وعزّ الشرق أوّله دمشق

السبت، 20 أكتوبر 2018

فلسطين التي أرسلتنا إلى الجولان

على ظهر خريطة شاملة للجولان السوري المحتل، أعدها د. نزيه بريك ونشرها "المرصد ــ المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان"؛ نقرأ معلومات مكثفة، في بضعة سطور، عن واقع الهضبة المحتلة، إنسانياً وجغرافياً وسياسياً وحقوقياً. احتلال الكيان الصهيوني للجولان، في حرب 1967، أسفر عن طرد نحو 130 ألف نسمة، وتدمير مساكنهم في 340 مزرعة وقرية وبلدة، بالإضافة إلى مدينة القنيطرة عاصمة الجولان. واليوم، يقع تحت الاحتلال قرابة 25 ألف نسمة، يتوزعون على خمس قرى، هي مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية، والغجر؛ في مقابل 33 مستوطنة زراعية أقامها الاحتلال، تستوعب 23 ألف مستوطن.
إلى هذا الجولان ذهبنا، الصديق المؤرخ والناشر فاروق مردم بك وأنا، في ما يشبه الحجّ إلى فلذات من كبد سوريا لم يكن للاحتلال الإسرائيلي أن يقتطعها ــ بتلك السهولة الصاعقة، والتفوّق العسكري المذهل ــ لولا أنّ معظم تلالها المنيعة وهضابها الحصينة سُلّمت تسليماً تحت "قيادة" حافظ الأسد، وزير الدفاع يومذاك. ولم نكن قد رصدنا لهذا الحجّ أية شعائر خاصة، غير تلك التي تتيح لنا أن نختزن في الأبصار ما يُتاح لنا من سماءات جولانية، وأن نملأ الرئات من شميم الأرض والحجر والنبات، وأن نعانق أهلنا هناك حيثما ثقفناهم؛ خاصة في مجدل شمس، درّة الجولان المحتل، التي وصلناها مع انتثار خيوط الفجر الأولى، حين كان بهاؤها البصري الأخاذ يستفيق لتوّه.
كنت شخصياً، خلال عملي مع الأمم المتحدة أواخر سبعينيات القرن الماضي، قد خبرت الجولان من الجانب السوري؛ وتسنى لي أن أزور القنيطرة الشهيدة، عاصمة الجولان التي تعمّد النظام إبقاءها كما خلّفها جيش الكيان الصهيوني عند انسحابه منها بموجب اتفاقية سعسع: محض خرائب وأطلال شاهدة على وحشيتين، الاحتلال الإسرائيلي والاستهانة الأسدية. تعرفت، عيانياً أو بمجرد النظر، على جغرافية الجولان كاملة، من نبع الفوار وخان أرنبة ومزرعة بيت جن، إلى الرفيد وتل الفرس وتل أبو الندى وجبل الشيخ وبير عجم والجوخدار... ثم عدت وأبصرتها، من جهة الاحتلال هذه المرّة، حيث تحوّلت الأماكن إلى مستوطنات تارة، أو مواقع ترويح يزورها السائح للتنعّم بأمجاد "لواء غولاني" الإسرائيلي (في تلّ الفخار، مثلاً، الرمز الأقسى لتسليم الجولان عسكرياً).
ولقد سبق لي أن وصفت "لقاء العائلات"، الذي كانت تنظمه قوات الفصل والصليب الأحمر الدولي على تخوم مجدل شمس، ويتيح لأبناء البلدة المحتلة أن يتخاطبوا، عبر مكبرات الصوت اليدوية، مع أهلهم وأصدقائهم المحتشدين على  الضفة الثانية المواجهة في الأرض السورية. اليوم اختلفت الحال، وصارت السياجات الشائكة أعلى، واتخذ التواصل مسارات مختلفة؛ إلى درجة أنّ مفتي النظام، أحمد بدر حسون، جاء للتظاهر في موقع عين التينة مقابل مجدل شمس، إحياءً للذكرى الخامسة والأربعين لحرب تشرين و... تحرير الجولان! ولم تكن زيارة المفتي منفصلة عن تيار مشيخي في مجدل شمس والقرى الجولانية المحتلة الأخرى، يواصل الولاء لنظام الأسد، ويُحسن توظيف فظائع "داعش" في محافظة السويداء بهدف حرف التوجه الوطني لشرائح واسعة من أبناء الجولان الرافضين للاحتلالَين معاً، الإسرائيلي والأسدي.
وإلى جانب أبعاده الإنسانية والوجدانية والعاطفية، في نفوسنا نحن الزائرين كما في نفوس أبناء وطننا تحت الاحتلال، اتخذ الحجّ صفة سياسية لم نخطط لها أصلاً وشاءتها المصادفة؛ إذْ يستعد الكيان الصهيوني لإجراء انتخابات مجالس محلية، تشمل قرى الجولان المحتلة أيضاً، وتثير نقاشاً ساخناً حول المشاركة مقابل المقاطعة. ولعلّ اقتباس سطور من وجهة نظر الصديق حسان شمس، ابن المجدل، تكفي هنا لإيضاح المشهد (الذي مثّله أيضاً، بجلاء قاطع وصلب، أصدقاؤنا الجولانيون الذين التقينا بهم: ياسر خنجر وعلاء الصفدي ووائل طربيه وعاطف الصفدي ومجدولين الصفدي وأيمن أبو جبل...): "ما يميّز وجودنا، نحن أهالي الجولان المحتل، أننا نستطيع رفض الاندماج بـ’السيستم’ الإسرائيلي والبقاء أحياء متمتعين بكرامتنا وقادرين على المحافظة على مستوى عيشنا، بخلاف وطننا المحكوم مِن قِبَل عصابة إرهابية عميلة قذرة، كانت ستخيّرنا بين القبور والمعتقلات والمنافي لو ارتأينا ممارسة حقّنا ولو في حدّ أدنى مِن الاختلاف معها (...) المسألة هنا أبعد مِن الانخراط في انتخابات مطعون في 'شرفها الديموقراطي' مِن أساسها، كونها تتيح حق الترشّح لرئاسة المجالس المحلية فقط لمن يحملون الجنسية الإسرائيلية، الذين لا يتجاوزون 12% مِن مجموع سكان الهضبة المحتلة".
ولقد اتضح سربعاً أنّ زيارتنا راكمت رصيداً وطنياً مشتركاً، لنا أوّلاً نحن الآتين من منافينا القصية، ولهم هناك حيث يطوّرون ما هو أبعد من الصمود والوجود والبقاء؛ ليس دون احتشاد الفوارق الرمزية، التي لا تبدأ من صورة فوتوغرافية في غبش الفجر على ضفاف بحيرة طبرية، ولا تنتهي عند سلال التفاح الجولاني الذي أصرّ العمّ بو زياد مداح أن نحملها معنا إلى باريس! كنّا قد أتينا إلى فلسطين، بدعوة كريمة من مؤسسة محمود درويش، لنحتفي بصديقنا في الذكرى العاشرة لرحيله؛ لكنّ فلسطين أبت إلا أن تكون أكثر سخاء، فأرسلتنا إلى أهلنا هناك؛ مفعمَين، بصراً وبصيرة، بتلك الأيقونة الأخرى الموازية، التي كانت تسمى سوريا، وصارت تسمى سوريا! 
 14/10/2018

مفاجآت إبراهيم الجرادي

قصيدة "شطحات البسطامي ـ رؤية لعام 1971"، للشاعر السوري إبراهيم الجرادي (1951 ــ 2018)، المؤرخة في سنة 1970 حين لم يكن صاحبها قد بلغ سنّ العشرين؛ كانت، عندما تيسّر لي أن أقرأها للمرة الأولى في مجلة "الآداب" اللبنانية، كاشفاً مدهشاً عن سريرة شعرية شابة، حارّة ودافقة ومتوازنة العناصر، بقدر ما هي حرّة ومغامِرة وحمّالة وعود. وإذْ أعود اليوم إلى القصيدة، وقد ردّني إليها الرحيل الفاجع للصديق الجرادي قبل أيام، بعد مدّ وجزر مع المرض العضال إياه؛ أدرك مجدداً أنّ أوّل مظاهر النضج الفارق الذي أعلنته القصيدة، كان قد تمثّل في المتانة الإيقاعية للشكل التفعيلي الذي استقرّ عليه الشاعر، وكيف تحكّم هذا الخيار في معمار القصيدة من حيث توزّعها على فقرات، وسطور عالية التراصّ، وتقفية رنانة تتوخى التحدي واستعراض البراعة وإظهار التمكن.
مظهر النضج الثاني كان اختيار البسطامي غطاء للقصيدة، بما يوحي أنها تستعيد بعض شطحات الصوفي ابن القرن الثالث الهجري، حول وحدة الوجود وإعلاء الذات البشرية بصفة خاصة؛ ثمّ توظيف هذا الغطاء لبناء مناخات مركبة تمزج بين التمرّد والعلوّ والتحدي والاغتراب البطولي والفوضى، أقرب إلى نيتشه في الواقع، منها إلى أيّ تصوّف أو متصوفة. ليس دون إقحام الملمح السياسي، وإنْ على نحو مقنّع أو مموّه، قوامه استدعاء أماكن مثل البيت والقدس وسيناء، وافتراض ضمير مخاطب خصم. وأمّا اللغة فقد اتخذت معجماً نارياً، إذا جاز القول، يشعل دلالات السطح والعمق في مستويات المعنى على حدّ سواء، ويجعل ارتطام الفصحى المعلنة بالعامية المبطنة معادلة موفقة؛ رغم مسحة التكلّف التي بدت في تحوير كتابة بعض المفردات والتعابير ("وجوههمو"، مثلاً)، بهدف منحها هيئة بلاغية أكثر فصاحة:
فحسبي آهِ من نفسي
ولكني سأرميهمْ.. حجارةُ حقدي السجيلْ
.. أبابيلاً أشيل الخيل والراياتْ
سأصْليهمْ، وأجعل وهجهم كالليلْ
وأرسم في وجوههمو حكايا الويلْ
وأقذفهم.. أنا الطوفانُ
ماذا بعد هذا القحط
    ماذا بعد
غير السيلْ؟
مفاجأة الجرادي الثانية سوف تتمثل في ابتكار مصطلح "الريبورتاج الشعري"، واعتماده في توصيف قصيدته "دع الموتى يدفنون موتاهم"، ثمّ مجموعته "رجل يستحمّ بامرأة"؛ وكان السبّاق في هذا على صعيد المشهد الشعري السوري في أقل تقدير، إذا لم أكن مخطئاً. وكان الراحل يعتقد، كما أوضح لاحقاً، أنّ هذا الخيار (الذي يشمل المحتوى والشكل معاً، غنيّ عن القول) يهدف إلى "تحطيم الشكل الشعري المتوارث، وخلخلة قيم التجنيس، وإلغاء الفوارق بين أشكال التعبير في إطار مسميات ترفع عن كاهل صاحبها أمر الالتزام بقواعد الأجناس التي أصبحت متوناً جمالية، وأشكالاً مستقرة نسبياً، مثلما أصبح لاستقبالها ونقدها مرتكزات وأعرافاً، ولتذوقها مقاييس ومفاتيح موروثة ومكتسبة". لكن الريبورتاج الشعري لم يكن هذا فقط، أو بالأحرى لم ينتهِ إلى إنجاز كلّ هذا في نهاية المطاف، لكنه حرّك الكثير من المستنقعات الراكدة في المشهد؛ وذلك رغم أنّ الحراك كان على أشدّه بين مجايلي الجرادي، أمثال بندر عبد الحميد ومنذر المصري ورياض الصالح الحسين ودعد حداد وعادل محمود ومحمد مصطفى درويش...
المفاجأة الثالثة لم تغادر منطقة استفزاز القراءة من حيث المضامين والأشكال، ولكنها ذهبت أكثر نحو سلسلة ألعاب طباعية تستكمل معطيات الريبورتاج؛ في أنها، على سبيل الأمثلة فقط، تستخدم البياضات والكادرات والهوامش وتبديل أحجام الحروف، فضلاً عن إدراج رسوم يُراد لها ألا تكون تزيينية على جري العادة (مجموعة "أجزاء إبراهيم خليل الجرادي المبعثرة ــ قصائد وهموم"، مثلاً، تضمّ رسومات من مصطفى الحلاج وبشار العيسى). ويصعب، هنا، ضرب أمثلة على الشطر الشكلي والطباعي من مغامرة "القصيدة التشكيلية" تلك؛ لكنها، في ما يخصّ الموضوعات، سعت إلى افتراق جمالي مع الموروث، حتى ذاك الذي جسّده شعراء حداثيون سوريون أمثال علي الجندي وممدوح عدوان ومحمود السيد، وحاولت اجتراح "توازن بين النصّ ومحنة صاحبه وزمنه"، وانفتحت على "دلالات جديدة تؤسس لعلاقات لغوية"، في "إطار أنساق بنائية جديدة"، كما سيعبّر الجرادي.
مفاجآت الجرادي هذه، وسواها، كانت بمثابة ثورات مصغّرة، تُحتسب له وحده في الواقع، ولكنها لا تنفصل عن مشاركته المعمقة في ما شهدته سوريا عقد السبعينيات، بصفة خاصة، من تحولات كبرى في السياسة والاجتماع والاقتصاد، ثمّ الثقافة استطراداً. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 قام حافظ الأسد بانقلابه العسكري الذي سوف يدشّن أطوار الاستبداد والفساد والسلطة العائلية الوراثية الأبشع في تاريخ البلد. وفي سنة 1972 سوف ينقسم الحزب الشيوعي السوري، الذي انتمى إليه الجرادي وباسمه ابتُعث إلى موسكو للدراسة، فلا يتردد الراحل في الثورة على عبادة الفرد وهجاء شخص خالد بكداش. وفي سوريا أواسط السبعينيات وبعد عودته من موسكو، سوف ينقل الجرادي بعض أعمق ما جادت به الشكلانية الروسية من تنظيرات باهرة حول الشعر واللغة. وفي غمرة هذا كله، وقبل أن يضطره شرط الاستبداد إلى مغادرة سوريا للتدريس في اليمن، ظلّ الجرادي أحد أخلص أبناء مدينة الرقة، صحبة مواطنه وشريكه الشاعر والروائي إبراهيم الخليل، وأحد أجمل ممثلي ذلك الجيل اللامع النبيل.
 30/9/2018

إدلب: حرب واحدة واشتباكات اربعة


يقدّر بانوس مومتزيس، منسّق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية حول "الأزمة السورية"، أنّ ما لا يقلّ عن 1,2 مليون نسمة، من أصل 2,5 إلى مليون من سكان محافظة إدلب اليوم، هم من فئة المبعدين عن أماكن إقامتهم الأصلية، أو النازحين داخلياً؛ هذا دون احتساب آلاف المقاتلين المنفيين من مناطق "خفض التصعيد" المختلفة، أو اللاجئين إليها، وعائلاتهم التي تضمّ الآلاف من النساء والأطفال.
من جانب آخر، تشير تقديرات منظمة ReliefWeb إلى أنّ نسبة 68% من سكان إدلب الحاليين وفدوا إليها من حماة (22%)، وحلب (21%)، وحمص (5%)، ودير الزور (4%)، وريف دمشق (4%)، ومناطق أخرى (28%)؛ فضلاً عن الـ14% من سكان المحافظة الأصليين. في عبارة أخرى، يجوز الافتراض بأنّ إدلب الراهنة، أو على الأقلّ الشرائح المدنية من سكانها وهم الأغلبية الساحقة، باتت أقرب إلى عيّنة عالية التمثيل لقطاع واسع من الاجتماع السوري في الأطوار الأخيرة من عمر الانتفاضة الشعبية، وتحديداً بعد التدخل الروسي وانقلاب الموازين العسكرية لصالح حلفاء النظام واتفاقيات أستانة وسوشي حول مناطق خفض التصعيد.
وهو افتراض يتيح قراءة الحراك الشعبي الذي أخذ ينتظم في كامل مناطق المحافظة، وتتجلى أهمّ عناصره في التظاهرات الشعبية الحاشدة، واستعادة الشعارات السياسية التي طبعت الأشهر الأولى بعد اندلاع الانتفاضة سنة 2011، وعودة التشديد على ضبط العلاقة بين المدنيّ والعسكري في قلب الحراك (كما في لافتة متميزة تذكّر الثاني بأنه اليوم في حماية الأول، وليس العكس!)، والإلحاح على استحداث صِيَغ للإدارة المدنية وتنظيم الحياة اليومية وفق حاجات المواطن. ولعلّ غلبة أعلام الانتفاضة على الأعلام الفصائلية، خاصة السوداء والجهادية منها، هي في طليعة المؤشرات السياسية الفارقة. لكنّ الإرادة الشعبية الداخلية، التي عبّرت وتواصل التعبير عنها التظاهرات، شيء؛ والمعادلة الإقليمية والدولية التي تحكم المشهد الإدلبي، ثمّ السوري استطراداً، شيء آخر أشدّ تعقيداً وتشابكاً من أن تُبقي الحراك على سجيته المنظورة، أو تسمح بتطويره إلى حال متقدمة تعيق ما يُخطط للمحافظة، ثمّ للبلد بأسره.
ولهذا فإنّ من السذاجة، الضارّة أو حتى القاتلة، الافتراض بأنّ الاتفاق، الذي توصل إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، سوف يتجسد على الأرض في إجراءات تكفل إنقاذ إدلب مما كان ينتظرها من شرّ مستطير؛ أو أنّ المنطقة منزوعة السلاح سوف تبقى زمناً طويلاً في حال من السكينة العسكرية، تمكّن قوى الحراك الشعبي من الإمساك بزمام مبادرة ما، من أيّ نوع ذي وزن سياسي وجماهيري؛ أو أنّ "تحرير الشام" سوف تكتفي بالتقهقر مع أسلحتها الثقيلة إلى أمدية لا تطال كنسبا وعين القنطرة وعشرات القرى والبلدات ذات الأغلبية السكانية العلوية في سهل الغاب وجبال اللاذقية...
كذلك، والأهمّ ربما، أنّ الأطراف الإقليمية (تركيا وإيران)، والدولية (روسيا والولايات المتحدة) لن تتخلى عن الحصص التي تمثلها إدلب في ميزان التقاسم الوظيفي للملفّ السوري: لن تتوقف أنقرة عن استثمار الحال في التمدد عبر "درع الفرات" نحو مزيد من الضغط على الكرد، وابتزاز أوروبا عبر التلويح بكابوس موجات اللجوء؛ ولن  تنتظر إيران طويلاً، بعد تشرين الثاني (نوفمبر)، حين تدخل العقوبات الأمريكية مرحلتها الثانية، قبل أن تشرع في تسخين الجبهات جنوب وغرب إدلب؛ ولن تتأخر موسكو في اختبار معطيات الأرض ما بعد نزع السلاح وإخلاء الجهاديين، وفي مطالبة تركيا بالانتقال من موقع الوسيط والضامن إلى دور الشرطي التنفيذي على الأرض؛ وأما واشنطن فإنها لم تعتمد ستراتيجية انغماس في الملفّ، أو تكتيك خروج منه، خاصة وأنها تتقاسم مع دولة الاحتلال الإسرائيلي نظرية الإبقاء على بشار الأسد، عارياً من أيّ درع واقٍ إيراني.
أربعة اشتباكات ضارية تتشعب وتتقاطع، سياسياً وعسكرياً، فلا يخمد لهيبها إلا لكي يشتعل مجدداً؛ في حرب واحدة مفتوحة ضدّ الشعب السوري.
 22/9/2018

النظام السوري في محكمة الحريري


القفص الخالي من المتهمين، في قاعة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أنشأتها الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن الدولي لمحاكمة المسؤولين عن جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري و22 آخرين، يوم 14 شباط (فبراير) 2005؛ ليس القيمة الرمزية الوحيدة التي تصنع مبتدأ (وقريباً: منتهى) هذه المحكمة العجيبة. ثمة، بادئ ذي بدء، عدد المتهمين بالتورط، الذين تمّ إطلاق سراحهم بعد احتجاز؛ أي اللواء جميل السيد (الذي بات اليوم، نائباً ينطق باسم الشعب اللبناني في دائرته الانتخابية)، والعميد الركن ريمون عازار، واللواء علي الحاج، العميد مصطفى حمدان. وثمة، تالياً، واقع المتهمين بالتنفيذ المباشر، في مستويات متنوعة؛ أي مصطفى بدر الدين (الذي قُتل في سوريا لاحقاً، "مجاهداً" باسم "حزب الله" اللبناني)، وسليم عياش، وحسين العنيسي، وأسعد صبرا، وحسن حبيب مرعي.
وفي حديث الأشخاص، دائماً، كان اللواء رستم غزالة، المسؤول الأول للاستخبارات العسكرية التابعة للنظام السوري في عموم الأراضي اللبنانية، والمتهم أيضاً بالتورط المباشر في التخطيط لاغتيال الحريري، وفي التنفيذ أيضاً؛ قد تمت تصفيته في نيسان (أبريل) 2015، بعد عقاب جسدي مبرّح قاتل، على يد أحد زملائه من ضباط النظام السوري، على الأراضي السورية هذه المرّة. قبله كان اللواء غازي كنعان، المسؤول السابق عن استخبارات النظام في لبنان، ووزير داخلية النظام بعدئذ، قد انتحر (أو انتُحر، حسب المفردة التي اشتقها بعض السوريين يومذاك) في تشرين الأول (أكتوبر) 2005؛ على خلفية ما كان يحمل من كنوز المعلومات حول قضية الاغتيال. وقبل غزالة أيضاً، كان اللواء آصف شوكت، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، قد قُتل ضمن مجموعة من الضباط خلال تفجير "خلية الازمة"؛ وكان، منطقياً، على اطلاع واسع حول عمليات النظام الكبرى والأشدّ خصوصية.
وهكذا، على نحو أو آخر، بدا أنّ نظام بشار الأسد، المتهم في الجريمة على قدم المساواة مع "حزب الله" حسب المدعي العام للمحكمة، نورمان فاريل؛ قد "نظّف البيت الداخلي"، وأسكت نهائياً ثلاثة أصوات كان مقدراً لها أن تكون حاسمة في المراحل الأخيرة من المحاكمة. وفي كلّ حال، خلال السنوات التي أعقبت تدخل "حزب الله" العسكري في سوريا لصالح النظام، انتفى الفصل الظاهري بين مصائر الطرفين وباتت العلاقة عضوية على الأصعدة العسكرية والأمنية والسياسية، بل والمذهبية أيضاً؛ في ميادين عديدة كان وجود الجنرال قاسم سليماني، و"الحرس الثوري" الإيراني، والميليشيات العراقية الشيعية في مناطق مختلفة من سوريا، يسبغ عليها صفة رسمية، أو عضوية بالاختيار تارة، وبالقوّة والإجبار طوراً. ولقد بدا أنّ قفص الاتهام في لاهاي كان خالياً من المتهمين، طافحاً في المقابل برموز هي أثقل من جثث المغيّبين من رجالات النظام أو "حزب الله.
قبل هذا الالتحام، كان الانسحاب العسكري للنظام السوري من لبنان هو العاقبة الأولى، الأبعد أثراً أيضاً، محلياً وإقليمياً ودولياً، وراء اغتيال الحريري. وفي أصل التأثير أنّ دخول النظام إلى لبنان، صيف 1976، كان النقلة السياسية والعسكرية الإقليمية الأهمّ في تاريخ "الحركة التصحيحية"، التسمية الرسمية للانقلاب الذي قاده حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970. انسحاب 2005 كان، استطراداً، يستكمل تلك النقلة ولكن نحو الوجهة المعاكسة إذا جاز القول، أي تجريد النظام السوري ـمن سلسلة ثمينة من المغانم والأوراق والقوى والحلفاء وهوامش المناورة الإقليمية. ومن الإنصاف القول إنّ انحطاط نفوذ النظام في لبنان كان قد بدأ مع سحب الملفّ اللبناني من يد عبد الحليم خدّام، نائب الأسد الأب آنذاك، وتسليمه إلى بشار الأسد كجزء من ترتيبات إعداد الفتى لخلافة أبيه (وبالطبع، غنيّ عن القول إنّ الانحطاط لم يبدأ لأنّ خدّام كان أرحم باللبنانيين من الأسد الوريث، بل على العكس تماماً: الأخير كان في طور التلقين وألعاب الهواة، وكان الأوّل أشدّ شراسة وأكثر تشدداً).
غير أنّ وفاة الأسد الأب، في حزيران (يونيو) 2000، خلقت مناسبة دراماتيكة لكي يصحو اللبنانيون على الحقيقة البسيطة التالية: وجود النظام السوري ("الشرعي والمؤقت" بالنسبة إلى الرئيس اللبناني إميل لحود يومذاك، والمؤقت ولكن اللاشرعي الذي آن أوان إنهائه بالنسبة إلى معظم اللبنانيين)؛ ينبغي ألا يظلّ على حاله السابقة، بعد أن غاب الأسد، صانعه الأوّل، الأعلى دهاءً ومكيافيللية ودموية من وريثه في السلطة. هذه الحقيقة/ البديهية كانت تقبل، أو تصنع تلقائياً، ذلك الاستطراد البديهي الآخر: إذا تآكل وجود النظام السوري في لبنان ــ سواء نُظر إليه في مستوياته العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، أو في مستويات أخرى اجتماعية (العمالة السورية، التوترات بين الشعبين، انقسامات اللبنانيين...) أو حقوقية (اتفاق الطائف، القرارات الدولية...) ــ وكفّ عن كونه صانع أوراق القوّة؛ فمن المنطقي، والحال هذه، أن ينقلب إلى عبء على سلطة الوريث، أو ربما كعب آخيل الأخطر في الجسم الذي أطلّ منه الأسد الابن على الكون الخارجي، أي على الجوار الإقليمي والعالم بأسره.
ومن الإنصاف التذكير، كذلك، أنّ أولى إشارات الصحوة اللبنانية تلك، لم تأت من وليد جنبلاط، أو ميشيل عون (وكان، حينذاك، في صفّ كارهي النظام السوري!)، أو "الكتائب"، أو "القوّات اللبنانية"؛ وطبيعي، أيضاً، أنها لم تأتِ من الراحل الحريري نفسه، لأنه كان أحد أخلص حلفاء النظام السوري. لقد جاءت، ليس دونما مفارقة في واقع الأمر، من مجلس المطارنة الموارنة، الذي أصدر بياناً لافتاً تماماً، في 20 أيلول (سبتمبر) من العام 2000، أي بعد أسابيع قليلة أعقبت توريث الأسد الابن.
في المقابل، توفرت جبهة لبنانية مضادة،، تمثلت أساساً في بيان "اللقاء الإسلامي"، الذي ناهض بيان بكركي، ودافع عن شرعية وجود النظام السوري. والفارق بين البيانين لم يقتصر على انقسام حادّ بين "لا" و"نعم" لذلك الوجود؛ بل تجاوز اللونَين الأبيض والأسود إلى تدرّجات للرمادي، عديدة ومعقدة! صحيح أنّ الحال جبّت، في قليل أو كثير، فُرَص اشتعال الحرب الأهلية مجدداً؛ إلا أنها استولدت، على نحو نظير، سلسلة استقطابات سياسية واجتماعية ودينية ومذهبية، سوف تعيد إنتاج كوابيس، الحياة اليومية اللبنانية في حينه. كذلك فإنّ الاصطفاف المسيحي تبدّل مراراً، وحدث أنه استقر (أو بالأحرى: ركد كثيراً) في معادلة العماد عون وتياره المتحالف مع "حزب الله".
وحين اغتيل الحريري كان قد تحوّل إلى الشخصية الأهمّ في المعارضة اللبنانية، وباتت أوراق القوّة العديدة التي يملكها، داخلياً وعربياً ودولياً، بمثابة عوامل ضغط شديد على النظام السوري وحلفائه. وإذا كانت من يد للنظام السوري وراء اغتياله، فالأرجح أنّ "الدماغ" الذي خطّط لليد وحرّكها كان قد زانَ كفّتَي الربح والخسارة على النحو التالي: إذا كان الوجود العسكري والأمني للنظام السوري في لبنان سوف يتقلّص أو يضعف، أو حتى ينتهي بانسحاب تامّ ذات يوم؛ فإنّ الوجود السياسي ينبغي ألا ينحطّ إلى درجة تضع النظام على هامش المسألة اللبنانية، فيخسر الأسد وحلفاؤه آخر ما امتلكوا من أوراق قوّة.
والحال الراهنة العالقة في لبنان تعكس الكثير من ذلك التطلع، حتى إذا لم يكن للنظام السوري اليد الطولى في صناعة المشهد اللبناني الداخلي. وليست مآلات محكمة لاهاي والانقلابات الدراماتيكية التي شهدتها ملفاتها، قضاة وشهوداً ومتهمين، سوى بعض البرهان على أن حضور الرموز بدا أثقل بكثير من ركام الجثث التي خرت على مدار 13 سنة.
13/9/2018

أفق القنفذ وسقف الثعلب

في سنة 1953 كان أشعيا برلين، الفيلسوف والمؤرخ البريطاني الروسي الأصل، قد كتب مقالة مسهبة بعنوان "القنفذ والثعلب: مقالة حول نظرة تولستوي إلى التاريخ"؛ أراد منها الغرض المبيّن في العنون الفرعي، وضمّنها اقتراح لعبة فكرية على الجمهور العريض، كما صرّح بعدئذ. لكنّ المقالة، على ضوء اللعبة التي فيها، اتخذت وجهة جدّية بالغة التعقيد، وخضعت لتأويلات شتى، واستخدامات متقاطعة في حقول فلسفية وأدبية نقدية وسوسيولوجية وسياسية... لم تخطر في بال الرجل.
الجزء الأوّل في العنوان مستمدّ من بيت للشاعر الإغريقي أركيلوكس (680 ــ 645 ق. م.) يقول: "الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً هاماً"؛ وفي الفقرة الأولى من مقالته يميّز برلين بين أولئك الذين "يربطون كلّ شيء برؤية واحدة مركزية، بنظام واحد، أقلّ أو أكثر انسجاماً وإفصاحاً، واتكاءً على مصطلحاته يفهمون ويدركون ويتحسسون مبدأ كونياً منفرداً منظِّماً"؛ وأولئك، من جانب آخر، الذين "يقتفون غايات كثيرة، غير مترابطة غالباً، أو حتى متناقضة، إذا حدث أنها تترابط فذلك عبر سبيل الأمر الواقع، لأسباب نفسية أو فيزيولوجية، لا تتصل بأيّ مبدأ أخلاقي أو جمالي". الفئة الأولى من الشخصيات الفكرية والفنية، يتابع برلين، تنتمي إلى القنافذ (في عدادها أمثال دانتي، أفلاطون، لوكريتيوس، باسكال، هيغل، دستويفسكي، نيتشه، إبسن، بروست...)؛ والفئة الثانية تنتمي إلى الثعالب (شكسبير، هيرودوت، أرسطو، مونتين، إرازموس، موليير، غوته، بوشكين، بلزاك، جيمس جويس...).
ولا تفوت برلين الإشارة الفورية إلى أنّ هذه اللعبة المقترحة على القارئ تعاني، مثل كلّ محاولة فرز ثنائي أو تصنيف تبسيطي، من معضلات عديدة ليس أولها الانزلاق إلى الشكلانية أو المدرسية، وليس آخرها الافتقار إلى الدقة والإفراط في الإطلاق. لكنها، حين لا تخضع للكثير من التمحيص النقدي والتدقيق الجدّي، تنفع في تسليط الضوء على جزء ما، كثير أو قليل، من الحقيقة، أو زاوية النظر الأحادية بالقياس إلى آخر موازٍ،  أو المقارنة بما تنطوي عليه من إحكام الموازين. وفي المقابل، ثمة نموذج تولستوي الذي يستعصي على التصنيف في أيّ من الفئتين: أهو أقرب إلى شكسبير وبوشكين، منه إلى دانتي ودستويفسكي؟ أم أنه، في الحصيلة، لا يشبه أياً من الأربعة، ومن العبث أن تسري عليه قواعد اللعبة؟ خلاصة برلين، في ختام المقالة، هي أنّ تولستوي كان ثعلباً بالطبيعة، وقنفذاً بالاقتناع؛ وأنّ هذا الانشطار أسهم في إغناء أدبه، ولكنه تسبب في شقاء حياته أواخر العمر.
والحال أننا نعثر، في ميدان النقد الأدبي الأنغلو ـ أمريكي تحديداً، على تصنيفات من طراز آخر، لا تنتهي إلى ترسيخ الثنائيات المتقابلة، أو المتضادة، ولكنها تغوص عميقاً في مفهوم الذات، لجهة المؤلف؛ ومفهوم النصّ، لجهة التأليف؛ وكلّ ما يتفاعل في قلب هذه الأقطاب، أو يتصارع. والناقد الأمريكي هارولد بلوم أحد هؤلاء الذين وضعوا على عاتقهم أمر التنقيب عن الأفق (القنفذي، إذا جاز القول)، أو السقف ( الثعلبي، ضمن إجازة مقابلة) لدى طائفة واسعة من الكتّاب؛ ولكن ضمن معيار مركزي آخر، هو "قلق التأثير"، عنوان أحد كتبه الأشهر. وقد يصحّ القول إنّ أحداً من كبار المشتغلين بالنقد والنظرية الأدبية لم ينجُ من اتفاق هنا أو اختلاف هناك مع آراء بلوم، على امتداد مسار نقدي طويل امتدّ على خمسة عقود ونيف، ونحو ثلاثين كتاباً، غير عشرات المؤلفات والسلاسل التي أشرف على تحريرها. وفي "موروث الغرب"، 1994، تناول بلوم التراثات الأدبية الغربية ومصائر الأعمال الإبداعية، وكان شجاعاً كعادته حين أشار إلى أنّ الغرب يقوم بتدمير المعايير الفكرية والجمالية في الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية؛ وثمة "بَلْقَنة" للدراسات الأدبية، على يد مدارس نقدية مثل النسوية واللاكانية (نسبة إلى المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان) والتاريخانية الجديدة والتفكيكية والسيميائية...
لم يكن بلوم قد بلغ السبعين حين نطق بهذه الآراء، ولكنه في كلّ حال كان في منتصف العقد السادس، ولاح أنّ هذه الآراء تردّد أصداء موقف رجعي محافظ، غريب تماماً عن روحية الترحيب السابقة التي طبعت مواقفه من الفلسفة الأوروبية، ومن المدرسة التفكيكية بصفة خاصة (وهو التفصيل الذي شدّد عليه سعيد في مراجعته). وهكذا كان "شيخ النقاد"، كما يحلو للكثيرين أن يلقبوه، أقرب إلى مَنْ يراجع نفسه قبل أن يراجع الموروث الأدبي الغربي، وهي المراجعة التي سوف يعود إليها للمرّة الثانية في كتابه "كيف نقرأ، ولماذا"، 2000. المعلومات تنهال علينا من كلّ حدب وصوب، فكيف السبيل إلى الحكمة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ينطلق بلوم من إشكاليته لكي يدخل في ما يشبه "التفاوض" مع القرّاء، حول أفضل القراءات وأفضل السُبُل للقراءة.
ومنذ السطر الأوّل في الكتاب، يعترف بلوم أنه ما من طريقة واحدة محدّدة للقراءة الجيّدة، رغم وجود سبب واحد محدّد لكي نقرأ جيداً: هذا هو أفضل المُتَع التي توفّرها لنا العزلة، وهو من جانب آخر أكثرها قدرة على علاج النفس. وبهذا المعنى فإنّ أفق القنفذ يمكن أن يُفضي بالقارئ إلى سقف الثعلب، وأن تذهب به المعادلتان إلى رحاب قراءة مشتركة أوسع.
9/9/2018