وعزّ الشرق أوّله دمشق

الخميس، 31 يناير 2019

حصيلة 2018 السورية: كوابيس إدلب وروليت موسكو

 افتُتح عام سوريا الجديد، 2019، بجولة جديدة من المواجهات العسكرية بين "جبهة النصرة"، أو "هيئة تحرير الشام" كما صارت تعرّف عن ذاتها في التسمية الراهنة، من جانب؛ وخمسة، على الأقلّ، من فصائل ما باتت تُعرف باسم "الجبهة الوطنية للتحرير". وليست مصادفة محضة أنّ العام المنصرم، 2018، افتُتح أيضاً بجولة أخرى من المواجهات على بطاح محافظة إدلب؛ دارت، يومذاك، بين "الهيئة" وتحالف روسيا وإيران والنظام السوري، وكان الهدف منها إبعاد رجال أبي محمد الجولاني نحو أطراف مدينة إدلب، وإخلاء القرى التي كانت "الهيئة" تحتلها. وكما أنّ تلك الجولة لم تحسم الكثير على الأرض لصالح التحالف الثلاثي، فإنّ الجولة الجديدة مرشحة لإراقة المزيد من دماء الجهاديين دون أن تسفر عن حسم ميداني ملموس أيضاً.
ومنذ أن: 1) تحوّلت المحافظة إلى "إمارة" جهادية، أُقصيت إليها غالبية المجموعات المسلحة الإسلامية التي هُزمت، أو استسلمت، هنا وهناك في جبهات أخرى؛ و2) ظهر الجولاني في ريف اللاذقية الشمالي وأعلن ولادة خمسة "جيوش" دفعة واحدة ("جيش الملاحم، جيش الساحل، جيش البادية، سرايا الساحل، وجند الشريعة)؛ انقلبت المحافظة إلى ميدان منتظَر لاندلاع أمّ المعارك: بين فصائل الجهاديين أنفسهم (حتى إذا تقنع بعضهم بمسمى "الجيش الحرّ")، في صفّ أوّل؛ والقوى الأخرى غير الجهادية في الساحة، من الفصائل الملحقة بالجيش التركي، إلى الميليشيات المذهبية التابعة لطهران، مروراً بتلك الطائفية الحليفة للنظام أو الموالية لموسكو، في صفّ ثانٍ. وأمّا العنوان الأبرز خلف هذا التجاذب الشديد، فهو ذلك الكابوس الذي يرغب الجميع في تفاديه، أو تأجيله، أو تخفيف كوارثه السياسية والعسكرية والديموغرافية: معركة الساحل الكبرى، حين لن يجد عشرات الآلاف من مقاتلي "الهيئة" مخرجاً آخر، أو أفضل، سوى الاستدارة نحو عمق الساحل، وخوض معارك ميدانية مصغّرة على مستوى القرية أو البلدة، واستخدام سلاح المدفعية وصواريخ الـ"غراد"، واعتماد تكتيك التوغل المحدود ذي الاستهداف الثقيل.
وكان الشهر الأوّل من العام المنصرم قد شهد مهزلة الشطر السياسي من مشروع التدخل الروسي في سوريا، حين ضرب الاستيهام دماغ سيرغي ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات الروسية والمستشار الأوّل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فأقنع سيد الكرملين بأنّ مؤتمراً لا يدوم سوى ساعات قليلة، وجلسة واحدة، يُدعى إليه 1600 مندوب سوري؛ يمكن أن تشكّل فارقاً دراماتيكياً في معمار البناء السياسي لما بعد انتصارات موسكو العسكرية في سوريا. وتلك التفاصيل المزرية التي اكتنفت مؤتمر سوتشي، ولم تكن أكثرها إثارة للضحك وللاشمئزاز مشاهد التدافع على منصات الطعام، أشارت بجلاء أقصى إلى أنّ الشراكة الثلاثية، الروسية ــ الإيرانية ــ التركية، الضامنة لمنظومة أستانة (حول "الإصلاح الدستوري" و"الانتخابات الديمقراطية") ليست منعدمة التشارك، قياساً على تأثيرات كلّ دولة في مضمارها، فحسب؛ بل هي حقل التفخيخ الأوّل لكلّ مشروع تسوية أممي يمكن أن يتجاوز الثلاثي إلى ضامنين أوسع، وأغنى مليارات في الواقع، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ذلك لم يمنع ناريشكين من مراضاة رئيسه عن طريق االبرهنة على أنّ قاعدة الروليت الروسية قد طُبّقت عبر ذلك المؤتمر المهزلة، من خلال نجاح جولات أستانة في تفريغ جولات جنيف/ فيينا من غالبية عناصرها، خاصة تلك التطبيقية (الحكم الانتقالي، مصير الأسد، إشراك المعارضة...). ليس لأنّ طاولات التفاوض تعددت وتبعثرت، بين موسكو وأستانة وسوتشي وأنقرة، فقط؛ بل أساساً لأنّ المرجعيات تبعثرت معها وتعددت واختلطت، فباتت قرارات الأمم المتحدة (حتى تلك التي سهر على صياغتها وزيرا الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف) أثراً بعد عين، أو تكاد. وخلال 11 شهراً انقضت من العام 2018، شهدت تلك الشراكة تقلبات عديدة، فتجمدت تارة، أو اتخذت صفة بروتوكولية حصرية تارة أخرى، حتى انتهت إلى تفاهمات ثنائية روسية ــ تركية، أسفرت حتى اليوم عن جولات فوز متلاحقة لمشاريع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ سواء في إطار تقليص نفوذ الكرد والـPKK، أو على صعيد توسيع أوراق اللعب التركية على الأرض السورية، ورفع أرصدة أنقرة في سباق الاقتسام والتقاسم. وإذا نفّذ الرئيس الأمريكي وعده فسحب القوات من مناطق انتشار "قوات سوريا الديمقراطية"، وعموم بؤر النفوذ الكردي، فإنّ منظومة أستانة ستلتحق بمنظومات جنيف وفيينا، انحناءً أمام قواعد الروليت الروسية إياها!
وفي ربيع العام المنصرم كانت عودة النظام إلى الغوطة الشرقية بمثابة تذكرة مأساوية بالعوائق التأسيسية، الخَلْقية على وجه التحديد، التي لازمت التيارات الجهادية منذ ابتداء صعودها؛ وربما باقتران مباشر مع استجابة رأس النظام السوري، بشار الأسد، إلى نصيحة الاستخبارات الروسية حول إطلاق سراح 1500 من معتقلي التيارات الإسلامية المختلفة. وكان طبيعياً أن يلجأ زهران علوش إلى تأسيس "جيش الإسلام"، ويحذو حذوه حسان عبود فيطلق "أحرار الشام"، ويقتدي بهما أحمد عيسى الشيخ في إنشاء "صقور الشام" ثمّ تولية الجولاني على رأس "جبهة النصرة"؛ فتكون العاقبة الأولى هي استبدال التظاهرة السلمية بالبندقية (المأجورة لأنظمة وأجهزة خارجية)، وإزاحة شعارات التغيير ومطالب الحرية والكرامة والعدالة لصالح الأسلمة والشريعة والجهاد. العاقبة التالية كانت فرض أنماط الهيمنة السياسية والاجتماعية والأمنية الجهادية على مجتمعات الغوطة، ثمّ الانخراط في صراعات داخلية دامية، وانهيارات عسكرية متلاحقة؛ حتى إذا كانت الهزيمة الختامية نتاج تدخل عسكري روسي وحشي غير مسبوق، ساندته مجموعات "حزب الله" والميليشيات المذهبية، ولم تغب عنه الأدوار المزدوجة التي لعبتها "داعش".
وفي نيسان (أبريل) نفّذت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربة جوية ضدّ منشآت الأسلحة الكيميائية للنظام السوري، كما قالت بيانات الدول الثلاث؛ وكانت، في الشكل كما في المضمون، "خبطة" علاقات عامة أُريد منها حفظ ماء وجه زعماء الدول الثلاث، إزاء محظور واحد هو استخدام الأسلحة الكيميائية ضدّ المدنيين. في المقابل، حظي نظام الأسد، من جانب تلك القوى وسواها، بأشكال شتى من الصمت، أو الإدانة اللفظية، أو التواطؤ المباشر، أو التذرّع بأولوية محاربة الإرهاب. وخلال ثماني سنوات من عمر الانتفاضة الشعبية السورية، وهي كذلك ثماني سنوات من مأساة مفتوحة على سفك الدماء وممارسة أنساق التوحش البربرية كافة؛ كانت قوى من كلّ حدب وصوب ــ بينها إيران وميليشياتها المذهبية، "داعش" والجهاديون، موسكو وواشنطن وأنقرة... ــ تتولى الإجهاز على الشعب السوري، فتنتهك  أرضه وسماءه، وتحوّل سوريا إلى محميات واحتلالات. ولم يكن ثمة مفارقة في أن القاذفات والصواريخ الإسرائيلية التي استهدفت عشرات المواقع داخل سوريا، هي السابقة على صواريخ أمريكية وفرنسية وبريطانية لاحقة. لافت، إلى هذا، أنّ ذلك العقاب المسرحي أفرز توازياً كاريكاتورياً بين مؤيدي الضربة (لأنها تؤذي النظام!)، ورافضيها (لأنها تؤذي السلام!)؛ وكأنّ الضارب لا يتساوى مع المضروب في الشراكة عن صناعة المأساة الأمّ، وإدامتها.
ولا يصحّ اختتام هذه الحصيلة السورية دون استذكار التفاهم اللافت، الصامت ولكن رفيع السوية، بين بوتين ورئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بصدد إسقاط الطائرة الروسية "إيل ـ 20" في سماء اللاذقية. لقد تركا التراشق اللفظي لرجال الصفّ الثاني في موسكو وتل أبيب، وتفرغا إلى ما يتوجب أن يجمعهما ويذهب أبعد بكثير من مجرد واقعة واحدة تكدست فيها "سلسلة حوادث مأساوية وقعت بالصدفة"، حسب تعبير بوتين. الدليل أنّ موسكو نشرت منظومة الصواريخ المتقدمة، وجيش الاحتلال واصل عمليات القصف، فلا ضرر هنا ولا ضرار هناك!
 3/1/2019

انسحاب أمريكا من سوريا: نقصت الاحتلالات وتضاربت المصالح

 إذا صدقت تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول اعتزامه سحب القوات الأمريكية من سوريا، ثمّ بادر البنتاغون إلى وضع ذلك العزم موضع التنفيذ الفعلي وباشر عمليات الانسحاب، خلال آماد قصيرة كما يُقال لنا؛ فإنّ المتضرر الأول، داخل وزارة الخارجية الامريكية بادئ ذي بدء، سوف يكون جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق لدى العراق ثمّ تركيا ثمّ ألبانيا، ولكن الذي يعمل اليوم تحت مسمى "المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا". الرجل سوف يخسر وظيفته، منطقياً، إذا أتمت الولايات المتحدة تصفية وجودها العسكري والمدني والدبلوماسي على الأرض السورية؛ أو ستنحصر وظيفته في التثاؤب من مكتبه في واشنطن، خلال مرحلة انتقالية تطول أو تقصر، يتحول بعدها إلى عمل آخر ومسمّى جديد.
لكنّ خيبة أمل جيفري لن تقتصر على خسران وظيفة، كانت أصلاً بلا معنى ولا محتوى في واقع الأمر، بل ثمة ما هو أبعد أثراً على أصعدة  شخصية تخص عقل الرجل ومعتقداته ومَلَكاته الستراتيجية والتكتيكية؛ ليس حول المشهد السوري، ميدان عمله واختصاصه الراهن، فحسب؛ بل كذلك على مستوى موقع الولايات المتحدة الكوني كقوّة عظمى أولى، ومكانتها بالقياس إلى كبار منافسيها (روسيا والصين، على وجه التحديد)، ومصداقيتها مع حلفائها الصغار والكبار معاً. قبل أيام قليلة، هذا الشهر تحديداً، ألقى جيفري كلمة في محفل حول سوريا نظمه "المجلس الأطلسي"، جزم فيه أنّ أمريكا باقية في سوريا ليس لأسباب تتصل بالقضاء على الإرهاب أو هزيمة "داعش"، فهذه أهداف قريبة المدى؛ بل لأنّ مضامين الملف السوري المتفجرة لم تعد منحصرة في مصائر نظام قتل نصف مليون مواطن سوري وشرّد 11 مليوناً ("أكثر من مجموع سكّان مدينة نيويورك وشيكاغو" كما قال، من باب تقريب الفاجعة إلى أذهان مستمعيه!)؛ بل باتت مسألة صراع وتصارع بين قوى إقليمية ودولية كبرى، هي أمريكا وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، وفق إحصائه.
وإذا كان جيفري على وشك خسران وظيفته، لأنها باتت بلا معنى، فإنّ وظيفة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس يمكن أن تصبح اسماً على غير مسمى في ضوء رضوخ البنتاغون لما أعلنه رئيسه المباشر، القائد الأعلى للقوات المساحة، من عزم على الانسحاب من سوريا. ففي مطلع هذا العام، وخلال خطبة عصماء بدورها، ألقاها في جامعة جونز هوبكنز لكي تكتسي بطابع فكري وليس عسكرياً فقط؛ كشف ماتيس النقاب عن الانعطافة الكبرى في الستراتيجية الدفاعية الأمريكية: بدل الحرب على الإرهاب، ديدن أمريكا خلال العقدين المنصرمين، تنتقل الأولوية الآن إلى مجابهة الجبروت العسكري لكلّ من روسيا والصين. وإذ أعلن، قبل عام من إعلان رئيسه، أنّ الولايات المتحدة تمكنت من هزيمة "داعش"، شدّد ماتيس على "حال التقلّب وانعدام الوثوق، وحقيقة عودة التنافس بين القوى العظمى"، وأنّ هذا التنافس "وليس الإرهاب، هو التركيز الرئيسي للأمن القومي الامريكي". لكنه اليوم، في ضوء تغريدات ترامب حول الانسحاب، مجبر على ابتلاع لسانه تماماً، والبحث في المقابل عن أسس "فكرية" جديدة، لهذه الستراتيجية العجيبة المتمثلة في مجابهة التهديد الروسي عن طريق... الانسحاب منه، وأمامه!
ولا يصحّ، من جانب آخر، إغفال حسّ الإحباط الذي انتاب صحيفة "نيويورك تايمز"، بما تمثله من قيمة وتأثير في قلب مؤسسات القرار السياسية والإعلامية والفكرية الأمريكية. وهو إحباط يبدأ من التحسر على رئيس أمريكي لم يتعلم أية حكمة من دروس ما بعد 9/11، خاصة هذه القاعدة الكبرى: نشر القوّات الأمريكية خارج الولايات المتحدة هو "المفتاح لوقف الإرهابيين، قبل أن يصلوا إلى الشواطئ الأمريكية"، وهو "حيوي للحفاظ على التحالفات التي تُبقي العالم آمناً". وأمّا هذا الرئيس، يندب دافيد سانغر موقّع المقال، فإنه يفضّل "فكرة استخدام الجيش لضمان أمن الحدود المكسيكية، على مجابهة روسيا وإيران وكوريا الشمالية والصين". لكنّ سانغر يتذكر ــ لحسن الحظّ! ــ أنّ ترامب لا يقوم بما هو أكثر من إعادة استنساخ نظرية سلفه باراك أوباما؛ الذي دشن نظرية أبسط في الواقع: نعتمد على شركاء محليين، ونستخدم القوّة الجوية الأمريكية إذا اقتضت ضرورة الدفاع عن المصالح الأمريكية، ثمّ نحتفل بإعادة القوّات الأمريكية إلى الوطن خلال الأعياد. وهكذا، أعاد الرئيسان الـ44 والـ45 النظر في انتشار الجيش الأمريكي ما وراء المحيط (170 ألفاً في العراق، و100 ألف في أفغانستان، خلا 17 سنة)؛ وليس غريباً، بالتالي، أن يغصّ ترامب بوجود 2000 من فتيان أمريكا على أرض سوريا!
إلى هذا، يتردد أنّ عدداً من معاوني ترامب المقرّبين كادوا أن يشدّوا الشعور رعباً، قبل السخط، إزاء قرار يحمل كلّ أوجه السوء، في أبعاده جمعاء (ما خلا إعادة "فتياننا" إلى أمريكا خلال الأعياد)، على الأصدقاء والحلفاء، قبل الخصوم والأعداء. والمرء، بالطبع، ليس بحاجة إلى عناء من أيّ نوع لكي يعدد الخاسرين من قرار الانسحاب (دولة الاحتلال الإسرائيلي أولاً، ثمّ الفصائل الكردية التي رهنت مصيرها بالقرار الأمريكي شرق الفرات وفي منبج و20 انتشاراً عسكرياً أمريكياً على الأقلّ في مناطق الجزيرة الحدودية مع تركيا والعراق، فضلاً عمّا تبقى من صبيان "المعارضة" السورية الذين تعلقوا بأذيال واشنطن، ثمّ الحلفاء أمثال السعودية والأردن...)؛ مقابل الرابحين من القرار إياه (روسيا فلاديمير بوتين، إيران "الحرس الثوري" و"فيلق القدس" و"حزب الله" والميليشيات ذات التمذهب الشيعي كافة، تركيا رجب طيب أردوغان وفصائل "المعارضة" السورية المسلحة الملحقة بالجيش التركي، ما تبقى من وحدات عسكرية موالية لنظام بشار الأسد...).
ولا فائدة تُرجى، هنا ومرّة أخرى، من توجيه الملامة إلى قيادات الفصائل الكردية المسلحة التي انضوت تحت المظلة الأمريكية، فليست الخيانة الأمريكية جديدة على التاريخ الكردي؛ بأسره في الواقع، في تركيا والعراق وإيران، قبل سوريا؛ وليس جديداً، أيضاً، أن تتخذ تلك الخيانات صفة الغدر المعلَن، الذي يندر أن يأتي كمفاجأة مباغتة، إلا عند السذّج بالطبع. لقد اختلطت، مراراً وتكراراً، أوراق القوى الكردية، ومعها تبعثرت الحسابات وتشرذمت واتخذت مسارات معاكسة؛ لدى "حزب العمال الكردستاني" و"حزب الاتحاد الديمقراطي" مرّة، وعند "وحدات حماية الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية" مرّة أخرى؛ على امتداد مناطق الجزيرة السورية، في محيط دير الزور وشرق الفرات، على خطوط أحياء حلب الشرقية، وفي منبج وعفرين. وإذا كانت عفرين آخر شهيدات الرهانات الأمريكية البائسة للقيادات الكردية، فإنّ منبج سوف تكون الشهيدة المقبلة والفريسة التي يتطلع الرئيس التركي إلى قضمها، على مرأى من أمريكا، ومسمع من... موسكو!
ولست أختم هذه السطور دون ابتهاج شخصي بقرار ترامب سحب القوّات الأمريكية من بلدي، إذْ أنه في المقام الأوّل يُنقص الاحتلالات واحداً، رغم أنه يُبقي سوريا محتلة من إيران وروسيا وتركيا، إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي؛ برّاً وبحراً وجوّاً. وهي احتلالات ليست دون استطالات محلية (ميليشيات مذهبية تديرها طهران، وأخرى تموّلها موسكو وترعاها، وثالثة تتولاها أنقرة؛ مضامينها تتماثل حتى إذا اختلفت مسمياتها بين "حزب الله" أو "عصائب الحق" أو "قوات النمر" أو "درع الفرات"...). وهو، في المقام الثاني، إذْ يرتّب على أبناء سوريا مهامّ أكثر تعقيداً في وضع تحرير البلد نصب الأعين، فإنه يُشعل أكثر فأكثر أوار التناقضات بين مصالح قوى الاحتلال هذه، ويجعل تكالبها على مشاريع اقتسام البلد أشدّ صعوبة وتعقيداً.
وإنّ ضارّة للبعض قد تكون نافعة لسواد السوريين!
20/12/2018

"أتذكّر السيّاب..."

حين كتب محمود درويش قصيدته "أتذكّر السياب"، التي سوف تُنشر في مجموعته "لا تعتذر عمّا فعلت"، 2004؛ كانت تتنازعه عوامل عديدة؛ على جري عادته في معظم ما صار يكتبه بعد قصائد أيقونية، لكنها وليدة برهة تاريخية فارقة، مثل "أحمد الزعتر" و"مديح الظلّ العالي" و"بيروت"، ثمّ "هدنة مع المغول أمام غابة السنديان" و"أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي" و"خطبة ‘الهندي الأحمر’ ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض"، وسواها، في سنوات لاحقة. قصيدة السياب كُتبت ضمن شقيقات لها، شاء درويش تخصيصها للاحتفاء بشعراء (السياب، أمل دنقل، سليم بركات)؛ وأمكنة (تونس، الشام، مصر، فلسطين/ القدس والجليل، طريق الساحل)، وخيارات فنية (الإيقاع، الشعر والتاريخ، الواقعي والخيالي، كيمياء القصيدة، المنفى)...
كان لافتاً أيضاً، في المجموعة ذاتها، أنّ درويش صدّر قصيدة "السروة انكسرت" بسطر من أحد أبرز شعراء قصيدة النثر العرب، الراحل بسام حجار، الذي كان على قيد الحياة يومذاك؛ يقول: "السروة شجن الشجرة وليس الشجرة، ولا ظلّ لها لأنها ظلّ الشجرة". وفي قصيدته "وصف الغيوم"، ذهب درويش إلى الشاعرة البولندية شيمبورسكا، فاستشهد بهذه السطور: "لِوَصف الغيوم/ عليّ أن أسرع كثيراً/ فبعد هنيهة لن تكون ما هي عليه/ ستصير أخرى". وكان، إلى هذا، قد صدّر المجموعة باقتباسين من أبي تمام ("لا أنتَ أنتَ ولا الديارُ ديارُ")، ولوركا ("والآن، لا أنا أنا/ ولا البيت بيتي")؛ أسماهما "توارد خواطر، أو توارد مصائر"؛ الأمر الذي سجّل، في إحصائي الشخصي، المجموعة الأكثر احتشاداً بالشعراء على امتداد أعمال درويش المنفردة.
غير أنّ قصيدة "أتذكّر السيّاب" اتصفت بسلسلة سمات لم تفردها عن قصائد الشعراء الأخرى في المجموعة، فحسب؛ بل لعلها انفردت أيضاً بموقف إنساني وجمالي وأخلاقي، وأكاد أقول: سياسي، من العراق؛ البشر والبلد والتاريخ، في برهة فارقة صنعها الاجتياح الأمريكي عام 2003 على وجه التحديد. "عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق..."، كتب درويش وهو يضع المكان في فضائه السومري الذي فيه "تغلبت أنثى على عقم السديم"؛ وعلى أرضه لم يجد السياب الحياة بين دجلة والفرات، ولم تراوده عشبة الخلود مثل جلجامش، ولم يأخذ الشرائع عن حمورابي... ثمّ هذه الخلاصة الأخاذة الصاعقة:
أتذكّر السياب... إنّ الشعر يولد في العراق
فكُنْ عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي!"
والحال أنّ تثمين درويش العالي لمنجز السياب الشعري معروف، للقاصي والداني كما يُقال؛ وليس هنا مقام العودة إلى أقواله حول مكانة السياب في المشهد الشعري العربي الحديث والمعاصر. ما تضيفه "أتذكّر السياب"، في هذا الصدد، هو تبيان انحياز درويش إلى العراق كموطن للشعر؛ بالقياس إلى تعبيرات أخرى تخصّ مراكز الشعر العربية في مصر ولبنان وسوريا، على سبيل الأمثلة. صحيح أنّ الشعر يولد في أيّ مكان، وهذه خلاصة بسيطة متفق عليها، غنيّ عن القول؛ إلا أنّ إبرازها ضمن الصيغة اللاحقة في السطر الثاني، تقطع شوطاً دراماتيكياً لجهة توصيف امتياز العراق كمقام يلد الشعر والشعراء. في الوسع، هنا، اقتباس ما يقوله درويش عن شاعر عراقي كبير آخر، هو سعدي يوسف: "إذا كان صحيحاً أنّ في داخل كلّ شاعر مجموعة شعراء ــ كما يقول أوكتافيو باز ــ وأنّ النصّ هو محاورة مع نصوص أخرى، فإنّ سعدي يوسف كان أحد الشعراء الذين درّبني شعرهم على التنقيب عن الشعري في ما لا يبدو أنه شعري، وأغراني بمقاومة الإغراء الإيقاعي الصاخب، وبالاقتصاد في البلاغة".
وفي مناسبات شتى، أُتيح لي أن أناقش بعض الديناميات الكبرى التي رسّخت قصيدة السياب في الذائقة الشعرية العربية، منذ مطالع الستينيات وحتى يومنا هذا؛ بينها، أوّلاً، براعة الراحل في تحقيق حقق درجة عالية من التوازي، والتوازن، بين المستوى السطحي للغة، أي الحركة الصرفية للكلمات ضمن نسق محدد؛ وذلك المستوى الداخلي الخاص من الإحساس ــ الغامض والمألوف، في آن معاً ــ بوجود رسالة دلالية مستترة أو خفية، سواء في المفردة الواحدة، أو في أنماط تجاور عدد من المفردات. ثمة، ثانياً، انقسام معجم القصيدة إلى تراكيب شعرية وأخرى نثرية (وهو التقسيم الذي لا يمكن إلا أن يكون شكلياً)؛ يجعل من الصعب العثور على الخطّ الفاصل بين تركيب نثري يصرّح، وتركيـب شعـري يوحي؛ بين جملـة نثرية يشطبها المعنى فـور أدائها له، وأخرى شعرية تتنامى بفعل ما تصنعه من إيحاءات وأحاسيس. على صعيد الإيقاع كان السياب دائب البحث عن تنويعات لحركة التفعيلة الواحدة، أو التفاعيل ذات المقاطع المتساوية؛ واجتهاداته في ذلك اكتسبت حيوية خاصة لأنها أمدّت التراكيب النثرية بطاقة إيقاعية تعددية.
وشهر كانون الأول، الذي حثّ هذه السطور، يظلّ سيابياً بامتياز: في 25 منه، سنة 1926، ولد ابن جيكور والبصرة والخليج؛ وفي 24 منه، سنة 1964، رحل في الكويت؛ غريباً، عليل الجسد، شاعر النفس والمسامّ والأعصاب، يتذكّر العراق:
"ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر
وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ
مطر ...
مطر ...
مطر ...".
16/12/2018

"حكماء كالحيّات": تكافل الثلاثي ترامب/ نتنياهو/ بن سلمان


هل يحقّ للمعلق الأمريكي المعروف توماس فردمان التمتع بالحكمة الشهيرة، عمّن يأتي متأخراً فيكون خيراً من ألا يأتي البتة؛ وذلك في معرض نقده اللاذع لمسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تبرئة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من دم جمال خاشقجي؟ وهل يصحّ أن يكون مقاله الأخير في "نيويورك تايمز"، تحت العنوان الدراماتيكي "تنزيلات ترامب في يوم الجمعة السوداء: نفط، أسلحة، وأخلاق"، بمثابة غسيل لمقالات سابقة تلطخت بمدائح غنائية للأمير ــ القاتل، إياه، الذي يحاول ترامب غسل يديه من الجريمة ــ  واستبشارات بما سيحمله للمملكة من "إصلاحات" و"رؤى"؟
وبالطبع، النفي هو الإجابة التلقائية إذا استند المرء إلى القواعد الأبسط في أية مدونة أخلاقية؛ ولكنه، في المقابل، سؤال نافل لأنّ سوابق فردمان في التقلّب والتبدّل والتسويغ والتسويف، لا تعدّ ولا تُحصى، من جانب أوّل. وأمّا الجانب الثاني في المعادلة فإنه، ببساطة، ذلك الاستطراد المرتبط عضوياً بالسؤال الأصلي: ولكن، من جانب ثانٍ، مَن الذي بينهم، رؤساء الولايات المتحدة وتسعة أعشار معلّقيها المشاهير، كان بلا خطيئة، كي يستحقّ فضيلة الشكّ، أو هامش السماح، أو حتى حقّ الوصول إلى المشهد متأخراً؟ وفي ما يخصّ المملكة العربية السعودية، ولائحة "التنزيلات" دون سواها، أيّ رئيس أمريكي خالف العرف الشائع، منذ هاري ترومان وحتى ترامب، بصدد المليارات في عقود المشتريات، والتواطؤ على عشرات الملفات ذات الصلة بـ"القيم" الأخلاقية الأمريكية، كما سرد تفاصيلها الكاتب الأمريكي روبرت باير في كتابه "الذهاب إلى الفراش مع الشيطان: كيف باعت واشنطن أرواحنا مقابل الخام السعودي".
وقد يجادل البعض، ليس دون قرائن وجيهة، أنّ "امتياز" ترامب عن سواه من رؤساء أمريكا السابقين، في ما يخصّ ملفّ المقايضات الأمريكية ــ السعودية، هو أنه يميل إلى الصراحة والوضوح وتسمية الأشياء بمسمياتها؛ وعندما يتصل الأمر بشعار "امريكا أوّلاً"، بصفة محددة. حول مقتل خاشقجي، ليس للمرء أن يطمع في تصريحات أكثر انطواء في السطح على ما هو دفين في الباطن: قد يكون بن سلمان على علم بالجريمة (وهذا تقدير وكالة المخابرات المركزية أيضاً)؛ وقد لا يكون (وهذه رغبة البيت الأبيض)؛ ولكن، في الحالتين، ما همّ شعار أولوية أمريكا؟ ومَن يكترث بمعاقبة أمير سوف يضخّ 450 مليار دولار في استثمارات شتى داخل الاقتصاد الأمريكي، بينها 110 مليارات على هيئة عقود سلاح؟ وأيّ "أهبل"، وفق قراءة ترامب، يمكن أن يضحي بهذه المليارات، أو يرسلها إلى روسيا والصين، مقابل صحافي يدعى جمال خاشقجي، لا يحمل حتى الجنسية الأمريكية؟
وهكذا، للمرء أن يدع جانباً ماضي فردمان في التهليل لبرامج بن سلمان "الإصلاحية"، وليذهب في المقابل إلى ما كتبه أمس، في نيويورك تايمز" ذاتها، مايكل دوران الزميل في "معهد هدسون"، وتوني بدران الزميل الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"؛ تحت عنوان  "ترامب فظّ، ولكنه على حقّ بصدد السعودية". هنا زبدة الرأي وخاتمته أيضاً: "النصيحة التوراتية، أنْ ‘كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمائم’، توفّر استشارة صائبة لكلّ مَنْ يريد أن يرى مبادئه تؤثر في العالم. ونصيحة ناقدي السيد ترامب طويلة في الأخلاق المجردة، وقاصرة في الحكمة الستراتيجية". والأرجح أنّ الكاتبين لم يكونا على جهل، بادئ ذي بدء،  بأنّ الإشارة إلى التوراة (من العهد الجديد في الواقع، إنجيل متى 10:16: "ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام")؛ تستكملها هذه، في الإصحاح ذاته: "فلا تخافوهم. لأنْ ليس مكتومٌ لن يُستعلن، ولا خفيٌّ لن يُعرف".
في عبارة أخرى، لن يطول الزمان حتى تتكشف كل الحقائق وأدقّ التفاصيل، حول مسؤولية بن سلمان المباشرة عن إصدار الأمر بتصفية خاشقجي جسدياً، وبالتالي سوف  يُستعلن المكتوم ويُعرف الخفيّ؛ وسوف يصبح تصريح ترامب، التالي، مثالاً نادراً على خروجه عن عادة شخصية مأثورة، في تسمية الأشياء بمسمياتها: "الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان أنكرا بقوّة أي علم بالتخطيط لجريمة خاشقجي أو تنفيذها. وكالات استخباراتنا تواصل تقييم كلّ المعلومات، ولكن يمكن بالفعل أن يكون ولي العهد على معرفة بتلك الواقعة المأساوية، لعله عرف بها أو لعله لم يعرف".
دوران وبدران على حقّ، إلى هذا، في التذكير بأنّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اختارت انعطافة محورية نحو إيران، فأغمضت الأعين عن المذابح التي ارتكبتها في سوريا موسكو وطهران وأتباعها، كما أعادت إلى آلة الحرب الإيرانية مليارات لا حصر لها. اللائحة، مع ذلك، يتوجب أن تتسع لأمثال الفليبيني رودريغو دوتيرتي، والمصري عبد الفتاح السيسي، والروسي فلاديمير بوتين، والسعودي محمد بن سلمان؛ وهذه لائحة تستعرضها سامنثا باور، السفيرة الأسبق للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، ولا يلوح أنّ المستشهدَين بالعهد الجديد يساجلان ضدّها؛ ليس دون تمييز ذرائعي أقصى: "طيلة 75 سنة احتمت المملكة بمظلة أمنية أمريكية مريحة، وفّرتها الولايات المتحدة لأنّ السعوديين ونفطهم لعبوا دوراً محورياً ستراتيجيات أمريكا الاقتصادية".
وثمة جانب ثالث في المسألة، هو تلك الحال من التكافل والتضامن بين ترامب، في الرأس الأوّل للمثلث؛ وؤئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في رأسه الثاني؛ والأمير بن سلمان، في الرأس الثالث... لجهة القاعدة السفلى أغلب الظنّ! وليس المتنبه لجوهر تلك الحال واحداً من "المشبوهين المعتادين"، كارهي سياسات رؤوس المثلث؛ بل نقرأه لدى معلق إسرائيلي مخضرم مثل تسفي برعيل، الذي كتب في "هآرتز" أنّ العلاقة بين نتنياهو وترامب "تشبه تلك التي تجمع بين لصوص الأحصنة"، كلّ يغطي على الآخر؛ وفي قضية خاشقجي تحولت دولة الاحتلال إلى مستشار لزعيم المافيا، ترامب، فتدخلت لديه كي يخفف الضغط على بن سلمان. ولم يتأخر ترامب بالطبع، إذْ أعلن ــ دون اللجوء إلى أية مداراة دبلوماسية ــ أنّ الامتناع عن إلحاق الأذى بالعلاقات الأمريكية ــ السعودية يهدف إلى "ضمان مصالح بلدنا، ومصالح إسرائيل، والشركاء الآخرين في المنطقة كافة".
من جانبه، فإنّ دانييل شابيرو، الزميل الزائر في "معهد دراسات الأمن القومي" في تل أبيب، لا يجد أي حرج يحول دون توقيع مقال بعنوان "لماذا تشكّل جريمة خاشقجي كارثة لإسرائيل"؛ يتضمن جملة من الأسئلة التي تلقي بظلال الشك على "كامل المفهوم الستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، بسبب من ربط الكثير من خيوط تلك الستراتيجية بشخص بن سلمان، وعهده الراهن والمقبل معاً. "بالنسبة إلى الإسرائيليين، قد تكون هذه هي اللطمة الأقوى في مفاعيل جريمة خاشقجي. ذلك لأنّ هوس م. ب. س. بإسكات ناقديه دمّر عملياً محاولة بناء إجماع دولي حوله"، سواء في ملفّ "صفقة القرن" أو في ممارسة الضغط على إيران، يكتب شابيرو؛ ويتابع: "الضرر عريض. قد يخرج ترامب عن الصفّ العام، ولكن أيّ عضو في الكونغرس، وأيّ زعيم أوروبي، سوف يكون مستعداً اليوم للجلوس مع م. ب. س.؟".
ليس تماماً، في الواقع، إذْ سوف تبدأ السبحة من محطة بن سلمان الأولى في مصر، بضيافة السيسي؛ ثمّ تكرّ، كما هو منتظَر، مع قمة الـG-20 في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيريس؛ ومَنْ يدري إذا كانت النبوءات سوف تصدق حول هوية الزعماء الذين سيأنفون عن لقاء بن سلمان، أو ــ على العكس، كما يقول منطق المصالح والذرائع ــ سوف يأخذونه بالأحضان... كأنه، مثلهم، من صنف الحمائم، لا الحيّات!
 22/11/2018

سمخ: بين أكرم الحوراني وفواز عيد

على الطريق إلى زيارة أهلنا في الجولان المحتل، وخلال عبور قصير الأمد في مدينة سمخ الفلسطينية، فجر 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، صحبة ياسر خنجر وعلاء الصفدي وفاروق مردم بك؛ استعدتُ الفقرات التي دوّنها أكرم الحوراني عن فترة تطوّعه في القوّة السورية ضمن "جيش الإنقاذ"، أوائل 1948، وخاصة التضحيات الجسام التي بذلها الضباط السوريون لتحرير المدينة من العصابات الصهيونية. ونقل الحوراني عن مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس، أنّ الجيش السوري كان ناشئاً وقليل العدد والعدّة، ولكن أفراده استبسلوا في جميع المعارك التي خاضها مع الإسرائيليين، "حيث كانت نسبة من استشهد من ضباطه أكبر من أي نسبة معروفة في الجيوش المحاربة".
كذلك توجّب أن أستذكر أحد الأبناء البررة لهذه المدينة، لأسباب فلسطينية هذه المرّة، وإنْ كانت غير بعيدة عن سوريا، وتتصل بالشعر وليس بحرب فلسطين وأنساق التضحية مقابل الخيانة، والبسالة مقابل الغدر. حضر في البال ابن سمخ الشاعر الفلسطيني فواز عيد (1938 ــ 1999)، الذي ولد هنا قبل أن تُهجّر عائلته إلى القنيطرة السورية، حيث درس وتخرج من جامعة دمشق، وعمل مدرّساً لدى وكالة الغوث؛ وفي سوريا أنجز مجموعاته الشعرية الأربع، وفي ترابها دُفن بعد رحيله الفاجع. وإذْ كان عيد قد عانى من ظلم فادح لجهة إنصاف موقعه المتميز داخل مشهد الشتات في الشعر الفلسطيني خلال ستينيات القرن الماضي، أسوة بالتقصير النقدي الذي حاق بمجايليه من أمثال محمد القيسي وعز الدين المناصرة وأحمد دحبور ومريد البرغوثي؛ فالسبب الأبرز لا يعود إلى تأخّر الانتباه إلى علوّ قصيدته وخصوصية صوته وسطوع شعريته، فهذه وسواها عناصر تأكدت دون إبطاء، بل إلى حقيقة انشغال النقد العربي بشعر الأرض المحتلة ونماذج محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وطغيان ما سُمّي "شعر المقاومة".
وفي عددها لشهر آذار (مارس) 1961، كانت شهرية "الآداب" اللبنانية قد حملت قصيدة أولى من عيد بعنوان "خرائب"، تصدّرها الإهداء التالي: "إلى الرفاق الباحثين عن رغيف شمس... وقطرة ماء"؛ وكان جلياً أنّ النصّ يعكس مراساً في الكتابة الشعرية ليس طارئاً، وليس وليد هذه القصيدة، رغم أنّ تأثيرات بدر شاكر السياب، وخاصة "أنشودة المطر" التي كانت "الآداب" قد نشرتها في عدد حزيران (يونيو) 1954، واضحة وبيّنة: "نهوّم في العراء على رمال الليل.. في الظلمة/ لنسأل عنك يا آذار.. في الينبوع.. في النسمة/ وعند مساقط الشلال.. تحت سواعد الكرمة/ ظماء نحن يا آذار.. موتى.. هات فاسقينا/ حيارى.. خائرات.. يلتمسن الماء.. لو قطرة/ تظل تدور في الأعماق لاهثة بها زفرة/ غداً آذار يأتينا/ مع الإشراقة الأولى/ غداً يأتي وفي أكمامه خمر ليروينا". ومن حيث الشكل، كان عيد ينوس ــ ليس دون مشقة في اجتهاد المزاوجة ــ بين شكل العمود وشكل التفعيلة؛ وبين لغة الشعراء التموزيين ورموزهم ومناخاتهم، ومعجم شعر الالتزام والبحث عن الخلاص والقيامة؛ مع ميل لافت إلى ضبط الميزان الوجداني للقصيدة بعيداً عن التهويل العاطفي.
بعد 15 شهراً، في عدد حزيران (يونيو) 1962، سوف تنشر "الآداب" قصيدة جديدة من عيد، بعنوان "الأبواب"، تحمل هذه المرّة الكثير من روحية التجديد؛ سواء من حيث الشكل، إذْ تستقر على صيغة التفعيلة دون أيّ جنوح إلى العمود المقنّع أو التقفية الرتيبة، كما تختار مقطع الكتلة وليس التقسيم إلى سطور فقط؛ أو من حيث المحتوى، إذْ تدشّن سلسلة الموضوعات التي ستصبح علامة فارقة في نصوص عيد اللاحقة. وهكذا، في باب "المطر"، كتب عيد: "الريح دائخة تدق جبينها بالسور، تنثر شعرها غضبى، تراجع في سفوح التل أسيجة الكروم/ وتظل تركض.. ثم يدركها العياء.. تخور.. تسقط في شقوق الليل.. ترقد في مدى الخدر السحيق".
والأرجح أنها لم تكن مصادفة، حسب قراءتي الشخصية، أن هذه القصيدة تحديداً تستهلّ مجموعة عيد الأولى "في شمسي دوار"، التي صدرت سنة 1963، وكانت في عداد مجموعة من الأعمال الشعرية حرص الراحل سهيل إدريس على إصدارها عن "دار الآداب" في سياق حماسه الفائق لشكل التفعيلة، أو "الشعر الحرّ" في التسمية الأخرى، أمام زحف قصيدة النثر ومدرسة مجلة "شعر". المجموعات اللاحقة، "أعناق الجياد النافرة" و"من فوق أنحل من حنين" و"بباب البساتين والنوم"، فضلاً عن قصائد جُمعت بعد رحيله تحت عنوان "في ارتباك الأقحوان"؛ سوف تنقل عيد إلى مصافّ أرقى ضمن ثلاثة مشاهد شعرية في الواقع: الفلسطيني، وليس بالضرورة بسبب من حضور القضية في القصيدة؛ والسوري، لأنّ عيد كان في قلب الحركة الشعرية السورية، وحملت قصائده موضوعات شتى ذات صلة بسوريا ودمشق؛ والعربي، ثالثاً، لأنّ تجربته أخذت تتأصل على نطاقات أوسع فأوسع في قلب معترك التجريب الشعري العربي.
وعلى عتبات مدينة سمخ، في تلك البرهة الفائقة من ذلك الفجر، في غمرة انجلاء البواطن الأعمق من الآصرة الفلسطينية ــ السورية؛ حضر أكرم الحوراني، وردّنا شاطئ طبرية إلى شعر فواز عيد: ".. وضباب الفجر أعمى/ يلثم الحيطان/ والبلور يلتفّ إلينا/ عبر باب من دمشق النائية".
18/11/2018