وعزّ الشرق أوّله دمشق

الثلاثاء، 16 يناير 2018

ترامب والقدس: ما الذي أثلج قلوب المسيحيين الصهاينة؟

"ملايين المسيحيين الصهاينة يضرعون إلى الله كي يمنح الرئيس ترامب شجاعة البدء في عملية نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، العاصمة التوراتية الأبدية الموحدة لدولة إسرائيل المولودة من جديد"؛ هكذا هتفت لوري كاردوزا مور، مؤسسة ورئيسة منظمة "المطالبة بالعدالة للأمم"، والموفد الخاص عن "المجلس العالمي للكنائس المسيحية المستقلة" إلى الأمم المتحدة، والقيادية البارزة المبجلة في تجمع اسمه "الأصدقاء المسيحيون للجاليات الإسرائيلية". تصريحها هذا يعود إلى شهر حزيران (يونيو) الماضي، حين اقتفى الرئيس الأمريكي أثر ثلاثة من أسلافه، بيل كلنتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما، فأرجأ التوقيع على قرار الكونغرس القاضي بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس.
اليوم لا تسع الفرحة قلب كاردوزا مور، ولسانها وقلمها، فلا تجد خيراً من صحيفة "هآرتز" الإسرائيلية للترحيب بقرار ترامب الأخير: "توراتياً، وبوصفنا مسيحيين، سوف نقف أمام الربّ ونُحمّل مسؤولية ما نفعل، أو ما لا نفعل، لخير إسرائيل وأخوتنا اليهود. وكما خاطب الرب النبيّ عوبديا، في آخر الأيام: سوف يمحق نسل إدوم لأنهم وقفوا متفرجين بينما كان أخوهم يعقوب (إسرائيل) واقعاً في الأسر فلم يفعلوا شيئاً" قد نُحاسب على النحو ذاته، تُنذر كاردوزا مور. وفي رأس ما يتوجب على المسيحيين أجمعين، ولكن أولئك الصهاينة بينهم على وجه خاص، يأتي تسريع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، بوصفها خطوة لا غنى عنها من أجل بناء "الهيكل الثالث" الذي يمهد لمجيء المخلّص...
من جانبه كان جوني مور، الناطق الرسمي (غير المعيّن) باسم مجموعة الإنجيليين مستشاري ترامب وكبار أنصاره، قد قال إنّ وضعية مدينة القدس تظلّ ركناً أساسياً في ما حظي ويحظى به ترامب من تأييد المسيحيين الإنجيليين؛ بل هي، في ناظره، تأتي في المرتبة الثانية بعد الهواجس حول التشريعات التي يمكن ان تمسّ الديانة المسيحية. وإذْ يتصفح المرء خلاصات استبيان رأي أنجزه معهد أبحاث أمريكي تابع لجماعة "الشعب المختار"، فإنّ67% من أهل العقيدة الإنجيلية يحملون رأياً إيجابياً عن إسرائيل، و73% منهم يؤيدون تدعيم أمن إسرائيل بشتى الوسائل، و80% يؤمنون أنّ وعد الربّ إلى إبراهيم ونسله يسري على كلّ عهود التاريخ، و76% منهم يعتقدون بواجب المسيحيين في مساندة إسرائيل، مقابل 19% فقط يؤيدون حقّ الفلسطينيين التاريخي في "أرض إسرائيل" التوراتية.
ومن المعروف أنّ الآداب الأمريكية الكلاسيكية، وخاصة في روايات هرمان ملفيل ومارك توين، توفّر مادّة خصبة حول فلسفة عتيقة تضرب بجذورها في الركائز العقائدية التي قام عليها أحد أبرز المعاني الرمزية لنشوء الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنها "صهيون الجديدة"، أو "كنعان الثانية". تلك كانت صيغة ميتافيزيقية ـ أدبية، لا تخلو مع ذلك من روح تبشيرية إمبريالية، تكمل النظرية الشعبية الأعمّ التي سادت منذ القرن الثامن عشر في مختلف المنظمات المسيحية ـ الأصولية الأمريكية، والبروتستانتية الإنجيلية بصفة خاصة.
وكما هو معروف، تقول هذه النظرة بعودة "المخلّص" إلى عالمنا، لتخليصه من الشرور، حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل، أوّلاً؛ ونجاحها في احتلال كامل أرض التوراة، أي معظم المشرق؛ وإعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصى؛ وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إمّا الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلى المسيحية، الأمر الذي سيمهّد لعودة المسيح المخلّص.
الإيمان بهذه العقيدة لم يبدأ مع الحلم الصهيوني أو الوعد بدولة لليهود في فلسطين، إذْ تعود الجذور الأولى إلى القرن السابع عشر، في ذروة حركة الإصلاح البروتستانتي؛ ثمّ، في مطالع القرن التاسع عشر، حين روّج أمثال أزا ماكفارلاند لنظرية مفادها أنّ اضمحلال الإمبراطورية العثمانية سوف يمهد لنشوء الدولة اليهودية المنشودة. كذلك فإنّ الإيمان بالمسيحية الصهيونية لم يقتصر على الفئات الشعبية، أو رجال الدين المنتمين إلى التيارات الإنجيلية، أو المبشرين الشعبويين؛ بل نعثر بين أنصارها على أعلام من أمثال جون أدامز (الرئيس الثاني للولايات المتحدة)، وإسحق نيوتن (دون سواه)، واللورد بلفور (صاحب الوعد الشهير)، ومارتن لوثر كنغ (الذي راوده حلم الحرّية الأشهر)، واللائحة تطول؛ ضمن ممثّلي الثقافة ورجال السياسة والدين، على النطاق الأنغلو ـ سكسوني في المقام الأوّل.
كذلك فإنّ تيّارات الأصولية المسيحية (إذْ أنّ التشدد الديني ليس سمة ديانة واحدة منفردة، غنيّ عن القول) لا تكتفي بهذا الطراز من التبشير التوراتي الأقرب إلى الهستيريا، بل تتعداه إلى تشكيل ميليشيات دينية وسياسية مسلحة؛ يتردد أنها اليوم تُعدّ بالملايين، في الولايات المتحدة وحدها. وهي، أيضاً، تنتظم في سلسلة تحالفات عريضة، وتلتقي مثلاً حول مناهضة الصيغة الفيديرالية للحكم في أمريكا، وتدعو إلى (بل هي استخدمت وتستخدم) العنف كوسيلة كفاحية ضدّ الطغيان الفيديرالي. أسماؤها تدلّ عليها: "التحالف المسيحي"، "الأمم الآرية"، "الوطنيون المسيحيون"، "الهوية المسيحية"، "رابطة البندقية الوطنية"...
وفي الولايات التي تُلقّب بـ"حزام التوراة"، نسبة إلى شدّة تديّن أبنائها، عثر ترامب على أخلص أنصاره، وفي طليعتهم ماريون غوردون (بات) روبرتسون، المؤسس والزعيم التاريخي لمنظمة "التحالف المسيحي"، أكثر الحركات الدينية القاعدية نفوذاً وسطوة في السياسة الأمريكية المعاصرة. وكما هو معروف، ذهب روبرتسون إلى درحة وضع ترامب في مصافّ يسوع، وحكى لمئات الآلاف من مريديه هذه "الرؤيا"، في ذروة الحملة الانتخابية: "زارني الله في المنام ليلة أمس وأراني المستقبل. أخذني إلى السماء، وهناك رأيت دونالد ترامب جالساً على يمين الربّ مباشرة". أيضاً، استهجن روبرتسون ما تردد حول فضائح ترامب الجنسية، معتبراً أنّ المرشح الجمهوري "عنقاء سوف تنهض من الرماد"!
وحول عشق إسرائيل، زاود روبرتسون على أعتى عتاة الصهاينة، فاعتبر دخول أرييل شارون في الغيبوبة بمثابة "عقاب إلهي" نزل بحقّ الأخير، لأنه اتخذ "القرار الرجيم" بالانسحاب من غزّة! وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، سنة 2006، ذهب روبرتسون إلى إسرائيل كي يصلّي مع رئيس وزراء الدولة العبرية إيهود أولمرت، في مكتب الأخير، من أجل انتصار إسرائيل: "أنا هنا لكي أقول إنني أحبّ إسرائيل. أنا هنا لكي أقول إنّ المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يقفون مع إسرائيل في كفاحها. ومن أجلنا جميعاً، لا ينبغي لإسرائيل أن تخسر هذا الكفاح. أعتقد أنّ شعب إسرائيل يعرف أصدقاءه، ويعرف أنّ أصدقاء إسرائيل هم المسيحيون الإنجيليون".
فإذا استذكر المرء أنّ الرجل كان مرشّح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية التمهيدية لعام 1988، وحركته تضمّ ما يزيد على 1,2 مليون عضو منتسب، وتُقدّر لائحة بريدها الإلكتروني بنحو 2.8 مليون عنوان، وتدير إمبراطورية هائلة عمادها التبشير الديني المتلفز عبر عشرات الشاشات، التي بينها الشبكة المعروفة CBN، فضلاً عن "قناة الأسرة"، والعديد من الإذاعات، وجامعة معلنة واحدة على الأقل هي جامعة ريجنت... فإنّ القيمة المتبادلة بين المسيحيين الإنجيليين والمسيحيين الصهاينة، من جهة؛ وسياسات ترامب تجاه إسرائيل، ومدينة القدس خاصة، من جهة ثانية؛ لا تترك كبير ارتياب في سبب حبورهم الغامر لقرار نقل السفارة.
.. حتى أنّ المرء قد لا يظلم روائياً كبيراً مثل هرمان ملفيل، إذا تخيّل أنه سيكون في طليعة المبتهجين لمرأى علم الولايات المتحدة يرفرف في سماء القدس، أو أن يبصر في مبنى السفارة هناك أولى مداميك... "كنعان الثانية"!
 7.12.2017

تكعيب ياسوناري كاواباتا

 نشرت صحيفة "جابان تايمز" سلسلة مقالات بعنوان "كيف شكّلت الفنون البصرية أدب اليابان"، وقعها داميان فلاناغان، الناقد البريطاني المختصّ بالأدب الياباني. الحلقة الأخيرة، التي نُشرت قبل أيام، كان عنوانها "نافذة ياسوناري كاواباتا السوريالية على العالم"؛ وفيها يساجل فلاناغان بأنّ "بلد الثلوج"، رواية كاواباتا الشهيرة (نقلها إلى العربية الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار)، "محاولة راديكالية" تسعى إلى "تطبيق تقنيات الرسم الغربي الحداثي وما بعد التكعيبي على قماش الأدب الياباني". وهذه قراءة تذهب عكس ما هو شائع في تفسير الرواية، في أنها أقرب إلى مرثية حزينة ــ كعادة غالبية أعمال كاواباتا ــ ترصد محاق التراث الياباني في مختلف ميادينه.
ويتوقف فلاناغان عند الجملة الأولى في الرواية، التي تسير هكذا (في الترجمة الإنكليزية): "عند انبثاقهم من نفق الحدود الطويل، دخلوا بلد الثلوج" (في ترجمة حجار: "نفق طويل بين منطقتين وها قد حللنا في بلد الثلوج")؛ فيعتبرها الأشهر في نماذج السرد الياباني على امتداد القرن العشرين، لكنه يقرأها من زاوية مغايرة، وجديدة حقاً: أنها "تمهيد لما سيكشفه القطار بعد خروجه من العتمة إلى الضياء: أنّ نوافذه ليست ألواح زجاج تشفّ عن عناصر الطبيعة في بلد الثلوج الذي يعبره القطار، بل هي مرايا تكعيبية وسوريالية تزيغ عندها الرؤية، ويضطرب الإدراك، وتتشوّه المعطيات؛ على نحو كثيف سوف يتابعه القارئ في سلسلة من التداعيات المتعاقبة التي تنتاب شيمامورا، بطل الرواية.
والحال أنّ هذا التأويل هو الأحدث عهداً، في نطاق مخزون هائل، زاخر ومتواصل، من شغف (ولعلي أقول: هوس!) إعادة قراءة أعمال كاواباتا، ليس على سبيل إعادة تثمينها عبر تحليلات متنوعة المناهج والمدارس والأدوات، فحسب؛ بل، كذلك، لاسكتشاف واكتشاف أيّ جديد طارئ، ومفاجئ، يمكن أن يخرق، أو حتى يُبطل، المأثور والمألوف والمستقرّ والشائع عن أدب أحد كبار أساتذة الرواية في القرن العشرين. وضمن هذه الروحية وجدتني، شخصياً، أعيد قراءة "بلد الثلوج"، في الترجمتين الإنكليزية والعربية، بحثاً عن المعطيات التي قادت فلاناغان إلى استنتاجاته بصدد السوريالية وما بعد التكعيبية في الرواية. خذوا، مثلاً، هذه الفقرة (بترجمة حجار): "في الخلفية البعيدة جداً كان منظر المساء يرتسم متوالياً كأنه أصبح، على نحو ما، طبقة قصدير متماوجة لهذه المرآة. وكانت الوجوه البشرية التي تعكسها أكثر وضوحاً إذ تتداخل كصور مضاعفة في شريط. لم يكن هناك بالتأكيد أي رابط بين الصور المتوالية في الخلفية المعتمة وتلك، الأكثر وضوحاً، للشخصين الجالسين. ومع ذلك كان الكلّ متناغماً في وحدة رائعة، فكم كانت الشفافية الأثيرية للوجوه تبدو ملائمة وممتزجة بالتشوّش المعتم للمنظر الذي يكتنفه الليل، ليشكلا معاً كوناً واحداً وحيداً، ضرباً من العوالم التي تفوق الطبيعة، العوالم الرمزية التي لا تنتمي إلى هذه الأرض...".
كذلك توجّب أن أستذكر بعض الحقائق التي تحكي سيرة الرواية، والتي تكتسب دلالة خاصة هنا: أنها نُشرت أولاً في صيغة حلقات، بين 1935 و1937، ثمّ عاد كاواباتا واشتغل عليها مجدداً، وأضاف إليها أجزاء جديدة، ثمّ صنع منها نسخة نهائية؛ نُشرت سنة 1948، واتخذت هذه الهيئة التي يعتبر فلاناغان أنها "تركيب تكعيبي". كذلك فإنّ مشهد الفصل الأخير يدور في صالة سينما، الأمر الذي يحيل إلى طور في تاريخ الرواية اليابانية الحديثة شهد تأثر أمثال كاواباتا وجونيشيرو تانيزاكي بتقنيات الفنّ السابع. وأخيراً، أنّ ابن كاواباتا كان رساماً، متمرد المزاج، منحازاً إلى التيارات التشكيلية الحداثية الأكثر جذرية في عصره، مثل التكعيبية والسوريالية والمستقبلية والتعبيرية والدادائية؛ وبالتالي لم يكن الأب بعيداً عن أهواء الابن، كما يذكّرنا فلاناغان أيضاً.
ولعلّ قراءة الناقد البريطاني في "جابان تايمز" تذكّر بقراءة أخرى للأرجنتيني ألبرتو مانغويل، عقد فيها مقارنة حاسمة بين رواية كاواباتا "منزل الجميلات النائمات"، ورواية غابرييل غارسيا ماركيز "ذكريات عن عاهراتي الكئيبات"؛ حيث اعتبر العمل الثاني سطحياً، وباهتاً، وفاقداً لكثير من المهارات الفنّية الفريدة التي ميّزت تراثه الروائي الفذ؛ على نقيض العمل الأوّل، الذي أغدق عليه مانويل آيات المديح، محقاً بالطبع. والإنصاف يقتضي التذكير، هنا، بإقرار ماركيز علانية ـبأنه إنما كتب روايته تحقيقاً لحلم قديم في مجاراة رواية كاواباتا تلك، من جانب أوّل؛ وأنه، من جانب ثانٍ، جسّد حلمه ذاك بعد توقف عن الكتابة الروائية دام قرابة عقد كامل، تفرّغ فيه لإنهاء سيرته الذاتية المعروفة.
ومن جانبي، وإذْ شرّفني أن أنقل اثنتين من روايات كاواباتا إلى العربية، هما "ضجيج الجبل" و"أستاذ الـ غو"؛ أرى أنّ استمرار "النبش" المعمّق في منجز كاواباتا، وإعادة استدراك ما غفل عنه النقد الأدبي من خصائص عبقرية فريدة، هو بعض ردّ الجميل إلى معلّم كبير قدّم للإنسانية اختراقات كبرى في أغوار النفس البشرية، وفي برازخ العشق والاغتراب والشيخوخة والموت. ولم يكن غريباً أن يصبح أوّل أديب ياباني ينال جائزة نوبل للأدب، سنة 1968؛ وأن يُفضي به وعيه المأساوي الحادّ بواقع اليابان الحديث، ومعضلة البطل الملحمي الكسير، إلى الانتحار. فلا ضرر، إذن، في تكعيب روايته، بل ثمة كلّ المغنم والمثوبة.
 3/12/2017

ملاديتش والأسد: مصادفات التاريخ العشوائية

مصادفات التاريخ عشوائية غالباً، رغم أنّ الفرصة متاحة على الدوام لإقامة الروابط بينها، على أساس من مفارقات التاريخ ذاته، ودروسه الماضية. وهكذا، في ظهيرة اليوم الذي شهد الحكم بالسجن المؤبد على مجرم الحرب الصربي راتكو ملاديتش، في لاهاي حيث تنعقد جلسات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة؛ كان الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني، يشاركون في إصدار حكم لا يغسل يدَي بشار الأسد من جرائم الحرب والإبادة الجماعية واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، بما فيها الكيميائية، فحسب؛ بل كانوا يحثون السوريين على إعادة توليف الأسد، وغسله وتنظيفه وتنصيبه، لخمس سنوات أخرى، على الأقلّ!
ملاديتش لقي بعض جزائه، وليس كامل ما يستحق حسب سجلات التاريخ التي باتت حقائق ثابتة، بسبب مسؤوليته عن مقتل 8,000 بوسني مسلم خلال مجزرة سربرنيتشا، في تموز (يوليو) 1995، وحصار سراييفو حيث قتل أكثر من 11 ألف مدني على مدى 43 شهراً. الأسد مسؤول عن مقتل 350 ألف مواطن سوري، وتشريد الملايين، وتخريب سوريا دولاً وعرضاً؛ ولكن قمّة سوشي تعيد تثبيته في الموقع ذاته الذي يمكنه من حصد أرواح آلاف جدد، وتدمير المزيد من المدن والبلدات والقرى، وتسليم ما تبقى من البلد رهينة أمام جحافل الميليشيات الغريبة والاحتلالات الأجنبية. وليس عجيباً، بالطبع، أن يكون رعاة توليف مجرم الحرب هذا، هم أنفسهم دعاة "السلم" و"الاستقرار" و"المصالحة الوطنية" و"إعادة الإعمار" في سوريا!
يبقى أنّ الحكم على ملاديتش يرسل إلى أمثاله من الناجين، وخاصة أولئك الخاضعين منهم لعمليات التجميل والتأهيل وغسل الأيدي المضرجة بالدماء، رسالة صريحة تفيد بأنّ حساب التاريخ آت لا محالة، طال الزمان عليه أم قصر. هذا ما قاله الكثيرون اليوم، تعليقاً على قرار قضاة لاهاي، ممّن ذكروا الأسد بالاسم أولاً؛ ثم ذهب بعضهم أبعد، حين ذكّر بأن طلقاء على غرار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، يستحقون الوقوف في قصف الاتهام، كتفاً إلى كتف مع ملاديتش.
والحكم، من جانب آخر، يرسل رسالة أخرى ذات طراز مختلف، حول مدى قدرة محاكم مثل هذه على بلوغ الحدود الكافية، وليس تلك الدنيا فقط، من واجب إنصاف الضحية. ففي قرار سابق، اعتبرت محكمة العدل الدولية أنّ ذبح آلاف المسلمين البوسنيين في بلدة سربرنيتشا كان إبادة جماعية منظمة، من جانب أوّل؛ وأنّ حكومة صربيا تتحمل مسؤولية الفشل في منع وقوع المجزرة، من جانب ثان. وذاك قرار استحق الترحيب لاعتبارات إنسانية وقانونية وسياسية عديدة، لكنه ظلّ إشكالياً وناقصاً وقاصراً في آن معاً؛ لأنه ببساطة حصر صفة الإبادة الجماعية في مجزرة سربرنيتشا وحدها، وتجاهل أنّ هذه لم تكن سوى مجزرة واحدة ضمن "مشروع صربي متكامل لتدمير المجتمع الصربي المسلم، اعتُمدت في تنفيذه أعمال القتل والاغتصاب والتهجير الوحشي"، كما كتب الأكاديمي البريطاني مارتن شو، صاحب كتاب "ما هي الإبادة الجماعية؟".
كذلك كان مدهشاً أن تقرّ المحكمة الدولية بمسؤولية الحكومة الصربية، وتلك كانت مسؤولية جسيمة لأنها تخصّ جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية، بدليل نصّ القرار ذاته (الذي يقول بالحرف إنّ السلطات الصربية وقفت متفرجة حين كان يجري ذبح 8,000 رجل من مسلمي البوسنة)؛ وأن تمتنع، في الآن ذاته، عن إدانة الحكومة الصربية بجريمة الإبادة الجماعية، رغم أنّ هذا بالضبط هو جوهر الدعوى المرفوعة إلى قضاة لاهاي. ما أدهش أكثر أنّ قرار المحكمة الدولية أقرّ، صراحة وبوضوح أقصى، أنّ صربيا انتهكت بنود "ميثاق منع وعقاب جرائم الإبادة"، الذي صدر سنة 1948 للبتّ في قضايا الهولوكوست وإبادة اليهود، ووقّعت عليه يوغوسلافيا في حينه؛ ليس بصدد منع وقوع مذبحة سربرنيتشا، فحسب، بل الفشل في القبض على ملاديتش، المدان غيابياً بتهمة تنفيذ المذبحة، وتسليمه إلى القضاء. وما أدهش، ثالثاً، أنّ المحكمة تجاهلت الدور الأممي إزاء ما جرى، أي مسؤولية قوّات السلام التابعة للأمم المتحدة، وتحديداً القوّات الهولندية دون سواها، في عدم بذل أيّ جهد لوقف المذبحة على الأقلّ، وليس الحيلولة دون وقوعها.
وكالة الصحافة الفرنسية لم تغفل الإشارة إلى صُور فوتوغرافية وأشرطة سينمائية تبرهن على وقوف الهولنديين مكتوفي الأيدي أمام فصول المجزرة، إذا لم يتحدّث المرء (كما يفعل كثيرون من مسلمي البوسنة في الواقع) عن "أعمال تواطؤ على التصفية العرقية" شاركت فيها الوحدات الهولندية. وفي كلّ حال، لا يسع المرء ذاته ــ في قضية بالغة الخطورة، والحساسية، مثل هذه ــ إلا أن يتعامل بجدّية، وبالكثير من المرارة واليقين، مع نتائج تحقيق أجرته الشرطة العسكرية الهولندية في العام 1999، ونشرته تحت ضغط الرأي العام وأحزاب المعارضة؛ يقول بوضوح إنّ "القبعات الزرق كانت لديهم أحكام سلبية ضدّ المسلمين، بينما حملوا آراء إيجابية جداً حول صرب البوسنة".
وسوى ذلك كيف نفسّر تلك الصورة الشهيرة التي تظهر ضابطاً هولندياً، هو العقيد توم كاريمانس، يمازح الجنرال ملاديتش ويتبادل معه الأنخاب والضحكات المجلجلة، في تلك الفترة السوداء الدامية تحديداً؟ وكيف سمكن إغفال أقوال ضابط هولندي ثانٍ، رون روتن، أقرّ بأقصى الوضوح الممكن أنّ عناصر الوحدة الهولندية العاملة تحت راية الأمم المتحدة ساعدوا جنود صرب البوسنة على "جمع المسلمين في مجموعات من 60 إلى 70 شخصاً، وتكديسهم في آليات تحت أنظار الصرب الساخرين"؟ وكيف لا تُضاف إلى بند التواطؤ تلك التقارير التي تحدثت عن وجود أفلام أخرى، بمثابة أدلة دامغة على صمت الهولنديين أو تقصيره أو تواطؤهم؛ وأنها "تعرّضت للتلف أثناء التظهير"، ليس في أي مكان آخر سوى معامل وزارة الدفاع الهولندية ذاتها؟
وفي صيف 2001، حين جرى تسليم الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، كانت الفضيلة الكبرى لذلك الإجراء تتمثل في أنّ هيئة دولية واحدة على الأقل ارتأت التمييز بين الحاكم والمحكوم في تصنيف سلّم المسؤولية، وفصلت المقال الحقوقي بين الصرب كشعب وأمّة، وبين ميلوسيفيتش كحاكم وفرد. وكانت تلك خطوة إلى الأمام، دون ريب، بيد أنها ظلت جزءاً من مسيرة تحكمها القاعدة العتيقة: خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء. وليس أدلّ على ذلك من حقيقة أن ساسة الحلف الأطلسي واصلوا التفاوض مع ميلوسيفيتش، الحاكم والفرد، طيلة سنوات بعد قرار إحالته إلى المحكمة. وليست دبلوماسية صائبة، إذا لم تكن دبلوماسية خرقاء سيئة النيّة، تلك التي تتفاوض مع خصم بعد تجريمه، كما عبّر آنذاك وزير الداخلية الفرنسي الأسبق جان ببير شوفنمان.
على الوتيرة ذاتها، ولكي تتقاطع مصادفات التاريخ العشوائية، كان الرئيس الروسي يطري جنرالات جيشه من آمري آلاف طلعات القصف التي ألحقت الخراب في طول سوريا وعرضها؛ وفي الآن ذاته يبلغ نظيريه، التركي والإيراني، أنّ الأسد ملتزم "بمبادئ الحل السلمي للأزمة السياسية، والاستعداد لتنفيذ الإصلاح الدستوري، وإجراء انتخابات حرّة برعاية الأمم المتحدة". كان القضاة في لاهاي يصدرون الحكم على مجرم حرب، ظنّ أنه نجا من ملاحقة أشباح الماضي وعذابات ضحاياه؛ وكان الساسة في سوتشي يستبقون أي حكم عن طريق استصدار صكّ براءة بحقّ مجرم حرب، ظناً منهم أنّ إعادة إنتاجه هنا، سوف تنجيه من حساب الضحية هناك.
ظناً، أيضاً، أنّ مصادفات التاريخ ليست مثقلات حبالى، يلدن كلّ عجيب!
 23/11م2017

سيلفيا بلاث في طينة البشر

خبر بهيج أن يصدر، في 1424 صفحة، عن هاربر، المجلد الأول من رسائل الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 ـ 1963)، وأن يغطي سنوات 1940 ـ 1956، ومراسلات مع أكثر من 120 شخصاً، وعشرات الصور الفوتوغرافية والرسوم التي تُنشر للمرة الأولى. أسباب البهجة عديدة، لا تبدأ مما تحتويه مئات الرسائل من تفاصيل حول حياة واحدة من أكثر شاعرات القرن العشرين إشكالية، فحسب؛ ولا تنتهي عند تسليط المزيد من الأضواء على مناخات الشعر الأمريكي، والبريطاني أيضاً، خلال أحقاب عاصفة. وبالطبع، ثمة الكثير من المعطيات التي تكشف خفايا تجربة بلاث المعقدة مع الشاعر الإنكليزي تيد هيوز (الذي سيصبح زوجها)، وملابسات انتحارها.
ويندر أن تكون وفاة شاعرة قد حظيت باهتمام بالغ يفوق مسارات حياتها ذاتها، أو منجزها الشعري، من حيث مقدار الغموض، وحجم الأسئلة التي تتوالد من سواها؛ وكذلك اكتساب صفة استمرار مضطرد اكتنفت، وما تزال، سيرورة البحث والتنقيب، والكثير من الفضول أيضاً. بعض السبب قد يكون عائداً إلى قسط آخر من الفضول، يخصّ هيوز نفسه، الزوج العاثر الحظّ الذي انتحرت زوجته الأولى، بلاث، لأنه هجرها إلى امرأة أخرى، هي آسيا ويفيل؛ وهذه الأخيرة انتحرت بدورها لأسباب لا أحد يجزم بها على وجه الدقّة.
ولقد جرى العرف على تحميل هيوز مسؤولية الانتحارَين، معاً؛ ولكنّ الرجل التزم الصمت المطبق، وأعطى أذناً صمّاء لعشرات حملات التأثيم التي شنتها ضده الحلقات الأدبية النسوية، وأنصار بلاث في الولايات المتحدة بصفة خاصّة. وفي مطلع العام 1998 قرّر أن يكسر الصمت من خلال "مرافعة" بالغة الخصوصية، فأصدر مجموعة شعرية بعنوان "رسائل عيد الميلاد"، لقيت على الفور ترحاباً واسعاً؛ ليس لأنها كانت تقترح اسلوبية متقدمة في فنّ هيوز الشعري، فحسب، بل كذلك لأنها كانت تُشبع بعض أسئلة الفضوليين أيضاً!
دفاع شعري، إذن، عن "تهمة" جنائية أو تكاد، غائمة التفاصيل وغائبة الأدلة، يسيّجها التعصّب النسوي المغالي، أو التعاطف الوجداني الجارف مع المرأتين المنتحرتين؛ ومع بلاث، الزوجة/ الشاعرة الرقيقة اللامعة، بصفة خاصة. وهو دفاع ينتهج قصيدة الحبّ من جهة، ولكنه من جهة ثانية يعيد كتابة الكثير من فصول حياة هيوز مع بلاث وعشقه لها. والأهمّ أنه يميط اللثام عن أطوار غير عادية في حياة بلاث النفسية والروحية، ويترك للقارئ أن يقدّر بنفسه... إذا بقيت لديه حوافز كافية لإصدار "حكم" بوليسي، بعد كلّ ذلك الشعر الرفيع.
وشخصياً، ودونما إغراق في تفاصيل لا يسمح المقام بها، لا أميل إلى تحميل هيوز المسؤولية الأولى عن وفاة بلاث، لأنّ الأسباب التي دفعتها إلى محاولة الانتحار الأولى (قبل سنوات من تعرّفها على هيوز) ظلّت تتنامى في داخلها؛ وظلّ إحساسها المبكّر بانعدام الأمان يضغط على حياتها العائلية والنفسية والشعرية، إلى أن بلغ ذروته القصوى وقادها إلى تلك الطريقة الفاجعة في الانسحاب من الحياة. وممّا له دلالة خاصّة أنّ قصائدها الأخيرة، فضلاً عن مسرحية إذاعية بعنوان "ثلاث نساء"، كانت تشير إلى تمارين رهيبة في محاولة اعتياد الموت؛ وكانت، في الآن ذاته، تمتدح الحياة الأخرى التي يخبئها "اللقاء الناجح مع الموت" كما ستقول.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أنّ هيوز يوحي، في "رسائل عيد الميلاد"، بأنه لم يكن قادراً على الحيلولة دون انتحار بلاث، وأنه كان شاهداً لا حول له أمام ذلك الاضطرام العارم الذي كان يكتسح أعماقها. كذلك يلمّح إلى أنّ مآلات لقائه مع بلاث كانت مسألة قَدَرية صرفة، سواء رُدّت جذورها إلى ارتطام نفسَيْن خلاّقتَين شاعرتَين؛ أو إلى هوس بلاث المَرَضي بذكرى موت أبيها، وميلها إلى إسقاط شخصيته على هيوز (إذْ كانت ترى في الأخير صفات الأب والحامي والعشيق). وثمة مَنْ يذهب إلى ترجيح أقصى: لقاء بلاث ("مارلين مونرو الشعر"، كما لُقبت)، وهيوز (شبيه ذلك الأرستقراطي غريب الاطوار في حكاية الفرنسي شارل بيرو، الذي اعتاد قتل زوجاته داخل أسوار قصره)، كان محتماً أن ينتهي بالفاجعة.
وفي مقدمة المجلد الأول هذا يشير المحرران، بيتر شتاينبرغ وكارين كوكيل، إلى أنّ بلاث في رسائلها كانت أكثر من شخصية واحدة، تبعاً للناظر إليها: إبنة، طالبة، صحافية، شاعرة، صديقة، فنانة، حبيبة، زوجة، روائية، وأمّ. ولكنها، في المقام الأول، كانت من طينة البشر، ولهذا فإن مراسلاتها تحتوي على كلّ ما يشير إلى تعدد شخصيتها، من الحديث عن القنبلة الذرية وفلسطين، إلى شعر و. ب. ييتس ورواية جيمس جويس؛ ليس دون ارتكاب أخطاء طباعية ونحوية، واستخدام اقتباسات مغلوطة، وتوظيف أضاليل هنا ومبالغات هناك...
وفي رسالة بتاريخ 20 آذار (مارس) 1943، أرسلت بلاث إلى أمّها قصيدة (تُنشر للمرة الأولى في هذا المجلد) تقول: "إغرسي شتلة صغيرة/ اخلطيها بمطر ورذاذ/ حرّكيها بقليل من ضياء الشمس/ ولسوف تنبت بعض الزهور". وكشوفات كهذه هي بعض بهجة الإبحار في مئات الصفحات من مراسلات حارّة، دافقة بالحياة، ومترعة بشجن الشعر وحيرة الوجود، في آن معاً.
19/11/2017

فرنسا "القوة الناعمة": من تصدير اللوفر إلى استيراد الحريري!


في سنة 1990، طيّ فصول كتابه "محكومة بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوّة الأمريكية"، نحت جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، مصطلح "القوة الناعمة"، حيث في الوسع اقتياد البلدان الأخرى طواعية إلى مقاصد بلد ذي جبروت؛ على نقيض "القوة الصلبة"، التي تفترض القسر والإجبار عن طريق الاستخدام المختلف، السياسي والاقتصادي والعسكري، للجبروت إياه. في كتاب لاحق، صدر سنة 2004 بعنوان "القوة الناعمة: أداة النجاح في السياسة الدولية"، أضاف ناي المزيد من العناصر إلى مبتدأ المصطلح، فشدد على ثلاثة مصادر: القيم السياسية، الثقافة، والسياسة الخارجية.
ومعهد بورتلاند الأمريكي، التابع لـ"مركز الدبلوماسية العامة" في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، يصدر تقريراً سنوياً حول "القوة الناعمة"، يتضمن استعراضاً للميادين التي تشهد تطبيق المبدأ، نجاحاً أو فشلاً؛ كما يحتوي على مؤشر يرتّب الدول التي تتصدّر الاستخدام الأمثل للقوة الناعمة. تقرير العام 2017 حمل على غلافه صورة برج إيفل الباريسي الشهير، لأنّ فرنسا تصدرت الترتيب الكوني، بـ75,75 علامة؛ تليها المملكة المتحدة، 75,72؛ فالولايات المتحدة، 75.02؛ وألمانيا، 73,67؛ وكندا، 72,90؛ واليابان، 71,66. في أسفل اللائحة، المؤلفة من 30 دولة، تقبع الصين وروسيا وجمهورية التشيك وهنغاريا والبرازيل وتركيا؛ وليس ثمة أي بلد عربي، غنيّ عن القول!
ليس هنا المقام المناسب لعرض المنهجية الصارمة التي يعتمدها المركز في تصنيف الدول، وسلسلة المعايير المختلفة التي يستأنس بها في استخلاص الترتيب، وكيف تتغاير بين معيار عسكري وآخر ثقافي، بين دبلوماسية تُكْرِه وأخرى تستميل؛ وتكنولوجيا تصادق البيئة وأخرى تعيث فيها خراباً... لافت، مع ذلك، وفي عجالة هنا، أنّ بلداً مثل روسيا يحلّ في المرتبة 26 من حيث توظيف القوة الناعمة؛ رغم أنه يُعدّ القوّة الكونية، والنووية، الثانية بعد الولايات المتحدة؛ أو أنّ بلداً مثل المملكة العربية السعودية، رغم كلّ الجبروت النفطي والمالي، فضلاً عن النفوذ التبشيري السلفي، لا يدخل اللائحة أصلاً. لافت، كذلك، وقوع الصين في المرتبة 25؛ رغم انتشار صناعات البلد في أربع رياح الأرض.
لماذا فرنسا في الصدارة؟ يبدأ كتّاب تقرير 2017 من حقيقة أن تصدّر فرنسا كان مفاجأة لهم، بالنظر إلى ظروف البلد قبل عام فقط من انتخاب إيمانويل ماكرون: شعبية سلفه، فرنسوا هولاند، التي هبطت إلى حضيض غير مسبوق؛ والهجمات الإرهابية المتعاقبة، التي ألحقت الأذى البالغ بأمن فرنسا واقتصادها وسياحتها؛ وتزايد صعود اليمين المتطرف، ونجاحه في اجتذاب شرائح من اليمين التقليدي والديغولي... لكنّ قوة فرنسا الناعمة شهدت دفعة ملموسة مع انتخاب رئيس شاب، واعد في برامجه، قادر على كسر الاحتكار التقليدي للسياسة وصناديق الاقتراع بين اليمين واليسار، حائز على ثقة الشارع الشعبي، وحصد أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية. الجوهري، في المقابل، أنّ ماكرون أحسن استغلال الشبكات الدبلوماسية التي تمتعت بها فرنسا على صعيد دولي؛ كما أجاد استغلال فرصة غير مسبوقة، هي سياسات الانعزال التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فبدا أنّ باريس هي نقيض واشنطن على المسرح الدولي.
والحال أنّ الثقافة الفرنسية واحدة من أبرز دعائم هذه القوة الناعمة، والأرجح أنّ تقرير بورتلاند هذا كُتب قبل أن يسافر ماكرون إلى أبو ظبي لافتتاح متحف "لوفر النور ولوفر الصحراء" على أرض جزيرة السعديات، في إمارة أبو ظبي؛ وإلا لكان هذا الحدث بمثابة الدليل الأحدث، والأبلغ، على امتداد القوة الناعمة الفرنسية، ونطاقات اشتغالها. وفي خطبته المسهبة، التي كانت أشبه بالسير في حقل ألغام من المحظورات الدينية والمحاذير الاستشراقية، تحاشى ماكرون اقتباس رمز علماني غربي (هو الذي يترأس دولة تنتهج العلمانية رسمياً)، أو رمز نهضوي شرقي (رغم إطنابه في امتداح آثار عصر الانوار على ثقافات الآخر)؛ فاستقرّ على الروسي فيودور دستويفسكي، في "الجريمة والعقاب"، ليعلن على لسان راسكولينكوف: "الجمال سوف ينقذ العالم"!
جدير بالتذكير أنّ مشروع متحف اللوفر هذا لم يبدأ مع ماكرون، بالطبع، بل جرى الاتفاق عليه في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك (الذي كان قد ابتدأ رئاسته باستئناف التجارب النووية!). وأمّا الجانب المالي والاستثماري خلف هذا التصدير للجمال، فإنه 525 مليون دولار تدفعها دولة الإمارات العربية المتحدة لقاء استخدام اسم اللوفر طيلة 30 سنة، وقرابة 750 مليون دولار لقاء إعارة الأعمال الفنية، وإقامة المعارض الموسمية، ونفقات تنظيمها. وهذه صفقة ناجحة، قطعاً، يسيل لها لعاب أيّ متحف، خاصة وأنّ اللوفر الباريسي يعاني من خسائر منتظمة بسبب انخفاض السياحة بعد الحوادث الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية. وليس مهماً أن يوقّع أكثر من 500 شخصية فرنسية، من المشتغلين بالمتاحف والمعارض، على عريضة احتجاج بعنوان "المتاحف ليست للبيع"؛ تماماً كما لم يكن مهماً للرئيس الفرنسي أن يثير مسائل حقوق الإنسان مع ضيفه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لأنّ القوة الناعمة لا تعطي دروساً لأحد، ولا تتلقاها من أحد أيضاً، كما قال.
جدير بالتذكير، إلى هذا وذاك، أنّ ماكرون لم يغادر أبو ظبي إلى باريس بعد افتتاح اللوفر الإماراتي، بل قصد العاصمة السعودية للاجتماع مع ولي العهد محمد بن سلطان، في زيارة لم تكن على جدول أعماله. البعض تحدث عن وساطة بخصوص رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، والبعض أضاف احتمالات أغراض أخرى، ولكنّ القوة الناعمة الفرنسية اتخذت في نهاية المطاف صيغة عرض مفاجئ من الرئيس الفرنسي: استضافة الحريري وعائلته على الأرض الفرنسية! من حيث المبدأ، يصعب استبعاد المغزى الأول من وراء هذا العرض، الذي يثير الارتياب مجدداً في أنّ الحريري محتجز حقاً في الرياض، ومجيئه إلى فرنسا (السبت المقبل، حسب آخر التقارير) ليس سوى تأكيد على مبدأ الإيواء، حتى إذا كان مؤقتاً، كي لا يتحدث المرء عن عقد تأمين على الحياة. المغزى الثاني استنباطي بالطبع، ولكن تصعب مقاومة التفكير فيه عملياً: مثلما نصدّر اللوفر إلى الإمارات، فإننا نستورد الحريري من السعودية!
كلّ هذا في وقت يشهد إعراض المزيد من الشرائح الشعبية الفرنسية عن سياسات ماكرون الداخلية، إذْ يشير آخر استطلاع للرأي (نُشر يوم أمس فقط) إلى أنّ 81% من الفرنسيين يعتقدون أنّ برامج سيد الإليزيه تخدم رجال الأعمال وأصحاب الشركات في المقام الأول؛ وشعبيته، بصفة إجمالية، هبطت إلى 42%؛ فضلاً عن ارتفاع مؤشرات البطالة، إلى 9,4%. في عبارة أخرى، ليس حُسن تطبيق القوة الناعمة على صعيد عالمي ضمانة لسياسة داخلية صائبة، أو حتى ناعمة؛ إذا ما قرأ المرء دلالات التحرك الشعبي والنقابي الواسع، هذه الأيام، ضدّ قرارات الحكومة الفرنسية في إعادة تنظيم العلاقة بين العامل وربّ العمل، على نحو يترك للأخير هامش ضغط أوسع على الأول، ويسلّحه بتدابير إدارية غير عادلة.
وهكذا فإنّ مبدأ القوة الناعمة يمكن أن يخفي، أو يجتر، أو يعيد إنتاج، بعض عناصر القوة الصلبة؛ بافتراض أنّ المزج بينهما ليس خياراً معتمداً عن سابق قصد وتصميم، لدى الكثير من ساسة الدول التي تتصدر مؤشر التطبيق الذكي للمبدأ. على سبيل المثال، لم يكد ماكرون يفرغ من إلقاء خطابه في افتتاح لوفر أبو ظبي، حتى سارع إلى زيارة القاعدة البحرية الفرنسية في الإمارة. هناك اختلفت النبرة: "حضورنا، بل حضوركم أنتم في الحقيقة، هو العلامة على أنّ فرنسا تتحمل مسؤولياتها، سواء عن طريق الدبلوماسية، أو العمل العسكري عند الضرورة".
وتلك ضرورة تجبّ دستويفسكي، ومن لوحة جاك لوي دافيد تستحضر بونابرت... فاتح مصر!
 16/11/2017