وعزّ الشرق أوّله دمشق

الجمعة، 22 يونيو 2018

أبو خليل القباني في شيكاغو

 أنجز الروائي والمؤرخ الفلسطيني تيسير خلف بحثاً فريداً حول المسرحي والموسيقي السوري الرائد أحمد أبي خليل القباني (1833 ـ 1903)؛ يخصّ رحلته المأثورة إلى أمريكا، وشيكاغو تحديداً، ربيع 1893، للمشاركة في فعاليات "المعرض الكولومبي الدولي"، الذي كان الأضخم في زمانه. وقد وفد القباني على رأس فرقة "مرسح العادات الشرقية"، كما كان المسرح يُسمى يومذاك، والتي أسسها من 50 ممثلاً وعازفاً وراقصاً، غالبيتهم الساحقة من شابات وشباب بيروت وجبل لبنان ودمشق وبيت لحم كما يشير خلف، استجابة لقبول السلطان العثماني عبد الحميد دعوة من الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون للمشاركة في المعرض.
 ولا يفوت خلف التشديد، منذ مدخل تحقيقه الممتاز في رحلة القباني هذه، إلى أنّ المعرض كان "فرصة رائعة لدراسة وفهم واحدة من أندر تجارب التفاعل الثقافي المباشر بين منطقتي شرقي المتوسط، بما تحمله من أبعاد تاريخية ودينية لها تأثيرات عميقة في الوجدان الغربي المسيحي، وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تنظر إلى نفسها، منذ ذلك الوقت، بوصفها قمة هرم الحضارة الغربية". وأضيف، شخصياً، أنه إلى جانب احتضان أنشطة ثقافية وفنية تنتمي إلى عوالم غربية وشرقية مختلفة، ومتباينة؛ كان المعرض مناسبة أولى حاشدة، وكونية كما يتوجب القول، لاحتكاك الحضارات والثقافات، ثمّ الأديان على نحو خاصّ؛ ثمّ الحوار التفاعلي فيما بينها أوّلاً، وكذلك إزاء تيارات علمانية أو لادينية احتدمت حولها نقاشات ساخنة، ومثمرة، في "برلمان الأديان" الذي ضمّ 46 قسماً!
تحقيق خلف، الذي نال جائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات، وصدر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات ضمن سلسلة "ارتياد الآفاق"؛ يتوزع على ثلاثة أقسام، ثالثها ملحق يتضمن عشرات الصور الفوتوغرافية التي تغطي الرحلة، ومشاهد من العروض المسرحية والفنية، وملصقاتها، وبعض النساء والرجال المشاركين في الأنشطة، فضلاً عن تفاصيل داخلية في السفينة "إس إس ويرا" التي حملت الفرقة إلى أمريكا. وبين أطرف هذه الصور نسخة من "إخبارية" حسني البيروتي، أحد عملاء جهاز "الخفية"، الذي كتب تقريراً كيدياً ضدّ أبي خليل، لأنه "وصف المسلمين بالاستبداد والنصارى بالمظلومين"، وأنه "بصدد أخذ بعض مشايخ العرب وجبل الدروز والنصيريين إلى شيكاغو"، وأنّ "ما يخطط له هذا الخائن جعل الخطب والكلمات باللغة الإنجليزية كي لا يفهم المسلمون ما يقال عنهم"!
القسم الثاني في الكتاب يقترح عدداً وافراً من الوثائق، العثمانية التي تتصل بالمراسلات والتحضيرات للمشاركة في المعرض، ومشروع القرية التركية؛ وتلك الخاصة بالمعرض والعروض والفرق وأسماء المشاركين، إلى جانب الرحلة البحرية وتفاصيل الدخول إلى أمريكا؛ ثمّ أخبار ومقالات الصحف، العربية والأمريكية، في تغطية المعرض إجمالاً والعروض "التركية" بصفة محددة. ويعمد خلف إلى ترجمة معظم هذه الوثائق عن لغات أخرى، كما يُدرج بعض التقارير التي نشرتها جريدة "كوكب أميركا" التي كانت تصدر باللغتين العربية والإنكليزية، في نيويورك.
القسم الأوّل، والأغنى في يقيني، هو الذي يستعرض تاريخ المشاركة وملابساتها، من الفكرة الأولى حين وصلت الدعوة الأمريكية إلى الباب العالي؛ مروراً بالتعقيدات الكثيرة التي اكتنفت اختيار الفرقة والبرنامج (خاصة في ضوء التباينات الإثنية والأنثروبولوجية والدينية، بين عرب وترك من جهة، وعرب/ ترك مسلمين أو مسيحيين شرقيين في مواجهة أمريكا التوراتية حيث ينتمي المشرق كله إلى "الأراضي المقدسة" من جهة ثانية)؛ وليس انتهاءً بالرقابات العديدة التي خضعت لها عروض القباني (مشكلات لباس النساء، الرقص الشرقي، التأويلات الدينية، الضغوط السياسية...). هذا كله في سياق التنوّع الواسع، والمفاجئ حقاً إذْ يُنظر إليه ضمن معطيات تلك الحقبة من تاريخ سوريا، والسلطنة العثمانية إجمالاً.
في إطار "مسرح العادات الشرقية"، قدّم القباني ثمانية عروض: "الدراما الكردية"، "الدراما القلمونية"، "المروءة والوفاء"، "عرس دمشقي"، "عنتر بن شداد"، "هارون الرشيد"، "العروس التركية"، و"الابن الضال". ويشير خلف إلى حُسن استقبال هذه العروض، سواء في الصحافة الأمريكية أو الجمهور العريض وأعضاء الكونغرس؛ وكذلك التمييز لأول مرة بين وظيفة "مدير الفرقة" التي تولاها بطرس أنطونيوس واختص بالشؤون الإدارية والمالية"، مقابل وظيفة "مدير التمثيل" التي تولاها القباني في تبشير بولادة مفهوم المخرج لأوّل مرّة في التراث المسرحي العربي. ويكتب خلف: "تؤكد جميع المقالات التي كتبت حول أعمال الفرقة على فكرة الإبهار البصري متعدد المستويات، فالخشبة لا تكاد تهدأ حتى تعود للامتلاء مرّة أخرى بممثلين يشعون حيوية".
وهذا، في رأي خلف، "يردّ على نقاد الأدب العربي المدرسي من أمثال محمد يوسف نجم وعلي الراعي وشاكر مصطفى وغيرهم، والذين أقاموا أحكامهم القطعية الظالمة حول مسرح القباني بالاعتماد على نصوص المسرحيات المنشورة له. فتجربة شيكاغو والتغطية الصحفية المواكبة لها تؤكد أنّ النصّ كان مجرد عنصر ثانوي في الفرجة المسرحية المبهرة". وليس غريباً، إذن، أن يجمع "كلّ من كتبوا عن هذه التجربة على احترافيتها العالية، وامتلاك القائمين عليها لأدواتهم الفنية"؛ إلى جانب "تقنيات التمثيل والأداء، وعلاقة الخشبة بالصالة، وتوظيف الموسيقى درامياً".
عمل تيسير خلف نموذج رفيع على الجهد البحثي المتمق الذي يستحقه القباني، رائداً مسرحياً وحامل رسائل ثقافية إنسانية وكونية أيضاً.
27/5/2018

استشراق لويس: ثمانون حولاً من التغطرس والتصَهْيُن

لجأ بعض العرب المدافعين عن برنارد لويس (1916 ــ 2018) إلى تكتيك كسيح، في المنهج كما في الحجة، مفاده أنّ "بطريرك الاستشراق"، كما اعتدتُ وأفضّل تسميته، لم يكن معادياً للإسلام؛ بدليل أنه من "أعظم المتبحرين في تراثنا الإسلامي الكبير"، وأنه كان "يعرفه أكثر مما نعرفه نحن"! وبصرف النظر عمّن تمثّل هذه الـ"نحن"، التعميمية والغائمة والركيكة، فإنّ التبحّر والمعرفة في ميدان ما، ليسا ضمانة لغياب العداء؛ بل يمكن أن يشكّلا في ذاتهما أفضل أدوات صياغة العداء، وربما أكثرها مضاء في ترويج أطروحات المعادي. ثمة فارق، وبون شاسع، بين المعرفة وتسخيرها، وبين الخطاب والمخاطَب، ومادّة التاريخ الفعلي الملموس في غمرة هذا التكوين الجدلي كلّه. 
ذلك، أغلب الظنّ، ما يتعامى عنه العربي المدافع عن لويس، أو يتقصد عدم الوقوف عنده، رغم أنّ إجراء كهذا ينبثق من أولى درجات المنطق، والمنهج الأوّلي؛ ورغم أنّ المدافع إياه قد يزعم التتلمذ على أفكار ميشيل فوكو دون سواه، حول تاريخية الخطاب تحديداً! وأن يبدأ مؤرخ شاب مثل لويس حياته الأكاديمية في رفوف الأرشيف الغنيّ للإمبراطورية العثمانية، منذ العام 1950، وكان أوّل غربي يحظى بهذا الامتياز؛ أمر مختلف عن الاطوار اللاحقة التي جعلت المؤرّخ ذاته يقدّم لأمثال جورج بوش الابن ونائبه ديك شيني ووزير دفاعد دونالد رمسفيلد نصيحة صريحة بغزو العراق، لأنّ العراقيين سيستقبلون الغزاة بالأهازيج والأزهار، ولأنّ هذا هو الدرب إلى الديمقراطية.
 أمر مختلف، أيضاً، أن يتبحر لويس في التاريخ الإسلامي، من جهة أولى؛ وأن يوظّف هذا التبحّر في خدمة مشروع استعماري استيطاني عنصري مثل الكيان الصهيوني في فلسطين، من جهة ثانية. الرجل ولد في بريطانيا، ثمّ عاش في الولايات المتحدة واكتسب جنسيتها، وفيها توفي مؤخراً؛ لكنه أوصى أن يُدفن في تل أبيب، وليس في أيّ مكان آخر. كما قام ذات يوم، سنة 1971 (من موقع الأكاديمي المحبّ للسلام، كما قد يقول المدافع العربي الركيك!) بحمل رسالة سرّية من الرئيس المصري أنور السادات إلى رئيسة وزراء دولة الاحتلال غولدا مائير. وهو الذي سوف يساجل بأنّ بيان أسامة بن لادن، الداعي إلى إعلان الجهاد ضد القوّات الأمريكية المتواجدة في الجزيرة العربية، يثبت أنّ دوافع "الإرهاب الإسلامي" إنما ترتد إلى أصول تاريخية وفقهية في قلب الإسلام ذاته. ولم يطل الوقت حتى ربط بين ذلك البيان، ولجوء الخليفة عمر بن الخطاب إلى طرد يهود خيبر ومسيحيي نجران من جزيرة العرب، تنفيذاً لوصيّة النبيّ محمد كما كتب!
ثمة، هنا، امتزاج دائم بين التغطرس الاستشراقي (بمعنى الانطلاق من أنّ معضلة الإسلام لا تُحلّ إلا بخضوعه، أو حتى إخضاعه، إلى القِيَم الغربية، والثقافة اليهودية ــ المسيحية تحديداً)؛ وبين تصَهْيُنٍ يُدرج الصهيونية لا كفلسفة سياسية واستيطانية (وعنصرية، بالضرورة)، بل يلقي على عاتقها مهمة تمدينية على غرار ما زعمت المشاريع الاستعمارية أنه واجبها إزاء الشعوب المستعمَرة. طرد 850 ألف فلسطيني خلال سنوات قليلة أعقبت تأسيس الكيان الصهيوني قبل وبعد 1948 لم يكن سوى عاقبة لتخلّف الشعب الفلسطيني، وللفشل السياسي الذي عانت منه المنطقة؛ وهذا، أيضاً، كان تفسيره للمشاريع الاستعمارية والإمبريالية، وواحدة من أبرز نقاط النقد المعمق الذي جوبه به لدى عدد من كبار مؤرّخي الغرب المختصين بدراسة الإسلام.
طريف، هنا، أن يتذكر المرء واقعة توضح طبائع استثمار لويس لما يتبحر فيه ويعرفه من تاريخ الإسلام والمسلمين. ففي 8 آب (أغسطس) 2006 نشر مقالة أثارت ضجة عالمية، لأنه تنبأ بأنّ إيران سوف تشنّ هجوماً نووياً على إسرائيل، وربما بعض البلدان الأخرى في الغرب، يوم 22 آب تحديداً. لماذا؟ لأنّ ذلك اليوم يصادف 27 من رجب، سنة 1427 للهجرة، أي يوم الإسراء والمعراج، الذي قد يكون مناسباً أيضاً لعودة الإمام الشيعي الثاني عشر من غيبته، حسب تأويل الرئيس الإيراني يومذاك، محمود أحمدي نجاد. صدّقوا أنّ هذا ما تنبأ به "بطريرك الاستشراق"، ولم تُنشر النبوءة في مطبوعة صفراء أو موقع تنجيم وتخريف، بل في صحيفة "وول ستريت جورنال" دون سواها!
وفي الاحتفاء بالعيد المئة لميلاد لويس، تساءل إيتمار رابينوفتش، رئيس "معهد إسرائيل" وسفير دولة الاحتلال الأسبق لدى أمريكا: "هل يمكن للمرء أن يكون، في آن معاً، صهيونياً ومؤرخاً كبيراً للإسلام؟". إجابته كانت الـ"نعم"، بالطبع، ولسبب كان في نظره طافحاً بالمنطق: "لا أحد، عادة، يسأل ما إذا كان في وسع باحث أمريكي بروتستانتي، يعيش في أمريكا خلال زمن الحرب الباردة، أن يكون مؤرخاً كبيراً لروسيا وخبيراً بالسياسة الخارجية السوفييتية"! هكذا ببساطة، إذن: الصهيونية نظيرة البروتستانتية، والإسلام نظير القضية الفلسطينية، وبالتالي في وسع لويس أن يؤرّخ للملفّين معاً، بلا أيّ حرج أو طعن في المصداقية. "إنه أولاً وأساساً باحث، ومؤرّخ قدّس المعايير المهنية. وهو شديد الاهتمام بالسياسة، وقد أسهم كمثقف عمومي في كثير من النقاشات حول الشرق الأوسط. كما أنه يهودي فخور، وداعم ملتزم للدولة اليهودية"، تابع رابينوفتش.
والحال أنّ لويس رأى، على الدوام في الواقع، أنّ الشرق الأوسط سرمدي جامد ثابت، ولن يتغيّر إلا على نحو أسوأ، على يد الأصوليات والأصوليين؛ "حين تدخل الثورة الإسلامية طورها النابوليوني أو الستاليني فتتمتع، مثل أسلافها اليعاقبة والبلاشفة، بفضيلة وجود طوابير خامسة في كل بلد وجماعة على صلة بخطابها الكوني العام"! وهو لا يعيد استظهار الكليشيهات القديمة، التي كرّرها وأعاد تكرارها، فحسب؛ بل يذهب أبعد حين يردّ البغض العربي والإسلامي للولايات المتحدة إلى عنصر "الحسد" من قوّة عظمى مهيمنة غنيّة متقدّمة، لم تخسر أيّ حرب منذ تأسيسها! نعم، الحسد فقط، وليس سياسات الولايات المتحدة في الانحياز الأقصى لدولة الاحتلال، وغزو الشعوب، ومساندة طغاة العرب وناهبي الثروات ومبدّدي المليارات على عقود الأسلحة الفلكية...
 أيضاً، واستطراداً، يساجل لويس بأنه لا فائدة تُرجى من محاولات إصلاح العرب والمسلمين، لأنه ما من أمل في مصالحتهم مع قِيَم الغرب؛ هذه التي يحدث الآن أنها تُفرض على الجميع، بالترغيب أو بالترهيب، بوصفها قِيَم العالم بأسره. ونبوءته الرهيبة للأقدار التي ستواجه المسلمين، والعرب خصوصاً، تسير هكذا: "إذا واصلت شعوب الشرق الأوسط السير علي طريقها الراهن، فإنّ صورة الانتحاري الفلسطيني يمكن أن تصبح استعارة تمثّل المنطقة بأسرها، ولن يكون هنالك مفرّ من الانحدار نحو الكراهية والحقد، والغضب وكره الذات، والفقر والقمع". هكذا، دون أيّ تأصيل اجتماعي أو سياسي أو تاريخي أو استعماري لجذور صعود الإسلام الجهادي، الضاربة في تاريخ المنطقة وعقائدها.
تبقى حكاية أخيرة، لا تختصر جوهر ثمانين حولاً من اشتغال لويس على شؤون الإسلام وشجون المسلمين، فقط؛ بل لعلها الكاشف الأوضح على الباطن الذكوري في استشراقه، وأنه لم يخرج كثيراً عن عقلية إدوارد لين، سلفه البريطاني الذي ترجم "ألف ليلة وليلة" وكأنها أولاً كتاب في الفنون الإباحية. سُئل لويس، خلال ندوة مع محرري مجلة "أتلانتيك" الأمريكية، عن انطباعه حين زار الشرق الأوسط للمرة الأولى، فقال: "كنت طافحاً بالعاطفة، مثل عريس شرقي يوشك على رفع الخمار عن عروسه التي لم يقع بصره عليها من قبل". فأيّ "تبحّر" أكثر غطرسة في ملاقاة الشرق، وأشدّ تحقيراً لأهله وثقافته، وأوضح نزوعاً إلى انتهاك الآخر!
24/5/2018

أحلاف الاستشراق


كانت الألمانية هيدفيغ كلاين (1911 ـ 1942) مولعة باللغة العربية، فقهاً وأدباً وتاريخاً؛ وفي سنة 1937 أنجزت أطروحة دكتوراه متميزة، قوامها تحقيق فصل "أخبار أهل عُمان من أوّل إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم"، من كتاب الشيخ العلامة سعيد الأزكوي "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمّة"؛ الذي يُعدّ أحد أفضل المراجع عن التاريخ الإباضي. لكنّ أقدار ولادة كلاين لأسرة يهودية انعكست على الأطروحة، التي لقيت إطراء شديداً من أستاذها المشرف أرتور شاده، إذْ امتنعت إدارة الجامعة عن تثبيت الدرجة، لأنّ الدكتوراه لم تعد تُمنح لليهود في تلك الحقبة من تاريخ ألمانيا الأكاديمي.
كذلك أنقذتها من التسفير إلى معسكرات الاعتقال شهادةٌ من اللغوي المستعرب هانز فير، صاحب القاموس الشهير، الذي كان قد انتسب إلى الحزب النازي (كما يكتب شتيفان بوخن في مقالة نشرتها مجلة "قنطرة" مؤخراً)، وكُلّف بترجمة كتاب أدولف هتلر "كفاحي" إلى اللغة العربية، وكان بحاجة إلى مختصين في اللغة العربية. لم يكن هذا كافياً، في الواقع، وتوجب أن تغادر كلاين ألمانيا حين توفرت لها تأشيرة إلى الهند؛ حيث عاكستها الأقدار مجدداً، فتوقفت رحلة الباخرة حين شنّت ألمانيا الهجوم على بولندا، وانتهت رحلة كلاين بالتسفير إلى أوشفتز، حيث قضت هناك.
تنتمي هذه السيدة، والعشرات سواها من السيدات والسادة، إلى تلك الفئة التي صُنفت في التاريخ الاستعماري تحت مسمّى "المستعرب" Arabist، إذا شاء المرء إقامة تناظر اشتقاقي مع المسمى الآخر الأشهر، أي "المستشرق"  Orientalist. قاموس أكسفورد الشهير يعرّفه هكذا: "أجنبي متخصص في اللغة العربية"؛ وقاموس وبستر الجامعي يصفه بـ"مختص باللغة العربية والثقافة العربية أو طالب يدرسها"، أو "مساند للمصالح العربية"؛
وقاموس التراث الأمريكي يقتفي أثر وبستر في إدراج دراسة اللغة والثقافة، لكنه يطوّر العنصر الثاني هكذا: الذي "يميل إيجاباً إلى الاهتمامات والسياسات العربية".
والمستعربون هؤلاء متعددو المنابع والأهواء والمواهب، فمنهم الأكاديمي أو السفير، ومنهم الأديب أو ضابط الإستخبارات، ومنهم المعلّق السياسي أو عالم الآثار. ويكفي، لتبيان "تعددية" تكوينهم، أن يسرد المرء لائحة محدودة للغاية من أسماء كبارهم: ريشارد برتون، الليدي هستر ستانهوب (أو "ملكة البدو" في اللقب الظريف!)، توماس إدوارد لورانس (العرب)، جرترود بيل، هاري «عبد الله» فيلبي، دانييل بليس (مؤسس «الكلية البروتستانتية السورية» التي ستتحوّل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت). ثمّ، في لائحة أخرى معاصرة، ريشارد مورفي، هيرمان إيلتس، روبرت بلليترو، دافيد نيوتن (السفير ما قبل الأخير للولايات المتحدة في عراق صدّام حسين)، والسفيرة الشهيرة أبريل غلاسبي، صاحبة الرسالة الشفهية الشهيرة بأنّ الولايات المتحدة ليس لها رأي في نزاع العراق الحدودي مع الكويت.
والحال أنّ هذه الفئة انقرضت، أو تكاد، بعد أن تكفلت عوامل عديدة بإسباغ شخصية مرذولة على حامل الصفة، خاصة بعد إقامة دولة الاحتلال الإسرائيلي، والانحياز المطلق الذي طبع السياسات الخارجية للولايات المتحدة والغرب إجمالاً لصالح أمن الكيان الصهيوني. وهكذا اتُّهم المستعرب بالانحياز إلى العرب (!)؛ أو الخلط بين عشق اللغة العربية، وبين الحماس للقضايا العربية؛ أو السعي إلى تفهّم السخط العربي تجاه الغرب عموماً، وأمريكا خاصة. وهذه حال أجاد مورفي تلخيصها ذات يوم، حين هتف بمرارة: "أصبحت كلمة مستعرب ترادف مواقعة العرب فكرياً ودبلوماسياً"!
والإنصاف يقتضي القول إنّ الاستعراب لم يكن حميداً دائماً في المعسكر الآخر، الاشتراكي، وخاصة الاتحاد السوفييتي؛ لسبب مبدئي أوّل هو أنّ الدراسات التاريخية خضعت لاشتراطات إيديولوجية مسبقة ذات صلة بالجمود العقائدي (موقف إرينا ميخايلوفنا سميليانسكايا من الطبقة العاملة المصرية مثلاً، أو آراء استاذها فلاديمير بوريسوفتش لوتسكي حول سوريا ولبنان)؛ وكذلك لأنّ مؤسسة الاستعراب الاهمّ، معهد الاستشراق، كان اسماً على مسمى. وفي سنة 1989، بتأثير مناخات الشفافية التي أشاعها ميخائيل غورباتشيف، علّق أساتذة معهد لينينغراد للدراسات الشرقية، صور 300 من كوادر المعهد الذين تعرضوا للتنكيل بين 1918 و1972.
من جانبه يميل وليام كواندت، الباحث والمؤرّخ المعروف المختصّ بالدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى إنصاف المستعربين عن طريق وضع تصنيفاتهم التنميطية في سياق سياسي ملموس: "المستعربون لا يشبهون أمثالهم من أخصائيي المناطق، في المخيّلة الشعبية على الأقلّ. فإذا أشار المرء إلى أفريقاني، مثلاً، فإنّ الصورة الناجمة سوف تصف شخصاً مختصاً بتاريخ ولغات وثقافات أفريقيا، ممّن قضى في القارة ردحاً من الزمن، ولن تتبادر إلى الذهن تداعيات تدعو إلى ذمّ الرجل. لكنّ صفة المستعرب تستدعي، على الفور، دلالة سيئة: هو ذاك الذي صرف الوقت في تعلّم اللغة العربية، أو عاش زمناً طويلاً في العالم العربي، وهو معادٍ لإسرائيل بالضرورة"!
يبقى أن أعيد التشديد على قناعة شخصية بأنّ انطواء صفحة الاستعراب لا يستدعي الأسف، أياً كانت الإيجابيات التي اقترنت بتراثه؛ بل لعل الواجب يقتضي اليوم، في ضوء كشوفات إدوارد سعيد حول مؤسسة الاستشراق تحديداً، وضع المستعرب المرتبط على المحكّ ذاته الذي استحقه المستشرق، من حيث الصلة مع عقائد مثل الفاشية والنازية والستالينية، أو توفير خدمات مباشرة للمشاريع الاستعمارية الأوربية. وقد تحتاج المعادلة إلى ميزان ذهب بين تحقيق فصل حول الإباضية في عُمان، وترجمة "كفاحي" إلى اللغة العربية برعاية نازية!
20/5/2018

إدوارد سعيد والسماء الأخيرة

في لائحة أعمال إدوارد سعيد ثمة كتاب بعنوان "بعد السماء الأخيرة: حيوات فلسطينية"، غير معروف نسبياً على نطاق العالم العربي، يتسم بسلسلة خصائص في الموضوع واللغة والأسلوبية العامة تُفرده عن مجمل نتاج الراحل. بدأت فكرة هذا الكتاب من ظروف غريبة جمعت سعيد مع جان موهر، المصوّر الفوتوغرافي السويسري من أصل ألماني، الذي سبق أن تعاون مع الروائي والناقد الفني البريطاني جون بيرغر في ثلاثة أعمال، كما أصدر مجموعة ألبومات تتناول الفنون والثورات والحروب وموجات النزوح والهجرة.
ففي عام 1983 كان سعيد يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة في تنظيم "المؤتمر الدولي حول قضية فلسطين"، وارتأى تكليف موهر بالتقاط صور فوتوغرافية تُعلّق في مدخل المؤتمر، وتعبّر عن حيوات الفلسطينيين في مختلف مناطق إقامتهم، داخل فلسطين وخارجها. المفاجأة الغريبة كانت موافقة إدارة المؤتمر على الفكرة، شرط أن تخلو الصور من أيّ تعليقات تشرحها؛ وبعد أخذ وردّ تمّ التوصل إلى تسوية تتضمن ذكر اسم البلد الذي التُقطت فيه الصورة فقط (الأردن، سورية، لبنان، الضفة الغربية، قطاع غزة).
وهكذا قرّر سعيد وموهر وضع كتاب يحتوي على غالبية تلك الصور، ليس مع شروحاتها كما سجّلها المصوّر ساعة التقاطها، فحسب؛ بل مع نصوص مطوّلة كتبها سعيد خصيصاً، وامتدت على مقدّمة وخمسة فصول. 
ويحلو لي، شخصياً، الافتراض بأنّ هذا الكتاب، صوراً وليس نصوصاً فقط، هو الأقرب إلى التعبير التطبيقي عن تفضيل سعيد لمدرسة "دراسات التابع" الهندية الشهيرة، التي أطلقتها في مطلع ثمانينات القرن الماضي كتابات رانجيت غوها وإريك ستوكي حول تاريخ الهند بصفة خاصة. وهذا التيار استلهم توصيف المفكر الإيطالي أنتونيو غرامشي لشخصية "التابع"، المهمش والمستبعَد والمستعبَد والمقموع. وهكذا، في "بعد السماء الأخيرة"، قرأ سعيد التاريخ الفعلي، البشري المادي القائم في الزمان والمكان، لسلسلة نماذج فلسطينية؛ مبتدئاً من افتراض طريف، لكنه عميق الدلالة: رغم وجود أدبيات كثيرة تصف فلسطين والفلسطينيين، خاصة تلك التي سطرها الفلسطينيون أنفسهم، فإنّ الفلسطيني يظل مجهولاً نسبياً، بمعنى أنه لا ينتمي إلى شعب بقدر تمثيله لذريعة حرب وصراع ونزاع. يكتب سعيد: "منذ 1948 كان وجودنا من طراز أقلّ. عشنا الكثير الذي لم يُسجّل. قُتل منا الكثيرون، وأصابتنا ندوب، وأُخرسنا، دون أن نترك أثراً. والصورة التي تُستخدم في تمثيلنا لا تقوم إلا بإنقاص حقيقتنا الفعلية أكثر. وعند الكثيرين لا يُرى الفلسطيني أساساً إلا في هيئة المقاتل أو الإرهابي أو المطارَد".
هذه، استطراداً، قراءة شخصية وذاتية للفلسطينيين كجماعة وطنية مشتتة؛ "فاعلة، مفعول بها، فخورة، رقيقة، بائسة، طريفة، لا تُقهر، ساخرة، ارتيابية، دفاعية، واثقة، جذابة، آسرة...". لكنها، في غمرة هذا كله، أسيرة السؤال الجاثم في قصيدة محمود درويش، والذي يستمدّ الكتاب عنوانه منها: "إلى أين نذهبُ بعد الحدود الأخيرة؟/ أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟/ أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير؟"... بذلك فإنّ الكتاب لا يندرج في أعمال سعيد النقدية، من حيث الشكل والمحتوى بالطبع، بل يراوح ــ ببراعة قصدية ملحوظة، وفي إطار نقلات أسلوبية لا تخفى ــ بين الموضوع الفلسطيني السياسي الذي بات سعيد ناطقاً بليغاً بملفاته المختلفة المعقدة؛ وبين نزعة تأريخ القضية الفلسطينية والشخصية الفلسطينية عبر تقنيات السرد والسردية؛ فضلاً عن تقنيات استكشاف التاريخ الباطن، كما اقترحتها دراسات التابع.
ورغم ذلك فإنّ الأدب، ثمّ النقد الأدبي استطراداً، لا يغيب نهائياً عن الكتاب، بل لعل حضوره من خلال أسماء غسان كنفاني وإميل حبيبي ومحمود درويش وتوفيق زياد وجبرا إبراهيم جبرا ومعين بسيسو وهشام شرابي يذهب بالأدب نحو أقصى ما تتيحه المخيلة الإبداعية عند تمثيل الشخصية الجَمْعية التي، في ذروة انفرادها كما شدد سعيد، لا تملك إلا تمثيل هذه أو تلك من السمات الأعمق للاجتماع الفلسطيني. والحال أنه يصعب أن نعثر في أيّ عمل من أعمال سعيد على لغة بهذه البلاغة العالية، وعلى انسراح المفردة نحو مناخات تصويرية أخاذة، وارتقاء النثر إلى سوية قصوى من التمثيل والتصوير والتجسيد والتشبيه، أو توظيف العبارة على النحو الأعلى إيعازاً دون خطابية، والأبرع توصيفاً دون تهويل ميلودرامي.
وبين الخيارات الشعبية الشائعة التي لفتت انتباه سعيد، ثمة نزوع الفلسطينيين الشباب إلى رياضات كمال الأجسام، والمصارعة، والملاكمة، والكاراتيه؛ الأمر الذي لا يقتصر تفسيره على هدف اكتساب القوّة، بقدر ما هو أيضاً رغبة عارمة في تأكيد الذات، و"الإلحاح على تفاصيل لا صلة تجمعها بالغرض العقلاني". هنالك أيضاً ذلك التشابه العجيب في عادات تأثيث البيوت، الثرية أو المتواضعة على حدّ سواء، وفي عادات المأكل والمشرب (وموهر يرصد، ببراعة وجماليات آسرة، أثاث البيت الفلسطيني وموقع الطعام فيه، بين المآدب الفخمة والسُفرة على الأرض، في مدن فلسطين وبلداتها، وفي المخيمات والمنافي).
والذكرى السبعون للنكبة لا تعيد التذكير بهذا الكتاب البديع، فقط؛ بل تستعيد فلسطين التي إذا غُطيت خريطتها بالأساطير والرموز والأيقونات والدروب التي طرقتها كلّ الشعوب التي عاشت هنا... فلن يتبقى فضاء للأرض ذاتها، يفترض سعيد!
13/5/2018

ميلوش فورمان: صدام السينما والرواية


رحل المخرج السينمائي التشيكي ـ الأمريكي ميلوش فورمان (1932 ـ 2018) بعد أن خلّف سلسلة أعمال رفيعة الشأن في الفنّ السابع؛ بعضها يرقى إلى مستوى القفزات النوعية الكبرى في الشكل والمحتوى ("طيران فوق عش الوقواق"، "أماديوس"، "راغتايم")؛ وبعضها الآخر يقارب الواقعية الاجتماعية من منظورات الرمز الكوميدي المبطن، الذي لا يفضح عناصره إلا بعد اختمار بطيء في الوجدان الشعبي العمومي ("غراميات شقراء"، "حفلة رجال الإطفاء"، "إقلاع"). ولقد كان، على غرار أسماء أخرى كبيرة في سينمات "المعسكر الاشتراكي" سابقاً، طريد المؤسسة الرسمية التي لم تقبل به إلا اضطراراً، وانحناءً أمام نجاحات خارجية في مهرجانات دولية.
لكنّ فورمان يظلّ نموذجاً استثنائياً في ميدان دراسي ونقدي شائك، هو العلاقة بين النصّ الروائي والفيلم؛ وكيف للأوّل أن يُسلم القياد للثاني على أيّ نحو متكافئ، أو ينقلب إلى ضحية للاعتبارات الفنية المختلفة التي تحكم إنتاج الثاني. والمثال الأبرز، في تقديري شخصياً، ولكن استناداً إلى وقائع فعلية أيضاً، هو ذلك التنازع بين الروائي الأمريكي كين كيسي (1935 ـ 2001)، مؤلف "طيران فوق عشّ الوقواق"، من جهة؛ وكلّ من فورمان، مخرج الفيلم الشهير، ولورنس هوبن وبو غولدمان كاتبَيْ السيناريو، من جهة ثانية. لقد رفض كيسي النصّ السينمائي، وانتقده بشدة في حوار شهير نشرته "رولنغ ستون"، بل ذهب إلى حدّ الدخول في معركة قضائية مع جهة الإنتاج، ثمّ أعلن أنه لن يشاهد الفيلم أبداً، وقيل بالفعل إنه رحل متمسكاً بهذا القرار.
عناد كيسي كان لافتاً، ومثيراً لاستغراب الكثيرين، بالنظر إلى النجاح الهائل الذي حققه الفيلم عند إنجازه في سنة 1975؛ إذْ حصد خمسة أوسكارات دفعة واحدة: الفيلم، الإخراج، الممثل الأول (جاك نكلسن)، الممثلة الأولى (لويز فلتشر، في دور الممرضة راتشت)، الاقتباس (هوبن وغولدمان). لكنّ كثيرين أيضاً ناصروا كيسي، على قاعدة ما لحق بعمله من اختزال للرسالة الرمزية حول مصائر الحلم الأمريكي، وإساءة تفسير لمفهوم الهيمنة المؤسساتية، وتطويع كوميدي لشخصية راندل ماكمرفي المركزية؛ فانحازوا بالتالي إلى الرواية (التي تشرفت بنقلها إلى اللغة العربية، وصدرت سنة 1981 في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للأبحاث ضمن سلسلة "من ذاكرة الشعوب" التي أشرف على تحريرها آنذاك الصديق الروائي والناقد اللبناني الياس خوري، وفي طبعة ثانية عن "الأهلية" سنة 2016). كذلك أشار بعضهم إلى نجاح الاقتباس المسرحي للرواية ذاتها، في سنة 1963، على يد ديل فاسرمان؛ وفيه لعب كيرك دوغلاس دور ماكمرفي.
وجهة نظر كيسي تبدأ من معمار السرد في الرواية، الذي يتولاه الزعيم برومدن، "الهندي الأحمر" الذي يواجه أنساق اغترابه عن عوالم المصحّ النفسي الخارجية، ثمّ عوامل أمريكا استطراداً؛ بأنساق اتصال مع عالم داخلي مركّب، قناعه الأوّل هو ادعاء الصمم والبكم، والبقاء على هذه الحال حتى لحظة مفصلية من إيمانه بصديقه ماكمرفي، فينطق معه فقط وليس أمام أحد سواه. وكان كيسي قد كتب مقاطع عديدة من روايته تحت تأثير عقار الـ LSD المهلوِس؛ وأخضع نفسه لعلاج بالصدمة الكهربائية لكي يتمثّل حال "الزعيم" ساعة إدخاله إلى غرفة العلاج بالصدمة، وما يجول في أذهان المرضى عند خضوعهم لأنماط علاج مماثلة. وهذا تفصيل كان له آثار بالغة على معمار الرواية اللغوي.
هل كان فورمان قادراً على بلوغ أية درجة سينمائية من تلك التقنيات السردية الروائية؛ خاصة حين تكون المفردات عند "الزعيم" أوعية تصوير سوريالية، وليست وسائل اتصال؟ وكيف للسينمائي أن يجاري الروائي في رسم شخصية بالغة التعقيد والتنوّع، مثل هذه؟ سؤال عويص بالطبع، لكنه بعض جوهر الصدام بين الفنّ الروائي والفنّ السابع. ففي وسع أنصار الرواية التذكير بالذروة الفريدة في المشهد الختامي، حين يخنق برومدن صديقه ماكمرفي كي لا يصبح الأخير أمثولة لانتصار الممرضة/ المؤسسة على التمرّد والتحرر، والمساجلة بأنّ فورمان عجز عن، أو حتى تعمد عدم، تجسيد تلك البرهة. في المقابل، يساجل أنصار السينما بأنّ المشهد الأخير في الفيلم انسجم مع الخطّ الدرامي العامّ، واشتغل بصرياً على ما أنجزته الرواية نصّياً.
هيهات، مع ذلك، أن يفلح أيّ مخرج في إنجاز تمثيل سينمائي لهذه العبارة الأخاذة التي يهجس بها برومدن وهو يُحكم إطباق الوسادة على رأس صديقه الذي صيّرته صدمات الممرضة كتلة لحم كسيرة: "كان الجسد الهائل الصلب يتمسك بالحياة. لقد صارع زمناً طويلاً ليُبقي على رعشة الحياة في جسده، فتقلّب وانتفض وتدفق بكلّ جوارحه وأعضائه. وكان عليّ أخيراً أن أجثم بكلّ ثقلي فوقه وألوي ساقيه المتدافعتين بساقي، وأحشر الوسادة في الوجه. جثمتُ فوق الجسد فترة خُيّل إليّ أنها دهر طويل، حتى سلّم الجسد النابض، حتى هدأ تماماً وارتعش الرعشة الأخيرة". ويكسر برومدن السجن الرمزي الذي يمثّله المصحّ، بعد تحطيم الحاجز الشبكي الذي حاول ماكمرفي تحطيمه ذات يوم، ويغادر إلى موطن قبيلته ليعانق في ذاكرته رماد التلال والغابات والطيور والشلالات، وليسترجع شجرة الصنوبر الأكثر شموخاً فوق الجبل، ويردد: "لقد غبتُ طويلاً!".
 12/5/2018