وعزّ الشرق أوّله دمشق

السبت، 20 أكتوبر 2018

مراسلات الأسد ــ نتنياهو: ما نفع ساعي االبريد؟

في شباط (فبراير) 2013، حين تولى جون كيري وزارة الخارجية الأمريكية، استعدتُ شخصياً صورة فوتوغرافية تجمعه وزوجته تيريزا هاينز، إلى طاولة عشاء في أحد المطاعم الدمشقية، ضيفاً على بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس؛ والصورة تعود إلى عام 2009، حين كان كيري يترأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي. وكان غرض الاستعادة هو تأكيد قناعتي بأنّ إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وسائر الإدارات الأمريكية في الواقع، تجمعها مع أنظمة الاستبداد العربية أنساق متعددة من الـ"بزنس"؛ ولن تنحاز، حكماً ومنطقاً، إلى أية انتفاضة شعبية عربية، خاصة إذا كانت ديمقراطية وسلمية، يمكن أن تنتهي إلى إسقاط تلك الأنظمة، وأقصد الإسقاط الفعلي وليس الاستبدال الكاذب والمخادع. وخلال الأسابيع التي أعقبت تسلمه وزارة الخارجية، قال كيري في شتم الأسد أكثر بكثير مما قال مالك في الخمر، ابتداءً من "السفّاح" و"القاتل"، وليس انتهاءً بـ"الوحش" وشتى المقارنات الهتلرية ؛قبل أن يبتلع لسانه، إلا حين يتصل الأمر بتوبيخ المعارضة السورية الاسطنبولية، أو التحذلق حول سياسات أوباما بصدد هذا أو ذاك من شؤون سوريا.
وأمّا اليوم، في مناسبة صدور كتابه "كلّ الأيام إضافية"، فإنّ كيري يكشف النقاب عن فصل من ثمار تلك العلاقة مع الأسد، يفيد بأنه حمل رسالة من الأخير إلى أوباما حول استعداد النظام السوري لاستئناف المفاوضات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنّ الرسالة وصلت، أيضاً، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. الأخير أبدى دهشته وسعادته، وسيد البيت الأبيض أعطى التوجيهات لاختبار نوايا الأسد، والسياقات الإقليمية (سنة العسل مع السعودية في عهد الملك عبد الله، الوساطة التركية بين النظام وتل أبيب، ارتباك تكتيكات "حزب الله بعد "غزوة بيروت" والفشل في تأمين أغلبية برلمانية بعد انتخابات 2009 والعجز عن الثأر لمقتل عماد مغنية...) كانت تشجع على استبشار معقول. لكنّ المرء يعثر، في فقرات من كتاب كيري الجديد، على توصيفات لرأس النظام السوري تكاد توحي بأنّ كيري وعقيلته تناولا العشاء، في ذلك المطعم الدمشقي الحميم، مع مضيف آخر غير بشار الأسد! "الرجل الذي يكذب في وجهك وعلى مبعدة أربعة أقدام، يمكن بسهولة أن يكذب على العالم بعد أن خنق شعبه حتى الموت بأسلحة الغاز"، يكتب كيري اليوم في وصف شخص الأسد!
ولكن... هل كان الأسد بحاجة، حقاً، إلى ساعي بريد مع نتنياهو؛ لا يتمثل في شخص كوندوليزا رايس أو هيلاري كلنتون، لكي يبعث بالرسالة عن طريق كيري؟ سؤال يحمل بعض الوجاهة من واقع أنّ تعاطي النظام السوري مع الإدارة الأمريكية، بوش الابن ثمّ أوباما، لم يكن راكداً وشبه جامد ومعلّق، فحسب؛ بل كانت تحركات الأسد الإقليمية، وخاصة في المناورة بين الرياض وطهران، لا توحي بأيّ هامش عدائي يستحق عناء المبادرة؛ وكان العكس هو الصحيح، في الواقع. الخيارات الأمريكية ظلت تنطلق من قاعدة مركزية أشارت على الدوام إلى "فوائد" نظام آل الأسد، إبقاء الجولان هضبة آمنة هادئة مسالمة لا تُطلق في أرجائها بندقية صيد؛ أو في ضبط لبنان، ومنظمة التحرير، وإدارة حروب المخيمات وتل الزعتر وطرابلس، والانخراط في "عاصفة الصحراء"؛ أو في الإمساك بالعصا من المنتصف، بين حلفاء أمريكا في المنطقة وخصومها...
بوصلة اولى في ضبط هذه المعادلة بدت عابرة حتى للخلافات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كما في زيارة ربيع 2007 "التاريخية" إلى دمشق، والتي قامت بها نانسي بيلوسي، وكانت رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي آنذاك؛ فأعطت، من جهة أولى، إشارة اختلاف الحزب الديمقراطي مع مقاربة بوش الابن، في "الضغط" على النظام؛ كما شددت، من جهة ثانية، على المطالب ذاتها التي يشترطها البيت الأبيض لتحسين العلاقة مع النظام السوري. وحين حرصت بيلوسي على الاجتماع مع رايس قبيل أن تقلع طائرتها إلى دمشق، كانت في حقيقة الامر تتسلم لائحة الرسائل الشفهية التي سوف تبلّغها إلى الأسد؛ تماماً كما فعل وزير الخارجية الأسبق كولن باول ومساعده ريشارد أرميتاج غداة اجتياح العراق.
كذلك فإنّ الأمر الرئاسي رقم 13338، الذي وقّعه بوش الابن في أيار (مايو) 2004 وقضى بوضع "قانون محاسبة سورية" قيد التنفيذ، كان أعلى تجسيد لما اعتُبر سياسة "الضغط" على النظام: "حصار" شكلاني شمل حظر تصدير الذخائر والموادّ ذات الاستخدام المزدوج، ومنع الطيران السوري من حركة الهبوط أو الإقلاع في المطارات الأمريكية، وإنهاء التعاملات بين وزارة الخزانة الأمريكية والمصرف المركزي السوري. وأمّا الجانب السياسي فقد تكفّل بتفريغه من مضمونه عدد من كبار النوّاب الأمريكيين (جمهوريين وديمقراطيين على حدّ سواء)، كلّما اقتضت المصلحة العامّة (للولايات المتحدة، ثمّ إسرائيل)، أو المصلحة الشخصية لهذا النائب أو ذاك (السناتور الديمقراطي بيل نلسون، مثل السناتور الجمهوري أرلن سبكتر، دون أن نغفل الإشارة إلى كيري نفسه بالطبع).
يُضاف إلى هذا أنّ رسائل النظام السوري كانت تذهب علانية إلى دولة الاحتلال، دون حاجة إلى ساعي بريد أو وسيط؛ كما في ذلك الاقتسام الفاضح والسقيم الذي طرحه وزير خارجية النظام، وليد المعلّم، في حوار مع غابرييلا رفكند من صحيفة الـ"غارديان" البريطانية في ربيع 2010: "يمكن للانسحاب من الجولان أن يتمّ على مراحل، تنطوي توقيتاتها على شكل من التطبيع. نصف الجولان يمكن أن يفضي إلى إنهاء العداء. ثلاثة أرباع الجولان، تفتح ممثلية لرعاية المصالح الإسرائيلية في السفارة الأمريكية. الانسحاب الكامل سوف يسمح بسفارة سورية في إسرائيل". وتسأله رفكند عن العلاقة مع إيران و"حزب الله"، فلا يقول إنها "خطّ أحمر"، على جري العادة في الرطانة الإعلامية الرسمية، بل يجيب بوضوح: هذه مسألة نتولى أمرها بعد الانسحاب!
أم أنّ الرسالة يمكن أن يحملها مبعوث لا يشبه أياً من سعاة البريد، مثل المخرج الأمريكي الشهير فرنسيس فورد كوبولا؟ في تلك الحقبة ذاتها، أواخر العام 2009، مُنعت طائرة كوبولا الخاصة من الهبوط في مطار بيروت لأن بعض قطع غيارها صُنعت في إسرائيل. أحد الأذكياء نصح صاحب "العرّاب" بإجراء اتصال من الجوّ مع الأسد، الذي أمر بأن تهبط الطائرة في دمشق، ثمّ انتقل كوبولا بعدها إلى بيروت في طائرة أخرى، بعد وليمة رئاسية دافئة. مكسب الأسد، في المقابل، كان خبراً في العلاقات العامة تناقلته بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وتصريحاً منافقاً من كوبولا يشير إلى حرص الأسد على السلام، وأنّ "الطعام بديع"، والأسد و"عقيلته وأسرته، اتصفوا بالوضوح والأنس والقدرة على الحديث في مستويات عديدة. وبهذه الطريقة أقنعني أنّ الرؤيا التي يحملها عن البلد إيجابية".
أخيراً، خلال تلك الحقبة ذاتها دائماً، لم يكترث النظام بإخفاء أو نفي استئناف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية برعاية تركية، وكان الغرض استثمار هذه الوقائع في إلهاء الشارع الشعبي عن مصاعب العيش اليومية، وكوابيس قسائم المازوت، ومطحنة شائعات رفع الدعم؛ وكذلك ترحيل خلافات أهل السلطة الداخلية، العائلية والأمنية والاستثمارية، إلى ملفّ استئناف التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي بوصفه منطقة محايدة إذا جاز التعبير؛ ليس دون توجيه رسالة جديدة إلى الحليف الإيراني، ومن خلفه "حزب الله" تحديداً، حول استعداد النظام لقلب المعطف...
فما نفع ساعي بريد مثل كيري، في نهاية المطاف!
 6/9/2018

عبد السلام العجيلي: "رجعي" بمفعول تقدمي


في كتابهما "الأدب والإديولوجيا في سوريا: 1967 ــ 1973"، الذي صدر سنة 1974 وأثار من ردود الأفعال ما "يعادل عدد صفحاته" كما صرّح الناشر (دار ابن خلدون)؛ يلجأ المؤلفان، بوعلي ياسين ونبيل سليمان، إلى تصنيف القاصّ والروائي السوري الراحل عبد السلام العجيلي (1918 ــ 2006) ضمن فصل أوّل بعنوان "شواهد المجتمع القديم". وفي تقديم هذا الفصل يكتب المؤلفان: "أما دعاة المجتمع القديم، أمثال عبد السلام العجيلي وبدوي الجبل وألفة الإدلبي، فليس من جديد عندهم، لولا تلك النزعة المعادية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. وفي كل الأحوال، فإن قلة عدد هؤلاء الأدباء مؤشر آخر على أنّ دور الرجعية قد قارب على الانتهاء، ولولا المستوى الفني الرفيع لعبد السلام العجيلي لقلنا إنه انتهى".
ليس هنا المقام الملائم لاقتراح قراءة نقدية للعمل، رغم ضرورة مبادرة كهذه، في هذه الأيام على نحو خاصّ؛ ولكن الاحتفاء بمئوية العجيلي، هذا العام، تستوجب العودة إلى مثال ياسين وسليمان من زوايا ثلاث، بين أخرى ليست أقلّ دلالة: 1) أنها كانت أوّل قراءة ماركسية، وطبقية على نحو محدد، لأديب سارع معظم النقد اليساري في سوريا، تلك الحقبة، إلى وصمه بـ"الرجعية"؛ و2) أنها كانت أقرب إلى الدوغما الجدانوفية في اختزال الأدب (رغم انتماء الكاتبين إلى خيارات أكثر انفتاحاً ضمن التيارات النظرية الماركسية آنذاك)، منها إلى ما رسخه أمثال جورج لوكاش ورايموند وليامز في قراءة السرد وأبعاده الطبقية والثقافية؛ و3) أنها، بسبب من ذلك، أنصفت فنّ العجيلي، في السياقات ذاتها التي انطوت على الإجحاف بمضامين أعماله، وتلك كانت مفارقة دالة لا تخلو من جدلية بيّنة.
ولست واثقاً من أنّ حديث ياسين وسليمان عن "ثغرات" الكتاب، في مقدمة طبعته الثانية التي صدرت سنة 1985، يشمل العجيلي والإدلبي، أحدهما أو كليهما؛ أم أنه إعادة نظر عامة تخصّ معظم، وربما جميع، الكتّاب موضع الدراسة (وهم كثر، للإيضاح المفيد). يكتب المؤلفان: "ثمة ثغرة أخرى في الكتاب وهي أن تركيزنا على الفكر الذي يطرحه الأديب في أعماله، والطبقة التي يمثلها، جعلنا لا نبرز بما فيه الكفاية المفعول التقدمي الذي ربما أحدثه العمل المدروس من خلال عرضه الصادق لواقع المجتمع ولظروف الفرد العربي (...) كذلك وبنفس السبب أهملنا بعض الشيء مسألة ثورية الشكل الأدبي وتأثيرها العكسي على المضمون".
والحال أنّ القصور هنا ليس فادحاً من حيث المنهج وأولويات التحليل واستسهال إخلال الموازين بين المضامين والأشكال، فحسب؛ بل ثمة جمود، أو تجميد عن سابق قصد، لذلك الجدل الهائل والحيوي والخلاق الذي تستولده طبائع التعارض بين مضمون ("رجعي" حسب تصنيفات الكتاب)، وشكل ("ثوري" أو "رفيع"، ضمن القياس إياه)، والحصيلة المزجية الخاصة التي تنجم عن تلك السيرورة. بهذا المعنى، أيضاً، ومتابعة لحديث الثغرة أعلاه، رأى المؤلفان أنّ "ثورية الشكل" في أدب زكريا تامر "تعارضت هنا مع متطلبات كلّ من الواقع الجماهيري والإبداع الفني، إذْ رأينا أنّ هذا الأدب الكوابيسي محدود الأفق، وأنّ الشكل السريالي يبعد هذا الأدب عن الجماهير العربية". ولعلّ التفصيل هذا كان، تحديداً، الأشدّ غبناً بحقّ أدب توجّب أن يُدرس في أبعاده كافة، وليس في بُعد أحادي انتقاصي بالضرورة؛ يساجل مثلاً بأنّ العجيلي في "فارس مدينة القنطرة" تجاهل "السبب الحقيقي لفقدان الأندلس"، أي "اهتراء النظام الإقطاعي العشائري (أو القبلي) الذي كان سائداً، وعدم قدرته على البقاء"!
جدل استحضار الماضي في أعمال العجيلي له ما له، وعليه ما عليه، غنيّ عن القول؛ ولكنه، في حصيلة اشتباك المضمون والشكل، حقل تصارُعٍ في المقام الأول، وليس إيحاءً بـ"نظرة ستاتيكية (سكونية) للتاريخ" كما يقول المؤلفان. يتأكد هذا أكثر حين يتضح أنّ الإحالات، بين ماضي الأندلس وحاضر الصهاينة والحكام العرب ومؤسساتهم العسكرية، لا تتقاطع إلا لكي تُحدث ما يشبه التوازي التناحري بين الأزمنة والأمكنة؛ كما أنها لا تشتبك في مهاد حكائية محايدة، بل ثمة الكثير من تنويعات السرد والضمائر والمشهديات. كذلك، في قراءة قصة "مذاق النعل"، يأخذ المؤلفان على العجيلي أنه يرى "التاريخ تاريخ حكام فقط، وليس تاريخ حركات جماهيرية، أو تاريخ طبقات وصراعات طبقية"؛ وفي هذا "فهم عتيق لا يناسب عصر حروب التحرير الشعبية، التي يهمها بالدرجة الأولى النظام الاجتماعي"!
بين 1975 و2006 جرت مياه كثيرة في أنهار الدنيا، ففي كتاب تكريمي بعنوان "الدكتور عبد السلام العجيلي جوهرة الفرات"، صدر في دمشق سنة 2006، سوف يكتب نبيل سليمان: "باتت لعبد السلام العجيلي مكانته الكبرى، مما جعل جان غولميه يقول فيه: ‘غوته وستندال وفلوبير أسماء أعلام في الأدب مشهورة، وعبد السلام العجيلي يستحق أن يُشبّه بأساتذة فنّ الرواية الكلاسيكية هؤلاء’ (...) فأثر العجيلي الذي انطلق منذ ستين سنة من دائرته الصغرى (الرقة)، سرعان ما دوّى في الكتابة وفي الحياة الثقافية والعامة في الفضاء السوري خاصة، وفي الفضاءين العربي والعالمي عامة".
وقد يصحّ النظر إلى خلاصات سليمان هذه بوصفها ردّ اعتبار متأخر، ولكنه مستحقّ، لقاء إجحاف سابق فادح.
12/8/2018


الخميس، 9 أغسطس 2018

لماذا الاستماتة الإسرائيلية في الإبقاء على الأسد؟

تولى رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثمّ وزير دفاعه أفيغدور ليبرمان، تذكير الغافلين (ومعظمهم لا يتغافل إلا عن سابق قصد) بأنّ العلاقات مع النظام السوري، أو آل الأسد على وجه التحديد، كانت وتظل على ما يرام: "لم تكن لدينا مشكلة مع نظام عائلة الأسد، فطوال 40 عاماً لم تطلق رصاصة في هضبة الجولان. والأمر المهم هو الحفاظ على حريتنا في العمل ضد أية جهة تعمل ضدنا"، قال نتنياهو، أواسط تموز (يوليو) الماضي، في اختتام زيارة حافلة إلى موسكو. ليبرمان، من جانبه، لم يغلق الباب أمام علاقات مستقبلية مع النظام، كمَنْ يتمنى لآل الأسد عمراً مديداً؛ مشدداً على أنّ "الجبهة السورية ستكون هادئة" مع استعادة الأسد​ "للحكم الكامل" في سوريا.
كان أمثال نتنياهو وليبرمان (أو الإعلامي والأكاديمي إيدي كوهين، الذي أعلن أنه "لا توجد أي دولة تريد إسقاط الأسد، حتى إسرائيل لن تسمح بإسقاطه لأنه يحمي حدودنا منذ 1967 ولن نجد أفضل منه في كل سوريا. سقوطه يهدد أمن إسرائيل القومي"؛ أو الصحافي الإسرائيلي المعروف زفي برعيل، الذي سار عنوان مقالته هكذا، ببساطة بليغة: "كيف أصبح الأسد حليف إسرائيل")؛ يعيدون التشديد على حقيقة ظلت مرئية منذ 51 سنة في الواقع، وليس 40 سنة كما احتسب نتنياهو: أنّ الناظم لعلاقات القوّة بين سوريا حزب البعث، بعد 1967، ودولة الاحتلال، كان حالة العداء في اللفظ والجعجعة فقط، مقابل والاستسلام الفعلي على الأرض؛ ولم يكن حالة اللاسلم واللاحرب كما شاع، بل حالة سلم الأمر الواقع؛ الذي حالت أسباب مركبة، داخلية وتخصّ نظام "الحركة التصحيحية"، دون التعاقد عليه في اتفاقيات علنية.
هنا وقائع التاريخ التي تشهد على تلك الحال:
ــ في 1967 أعلن الفريق حافظ الأسد، وزير الدفاع، سقوط مدينة القنيطرة، وعدد من أبرز مرتفعات الجولان، حتى قبل أن تطأها قدم جندي إسرائيلي محتل.
ــ 1973، وافق النظام على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، وكان بذلك يعترف عملياً وحقوقياً بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة ومن نظام الشرق الأوسط السياسي والجغرافي.
ــ 1974، في أعقاب توقيع "اتفاقية سعسع" وإدخال النظام الأممي حول الفصل بين القوات، لم تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تهدد صيغة "السلام التعاقدي" المبرمة تحت الخيمة الشهيرة.
ــ بعد 1976 أيّد النظام قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدعو إلى "ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة"، و"الاعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها".
ــ 1982، وافق النظام على مبادرة الملك فهد وخطّة الجامعة العربية التي اعترفت عملياً بحقّ إسرائيل في الوجود (مع الإشارة إلى أنّ ذلك الاعتراف لم يرضِ دولة الاحتلال آنذاك).
ــ 1991 أرسل النظام مندوباً إلى مؤتمر مدريد.
ــ 1994، أقامت واشنطن "قناة السفراء" بين سفير النظام وليد المعلم، والسفير الإسرائيلي إيتمار رابينوفتش. في السنة ذاتها عُقدت اجتماعات بين رئيس أركان جيش النظام، حكمت الشهابي؛ ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيهود باراك. في ما بعد سوف يقوم الدبلوماسيان الأمريكيان دنيس روس ومارتن إنديك بجولات مكوكية بين دمشق والقدس المحتلة، لمتابعة تفاهمات واشنطن.
ــ 1999، مفاوضات شبردزتاون، بين وزير خارجية النظام فاروق الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، برعاية أمريكية؛ في غمرة تركيز من النظام على ما سُمّي بـ"وديعة رابين".
ــ آذار (مارس) 2000، قبيل وفاته بنحو ثلاثة أشهر، اجتماع الأسد الأب مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في جنيف.
ــ 2004، تقارير عن مفاوضات سرية، غير مباشرة، يتولاها الدبلوماسي الأمريكي جيفري أهرونسون ورجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان.
ــ 2008، سلسلة من جولات التفاوض السرية، برعاية تركية.
لماذا، والحال هذه، فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاقية سلام؟
بعض الإجابة يرتد إلى سبب جوهري حكم تفكير الأسد الأب منذ مقتل باسل، ابنه والوريث المفضّل غير المتوّج، واضطراره إلى تعديل برنامج التوريث ونقله إلى بشار، وسط سباق محموم مع الزمن انطوى على عامل الصراع ضد سلسلة أمراض فتاكة لم تكن تمهل الأسد الأب وقتاً كافياً للطبخ على نيران هادئة. وهكذا توجّب الحسم حول واحد من خيارين، كلاهما حمّال مجازفات ومخاطر: 1) عقد اتفاقية سلام مستعجلة مع دولة الاحتلال، في حياة الأسد الأب، لن تجلب للنظام ما يحتاجه من مكاسب وضمانات لقاء هكذا خيار ستراتيجي؛ و2) التفرّغ، بدل ذلك، للمهمة الأكثر إلحاحاً وضرورة، أي ترتيب البيت الداخلي على أفضل وجه ممكن يتيح وراثة سلسة أمام فتى غير مجرّب، وسط غابة من ذئاب النظام وضباعه.
في الإطار الأعرض، الذي اتضح أكثر في ناظر الأسد الأب بعد لقاء جنيف مع كلنتون، بدا أنّ "وديعة رابين" ليست سوى رسالة غير مكتوبة حملها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، غير مُلزمة للجانب الإسرائيلي؛ ولكنّ الأسد الأب تلكأ في اغتنام تلك الفرصة، ثمّ عاد إلى التشبث بها بعد أن حمّلها أكثر مما تحتمل من أثر في أقنية التفاوض. كذلك لوّح الإسرائيليون بنفض الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، للمساجلة بأنّ القوّات السورية احتلت بالقوّة أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، واحتفظت بها حتى العام 1967 حين "حرّرتها" القوّات الإسرائيلية. وإذا كانت سورية تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، فلماذا لا يحقّ لدولة الاحتلال أن تزعم شرعية السيادة على الأراضي ذاتها التي احتفظـــت بها طيلة 32 سنة، أي منذ عام 1967؟
وفي خلاصة القول، ما الذي يجبر دولة الاحتلال على عقد أية اتفاقية سلام مع آل الأسد، والنظام في وضعه الراهن محض تابعية متشرذمة بين موسكو وطهران، وسلاح الجوّ الإسرائيلي يسرح ويمرح متى شاء وحيثما شاء في عمق الأراضي السورية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات الضامن شخصياً لأمن الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وعناصر الجيش الروسي شاركت في إعادة إحياء اتفاقية فصل القوات في الجولان بالرغم من وضوح بنود الاتفاقية التي تحظر على جيوش الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن المشاركة في أية مهامّ هناك...؟ لا شيء، بالطبع، بل لعلّ من الحماقة الطوعية أن يفكر أيّ مسؤول إسرائيلي في إقامة أيّ تعاقد مع هكذا نظام، ما دام تعاقد الأمر الواقع هو السيد والفاعل.
هذا إذا وضع المرء جانباً حقائق علاقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع نظام "الحركة التصحيحية"، في سياقات عربية عريضة أولاً (مثل انضمام جيش النظام إلى تحالف "عاصفة الصحراء"، أو تطويع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية)؛ أو في سياق الموقف من دولة الاحتلال والحقوق الفلسطينية. وبهذا المعنى فإنّ لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قرص أذني الأسد، أو حتى وصفه بـ"الحيوان"، ليس سوى سمة السطح في تراث طويل من الرضا الأمريكي عن النظام، والتصديق على خيار آخر ثمين لدى إدارات البيت الأبيض هو الرضا الإسرائيلي عن النظام.
فأيّ عجب في أن تستميت دولة الاحتلال دفاعاً عن آل الأسد، وأن تجد في نظامهم الراهن الحارس الأشدّ يقظة على مصالحها في الجولان المحتل، وفي... سائر سوريا؟

غموض محمود درويش

في مستهل كتابه "لماذا الشعر"، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات هاربر كولنز في نيويورك، يلجأ الشاعر وأستاذ الأدب الأمريكي ماثيو زابرودر إلى تدوين ثلاثة اقتباسات: من والت ويتمان ("مُرّ بي هذا النهار وهذه الليلة، ولسوف تستحوذ على أصل جميع القصائد")؛ ومحمود درويش ("أقصى الوضوح هو الغموض")؛ وفرجينيا وولف ("الشاعر معاصرنا دائماً"). ولسوف يعود، على امتداد فصول الكتاب الـ13، إلى الأسباب التي جعلته يختار آراء شاعر أمريكي وشاعر فلسطيني وروائية بريطانية لتصدير كتاب يساجل، في مقولته المركزية، حول سلسلة العناصر الفنية والاجتماعية والسياسية المقترنة بالشعر، والتي لا تجعل منه فناً ضرورياً فحسب؛ بل تشكّل، في الآن ذاته، ولدى شرائح واسعة من القرّاء، عائقاً أمام حُسن استقباله وتذوّقه.
لا يشير زابرودر إلى المصدر الأصلي لعبارة درويش، وما إذا كانت شعراً في قصيدة أم نثراً في مقالة أو حوار؛ ولهذا فمن الخير الإيضاح هنا أنّ الاقتباس يعود إلى قصيدة "مأساة النرجس ملهاة الفضة"، في مجموعة "أرى ما أريد"، 1990؛ وهي قصيدة طويلة متصلة، تستعيد أطوار تاريخية متشابكة تتقاطع خلالها رموز روما وصور وقرطاج وطروادة وسومر ودمشق والأندلس والساحل السوري؛ كما تتباين أطوال سطورها بين القصير والمتوسط والفقرة المدوّرة، وتتنوّع تشكيلاتها الإيقاعية أسوة بأنظمة التقفية المألوفة والداخلية. وقرابة نهاية الثلث الأوّل من القصيدة، يقول درويش:

هل نستطيع تناسخ الإبداع من جلجامش المحروم من عشب الخلودِ
ومن أثينا بعد ذلك؟ أين نحن الآن! للرومان أن يجدوا وجودي
في الرخامِ، وأن يعيدوا نقطة الدنيا إلى روما، وأن يلدوا جدودي
من تفوُّقِ سيفهم.
لكنّ فينا من أثينا
ما يجعل البحر القديم نشيدَنا
ونشيدُنا حجر يحكّ الشمس فينا
حجر يشعّ غموضَنا. أقصى الوضوح هو الغموضُ،
فكيف ندرك ما نسينا؟

وفي فصل بعنوان "معنى الحلم" يعود زابرودر إلى التعليق على عبارة درويش، ضمن سياق الحديث عن "الوضوح" بصفته صانع عناصر القصيدة؛ أي "تلك الأشياء التي تربطنا كقرّاء مع القصيدة. غموض القصيدة هو سبيل تلك الأشياء في التحوّل إلى تجربة لم تُعرف بعد، وإلى امتداد للوعي، في قلب الأسرار والتناقضات التي تتكاثر دائماً في حيواتنا".  وهو قرأ القصيدة، بترجمة فادي جودة إلى الإنكليزية، والأرجح أنه انشدّ إلى هذا الجانب الخاصّ، الطاغي عليها مع ذلك: الغموض الذي تستولده مستويات وضوح قصوى، وتشترك في تجسيده (أو إغماض معانيه، عن سابق قصد دلالي وفنّي، إذا جاز التعبير) مهارات تسخير اللغة والرمز والأسطورة، ابتداءً من عنوان القصيدة ذاته في الواقع.
هذه خلاصاتي الشخصية، كي لا تُنسب إلى زابرودر، الذي يكتفي باقتباس عبارة درويش من باب تمكين فكرته المركزية عن الغموض، وكذلك على سبيل بلوغ درجة عليا من التكامل بين ويتمان ودرويش وولف. وأجدني هنا أعود إلى فقرة ثمينة حول الغموض، جاءت في مقدّمة الراحل للمختارات الشعرية التي صدرت سنة 2000 بالفرنسية تحت عنوان La terre nous est étroite et autres poèmes، "تضيق بنا الأرض". كتب درويش: "ليس الغموض هدف الشاعر. لكنه ينتج عن التوتر بين حركة القصيدة وما يحركها من فكر، وعن التوتر بين حالتها النثرية وحالتها الإيقاعية. وهذا الغموض الشبيه بإيماءات الظلال، هو أحد أشكال صراع اللغة الشعرية مع الواقع الذي لم يعد الشعر مشغولاً بوصفه، بل بالنفاذ إلى جوهره، وبصراع اللغة مع مرجعياتها. ولعلّ هذا النوع من الغموض هو الفضاء المفتوح لدور القارئ في منح القصيدة حياةً ثانية، إذْ يوفّر لها دوراً إبداعياً في القراءة والتأويل، بدلاً من تلقي الرسالة كاملة نهائية. فليس هذا الغموض نقيض الوضوح، بل نقيض الوضوح التعليمي الذي يترك القارئ عاطلاً عن العمل".
والراحل، الذي امتلك معارف نقدية عميقة وترك تنظيرات رفيعة حول الشعر والشعرية، أوجز في هذه الفقرة ــ على مألوف عادته، ونثره المثقف الفريد، حين يجنح إلى التأمل النقدي ــ جوهر ذلك الوضوح الأقصى الذي يُنتج الغموض في القصيدة؛ خاصة وأنّ درويش رأى، منذ "ورد أقلّ" على نحو خاصّ، أنّ "اللغة في الشعر ليست وسيلة أو أداة فقط لنقل المعنى، والمعنى في الشعر ليس سابقاً لبنية القصيدة".
وعلى أعتاب الذكرى العاشرة لرحيله، ثمة الكثير الذي يتوجب تلمّسه في إيماءات الظلال، خلف تجربة شعرية فذّة ظلّ صاحبها يتعلم "المشي العسير على الطريق الطويل إلى قصيدتي التي لم أكتبها بعد". 
5/8/2018

غسان كنفاني وسجالات الستينيات

في أواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات من القرن الماضي، كان غسان كنفاني (1936 ـ 1972)، الروائي والقاصّ والصحافي والناشط السياسي الفلسطيني التي تحلّ ذكرى استشهاده هذه الأيام، يغطي من دمشق وبيروت أنشطة ثقافية مختلفة، ينشرها في دوريات سورية ولبنانية. كما شارك في نقاشات نظرية تحت عناوين مثل "الحرب الطبقية والتقدم الاشتراكي"، و"السلوك العقائدي والقضية العربية"، و"قوى الثورة العربية"... من موقعه العقائدي في حركة القوميين العرب.
ولعلّ المثال الصالح لإلقاء الضوء على ذلك المسار، تحديداً، كان ردّ كنفاني على رئيف خوري؛ بصدد قضية بوريس باسترناك وفوزه بجائزة نوبل للأدب، عام 1958، على خلفية روايته الإشكالية "دكتور جيفاغو". ففي مجلة "الآداب" اللبنانية، العدد 2، شباط (فبراير) 1959، كتب خوري مقالة بعنوان "في قضية الدكتور جيفاغو"؛ اعترف فيها، أوّلاً، أنه لم يقرأ الرواية ولكن قرأ شعر باسترناك مترجماً إلى الإنكليزية، ورأى أنه "شعر لا يوحي بأنّ باسترناك أديب في مستوى جائزة نوبل على نحو ما نتصور مستوى هذه الجائزة. وقد يكون أنّ الترجمة نالت من روعة شعره. وقد يكون أنّ باسترناك كاتب روائي أكبر منه شاعراً". لهذا يميل خوري إلى الاعتقاد بأنّ الكتاب "لم يمنح الجائزة إلا للون من ألوان الدعاوة السياسية"، ويعتبر أنّ "من حقّ أي أديب سوفياتي، أو غير سوفياتي، أن يناقش باسترناك ويأخذ عليه المآخذ فيما يتعلق بمسؤولية الأديب". لكنه، في المقابل، يسجّل هذا الموقف: "أمّا أن يطلب الأدباء السوفياتيون من الدولة أن تجرد باسترناك من جنسيته وتخرجه من وطنه، فهذا ما لم نفهمه ولم نقرّه! ففي ميدان الخلاف الأدبي تتصادم الأفكار، وتعترك الأقلام، وهذا من الحرية في الصميم، بل هو شرط أساسي لجلاء الحقيقة".
في العدد الثالث من المجلة، ردّ على خوري كلّ من عبد الله عبد الدايم ومحمد كشلي وباسم عبد الحميد حمودي؛ وفي العدد الخامس دخل كنفاني على خطّ النقاش، مبتدئاً من اتهام قاسٍ: "إنني مضطر للقول إنّ رئيف الخوري قد اتخذ موقفه من ‘الدكتور جيفاغو’ سلفاً، ويستطيع أي قارئ أن يحس جهد الأستاذ الخوري في البحث عن نقاط الضعف لمجرد أنه يريد ‘إهانة’ القصة (...) ولو كان مقال الأستاذ الخوري أطول قليلاً لقادنا في أغلب الظن لانتقاد ‘حياة باسترناك العائلية’ و’علاقته مع زوجته’ ـ كما فعل بعض من عالج مستوى القصة الفني ـ في سبيل أن يقول إن ‘الدكتور جيفاغو’ قصة فاشلة!". ويمضي كنفاني أبعد، فيضيف: "إن القارئ يستنتج من مقال الأستاذ الخوري أنه يريد من باسترناك أن يكون صورة طبق الأصل عن كافة الأدباء الذين مجدوا النظام ومثلوا دور ‘الطائع النموذجي’ ويستنكر هذا النشاز في ‘السيمفونية’ الاشتراكية الكبرى".
واضح، بالطبع، أنّ كنفاني (وكان يومئذ في الثالثة والعشرين من عمره، للتذكير) يمزج في هذا الردّ بين ثلاثة عناصر: إعلان الاختلاف، والتهكم (وله الحقّ في الخيارين)، وتقويل خوري ما لم يقله البتة (وذاك منزلق في السجال غير مستحبّ). الواضح أكثر، وليس بين السطور فقط، أنّ كنفاني يسلّح خلافه (الأدبي) مع رأي خوري في أدب باسترناك، بخلاف آخر (سياسي وعقائدي) مع ناقد "كاد يطلب من باسترناك أن يتبنى نظرة الحزب الشيوعي لثورة أكتوبر، ويؤلف قصته ‘الدكتور جيفاغو’ حسب ‘العمود’ الماركسي المقرر". لم يكن خوري قد ذهب هذا المذهب، غنيّ عن القول، ورغم انحيازه الصريح إلى "ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى"، فقد كتب بجلاء أنّ ثورة كهذه "لن يضيرها أن يستعمل أديب كباسترناك أو غيره، حرّيته الجزئية، ليعرّض بثورة أكتوبر، مخطئاً أو مصيباً، في رواية يكتبها".
في ميدان ثقافي آخر، نشرت شهرية "المعرفة" السورية، في العدد 8، آب (أغسطس) 1962، تعليقاً من كنفاني على مسرحية الرحابنة "جسر القمر"؛ كان إيجابياً بصفة عامة، لكنه انتهى بملاحظات ناقدة، سوف تبدو مفاجئة من أديب سيتخذ مسارات تجديدية وحداثية لا تخفى، خاصة في قراءته لمشهد الشعر في الداخل الفلسطيني. على سبيل المثال، اعتبر كنفاني أنّ في بعض مقاطع المسرحية "مسحة من النثر، ومن الطبيعي أنّ ذلك يتضح بعنف في مهرجان فولكلوري مثل مهرجان بعلبك، فمن المعروف أنّ الوزن والإيقاع الغنائي هما كنز فولكلوري كبير، وأنه من الصعب أن نخلق فولكلوراً دون الاهتمام بالإيقاع التاريخي الذي يعطيه هذه الصفة". المدهش أنّ "النثرية" التي أشار إليها كنفاني كانت هذه: "يا شيخ المشايخ/ رح قلك هالكلمي/ صوت المعول أحلى/ من رنين السيف/ والرضى أحلى من الزعل/ والكلام كنز الكنوز"!
وهكذا فإنّ تلك الحقبة من حياة كنفاني جديرة بدراسة معمقة، لا تضع في الحسبان تطوّر مهاراته النقدية، وميادين إنضاج ذائقته الجمالية، فحسب؛ بل تُدرج، كذلك، المسار الفكري والإيديولوجي الذي سوف يقرّبه أكثر من يسار ستعتمده "الجبهة الشعبية" لاحقاً، بتأثيرات جورج حبش أوّلاً، وهو اليسار ذاته الذي سوف يبعده منطقياً عن الانحيازات القومية التي طبعت أفكاره وتأملاته المبكرة. والتعمق يليق، دائماً، بالنقلات الفريدة التي اتخذتها مسارات حياة الشهيد الكبير.
15/7/2018