وعزّ الشرق أوّله دمشق

الثلاثاء، 16 يناير 2018

سيلفيا بلاث في طينة البشر

خبر بهيج أن يصدر، في 1424 صفحة، عن هاربر، المجلد الأول من رسائل الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 ـ 1963)، وأن يغطي سنوات 1940 ـ 1956، ومراسلات مع أكثر من 120 شخصاً، وعشرات الصور الفوتوغرافية والرسوم التي تُنشر للمرة الأولى. أسباب البهجة عديدة، لا تبدأ مما تحتويه مئات الرسائل من تفاصيل حول حياة واحدة من أكثر شاعرات القرن العشرين إشكالية، فحسب؛ ولا تنتهي عند تسليط المزيد من الأضواء على مناخات الشعر الأمريكي، والبريطاني أيضاً، خلال أحقاب عاصفة. وبالطبع، ثمة الكثير من المعطيات التي تكشف خفايا تجربة بلاث المعقدة مع الشاعر الإنكليزي تيد هيوز (الذي سيصبح زوجها)، وملابسات انتحارها.
ويندر أن تكون وفاة شاعرة قد حظيت باهتمام بالغ يفوق مسارات حياتها ذاتها، أو منجزها الشعري، من حيث مقدار الغموض، وحجم الأسئلة التي تتوالد من سواها؛ وكذلك اكتساب صفة استمرار مضطرد اكتنفت، وما تزال، سيرورة البحث والتنقيب، والكثير من الفضول أيضاً. بعض السبب قد يكون عائداً إلى قسط آخر من الفضول، يخصّ هيوز نفسه، الزوج العاثر الحظّ الذي انتحرت زوجته الأولى، بلاث، لأنه هجرها إلى امرأة أخرى، هي آسيا ويفيل؛ وهذه الأخيرة انتحرت بدورها لأسباب لا أحد يجزم بها على وجه الدقّة.
ولقد جرى العرف على تحميل هيوز مسؤولية الانتحارَين، معاً؛ ولكنّ الرجل التزم الصمت المطبق، وأعطى أذناً صمّاء لعشرات حملات التأثيم التي شنتها ضده الحلقات الأدبية النسوية، وأنصار بلاث في الولايات المتحدة بصفة خاصّة. وفي مطلع العام 1998 قرّر أن يكسر الصمت من خلال "مرافعة" بالغة الخصوصية، فأصدر مجموعة شعرية بعنوان "رسائل عيد الميلاد"، لقيت على الفور ترحاباً واسعاً؛ ليس لأنها كانت تقترح اسلوبية متقدمة في فنّ هيوز الشعري، فحسب، بل كذلك لأنها كانت تُشبع بعض أسئلة الفضوليين أيضاً!
دفاع شعري، إذن، عن "تهمة" جنائية أو تكاد، غائمة التفاصيل وغائبة الأدلة، يسيّجها التعصّب النسوي المغالي، أو التعاطف الوجداني الجارف مع المرأتين المنتحرتين؛ ومع بلاث، الزوجة/ الشاعرة الرقيقة اللامعة، بصفة خاصة. وهو دفاع ينتهج قصيدة الحبّ من جهة، ولكنه من جهة ثانية يعيد كتابة الكثير من فصول حياة هيوز مع بلاث وعشقه لها. والأهمّ أنه يميط اللثام عن أطوار غير عادية في حياة بلاث النفسية والروحية، ويترك للقارئ أن يقدّر بنفسه... إذا بقيت لديه حوافز كافية لإصدار "حكم" بوليسي، بعد كلّ ذلك الشعر الرفيع.
وشخصياً، ودونما إغراق في تفاصيل لا يسمح المقام بها، لا أميل إلى تحميل هيوز المسؤولية الأولى عن وفاة بلاث، لأنّ الأسباب التي دفعتها إلى محاولة الانتحار الأولى (قبل سنوات من تعرّفها على هيوز) ظلّت تتنامى في داخلها؛ وظلّ إحساسها المبكّر بانعدام الأمان يضغط على حياتها العائلية والنفسية والشعرية، إلى أن بلغ ذروته القصوى وقادها إلى تلك الطريقة الفاجعة في الانسحاب من الحياة. وممّا له دلالة خاصّة أنّ قصائدها الأخيرة، فضلاً عن مسرحية إذاعية بعنوان "ثلاث نساء"، كانت تشير إلى تمارين رهيبة في محاولة اعتياد الموت؛ وكانت، في الآن ذاته، تمتدح الحياة الأخرى التي يخبئها "اللقاء الناجح مع الموت" كما ستقول.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أنّ هيوز يوحي، في "رسائل عيد الميلاد"، بأنه لم يكن قادراً على الحيلولة دون انتحار بلاث، وأنه كان شاهداً لا حول له أمام ذلك الاضطرام العارم الذي كان يكتسح أعماقها. كذلك يلمّح إلى أنّ مآلات لقائه مع بلاث كانت مسألة قَدَرية صرفة، سواء رُدّت جذورها إلى ارتطام نفسَيْن خلاّقتَين شاعرتَين؛ أو إلى هوس بلاث المَرَضي بذكرى موت أبيها، وميلها إلى إسقاط شخصيته على هيوز (إذْ كانت ترى في الأخير صفات الأب والحامي والعشيق). وثمة مَنْ يذهب إلى ترجيح أقصى: لقاء بلاث ("مارلين مونرو الشعر"، كما لُقبت)، وهيوز (شبيه ذلك الأرستقراطي غريب الاطوار في حكاية الفرنسي شارل بيرو، الذي اعتاد قتل زوجاته داخل أسوار قصره)، كان محتماً أن ينتهي بالفاجعة.
وفي مقدمة المجلد الأول هذا يشير المحرران، بيتر شتاينبرغ وكارين كوكيل، إلى أنّ بلاث في رسائلها كانت أكثر من شخصية واحدة، تبعاً للناظر إليها: إبنة، طالبة، صحافية، شاعرة، صديقة، فنانة، حبيبة، زوجة، روائية، وأمّ. ولكنها، في المقام الأول، كانت من طينة البشر، ولهذا فإن مراسلاتها تحتوي على كلّ ما يشير إلى تعدد شخصيتها، من الحديث عن القنبلة الذرية وفلسطين، إلى شعر و. ب. ييتس ورواية جيمس جويس؛ ليس دون ارتكاب أخطاء طباعية ونحوية، واستخدام اقتباسات مغلوطة، وتوظيف أضاليل هنا ومبالغات هناك...
وفي رسالة بتاريخ 20 آذار (مارس) 1943، أرسلت بلاث إلى أمّها قصيدة (تُنشر للمرة الأولى في هذا المجلد) تقول: "إغرسي شتلة صغيرة/ اخلطيها بمطر ورذاذ/ حرّكيها بقليل من ضياء الشمس/ ولسوف تنبت بعض الزهور". وكشوفات كهذه هي بعض بهجة الإبحار في مئات الصفحات من مراسلات حارّة، دافقة بالحياة، ومترعة بشجن الشعر وحيرة الوجود، في آن معاً.
19/11/2017

فرنسا "القوة الناعمة": من تصدير اللوفر إلى استيراد الحريري!


في سنة 1990، طيّ فصول كتابه "محكومة بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوّة الأمريكية"، نحت جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، مصطلح "القوة الناعمة"، حيث في الوسع اقتياد البلدان الأخرى طواعية إلى مقاصد بلد ذي جبروت؛ على نقيض "القوة الصلبة"، التي تفترض القسر والإجبار عن طريق الاستخدام المختلف، السياسي والاقتصادي والعسكري، للجبروت إياه. في كتاب لاحق، صدر سنة 2004 بعنوان "القوة الناعمة: أداة النجاح في السياسة الدولية"، أضاف ناي المزيد من العناصر إلى مبتدأ المصطلح، فشدد على ثلاثة مصادر: القيم السياسية، الثقافة، والسياسة الخارجية.
ومعهد بورتلاند الأمريكي، التابع لـ"مركز الدبلوماسية العامة" في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، يصدر تقريراً سنوياً حول "القوة الناعمة"، يتضمن استعراضاً للميادين التي تشهد تطبيق المبدأ، نجاحاً أو فشلاً؛ كما يحتوي على مؤشر يرتّب الدول التي تتصدّر الاستخدام الأمثل للقوة الناعمة. تقرير العام 2017 حمل على غلافه صورة برج إيفل الباريسي الشهير، لأنّ فرنسا تصدرت الترتيب الكوني، بـ75,75 علامة؛ تليها المملكة المتحدة، 75,72؛ فالولايات المتحدة، 75.02؛ وألمانيا، 73,67؛ وكندا، 72,90؛ واليابان، 71,66. في أسفل اللائحة، المؤلفة من 30 دولة، تقبع الصين وروسيا وجمهورية التشيك وهنغاريا والبرازيل وتركيا؛ وليس ثمة أي بلد عربي، غنيّ عن القول!
ليس هنا المقام المناسب لعرض المنهجية الصارمة التي يعتمدها المركز في تصنيف الدول، وسلسلة المعايير المختلفة التي يستأنس بها في استخلاص الترتيب، وكيف تتغاير بين معيار عسكري وآخر ثقافي، بين دبلوماسية تُكْرِه وأخرى تستميل؛ وتكنولوجيا تصادق البيئة وأخرى تعيث فيها خراباً... لافت، مع ذلك، وفي عجالة هنا، أنّ بلداً مثل روسيا يحلّ في المرتبة 26 من حيث توظيف القوة الناعمة؛ رغم أنه يُعدّ القوّة الكونية، والنووية، الثانية بعد الولايات المتحدة؛ أو أنّ بلداً مثل المملكة العربية السعودية، رغم كلّ الجبروت النفطي والمالي، فضلاً عن النفوذ التبشيري السلفي، لا يدخل اللائحة أصلاً. لافت، كذلك، وقوع الصين في المرتبة 25؛ رغم انتشار صناعات البلد في أربع رياح الأرض.
لماذا فرنسا في الصدارة؟ يبدأ كتّاب تقرير 2017 من حقيقة أن تصدّر فرنسا كان مفاجأة لهم، بالنظر إلى ظروف البلد قبل عام فقط من انتخاب إيمانويل ماكرون: شعبية سلفه، فرنسوا هولاند، التي هبطت إلى حضيض غير مسبوق؛ والهجمات الإرهابية المتعاقبة، التي ألحقت الأذى البالغ بأمن فرنسا واقتصادها وسياحتها؛ وتزايد صعود اليمين المتطرف، ونجاحه في اجتذاب شرائح من اليمين التقليدي والديغولي... لكنّ قوة فرنسا الناعمة شهدت دفعة ملموسة مع انتخاب رئيس شاب، واعد في برامجه، قادر على كسر الاحتكار التقليدي للسياسة وصناديق الاقتراع بين اليمين واليسار، حائز على ثقة الشارع الشعبي، وحصد أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية. الجوهري، في المقابل، أنّ ماكرون أحسن استغلال الشبكات الدبلوماسية التي تمتعت بها فرنسا على صعيد دولي؛ كما أجاد استغلال فرصة غير مسبوقة، هي سياسات الانعزال التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فبدا أنّ باريس هي نقيض واشنطن على المسرح الدولي.
والحال أنّ الثقافة الفرنسية واحدة من أبرز دعائم هذه القوة الناعمة، والأرجح أنّ تقرير بورتلاند هذا كُتب قبل أن يسافر ماكرون إلى أبو ظبي لافتتاح متحف "لوفر النور ولوفر الصحراء" على أرض جزيرة السعديات، في إمارة أبو ظبي؛ وإلا لكان هذا الحدث بمثابة الدليل الأحدث، والأبلغ، على امتداد القوة الناعمة الفرنسية، ونطاقات اشتغالها. وفي خطبته المسهبة، التي كانت أشبه بالسير في حقل ألغام من المحظورات الدينية والمحاذير الاستشراقية، تحاشى ماكرون اقتباس رمز علماني غربي (هو الذي يترأس دولة تنتهج العلمانية رسمياً)، أو رمز نهضوي شرقي (رغم إطنابه في امتداح آثار عصر الانوار على ثقافات الآخر)؛ فاستقرّ على الروسي فيودور دستويفسكي، في "الجريمة والعقاب"، ليعلن على لسان راسكولينكوف: "الجمال سوف ينقذ العالم"!
جدير بالتذكير أنّ مشروع متحف اللوفر هذا لم يبدأ مع ماكرون، بالطبع، بل جرى الاتفاق عليه في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك (الذي كان قد ابتدأ رئاسته باستئناف التجارب النووية!). وأمّا الجانب المالي والاستثماري خلف هذا التصدير للجمال، فإنه 525 مليون دولار تدفعها دولة الإمارات العربية المتحدة لقاء استخدام اسم اللوفر طيلة 30 سنة، وقرابة 750 مليون دولار لقاء إعارة الأعمال الفنية، وإقامة المعارض الموسمية، ونفقات تنظيمها. وهذه صفقة ناجحة، قطعاً، يسيل لها لعاب أيّ متحف، خاصة وأنّ اللوفر الباريسي يعاني من خسائر منتظمة بسبب انخفاض السياحة بعد الحوادث الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية. وليس مهماً أن يوقّع أكثر من 500 شخصية فرنسية، من المشتغلين بالمتاحف والمعارض، على عريضة احتجاج بعنوان "المتاحف ليست للبيع"؛ تماماً كما لم يكن مهماً للرئيس الفرنسي أن يثير مسائل حقوق الإنسان مع ضيفه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لأنّ القوة الناعمة لا تعطي دروساً لأحد، ولا تتلقاها من أحد أيضاً، كما قال.
جدير بالتذكير، إلى هذا وذاك، أنّ ماكرون لم يغادر أبو ظبي إلى باريس بعد افتتاح اللوفر الإماراتي، بل قصد العاصمة السعودية للاجتماع مع ولي العهد محمد بن سلطان، في زيارة لم تكن على جدول أعماله. البعض تحدث عن وساطة بخصوص رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، والبعض أضاف احتمالات أغراض أخرى، ولكنّ القوة الناعمة الفرنسية اتخذت في نهاية المطاف صيغة عرض مفاجئ من الرئيس الفرنسي: استضافة الحريري وعائلته على الأرض الفرنسية! من حيث المبدأ، يصعب استبعاد المغزى الأول من وراء هذا العرض، الذي يثير الارتياب مجدداً في أنّ الحريري محتجز حقاً في الرياض، ومجيئه إلى فرنسا (السبت المقبل، حسب آخر التقارير) ليس سوى تأكيد على مبدأ الإيواء، حتى إذا كان مؤقتاً، كي لا يتحدث المرء عن عقد تأمين على الحياة. المغزى الثاني استنباطي بالطبع، ولكن تصعب مقاومة التفكير فيه عملياً: مثلما نصدّر اللوفر إلى الإمارات، فإننا نستورد الحريري من السعودية!
كلّ هذا في وقت يشهد إعراض المزيد من الشرائح الشعبية الفرنسية عن سياسات ماكرون الداخلية، إذْ يشير آخر استطلاع للرأي (نُشر يوم أمس فقط) إلى أنّ 81% من الفرنسيين يعتقدون أنّ برامج سيد الإليزيه تخدم رجال الأعمال وأصحاب الشركات في المقام الأول؛ وشعبيته، بصفة إجمالية، هبطت إلى 42%؛ فضلاً عن ارتفاع مؤشرات البطالة، إلى 9,4%. في عبارة أخرى، ليس حُسن تطبيق القوة الناعمة على صعيد عالمي ضمانة لسياسة داخلية صائبة، أو حتى ناعمة؛ إذا ما قرأ المرء دلالات التحرك الشعبي والنقابي الواسع، هذه الأيام، ضدّ قرارات الحكومة الفرنسية في إعادة تنظيم العلاقة بين العامل وربّ العمل، على نحو يترك للأخير هامش ضغط أوسع على الأول، ويسلّحه بتدابير إدارية غير عادلة.
وهكذا فإنّ مبدأ القوة الناعمة يمكن أن يخفي، أو يجتر، أو يعيد إنتاج، بعض عناصر القوة الصلبة؛ بافتراض أنّ المزج بينهما ليس خياراً معتمداً عن سابق قصد وتصميم، لدى الكثير من ساسة الدول التي تتصدر مؤشر التطبيق الذكي للمبدأ. على سبيل المثال، لم يكد ماكرون يفرغ من إلقاء خطابه في افتتاح لوفر أبو ظبي، حتى سارع إلى زيارة القاعدة البحرية الفرنسية في الإمارة. هناك اختلفت النبرة: "حضورنا، بل حضوركم أنتم في الحقيقة، هو العلامة على أنّ فرنسا تتحمل مسؤولياتها، سواء عن طريق الدبلوماسية، أو العمل العسكري عند الضرورة".
وتلك ضرورة تجبّ دستويفسكي، ومن لوحة جاك لوي دافيد تستحضر بونابرت... فاتح مصر!
 16/11/2017


الاثنين، 6 نوفمبر 2017

"الواقعية الاشتراكية": ما تبقى من سقاية الفولاذ


في إحياء الذكرى المئوية للثورة الروسية، ثمة ملفات كثيرة جديرة بإعادة الفتح، تخصّ التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة والإيديولوجيا، ثمّ الثقافة والآداب والفنون أيضاً. وهنا، لا مهرب من العودة إلى المصطلح الأبرز، والأكثر إشكالية ربما، ضمن كامل مفاهيم التراث الإبداعي والتنظيري الذي دشنته تلك الثورة، وشهد مقادير متضاربة من البهاء أو الامّحاء؛ أي مصطلح "الواقعية الاشتراكية".
وعلى نقيض م هو شائع، من أنّ محاق هذه "الواقعية" صار أمراً واقعاً، على أرض واقع النتاجات الإبداعية ذاتها، وبالنظر إلى انحسار ــ والبعض لا يتردد في الحديث عن اندحار، ليس أقلّ ـ مفهوم "الاشتراكية" ذاته؛ فإنّ السجال حول مآلات هذه "المدرسة" ما يزال حيّاً، وحيوياً، ومفاجئاً في ما يتخذه من أَوْجُهٍ متعددة. بادئ ذي بدء، لا علاقة مباشرة بين هذه الحال، في ميادين الآداب والفنون والنظرية النقدية؛ وحال الماركسية، الكلاسيكية أو تياراتها اللاحقة المختلفة، بما في ذلك "الماركسية السوفياتية" حسب تعبير المفكر السوري الراحل الياس مرقص.
لافت أكثر أنّ غالبية السجالات الراهنة حول "الواقعية الاشتراكية" ليست امتداداً، وليس مباشرة هنا أيضاً، لأيّ صخب سجالي حول فلسفات معاصرة مثل التفكيكية أو التاريخانية الجديدة أو ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية. كأنّ أولئك الذين يواصلون الاشتغال على المصطلح يبدأون من مسلّمة مشتركة، أو من إجماع مبدئي متفق عليه، مفاده أنّ تلك "الواقعية" تنتمي إلى طراز تاريخي من علم الجمال الحديث، أو حتى المعاصر؛ لا يصحّ، وربما لا يجوز، تشييعه إلى المدافن لمجرد أنّ الحزب السياسي الذي أطلق المصطلح قد دُفن على نحو أو آخر؛ أو لمجرد أنّ الحرب الباردة، التي أذكت الكثير من لهيب المصطلح، انطوت أو طويت.
خذوا، على سبيل الأمثلة فقط، هذه المباحث حول "الواقعية الاشتراكية"، والتي لا تحتضنها جامعات أو معاهد أو دوريات متخصصة روسية، أو أوروبية شرقية تذكّر بـ"المعسكر الاشتراكي" سالف الذكر؛ بل هي تُنشر في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على وجه التحديد: وليام تاي، من جامعة كاليفورنيا ـ سان دييغو، يناقش العلاقة بين الواقعية الاشتراكية والحداثة؛ سيغريد هوفر، أستاذ الدراسات الألمانية وتاريخ الفنّ في جامعة ماربورغ الألمانية، يكتب عن أعمال ألبريخت دورر في ضوء "الواقعية الاشتراكية"؛ أويكان أوومويلا، من جامعة إنديانا الأمريكية، يعقد مقارنات مثيرة بين "الواقعية الاشتراكية" و"الواقعية الأفريقية"؛ جان مونتيفيوري، أستاذة آداب القرن العشرين في جامعة كنت البريطانية، تبحث الجسد المؤنث في "الواقعية الاشتراكية"؛ دافيد تومبكنز، من جامعة كارلتون الأمريكية، يرصد صعود وأفول موسيقى "الواقعية الاشتراكية"؛ ولكي لا تغيب دراسات الهولوكوست عن المشهد، يكتب غاري روزنشيلد، من جامعة وسكنسن الأمريكية، عن العلاقة بين المحرقة و"الواقعية الاشتراكية"...
الأطرف، ولكنها ليست أقلّ عمقاً ورصانة، دراسة تريستان لاندري، بعنوان "الواقعية الاشتراكية بوصفها ستراتيجية نجاة"، التي تقرأ فيها دلالات رسائل القراء حول رواية نيكولاي أوستروفسكي الشهيرة "كيف سقينا الفولاذ"، 1936. وبصرف النظر عن اختلاف الرأي حول القيمة الفنية للرواية (ترجمها إلى العربية الروائي العراقي الراحل غائب طعمة فرمان)، فإنها تظلّ واحدة من أيقونات أدب "الواقعية الاشتراكية" خلال أطوار التبشير الرسمي بالمصطلح، وفي أوج عبودية الفرد الستالينية وحملات التطهير. تنقسم الرسائل إلى مجموعتين، الأولى كُتبت وأُرسلت إلى أوستروفسكي مباشرة، والثانية توجهت إليه عبر دوريتَيْ "زناميا" و"ليتراتورنايا غازيتا"؛ وأمّا لاندري فإنه يلجأ إلى استقراء مضامينها عبر معايير متنوعة، أبرزها علاقة القراء بـ"مهندسي الروح الإنسانية" كما كان الرأي العام يصف الأدباء والفنانين ممتهني المدرسة الواقعية، ثمّ تلك الواقعية الاشتراكية استطراداً.
معايير أخرى كانت تقود إلى استشفاف أنماط استجابة القارىء السوفييتي إزاء أفعال اشتراكية إعجازية، لا تليق بها إلا استعارة سقاية الفولاذ؛ وطبائع الذائقة العامة، أو التذوّق النصّي على وجه التحديد (وفي هذا كانت "بساطة لغة" أوستروفسكي مثقالاً وازناً وحاسماً)؛ والموقف من أساليب العصر، وتيارات التعبير المختلفة (على نحو كان، أحياناً، يضع مكسيم غوركي في موقع "الكاتب الصعب"!)؛ وصولاً، بالطبع، إلى أمزجة القراء حول المدرسة ذاتها، وكم تعكس من واقعية، وأية اشتراكية تخدم... ولم يكن مدهشاً أن يتلقى أوستروفسكي رسائل من أطفال، ومن عشاق خائبين، وأناس على وشك الانتحار، ومرضى  مصابين بالسلّ الرئوي؛ يجمعهم الإحساس بأنّ الرواية تسقي عندهم فولاذ البقاء على قيد الحياة، وتعلّم اليائس أن يستردّ الأمل، ويرعى قوّة البقاء!
في جانب آخر من المسألة، ورغم محاكم التفتيش الستالينية، أنتجت "الواقعية الاشتراكية" مليارات الصفحات المطبوعة، في الشعر والسرد والمسرح والنقد؛ و"كيلومترات طويلة من الأفلام وقماش اللوحات"، كما عبّر أندريه سينيافسكي. إبداع متعدد ومعقد، ما يزال يدهشنا حتى اليوم، ليس في قيمته الفنية العالية المرشحة لقرون من الخلود، فحسب؛ بل، أيضاً، في حقيقة أنه رأى النور تحت نير عبادة الفرد والبيروقراطية والجهاز الحزبي والجمود العقائدي والضحالة والانحطاط ومختلف الإملاءات السياسية والاقتصادية.
ذلك فولاذ سُقي، حقاً، ولا احتفاء بالثورة الروسية دون تثمينه عالياً؛ ما تبقى منه في ذمة التاريخ، على أقلّ تقدير.

نزار قباني: مباغتة القطيع الشعري


"قصتي مع الشعر"، 1982، هو العمل الذي شاء نزار قباني (1923 ـ 1998) أن يدوّن بين دفتيه ما يشبه السيرة الذاتية والشعرية في آن معاً؛ حتى إذا كانت الفصول المكرسة للسنوات الأولى في حياة الشاعر (الولادة والأسرة والطفولة والدار الدمشقية والمدرسة الأولى...)، أقلّ في الحجم والتفاصيل من الفصول اللاحقة المكرّسة لمسارات التجربة الشعرية. ومؤخراً، صدرت ترجمة للكتاب إلى الإنكليزية، أنجزها جورج نيكولاس الحاج، الذي سبق له أن ترجم "يوميات امرأة لامبالية"، ونصوصاً من ابن الفارض وأمين الريحاني وبدر شاكر السياب وخليل حاوي، فضلاً عن دراسات حول العصر العباسي وجبران خليل جبران ومي زيادة وغادة السمان.
وفي "قصتي مع الشعر" يعثر قارئ قباني، ثمّ دارسه من باب أَولى، على آراء بالغة الثراء حول الشعر بصفة عامة، ومشهد الشعر السوري خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي خصوصاً؛ إلى جانب دور قباني الشخصي في مواكبة التجارب الكبرى لتلك العقود، أو الانشقاق عنها في ميادين كثيرة. على سبيل المثال، ثمة هذا التصريح: "إني أدين لخليل مردم بك بهذا المخزون الشعري الراقي الذي تركه على طبقات عقلي الباطن. وإذا كان الذوق الشعري عجينة تتشكل بما نراه، نسمعه، ونقرأه في طفولتنا، فإن خليل مردم كان له الفضل العظيم في زرع وردة الشعر تحت جلدي، وفي تهيئة الخمائر التي كوّنت خلاياي وأنسجتي الشعرية". أو هذا: "كنت أرفض أن أكون نسخة بالكاربون لأي شاعر آخر. ففي العالم متنبي واحد، ووردثوورث واحد، وفاليري واحد، وبابلو نيرودا واحد... وكل نسخة أخرى تظهر في السوق لهؤلاء المبدعين، هي نسخة مزورة".
و"قصتي مع الشعر" يتوّج سلسلة تنظيرات قباني حول مفهوم الشعر، والسمات التي اعتقد أنها تمثّل هذا الفنّ. سمة أولى هي أنّ الشعر "مخطّط ثوري"، من نوع يرسمه وينفّذه إنسان "غاضب"، بهدف "تغيير صورة الكون". ولقد ذهب الحماس بالراحل إلى درجة القول: "لا قيمة لشعرٍ لا يُحدث ارتجاجاً في قشرة الكرة الأرضية، ولا يحدث شرخاً في خريطة الدنيا، وخريطة الإنسان"! سمة ثانية ترى أنّ "الخروج على القانون هو قَدَر القصيدة الجيدة"، وما دام هذا أشبه بالشرط الشارط، فإنّ قباني يستمدّ منه حكم القيمة التالي: "ليس ثمة قصيدة ذات مستوى، لا تتناقض مع عصرها، ولا تتصادم معه". ولقد جهد الراحل، والحقّ يُقال، لكي تتصادم قصيدته مع عصره، وكان له ذلك على مستويات عديدة؛ وإنْ كان قد تصالح مع أعراف عصره، في مستويات عديدة أخرى أيضاً.
كذلك فإنّ كلّ قصيدة، وأيّاً كان الشاعر والعصر، هي "محاولة لإعادة هندسة النفس الإنسانية"، و"إعادة صياغة العالم". وهذه السمة الرابعة تعكس تشخيصاً متقدّماً للموقف الحداثي من ملفّات النفس الإنسانية، وملفّات العالم أيضاً؛ الأمر الذي لم ينسحب بالضرورة على التوجيه الداخلي، الشعوري والحدسي والحلمي، للقصيدة القبّانية ذاتها. وباستثناء الانزياحات الرعوية هنا وهناك في قصائده، حين يبدو أقرب ما يكون إلي سعيد عقل (الذي يقرّ بفضله، مراراً)؛ لا تنفتح ملفّات النفس الإنسانية في قصيدة قباني إلا عبر استبصارات حواسّية محضة، مرهفة تارة وعجلى طوراً، "تشمّ" و"تسمع" و"تتذوّق" النفس، أكثر مما تتأمّل فيها وعَبْرها.
السمة الرابعة ترى أنّ الشعر رقص باللغة، ولهذا فالقصيدة تُحدث "عشرات الانفجارات الصغيرة داخل اللغة، فتنكسر العلاقات المنطقية بين الكلمات، ويتغيّر مفهومها القاموسيّ، والاصطلاحي". وحسب الاستعارة التي يستخدمها قباني في وصف تلك الانفجارات والانكسارات، تصبح مفردات القصيدة "مضيئة كأرقام ساعات فوسفورية". وبالفعل، أليست هكذا حال المفردات في هذه الرباعيات الفاتنة: "للمآزرْ/ حينما تنشال بَحّهْ/ إنّ للمخمل صيحهْ/ في الخواصرْ/ واختفينا/ أنتِ.. في قرميد نجمهْ/ وأنا.. في قطن غيمهْ/ ما علينا؟/ لو رقصنا/ ليلنا.. حتى التلاشي/ وحُملنا/ كجنازات الفراشِ"؟ سمة خامسة تصف الشعر بـ"ابن الطفولة الجميل، والمشاغب، والشيطان، والأزعر". والحال أنّ قباني بدأ هذا الطفل بالذات حين أصدر مجموعاته الأربع الأولى، قبل أن تهدأ ثائرته قليلاً في "قصائد"، 1956؛ و"حبيبتي"، 1961؛ فيلتفت إلى السياسة، وإلى تجديد عماراته الإيقاعية، وارتقاء درجة أعلى في تناوله لموضوعة المرأة.
أخيراً، وليس آخر السمات في الواقع، أنّ الشعر "اغتصاب العالم بالكلمات". هكذا كان المتنبي وأبو نواس وعروة بن الورد وديك الجنّ الحمصي، وكذلك كان رامبو وفيرلين ولوركا وبابلو نيرودا. وفي التقيّد بدالّة مبشرة أولى هي "الاغتصاب"، ودالّة ثانية غير مباشرة هي طرائق ذلك الاغتصاب كما سجّلها التاريخ الأدبي للشعراء الذين يذكرهم قبّاني، وللخصائص المشتركة بينهم؛ في وسع المرء أن يخلص إلى أنّ فكرة مباغتة العالم في أوج أمانه اللغوي والدلالي والبلاغي، هي التي كانت "المعيار" الذي لازم ذهن قبّاني منذ قصائده الأولى.
ذلك لأنه خرج عن القطيع الشعري الضيّق (الشعراء والتقاليد الشعرية والمملكة الأوتوقراطية) إلى فضاء "العامّة" المفتوح، "حيث اللفظة نديّة مغسولة بالماء، وحيث الكتابة الشعرية جمهورية"؛ فكان كمن يباغت العالم القديم بعالم طارئ، لم يكن جديداً تماماً بالضرورة، ولكنه أفلح في اختراق المشهد على نحو عميق جارف، ولهذا فقد تكفّل باجتثاث الكثير من طبائع غريزة القطيع... الشعري!
29/10/2017

سركون بولص: عقد على الغياب


في فصلية "شعر"، العدد 29 ــ 30، السنة الثامنة، نيسان (أبريل) 1964؛ كان الشاعر العراقي الراحل سركون بولص (1944 ــ 2007)، الذي مرّت يوم أمس الذكرى العاشرة لرحيله، قد نشر أولى قصائده في الدورية التي مثّلت تيارات قصيدة النثر العربية. كان بولص قد وصل إلى بيروت، قادماً من كركوك، عبر طرق ملتوية ودونما أوراق شخصية أو وثائق دخول شرعية؛ لكنّ احتفاء مجموعة "شعر" بهذا الشاعر العراقي الشاب كان مشهوداً، في المقابل، فأخذ يرتاد مجالسهم، وكتب مقالات في صحيفة "النهار"؛ قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة، ويقيم في سان فرنسيسكو.
تلك القصائد الستّ، الأولى، شغلت الصفحات 9 ــ 24 من المجلة، والقصيدة السادسة كانت طويلة، بعنوان "قصائد للصيف"، وتألفت من سبع قصائد فرعية. المفاجئ ــ ضمن قراءة راهنة، ارتجاعية وإجمالية تُدرج المآلات الحداثية التي ستطبع مسيرة بولص ــ أنّ النصوص لم تكن قصائد نثر، بل اعتمدت شكل "الشعر الحرّ" الموزون، حسب اصطلاح تلك الأيام، بتفاعيل متغايرة بين قصيدة وأخرى، واستخدام مكثف للقافية أيضاً. على سبيل المثال، يسير مطلع القصيدة الأولى، "إلى المسيح، سطور في الرمال"، هكذا: "آخذُ منه يديه وأعطيه صمت الحياة الطويله/ أقول له أيها الشبح الضائعُ/ أقول له أيها الضائعُ/ أجيء إليك بثوب المنافي، أجيء وأفتح كفّي الهزيله/ وأعطيك صمت الحياة الطويله".
صحيح أنّ "شعر"، منذ أعدادها الأولى وحتى توقيفها، واظبت على نشر قصيدة التفعيلة (لأمثال بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، نزار قباني، فدوى طوقان، بلند الحيدري، سلمى الخضراء الجيوسي، سعدي يوسف، أدونيس...)؛ كما نشرت قصائد عمودية (بدوي الجبل، بين أبرز الأمثلة)؛ إلى جانب قصيدة النثر (يوسف الخال، أنسي الحاج، ألبير أديب، ثريا ملحس، صلاح ستيتية، أدونيس...). ولكنّ قبول قصيدة تفعيلة من شاعر شاب لا يتجاوز العشرين، مغمور تماماً في ذلك الطور من حياته الشعرية، كان تفصيلاً له دلالاته الخاصة؛ بصدد سياسة "شعر" تجاه تعايش الأشكال الشعرية المختلفة أوّلاً، ولكن أيضاً بصدد حسن وفادة الأصوات الشعرية الشابة والوليدة، إذْ يُفهم من تبيان المكان أسفل القصيدة (كركوك ــ العراق) أنها قد تكون وصلت إلى المجلة بالبريد.
بيد أنّ الدلالة الأهمّ، حول الملامح الأبكر في شخصية بولص الشاعر الشاب، كانت في يقيني مسعاه الحثيث لردم، أو بالأحرى هدم، الهوّة الكاذبة بين "الشعر الحرّ" و"قصيدة النثر"، أي بين الشعر وأشباهه في عبارة أخرى. ذاك، إذن، دأب عتيق وعنيد قاد بولص إلى البحث عن عشرات الحلول الفنية الكفيلة باستيلاد عمارات إيقاعية رفيعة، متغايرة على نحو مَرِن، وعن طريق استغلال عشرات الديناميات الناجمة عن تطويع العناصر الطباعية والصرفية والصوتية والشعورية. وهذه، وسواها، خيارات وتقنيات ومهارات ينبغي أن يجترحها الشاعر ــ عن سابق قصد وتصميم، كما أرى ــ إذا لم تكن القصيدة ذاتها هي التي تستحثّ عليها، في المستوى التمهيدي من انكباب الشاعر على كتابة نص شعري جديد.
ولستُ أرتاب في أنّ بولص أدرك جيداً ــ ومبكراً، قبل أن يتسلّح بعدّة نظرية عميقة تسعف خياراته الكتابية ــ أنّ القصيدة الجيدة هي تلك التي تستحثّ الشعر وحده، وليس أيّ جنس أدبي سواه، بصرف النظر تماماً عمّا إذا كانت تعتمد أيّ وزن أو تتحرّر من أيّ وزن. ولهذا فإن تلك القصيدة الجيّدة، إياها، لا يمكن أن تكون متحرّرة من نظام إيقاعي ما، أو من ذلك النظام الإيقاعي المحدد الذي اختطه الشاعر هنا في هذه القصيدة، وقد يختطّ سواه في قصائد جيدة أخرى. ما من شعر عظيم دونما عمارة إيقاعية رفيعة تحمل قسطاً وافراً من أعباء الإعراب عن عظمة النصّ الشعري، وما من شاعر جيّد يعطي نفسه حقّ نبذ هذه الأعراف الإيقاعية أو تلك؛ لا لشيء إلا لكي يتحرر من واجب اجتراح واقتراح عماراته الإيقاعية الخاصة، ربما لكي ينبذ كلّ إيقاع!
وبعد 37 سنة أعقبت قصائد "شعر"، نشر بولص في فصلية "الكرمل"، العدد 69، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، مجموعة قصائد جديدة، تختلط فيها التفعيلة بقصيدة النثر. كتب، مثلاً: "شمسٌ على هذا/ المشمّع فوق مائدتي:/ نهارٌ لا يضاهيه نهارْ. كوجه الله/ تبقى تحت عينيّ انعكاستُها. وتخرقني/ إلى قاعي كرمحٍ/ إنها شمسي/ وملأى غرفتي، بيتي، كقارب رَعْ/ تسافر في المتاهة/ بالهدايا". كما كتب، في قصيدة نثر: "ربما هي الريح يا سيدي لي دونغ/ جاءت لتسرد علينا مرة أخرى، قصة الطوفان/ قبيلتي تعرفها جيداً، جيلاً بعد جيل/ تعرف مَنْ سيّدُها ومن راويها. تعرف/ أنّ أبطالها أطيافُ طواحين/ حاربها دون كيخوته بضراوة ذات يوم/ اليوم تكفي سعلة طفل خلف جدران الحصار لتنهار/ قبيلتي: هذه الصفحة. هذا القلم. هذا الجدار".
وهكذا فإنّ شعر بولص يعلّمنا نفي الحاجة إلى السؤال، في الشعر العظيم، عن الوزن واللاوزن، الإيقاع المسموع أو الإيقاع الداخلي... وبمثل شعره نفلح في التفريق بين قراءة للشعر تبدأ من معطيات القصيدة ذاتها، وقراءة أخرى تبدأ مما ليس في القصيدة؛ أي، ببساطة، بين الشعر وشبيهه!
22/10/2017