته الشخصية، على نحو حرّ، وذاتي أيضاً، بادىء ذي بدء؛ ومتحرّر من المسلّمات المسبقة، والأحكام القطعية، ثانياً؛ وتفاعلي مع النصّ، وإبداعي في فهم الإحصائية، ثالثاً. هنالك، إلى هذه المستويات الثلاثة، حقّ إغناء المعجم بموتيفات أخرى كثيرة لم يُدرجها المعجم؛ لأسباب شتى لا صلة لها بتواني المؤلف عن الخوض فيها، وإنما لأنّ النصّ الدرويشي عباب عظيم زاخر، حمّال الكثير الكثير من العناصر والعلاقات والدلالات والرموز. فإذا كان حمزة قد صنّف موتيفات الحمام والسنونو والهدهد، فهل هذا يجحف بالدوري والحسون والغراب؛ وبالمثل، هل يطمس أنهار النيل والفرات وبردى، ومدن بغداد وعدن ودمشق...؟
وليسمح لي الصديق حمزة أن أختم هذه التحية، في ذكرى صديقنا الكبير الراحل، بواحدة من دمشقياته الأحبّ إلى نفسي؛ هذه القصيدة/ الموشح، التي لا أجد حرجاً في القول إنّ دمعات ترقرقت في عينيّ درويش حين تلاها للمرّة الأولى، وكانت محض مسوّدة يومئذ، سنة 1993، في بيته الباريسي: "أمرّ باسمكِ إذْ أخلو إلى نَفَسي/ كما يمرّ دمشقيّ بأندلسِ/ هنا أضاء لك الليمونُ ملحَ دمي/ وههنا وقعت ريحٌ عن الفرس/ أمرّ باسمك، لا جيشٌ يحاصرني/ ولا بلادٌ، كإني آخر الحرس/ أو شاعر يتمشى في هواجسه".   
10/8/2014

السبت، 7 نوفمبر 2015

حازم الأمين ويهود سورية: ردّ على رد




نشر حازم الأمين، في صفحته الشخصية على الفيسبوك، هذا النصّ:

"احتفال معارضين سوريين بمقال صبحي حديدي عن يهود سورية يؤشر ايضا الى وعي استئصالي. المقال جرم جماعة مدعيا انه يتحدث بلسان الضحية. ثم ان التساؤل عن سبب انحياز جماعة "باكملها" الى مجرم مثل بشار يجب ان يشمل ايضا ما عرضته الجماعات البديلة على هذه الجماعة. والمفارقة ان حديدي يعرض وقائع عن ولاء يهود دمشق لبشار وقبله لحافظ وفي نفس الوقت يعرض وقائع عن محاولاتهم الهرب من سورية في نفس الفترة، وعن معاقبة النظام كل من حاول منهم مغادرة سورية.

التردد في ابلسة اي مجموعة يجنب الضحية ان تكرر تجربة الجلاد".

سوف أثقل على القارىء بوضع رابط إلى مقالي، في "القدس العربي"، لمن شاء التدقيق فيه؛ وأردّ على الأمين بما يلي:

ـ طريف، ولكنه دالّ تماماً، أنه يبدأ بمفردة "احتفال"... وكأن اتفاق امرىء، معارض سوري أو غير معارض، مع رأي امرىء آخر، هو بالضرورة احتفال؛ بما يعنيه ذلك من طبل وزمر، أغلب الظنّ! ولست أدري، حقاً، كيف استشعر صيغة الاحتفال تلك؛ وأفهم، في المقابل، لماذا استقرّ على مفردة توحي بما توحي، شعورياً على الأقلّ.

ـ من أين أتته إشارة (لأنه يقول: "يؤشر أيضاً") نهوض ذلك "الاحتفال" على "وعي استئصالي"... والعياذ بالله! مَنْ نحن، الذين نعتزم الاستئصال؟ ونستأصل مَنْ؟ وكيف؟ وحين يلجأ الأمين إلى هذه المفردة، تحديداً، هل يدلنا على مفردة شقيقة لها، تسعفنا في الاستدلال على استئصال ما، أياً كان موضوعه وهوية ضحاياه؟

ـ متي أدعيت، في المقال أو في أية مناسبة، أنني أتحدث "بلسان الضحية"؟ وما هوية هذه "الضحية" أساساً؟ هل هي الشعب السوري، مثلاً؟ وكيف يصبح مقال عن مواقف يهود سورية من نظام آل الأسد، ادعاءً بالتحدث بلسان الضحية؟ أم أنني أنا الضحية، في ترجيح ثانٍ؟ وهل يقصر عقل الأمين عن التمييز بين مواطن سوري، صاحب حقّ، ومعارض لنظام الأسد ـ هو كاتب هذه السطور، بكلّ تواضع ـ وبين "الضحية"؟

ـ أليس معيباً (إذا تجاوز المرء البواطن، والأمين أعلم بها) أن يلصق بالمقال تهمة شنيعة كالتجريم؟ وتجريم "جماعة"؟ أين في المقال عثر على أيّ إيحاء، دَعْ جانباً مفردة أو عبارة، تدل على أنني أجرّم يهود سورية؟ ثم إنني لم أتساءل، كما يفترض الأمين؛ بل سقتُ اقتباسات حرفية (لم أطوّرها، البتة، إلى أحكام شخصية) حول مواقف يهود سورية من آل الأسد. ولم أجرّمهم في هذا، ليس لأنني أقرّهم فيه، بل لأنني تركت الحكم على هذا التناقض الفاضح إلى كاتبة التحقيق نفسها، ماكسين دوفير، التي كانت هي التي تساءلت: "كيف يستقيم أنّ هذا النظام، الذي يذبح الشعب السوري لأنه طالب بالحرية، هو ذاته النظام الذي يدعو الحاخام يهوشوا بنتو، أو الحاخام إيلي عبادي، لزيارة الجالية اليهودية في سوريا؟".

ـ يهود سوريا ليسوا "جماعة" فقط، بل هم أتباع ديانة أيضاً، وديانة مدللة جداً، على نطاق كوني. لكني لم أتحدث عنهم إلا بمصطلح واحد وحيد، هو انحيازهم ـ كأتباع ديانة، بقيادة حاخاماتهم أولاً ـ إلى نظام دكتاتوري قاتل مجرم مستبد فاسد... يناقض كلّ تاريخ الكوارث الذي عاشه اليهود، أبناء الديانة تحديداً، وليس المواطنين اليهود بالمطلق. لا هذا المقال، ولا أيّ مقال آخر، يحتوي على أي موقف من جانبي ضدّ اليهود، كأتباع ديانة أو كضحية، والعكس هو الصحيح. أنا، أيضاً، ابن مدينة القامشلي، ثالثة ملاجىء اليهود في سورية، وقد زاملتُ يهوداً على مقاعد الدراسة، وتبضعت من محالّ يهودية في المدينة، وأعرف كنيسهم، وليس في وعيي أيّ ملمح عداء لليهود، بصفتهم هذه. وسوى موقفي الشخصي هذا، أنا أنتمي إلى تنظيم سياسي لم يتخذ أي موقف معادٍ لليهود، كيهود، إلا إذا شاء الأمين الاقتداء بالصهاينة الذين لا يفرّقون بين العداء لليهودي المستوطن الغاصب للأرض والحقوق، واليهودي بحكم الولادة والديانة!

ـ تبقى نقطة محزنة، حقاً، إذْ تأتي من كاتب محترف، تُنتظَر منه الموضوعية والمصداقية: أنه تقصّد قلب المعنى، رأساً على عقب، في الأمثلة التي أتيتُ عليها حول معاقبة آل الأسد لليهود السوريين الذين حاولوا الفرار من سورية؛ فاعتبر هذا تناقضاً عندي، وتجاهل أنني قصدت التالي، بالضبط: أنّ النظام عاقبهم من باب رفع العتب فقط، لأنه عفا عنهم سريعاً، واستقبل حاخاماتهم؛ على نقيض المعارضين السوريين الذين قضوا عقوداً في السجون والمعتقلات. فإذا لم تكن النيّة صافية في سوء الفهم هذا، فإنها للأسف ليست أقلّ من تشاطر صغير لعكس المعنى، عن سابق قصد وتصميم؛ أشعر، صدقاً، بالحزن لأنّ الأمين انزلق إليه هكذا، بهذا المقدار من الاستسهال والخفة.

ختاماً، أيكون لسان الأمين ذرباً أكثر مما ينبغي ـ لكاتب محترف مثله، على الأقلّ! ـ بحيث تتدفق منه مفردات مثل "وعي استئصالي" و"جرّم" و"لسان الضحية" و"الأبلسة" و"تكرار تجربة الجلاد"... تُلقى على عواهنها، كيفما اتفق، بمعزل عن حُسْن الدلالة وصحيح المقام؟  أم أنّ ما خفي كان أدهى، أشدّ بؤساً، وأدعى لمزيد من الحزن بالطبع.

http://www.alquds.uk/?p=477075

الاثنين، 11 أغسطس 2014

عرسال: هل هي تنويع جديد لمحاصصات فاسدة؟

 إذا كانت "داعش" قد قدّمت للنظام السوري هدايا كثيرة، منذ صعودها كتنظيم عسكري مواظب على ارتكاب الجرائم الفظائع والقبائح التي توفّر نظائر مطابقة لما ترتكبه وحدات بشار الأسد العسكرية، وأجهزته، وميليشياته الطائفية منها بصفة خاصة؛ أفليس طبيعياً، والحال هذه، أن تقدّم "داعش" هدايا مماثلة لحلفاء النظام، في لبنان والعراق تحديداً؟ أليس ما جرى في عرسال، مراراً قبلئذ، في المواجهات مع "حزب الله"، وما يجري منذ أيام في مواجهات جديدة مع الجيش اللبناني، مدعوماً من "حزب الله" و"أمل" وفصائل أخرى حليفة للنظام السوري؛ بمثابة "ستراتيجية مخرج"، حتى إذا كانت ركيكة ومفضوحة ومكشوفة، يعتمدها حلفاء الأسد اللبنانيون لتبرير قتالهم إلى جانب نظامه، داخل سورية؟

خلاصة قد تبدو بديهية، في نهاية المطاف، او حتى بسيطة وتبسيطية؛ الأمر الذي لا يلغي أهميتها في التحريض الميداني ضدّ النزوح السوري في لبنان، بادىء ذي بدء، وفي الخلفية البعيدة (كما تُقرأ ردود الفعل الغاضبة في اللبوة، وقطع الطريق على قافلة المساعدات الإنسانية إلى النازحين السوريين المحاصرين في عرسال)؛ وكذلك، استطراداً، وفي الخلفية السياسية الأقرب، ضدّ قوى الانتفاضة السورية، التي تعاني من "داعش" أكثر بكثير ممّا عانت عرسال. كذلك لا ينبغي لخلاصة كهذه أن تطمس حقيقة أخرى جوهرية، موازية بقدر ما هي وازنة، في المعادلة ذاتها: أنّ جماهير عرسال، في سوادهم الأعظم، كانوا على الدوام متعاطفين مع الانتفاضة، وقدّموا ما استطاعوا لإغاثة السوريين، حتى حين كانت طائرات الأسد تقصف بيوتهم، على مرأى ومسمع من وحدات الجيش اللبناني.

خلاصة أخرى، بديهية بدورها، وإنْ كانت أكثر احتفاءً بالتهويل الدرامي؛ هي أنّ مناخات "الالتفاف الوطني" الحارّ حول الجيش اللبناني، واتفاق جميع القوى والساسة والفئات على اجترار العبارة المكرورة التي تقول إنّ هذا الجيش "خطّ أحمر"... كانت، في الواقع، تعيد عزف أسطوانات مشروخة، كاذبة تماماً، ومنافقة مرائية، تفيد العكس... تماماً، أو تكاد: أنّ هذا الجيش منتهَك الكرامة، عسكرياً ومعنوياً، على يد مسلّحي "حزب الله" أوّلاً، والميليشيات كافة ثانياً؛ وأنّ الجوهر الأقصى لوظائفه بات منحصراً في... ترقية قائد الجيش إلى رتبة رئيس الجمهورية، حيث يسود الوئام الوطني ساعة، وتهيمن الانشطارات الطائفية والمذهبية والطبقية كلّ ساعة.

وللوهلة الأولى، قد يبدو مدهشاً أنّ هذه الخلاصة تعيد ترجيع أصداء ترددت عشية الانتخابات النيابية، صيف 2009، حين أكّدت النتائج مآلَيْن، منتظَرَيْن تماماً في الواقع: انتخاب نبيه برّي، لولاية خامسة، في رئاسة المجلس النيابي، أي المؤسسة ذاتها التي عطّلها عن سابق قصد وانحياز سياسي، وحوّلها إلى أضحوكة، طيلة أشهر؛ وتكريس سلطة المال السياسي الحريري في سدّة رئاسة الوزارة، استمراراً للنهج الذي دشّنه رفيق الحريري سنة 1992، في وزارته الأولى، وتوجّب أن يتابعه وريثه السياسي سعد الحريري. آنذاك، كما اليوم، بدت "الوحدة الوطنية" مختزَلة في هذا الوئام القديم/ الجديد حول مؤسسة الجيش، ثمّ بعدئذ في شخص الرئيس (العسكري) العتيد.

في عرسال، اليوم، تتكاتف آلة عسكرية متنافرة، وليست البتة تعددية "تحت سقف الوطن اللبناني"، إذا جازت الاستعارة من خطاب إعلام النظام السوري؛ لم يسبق لها ان تكاتفت على هذا النحو، العسكري أو التعبوي، في أية واقعة وطنية سابقة، وربما على امتداد تاريخ لبنان. في باطن هذا السياق، بدا "حزب الله" وكأنه عاد خطوة إلى الوراء ـ واحدة فقط، أغلب الظنّ! ـ عن التبشير الأحدث الذي طلع به حسن نصر الله قبل أشهر، في خطاب حماسي عاطفي مشبوب: "نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم"؛ "ونحن الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري". كان ذاك هو الإعلان الأكثر وضوحاً عن هوية مذهبية للحزب، شيعية، لكنها تشدّد أيضاً على الركنَيْن، "الإماميّ" و"الإثنا عشري"، تحديداً. في عرسال الراهنة، يلوح أنّ الحزب عاد، وإنْ بمعدّل خطوة واحدة يتيمة، إلى خطاب سابق، حُرق واستُهلك واستُنفد، يشدد على الانتماء إلى الاجتماع السياسي اللبناني، "الوطني" هذه المرّة، وليس "الإماميّ" و"الإثنا عشري".

يُراد لنا، إذاً، أن نكون في منأى عن ـ وعلى مبعدة بعيدة... بعيدة من ـ "غزوة بيروت" في أيار (مايو) 2008 (ساعة اتضح أنّ "حزب التحرير" استدار ببندقيته، على عكس ما أقسم قادته مراراً، نحو خصم محلّي، ونحو المجتمع اللبناني في المحصلة)؛ والعجز عن الثأر لمقتل عماد مغنية، في سياق ما أسماه نصر الله "الحرب المفتوحة" على إسرائيل؛ وعدم ترجمة مبادىء الميثاق الجديد، حتى تلك الفضفاضة في مصطلحاتها "الوطنية"، إلى تطبيقات سياسية واجتماعية على الأرض... كلّ هذه كانت عوامل تعيد "حزب الله" إلى صياغات تأسيسه الأولى، وتضعه في قلب ارتباطات أحلاف الخارج، هذه التي لم يسبق له أن انفكّ عنها تماماً في الواقع.
في تلك الحقبة، تحديداً، ويا لمحاسن الصدف التي ليست مصادفات عشوائية أبداً، أجرى وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلّم، حواراً مع غابرييلا رفكند، من صحيفة الـ"غارديان" البريطانية، قال فيه: "يمكن للانسحاب من الجولان أن يتمّ على مراحل، تنطوي توقيتاتها على شكل من التطبيع. نصف الجولان يمكن أن يفضي إلى إنهاء العداء. ثلاثة أرباع الجولان، تفتح ممثلية لرعاية المصالح الإسرائيلية في السفارة الأمريكية. الانسحاب الكامل سوف يسمح بسفارة سورية في إسرائيل". وحين سألته رفكند عن العلاقات مع إيران و"حزب الله"، لم يقل المعلّم إنها "خطّ أحمر"، جرياً على الموضة الشائعة، بل أجاب ببساطة: نتولى أمرها بعد الانسحاب!

فإذا صحّ، في العودة إلى استهلال هذه السطور، أنّ "داعش" قدّمت في عرسال هدايا ثمينة إلى "حزب الله"، وخاصة لجهة اعتصار تسويغات جديدة لقتال الحزب إلى جانب الأسد في سورية؛ فهل يصحّ أن تكون عرسال الراهنة واقعة منقطعة عن سياقاتها اللبنانية ـ اللبنانية، وخاصة تلك المتصلة بمعادلات سلاح "حزب الله"؟ أم أنّ عرسال الراهنة، ضمن استطرادات منطقية بسيطة وتبسيطية، ليست أقلّ من تنويع جديد لتلك المحاصصات الفاسدة، السياسية والطائفية والمالية، التي عاثت فساداً بحياة لبنان واللبنانيين، طيلة عقود، وشارك في صناعتها جميع الساسة والأحزب والقوى والفئات؛ بلا استثناء تقريباً، وفي الطليعة "حزب الله"، الشيعي، والإمامي، والإثنا عشري... من غير أهلّة اقتباس هذه المرّة؟

في صياغة أخرى، حين تفشل قوى 14 آذار، أو ما تبقى من ركام تكوينها السياسي، في التمييز بين ثلاثة مستويات للنقاش حول عرسال (حقّ أهل عرسال في طرد "داعش" من البلدة، ثمّ واجب الحكومة اللبنانية في الإبقاء على سلاح واحد شرعي في البلدة، هو سلاح الجيش؛ وأخيراً، ردّ واقعة حضور "داعش" في عرسال إلى جذورها، أي تدخّل "حزب الله" عسكرياً في سورية لصالح نظام الأسد)؛ فإنّ مآلات هذا الفشل سوف تنتهي إلى اختزال عرسال لا كما يعلن الجيش اللبناني، أو يتشدّق الساسة الحريصون على قدسية "الخطّ الأحمر"؛ بل على النحو الذي يشتهيه "حزب الله" وحلفاؤه (لبنان إثنا عشري أمس، وطني اليوم، وغداً... لكلّ حادث حديث)، وبالتالي تسفر عن، وتفسح المجال كلّه أمام، تعبيرات عنصرية ومشاعر كراهية وحقد ضدّ السوريين.

أسئلة متروكة لإجابات اللبنانيين، ليس على مبدأ أنهم أدرى بشعابهم، فحسب؛ بل، كذلك، لأنّ الليالي من الزمان حبالى... مثقلات يلدن كلّ عجيب!
7/8/2014

الخميس، 7 أغسطس 2014

في ذكرى علي الجندي

 انقضت خمس سنوات على رحيل الشاعر السوري علي الجندي (1928 ـ 2009)، وتوجّب اليوم أن أستعيد، مجدداً، ذكرى مواطن استجمع، في نصف قرن من عقود عمره، قسطاً وافراً من العناصر السياسية والثقافية والنفسية والإبداعية التي ميّزت شخصية سورية محددة ومعيارية: المثقف، البرجوازي الصغير، حامل مصائر، ثمّ جراحات وانكسارات وهزائم، طبقة توهمّت أنّ عقيدتها (التي بدأت كمزيج قومي ـ ميتافيزيقي، يستلهم المثالي الفيختوي والسوبرمان النيتشوي، ليُسقط على العربي صفة "سيّد القدر")؛ جديرة باحتكار تمثيل الوجدان السوري، والنيابة عن الاجتماع الوطني بأسره، وليس الطبقة وحدها.

والجندي كان شاعراً رائداً، بحقّ، رغم انتمائه ـ من حيث النشر والحضور الثقافي، وصدور مجموعته الأولى "الراية المنكسة" سنة 1962، بعد سنوات أعقبت نشر قصائده في دوريات أدبية سورية ولبنانية ـ إلى مجموعة شعراء الستينيات (علي كنعان، ممدوح عدوان، محمد عمران، فايز خضور، محمود السيد، أحمد سليمان الأحمد، خالد محي الدين البرادعي، وسواهم). وفي ظنّي أن مكمن ريادته يبدأ، أوّلاً، من حقيقة إقامة الصلة الحداثية، والتجديد المعمّق في الشكل مثل الموضوعات، بين حلقة عبد الباسط الصوفي وسليمان العيسى وشوقي بغدادي، حيث هيمن شكل "الشعر الحرّ" أو التفعيلي، وإنْ اختلفت الأساليب وتباعدت التجارب؛ وحلقة الثلاثي علي الناصر وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي، حيث النماذج الأبكر من قصيدة النثر السورية، ذات الميول السوريالية؛ والحلقات المنفردة الكبرى كما مثّلتها تجارب نزار قباني ومحمد الماغوط، إضافة إلى أدونيس حين نحتسبه على مشهد الشعر السوري، وليس اللبناني.

جانب آخر هامّ، في تشخيص هذه الريادة الحداثية، كانت قد جسّدته مبادرة الجندي إلى إقامة تلك الصلات، وبالتالي نشر قصائده الحداثية الأولى، وهو على وعي تامّ بمقدار الضغوطات التي كانت القصيدة العمودية السورية تمارسها على الذائقة العامة؛ سواء على يد مجايلين، أمثال وصفي القرنفلي وحامد حسن وسعيد قندقجي وعبد الرحيم الحصني؛ أو تأثيرات السطوة الكلاسيكية المتجذرة لقصيدة عمر أبو ريشة وبدوي الجبل ونديم محمد وعبد المعين الملوحي، من جيل الكبار السابق. وهكذا، فإنّ مكمن ريادته، في المقام الثاني، كان اختراق تلك الغابة المتشابكة من الأشكال والأساليب والموضوعات واللغات والتجارب، والاستئناس الحيوي بمنجز الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب (وكانا على صلة صداقة)، في ما يخصّ سيولة التفاعيل ومعالجات موضوعة الموت؛ والنجاح في النأي بذاته عن موجة الشعر التموزي، موضة العصر الحداثية آنذاك؛ والإفلات، التامّ والمدهش في الواقع، من طوق أدب الالتزام، في صياغاته القومية والبعثية تحديداً، رغم أنّ الجندي كان قريباً من سلطة البعث حتى أواسط السبعينيات.

وكانت مجموعته/ قصيدته الطويلة "طرفة في مدار السرطان"، 1975، بمثابة كشف حساب مفصّل، جارح وحادّ وتراجيدي، عن حال انكسار الشاعر الرائي، والشاعر العرّاف، والشاعر البطل، والشاعر المثخن بالجراح النرجسية، والشاعر الرجيم... خلاصة صفات الممثّل الحقّ للخريطة الشعورية التي رسمت تضاريس البرجوازية الصغير السورية في تلك الأحقاب. الأرجح أنّ هذه العناصر، متشابكة متلاطمة في عباب عقيدة وجودية، فضلاً عن طراز حياة صاخبة وأبيقورية... جعلت الجندي قليل الاكتراث بتطوير قصيدته وترقية أدواته، فظلّ أسير نبرة واحدة، ولغة مقتصدة، وإيقاعات متماثلة، مع استثناءات محدودة في الواقع، كانت على الدوام تؤكد شاعريته الدافقة ومراسه العالي.

لكنّ هذا المزيج، المصطخب المتصارع، لم يمنع الجندي من التوقيع على "بيان الـ99"، الذي أصدرته نخبة من المثقفين السوريين، ونُشر في أواخر أيلول (سبتمبر) 2000، وتضمّن المطالبة بإلغاء الأحكام العرفية، وإصدار عفو عام، وإرساء دولة القانون وإطلاق الحريات العامة والمدنية. ولقد قاطع الجندي المهرجانات الثقافية في السلمية (بلدته التي سبق لها أن تابعته ينخرط في بكاء مرير وهو يلقي قصيدته "السيول تجتاح سلمية"، حتى صعد ممدوح عدوان إلى المنبر، وأتمّ القصيدة بالنيابة عنه)؛ احتجاجاً على اعتقال صديقه عبد الكريم الضحاك، مدير المركز الثقافي الأسبق، وعضو مجلس أمانة "إعلان دمشق".

ذلك لأنّ الأنموذج الأوّل في تكوين شخصية الجندي كان الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد ("أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة/ وما تَنقُصِ الأيامُ والدهرُ يَنفدِ")؛ وأمّا أنموذجه الثاني فقد كان الشاعر الأموي قطري بن الفجاءة، فارس الأزارقة الذي قال لنفسه وقد طارت شعاعاً: "وما للمرء خير في حياة/ إذا ما عُدّ من سقط المتاع".