وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

بندر بن سلطان وآل الأسد: كم يوافق شنّ طبقة!


في صحيفة "إندبندنت عربية"، آخر مقتنيات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في ميادين الإعلام، أجرى رئيس التحرير عضوان الأحمري حواراً مستفيضاً مع بندر بن سلطان، "أمين عام مجلس الأمن الوطني السابق ورئيس الاستخبارات في السعودية وسفيرها في واشنطن لأكثر من ٢٢ عاماً"، حسب توصيف المحاور. وفي ختام الجزء الأوّل، أسهب بندر في الحديث عن آل الأسد، حافظ وبشار، خلال زيارات كثيرة قام بها إلى دمشق؛ حيث نقرأ عن لقاءاته مع الأسد الأب، ثمّ وريثه، ثمّ بعض "رجال الرئيس"، أمثال عبد الحليم خدام وفاروق الشرع؛ وبعض رجال الوريث، أمثال مناف طلاس. أقاصيص الأمير تفوح منها، بقوّة في الواقع، روائح الاختلاق والتباهي الكاذب، وادعاء دور في التسوية بين الأسد الأب ودولة الاحتلال الإسرائيلي لا يقرّه العقل البسيط ولا مسرد وقائع تلك السياقات.
 هو، مع ذلك، سلوك ليس غرض هذه السطور، التي تحاول تصويب ما يسرده بندر لصالح إحقاق خلاصة كبرى، لعلها الأكثر فائدة في نهاية المطاف: أنّ آل سعود، في شخص بندر تحديداً؛ وآل الأسد، في شخص الأب والوريث؛ يجسدون خير تجسيد ذلك المثل العربي الشهير، عن وشنّ الذي وافق طبقة؛ مع فارق انعدام الدهاء والتدبير والذكاء والصدق، لدى الطرفين هنا، غنيّ عن القول. لا بأس، إلى هذا، من اقتباس نموذج واحد على طريقة الأمير في التكاذب؛ إذْ يروي أنّ أوّل مرّة سمع فيها "بشيء اسمه بشار الأسد" كانت حين ناشده صديق سوري أن يتوسط لدى الحكومة البريطانية كي تقبل تخصص طبيب الأعين نجل الأسد، وأنه فعل، ووافق البريطانيون، وهكذا جاء بشار إلى لندن.
يستغفل الأمير العقول، على النحو الأكثر ابتذالاً، حين يفترض أنّ قبول أي طبيب أجنبي للتخصص يحتاج إلى موافقة حكومية بريطانية، وليس موافقة الجامعة أو المشفى المعنيّ بالطلب، بمعزل عن إجراءات التأشيرة العامة بالطبع. أو حين يتناسى حقيقة أنّ مجيء طبيب العيون ذاك إلى بريطانيا كان ميدان تسابق محموم بين رجال أعمال سوريين، بعضهم مليارديرات تجارة واستثمارات ونفط؛ ورجال مناصب دبلوماسية، بما في ذلك الجامعة العربية؛ ورجال جامعات عريقة وأكاديميات وبيوتات أبحاث، حتى تلك البريطانية الكولونيالية العتيقة. ذلك لانّ الأسد الأب، ليس في حينه فحسب، بل على امتداد سنوات حكمه منذ انقلابه العسكري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1970؛ كان أثيراً لدى الحكومات البريطانية المتعاقبة، بسبب من سياساته التي خدمت مشاريع الغرب في سورية والمنطقة عموماً، وكذلك لأنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت راضية عن نظامه، كلّ الرضا.
ويروي بندر بعض تفاصيل تنصيب الوريث، وكيف (في حضرة الأمير شخصياً!) كان يغلظ في القول لجنرالات الجيش، أو يطرد الشرع من الغرفة، أو يحكي (للأمير دائماً) أنهم، بعد وفاة الأب، "أتوا بـ 10 عمادات مع قادة المناطق ودخلتُ عليهم وقاموا بإلقاء التحية وبعضهم يترحم، وقلت لهم: اششش… أنت ستغادر غداً، وأنت هذه السنة الأخيرة لك، أنت ستبقى، ما سمعته على لسانك عني أعجبني، أنت سأقطع لسانك… أنت أخذت كم مليون دولار حنحاسبك وأنت كذا وكذا... وبدأ بشار بتوزيع الـ "أنت" وبعدها ما سيفعله بكل عماد والعماد هو أعلى رتبة عسكرية". ويسرد، أيضاً، خشية الأمير عبد الله، ولي العهد يومذاك، من أنّ بشار "غليّم ما يعرف يحكي"، وأنّ "سوريا تهمنا، ما نبغاها تسقط"؛ وكأنّ المملكة لم تكن على علم بتفاصيل التوريث كافة، منذ موت باسل الأسد سنة 1994، وكيف تمّ سريعاً استبداله بالوريث الثاني بشار.
النقطة الأهمّ في الحوار هي ما ينقله بندر، على لسان الأسد الأب، عن "الألم" الذي أصابه من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، حين قرر الأخير "أن يغيّر المعادلة، وأعطى خطاباً لوزير الخارجية الأمريكي موجهاً للرئيس الأمريكي يقول فيه أبلغ الأسد أنني موافق على الانسحاب من الجولان، إذا تعهد لكم أنتم لا نحن، بإعادة العلاقات وغيرها، وأحد الطلبات سحب الأسلحة الثقيلة إلى الحدود التركية". ويتابع بندر، على لسان الأسد دائماً، أنه لو استغل تلك الفرصة "لكان الجولان لنا، ولفتحنا سفارة لا نجعل أحد [كذا في أصل "الإندبندنت"] يعمل فيها، لكن الفرصة ضاعت". في عبارة أخرى، الأمر هنا يتصل بما اتخذ بعدئذ تسميةً شهيرة هي "وديعة رابين"، التي حملها وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي يومذاك، في آب (أغسطس) 1993. وهذه حكاية سوف يستعيدها الوريث، كما استعادها الأب مراراً وتكراراً، وكلما دار حديث عن استئناف مسارات التفاوض بين النظام ودولة الاحتلال.
ففي صيف 2007، خلال خطاب تتويجه لـ"رئاسة" ثانية، تحدث الأسد الابن عن الوديعة هكذا (مرتجلاً، وفي الارتجال فضيلة افتضاح مكنون أوسع): "المطلوب بالحدّ الأدنى تقديم وديعة على طريقة وديعة رابين أو شىء مكتوب.. لكى نضمن بأنّ الحديث هو ليس حول الأرض التى ستعود.. لأن الأرض ستعود كاملة. نحن نفاوض على أمور أخرى.. نحن نحدد هذا الخط.. خط الرابع من حزيران على الخارطة.. يتم النقاش حول موضوع الترتيبات الأمنية.. العلاقات.. كما حصل فى التسعينيات أيام رابين". وكان الطرح ذاك غريباً، من وجهة أولى مفادها ثقة الأسد في أنّ الأرض ستعود على يديه وفي عصر نظامه، ولم يكن أحد سواه يدري بأيّ الوسائل سينجز هذه المعجزة، وكيف. 
غرابة ثانية هي جهل الوريث، أو تجاهله، بأنّ تلك الوديعة اقترنت منذ البدء بخطأ من نوع ما، ارتكبته الأطراف الثلاثة في آن معاً. رابين أخطأ حين حمّل كريستوفر رسالة "غير مدوّنة"، أو "لا ـ رسالة" Non-Letter كما استطاب البعض وصفها، ليست ملزِمة للإسرائيليين من الناحية القانونية، ولكنها انقلبت إلى "زلّة تفاوض" إسرائيلية تمسّك بها الأسد الأب وحوّلها على الفور إلى وثيقة مدوّنة ملزمة. وكريستوفر أخطأ حين نكث بوعده لرابين (أن يبقي الرسالة في عهدته، وأن يضعها في خلفية التفكير والمناورة ليس أكثر)، فباح بها أو ببعض عناصرها إلى الأسد، ظانّاً أنه بذلك سوف يساعد في دفع الأمور. والأسد أخطأ حين تلكأ في اغتنام الفرصة، ثم عاد ليطالب بها، ولكن بعد فوات الأوان.
الطريف أنّ بندر ينصّب نفسه مندوباً عن الجميع: الملك فهد، وليّ عهده عبد الله، الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، وزير خارجيته كريستوفر، رابين، شمعون بيريس بعد مقتل رابين... كلّ هؤلاء، دفعة واحدة، خلال اجتماع مع الأسد الأب في دمشق: "وقتها كنا أنا وحافظ نضع على الطاولة الخارطة التي يمكن أن يعمل عليها الطرفان السوري والإسرائيلي، حتى ينتهي موضوع الجولان"! وأمّا وجه الطرافة فإنّ المعلومات التي يسردها بندر عن إشكالية الأمتار المتنازع عليها في محيط بحيرة طبرية، كان يعرفها أبسط صحافي دولي مشتغل بالشأن التفاوضي هذا، وكان ضابط الاستخبارات السوري بهجت سليمان يوجّه رجاله في الإعلام السوري لترويجها.
الأطرف، مع ذلك، هو أنّ الأمير بات نجماً ساطعاً في الملفّ السوري بعد انتفاضة 2011، وكان بعض أقطاب "المعارضة" السورية الإسطنبولية يحجون إليه، فرادى وجماعات؛ ثم أفل نجمه هنا، أسوة بنجومه كافة فيما بعد. وسوى إعادة تثبيت المثل العربي، عن انطباق آل سعود وآل الأسد؛ ما الذي ترمي إليه صحائف محمد بن سلمان من نبش القبور اليوم، أمواتاً وأحياء؟
26/1/2019

الخميس، 31 يناير 2019

قواعد الاشتباك الإسرائيلية: مقوّمات العربدة

أشارت تقارير صحفية إلى أنّ السفارة الأمريكية في بغداد حذّرت السلطات العراقية من احتمال قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بقصف مواقع داخل الأراضي العراقية، تابعة لـ"الحشد الشعبي" ويديرها "الحرس الثوري" الإيراني بالطبع، تأوي مصانع أسلحة صاروخية مخصصة للتصدير إلى "حزب الله" اللبناني. فإذا صدقت هذه الأنباء، ووضع المرء في الاعتبار حقيقة أنّ واشنطن يندر أن تُفشل مسبقاً عمليات أمنية إسرائيلية حساسة، فإنّ المراد هو متابعة الضغط الأمريكي على الحكومة العراقية بصدد نفوذ إيران، عبر منظمات مثل "الحشد"، وميليشيات أخرى تدور في فلك طهران.
وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد ألمح، أثناء اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بغداد مطلع الشهر، إلى أنّ واشنطن لن تتدخل ضدّ هجمات كهذه. كما نقل تقديراً إسرائيلياً صريحاً يفيد بأنه من غير المجدي قصف فصائل "الحشد" داخل سوريا (على غرار ما فعل الطيران الحربي الإسرائيلي في حزيران/ يونيو الماضي، شرق دير الزور)؛ لأنها "تعود كلّ مرة إلى تنظيم صفوفها، والانطلاق من العراق مجدداً".
وهكذا، بين عربدة، باتت دائمة ومتواصلة، في أجواء سوريا جنوباً وشرقاً وغرباً؛ وتدمير أنفاق "حزب الله" في الجنوب اللبناني، والانطلاق من الأجواء اللبنانية لقصف سوريا والعراق، الأمر الذي يرقى إلى أعمال الحرب الصريحة؛ ثمّ القصف، أيضاً، في العمق العراقي وليس على الحدود السورية ــ العراقية وحدها... تواصل دولة الاحتلال تثبيت قواعد اشتباك مع إيران، هي بمثابة مقوّمات واضحة المعالم، متماسكة العناصر، عالية الفاعلية، لا رادع لها ولا رقيب أو حسيب!
إنها، بادئ ذي بدء، تحظى بمصادقة واشنطن، وسكوت موسكو، وإغضاء أنقرة؛ بالنظر إلى أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يتفادى، بمهارة واحتراف، ارتكاب "الضرر المجاور" حين يقصف هنا وهناك، فلا يصيب التحالف الدولي ولا الروس ولا الأتراك. وحين يقع المحظور (كما في إسقاط طائرة "إيل ـ 20" الروسية في سماء الساحل السوري، أيلول/ سبتمبر الماضي)، فإنّ الخطأ وقع من جانب بطاريات النظام السوري، والحادثة ذات "أسباب عارضة" حسب تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وهي، تالياً، قواعد اشتباك تخدم غرضاً ستراتيجياً تتفق عليه القوى الكبرى الثلاث المنخرطة في الملفّ السوري راهناً، أمريكا وروسيا وتركيا؛ أي تحجيم النفوذ الإيراني، العسكري بصفة خاصة، على الأرض في سوريا؛ وخفض أوراق طهران عندما يحين أوان المحاصصة الفعلية وتقاسم الراهن والمستقبلي في البلد، وربما على نطاق الـLevant بأسره، وفقاً للتعبير العجيب الذي أحياه مؤخراً الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون.
والقواعد، ثالثاً، لا تتوسل إشعال حرب إيرانية ــ إسرائيلية فعلية، شاملة، أو ساحقة ماحقة كما يقول التوصيف الشهير؛ بل هي نزالات مصغّرة تقصّ، ولا تقلّم فقط، أيّ أظافر إيرانية يمكن أن تستطيل أو تتقوى على امتداد كامل النطاق الجيو ــ سياسي الذي يقرّر الكيان الإسرائيلي أنّ خطوطه حمراء بالنسبة إلى أمنها. وبهذا فإنّ الغرض ليس استهداف قاسم سليماني شخصياً، ومثله حسن نصر الله، أو أبو مهدي المهندس قائد "الحشد" الفعلي؛ ولا حتى المقارّ، على الأراضي السورية، التي تختزن رموزاً "سيادية" إيرانية، مذهبية أو استخباراتية. 
والقواعد، رابعاً، تعتمد في العمق السياسي على تبعية أنظمة عربية متهالكة مستبدة، فاسدة وفاشلة، تغدق مئات المليارات على عقود أسلحة لا يلوح أنها سوف تُستخدم في أيّ يوم، إلا ضدّ الشعوب. وتنخرط، سعيدة أو صاغرة، في مشاريع وصفقات تعلن تسوية النزاعات، لكنها تستبطن تصفية القضايا وإهدار الحقوق؛ فضلاً عن تورطها في صراعات عسكرية عربية وإقليمية، غايتها العظمى الأولى هي تهدئة المخاوف الداخلية إزاء آفاق انتفاض الشعوب وثوراتها.
فمنذا الذي يمكن أن يواجه دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم، في سوريا أو في العراق أو في تلك الجثة الهامدة التي سُمّيت ذات يوم بـ"المقاومة اللبنانية"؟ وما الذي ينقص الكيان، أو ينغّص عليه، بعد اعتراف عبد الفتاح السيسي بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يعمل في سيناء برخصة من... الرئاسة المصرية؟ 
 26/1/2019

بوتين وأردوغان: أبعد من ذرّ الرماد في الأعين

في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2015، كتبتُ التالي في أعمدة هذه الصحيفة، بصدد تسخين التوتر بين الرئيس الروسي (القيصر) فلاديمير بوتين والرئيس التركي (السلطان) رجب طيب أردوغان: "ما خلا الصاروخ التركي الذي أسقط الـ’سوخوي 24’، فإنّ الحرب الراهنة بين السلطان والقيصر لن تتجاوز التراشق باللفظ والاتهامات والعقوبات الاقتصادية الرمزية، التي تهيّج الجموع بهدف التغطية على صراع الأجندات الإقليمي، وعلى الأرض السورية تحديداً". وأضفتُ أنه كان في وسع الرئيس التركي أن يأمر طيّاريه بأنْ يغضوا الطرف عن اختراق القاذفة الروسية للأجواء التركية، والذي لم يستغرق سوى حفنة من الثواني؛ بل كان ممكناً إتمام مطاردة الـ"سوخوي" في الأجواء التركية، وإجبارها على الانسحاب نحو مطار حميميم، مما يحوّل الواقعة إلى انتصار عسكري ودبلوماسي ربما، دون إسقاط الطائرة.
لكنّ أردوغان، وكان هذا أيضاً يقيني الذي سجّلته يومذاك في المقال ذاته، بات طليق اليدين بعد الانتصار الساحق في الانتخابات التشريعية؛ وبالتالي أراد تنبيه الجميع إلى أنّ تركيا تنوي الدخول في "المعمعة" الإقليمية بقوّة، أسوة بإيران وروسيا والولايات المتحدة. ليس هذا فحسب، بل إنّ تقدّم فوج تركي مدرّع إلى عمق الأراضي العراقية، في محيط الموصل، كان يؤكد عزم أنقرة على المضيّ في الهدف الأبرز من اقتحامها للمشهد المعقد: فرض واقع عسكري على الأرض، مباشرة أو عبر حلفاء محليين، يخلق "منطقة عازلة" كفيلة بكسر حلقات اتصال أي كيان كردي مستقلّ، في الشمال السوري أوّلاً؛ كما يضيّق الخناق، استطراداً، على كتائب "حزب العمال الكردستاني" أينما تواجدت في البلدين.
استعيد ذلك التقدير، اليوم، في ضوء اللقاءات المتعاقبة، الناجحة في تسعة أعشارها، بين أردوغان وبوتين؛ وبالنظر إلى أنّ العلاقات التركية ــ الروسية لا تبدو أحسن مما كانت عليه في أيّ يوم مضى، على أصعدة اقتصادية وتجارية وتكنولوجية لا تقلّ أهمية عن الوفاق، والتوافق، حول ملفات متفجرة مثل أوضاع محافظة إدلب، وتفاهمات سوشي وأستانة، والقضية الكردية، و... المنطقة العازلة، على الحدود السورية ــ التركية. مَنْ يتحلى بفهم الحدّ الأدنى لمبدأ الواقعية في السياسة، أو ما يطلق عليه القاموس الدبلوماسي صفة الـRealpolitik في العلاقات الدولية؛ لن تصيبه الحيرة وهو يقارن مناخات أواخر 2015 (حين أعلن بوتين أنّ تركيا ستندم على إسقاط الطائرة الروسية، وأنّ معاقبتها لن تكون فقط بتقليص التبادل التجاري)؛ بمناخات أواخر 2018 (حين صرّح بوتين نفسه، في قمّة بيونس آيريس: "أظهرت تركيا مجدداً أنها تتبع سياسة خارجية مستقلة، وهي حليفنا الموثوق").
والقمة الأخيرة بين الرئيسين، في موسكو هذه المرّة وليس في سوشي على جري العادة، أظهرت عنصراً مدهشاً، إضافياً، في هذا الازدهار المضطرد للعلاقات التركية ــ الروسية: أنهما يمكن أن يتفقا، أو يتوافقا أو يتصالحا، بخصوص أمر يبدو كلّ منهما واقفاً فيه على طرفَيْ نقيض، من حيث المظهر والشكل بادئ ذي بدء؛ ولأنه، تالياً، مقترح أمريكي المنشأ، يتوجب ألا تلتقي حوله موسكو وأنقرة بهذه الدرجة من الصفو والصفاء. ذلك الأمر هو مشروع المنطقة العازلة، الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واحدة من تغريداته، كمنفذ نجاة لتخليص واشنطن من حرج سحب القوات الأمريكية من سوريا دون ضمانات كافية للحلفاء الكرد في صفوف "وحدات دفاع الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية". أردوغان قفز على المشروع، دون إبطاء، وأعلن أنّ بلاده يمكن أن تنفّذ وتدير منطقة عازلة بعرض 32 كم، تكفل ردّ الفصائل الكردية إلى عمق سوري داخلي، وربما خارج شريط شرقي الفرات، وتبسط الاحتلال التركي للأراضي السورية نحو مساحات أوسع.
لم يكن هذا الاقتناص التركي مدهشاً، بالطبع، ليس لأنه يتماشى مع المصالح التركية ويخدم مشروع تحجيم الكرد في المناطق المحاذية، فحسب؛ بل كذلك لأنه، أغلب الظنّ، كان نتاج تفاهم مباشر بين أردوغان وترامب، حول المنفذ الذي يحفظ ماء وجه قوّات اليانكي المنسحبة من منبج وشرق الفرات ومناطق "الجزيرة" السورية. الجدير بإثارة الدهشة، في المقابل، هو صمت بوتين على هذا التفصيل الحاسم أثناء المؤتمر الصحفي مع أردوغان، مقابل تشديد الأخير على أنّ أنقرة سوف تقيم تلك المنطقة العازلة، وأنّ أعمال إنشائها متواصلة بالفعل، وهي استطراداً ليست مجرّد حبر على ورق أو خزعبلات تغريدة ترامبية! كيف حدث أنّ بوتين تغافل، عامداً بالطبع، عن الخوض في هذا الأمر والموقف الروسي الرسمي لا يزال يتبنى قاعدة بسط النظام السوري نفوذه على كامل التراب الوطني السوري؟ وكيف هذا، إذا كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أعاد التأكيد، قبل أيام قليلة فقط، على أنّ "الحلّ الأفضل والوحيد هو نقل هذه الأراضي إلى سيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية"؛ مضيفاً أنّ بلاده ترحب بـ"الاتصالات التي بدأت للتوّ بين الممثلين الكرد والسلطات السورية بحيث يعود هؤلاء إلى حياتهم تحت حكومة واحدة ودون تدخل خارجي"؟
السرّ، المفتضَح تماماً في الواقع، هو أنّ أنقرة باتت اللاعب الأوّل والأكبر اليوم في محافظة إدلب، والشمال الغربي السوري إجمالاً؛ وليس التنازل الروسي لتركيا حول مشروع المنطقة العازلة سوى قسط أوّل من دفعات سوف تتوالى، وتحتاجها موسكو ضمن ترتيبات أبعد أثراً وأطول مدىً، بصدد عشرات الآلاف من مقاتلي "هيئة تحرير الشام" المتكدسين في مختلف أرجاء المحافظة، وكذلك آلاف المقاتلين "المعتدلين" في صفوف بقايا الجيش السوري الحرّ والفصائل الإسلامية. هذا إذا افترض المرء حسن النيّة لدى موسكو، تجاه الكرد أوّلاً، ثمّ تجاه إيران بوصفها الضامن الثالث لتفاهمات أستانة (ولكن أيضاً: الفريق الإقليمي الذي يسلّح ويموّل ويدير الميليشيات الشيعية التي تعكّر صفو ترتيبات موسكو مع قوّات "النمر" والميليشيات المحلية الخاضعة لنفوذ قاعدة حميميم الروسية في محافظة حماة وسهل الغاب). ولم يكن مستغرباً، والحال هذه، أن يتبرع بوتين باستضافة قمة جديدة ثلاثية، تجمعه مع أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني، " للوصول إلى حل دائم في سوريا"، كما قال؛ ولكن بغية ذرّ المزيد من الرماد في الأعين، كما لم يقلْ.
مَنْ، في ضوء تطورات الموقف التركي من الملفّ السوري منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية قبل ثماني سنوات، ثمّ بعد إسقاط طائرة الـ"سوخوي" الروسية قبل أكثر من ثلاث سنوات؛ يمكن أن يرتاب اليوم في أنّ أردوغان أنجز فعلياً ما كان قد طمح إليه، وخطط له بمهارة: أن يُدخل تركيا في "المعمعة" الإقليمية بقوّة، عبر الملفّ السوري، وأن يباري إيران وروسيا والولايات المتحدة، وأن يصبح الاحتلال التركي خامس احتلالات إسرائيلية وإيرانية وروسية وأمريكية؟ وفي غمرة المدّ والجزر على صعيد العلاقات التركية ــ الأمريكية، إذْ تتدهور تارة لتتحسن تارة أخرى، مَنْ كان ينتظر من تركيا امتلاك هذا الهامش الواسع للمناورة بين الأصدقاء والخصوم والحلفاء؟
قبل هذا كلّه، أي قبل اقتناص ما تيسّر من أوراق في ملفّ الشمال السوري، كانت تركيا تغذّ الخطى نحو احتلال موقع بدت معالمه أبعد نطاقاً، وأوسع نفوذاً، من ذاك الذي يمكن أن تطمح إليه قوّة أقليمية. وكان داود أوغلو، حكيم "حزب العدالة والتنمية" الذي غادر المنصب دون أن تغادر فلسفتُه النفوس، يحلم لبلده بموقع القوّة الدولية أوّلاً، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية؛ ولا يخاله المرء كان واهماً حين أبصر في شخص أردوغان ذلك السلطان المتربع على سلطنة كونية تجمع صداقة/ خصومة واشنطن وموسكو وحلف الناتو وطهران، معاً؛ فضلاً عن... إغضاء تل أبيب!
 24/1/2019

أربعون الثورة الإيرانية: زراعة بني صدر وحصاد سليماني

في سنة 1979، وتحت عنوان "تحية إلى الثورة الإيرانية"، كتب أدونيس (الشاعر السوري، النصيري بالولادة): "أفقٌ، ثورةٌ، والطغاةُ شَتات/ كيف أروي لإيران حبي/ والذي في زفيري/ والذي في شهيقي/ تعجز عن قوله الكلمات/ سأُغنّي لقُمٍّ لكي تتحول في صبواتي/ نارَ عصفٍ، تطوف حول الخليج/ وأقول المدى والنشيج/ شعب إيران يكتب للشرق فاتحةَ الممكنات/ شعب إيران يكتب للغرب وجهُكُ يا غربُ مات/ شعب إيران شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبيّ/ إنه رفضنا المؤسِسُ، ميثاقنا العربي".
ولكي لا يبقى أدونيس وحده في الميدان، فيُعزى حماسه المشبوب هذا إلى نوازع مذهبية، كتب نزار قباني (الشاعر السوري، السنّي بالولادة)، ممتدحاً الثورة ذاتها: "زهّر اللوز في حدائق شيراز/ وأنهى المعذبون الصياما/ ها هم الفرس قد أطاحوا بكسرى/ بعد قهر، وزلزلوا الأصناما/ شاهُ مصر يبكي على شاه إيران/ فأسوان ملجأ لليتامى/ والخميني يرفع الله سيفاً/ ويغنّي النبيّ والإسلاما".
على الجبهة السياسية السورية، المعارِضة تحديداً، صدرت صحيفة "نضال الشعب"، المطبوعة السرّية الناطقة بلسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي (كما كان يُعرف يومذاك، قبل أن يتبنى الاسم الجديد "حزب الشعب الديمقراطي"، بقرار من المؤتمر السادس، ربيع 2005)؛ وقد حملت على صفحتها الأولى ثلاث موادّ خاصة بانتصار الثورة الإيرانية، ذات نبرة احتفائية عالية. "وجاءت القارعة"، "الثورة الإيرانية المنتصرة تضع إيران على درب الحرية والديمقراطية والتقدم"، و"أصداء أولى للثورة الإيرانية". وإذْ كانت الموادّ تهلل للثورة الإيرانية، من حيث النبرة المعلنة، فإنّ النبرة الضمنية كانت تشير إلى استبداد حافظ الأسد: "الوضع الإيراني مرتب، لا مجال لاختراقه. ومع ذلك تبيّن أنّ هذا البنيان العظيم ضعيف الأساس. لقد تهاوى حجراً إثر حجر، فيا للثورة المظفرة! لقد تفجرت إرادة الملايين من الناس مرّة واحدة ضدّ الظلم والظلام. ملك الملوك أصبح لاجئاً عند أحد الملوك العرب الضالين، ذلك أنّ شبه الشيء منجذب إليه. ينسى الطغاة دائماً وأبداً درس التاريخ البسيط المكرر: العدل أساس الملك"....
اليوم، بعد 40 سنة على ذلك الحماس، حصد نظام آل الأسد، الأب والابن الوريث معاً، ما حصدته غالبية أبناء سوريا من المآلات الراهنة للثورة الإيرانية: التدخل العسكري المباشر لصالح النظام، عبر "الحرس الثوري" وفيالق الجنرال قاسم سليمان، أو عبر عشرات الميليشيات المذهبية التي يتصدرها "حزب الله" اللبناني. واليوم، لأسباب لا صلة لها بموقف إيران من النظام السوري أو انتفاضة آذار (مارس) 2011؛ يصعب أن يتوقف أدونيس عند الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية طبقاً لمنطق العام 1979، وبروحية وجه الغرب الذي مات، أو أنّ شعب إيران هو النبيّ والرفض المؤسِّس والميثاق العربي. وأمّا "حزب الشعب الديمقراطي" فلم يعد يرى في تلك الثورة أقلّ من نظام آيات الله الثيوقراطي المذهبي الاستبدادي، المساند لأنظمة الاستبداد والفساد؛ وهذا شبيه بمواقف معظم اليسار السوري المعارض، حتى حين يرى البعض ذريعة ما، تمرّ من ثقوبها خرافات "الممانعة" و"محور المقاومة".
لكنّ الجوهري أكثر هو ما آلت إليه تلك الثورة في حياضها الإيراني تحديداً، وكيف تسارعت انقلاباتها الداخلية على ذاتها فلم تتوقف ــ منذ شباط (فبراير) 1979، حين عاد آيد الله روح الله الخميني من منفاه الفرنسي إلى طهران ــ عن التهام صنّاعها تباعاً، ثمّ الإجهاز على أبنائها المقرّبين، وصولاً إلى خيانة آمال تلك الشرائح الشعبية التي انخرطت فيها وظلت رائدة لها حتى تكفلت بانتصارها. السيرورة ابتدأت من رهط الإصلاحيين الأوائل، رئيس الوزراء الأوّل مهدي بازركان، ورئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر؛ إذْ لم يمض زمن طويل، يُعدّ بالاشهر في الواقع، وليس بالسنوات، حتى كشّر آيات الله عن الأنياب الحقيقية، المحافظة والمتشددة والمستبدة، التي تمقت الحريات العامة وتبغض الحقوق المدنية وتحارب الرأي الآخر وتسعى إلى قتله في المهد.
الأوّل كان ابن تاجر أذربيجاني مرموق، درس الهندسة الحرارية في باريس، وعاد إلى جامعة طهران ليتولى عمادة كلية التكنولوجيا، ويقود سلسلة احتجاجات ضدّ الشاه ودعماً لحركة محمد مصدّق. ورغم سجنه مراراً لم يتوقف بازركان عن ممارسة الأنشطة المعارضة، فأسس "حركة المقاومة الوطنية" سنة 1953، و"حركة التحرر الوطنية" سنة 1961؛ وبالتالي كان في طليعة قادة التظاهرات المبكرة في طهران، التي آذنت بأفول عهد الشاه. وكان أمراً طبيعياً أن يختاره الخميني لرئاسة أوّل حكومة مؤقتة، ثمّ كان أمراً طبيعياً كذلك أن يناهضه المحافظون المتشددون، هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي، على خلفية خططه الاقتصادية، ومعارضته لواقعة رهائن السفارة الأمريكية. وهكذا، بعد تسعة أشهر في المنصب، تقدّم بازركان باستقالته فقبلها الخميني؛ وتابع خصومه التنكيل به إلى درجة منعه من الترشيح لانتخابات الرئاسة في دورة 1985، فكان المنفى السويسري هو الخيار الوحيد المتبقي أمامه، حيث قضى في زيورخ سنة 1995.
الثاني كان أحد أبرز قادة المعارضة الطلابية لنظام الشاه، وقد سُجن مرتين، وجُرح خلال انتفاضة 1963 المجهضة، والذي درس الاقتصاد في جامعة السوربون وآمن بتلك الثنائية العصية التي تجمع الاقتصاد القومي بالإسلامي، وكان في عداد قلّة من العائدين مع الخميني على الطائرة ذاتها. ومن موقعه، الشرعي المنتخَب، كرئيس للجمهورية، ورئيس للمجلس الثوري بقرار من الخميني، توجّب على بني صدر أن يجابه المحافظين إياهم، رفسنجاني وخامنئي؛ فكتب إلى الخميني تلك الرسالة الشهيرة التي تقول إنّ عجز الوزراء المحافظين أشدّ خطورة على الثورة من الحرب مع العراق، كما عارض الإبقاء على رهائن السفارة الأمريكية، فلقي من البرلمان المحافظ المصير الطبيعي: الإدانة بتهمة العجز والتقصير، والإقصاء من الرئاسة، و... الفرار مجدداً إلى فرنسا، تحت جنح الظلام، بعد أقلّ من سنتين على انتخابه.
من الإنصاف الافتراض، إذن، أنّ الزراعة الريادية، التي دشنها أمثال بازركان وبني صدر؛ سوف يؤول حصادها إلى المرشد الأعلى الراهن علي خامنئي، وإلى جنرالات "الحرس الثوري" أمثال قاسم سليماني. هذا على مستوى الأمن والسياسة والأدوار الإقليمية، وأمّا على صعيد الاجتماع البشري والعقيدة، فإنّ مبدأ "الوليّ الفقيه" هو الضمانة العليا لاستمرار آيات الله في الاستئثار بالسلطات، كافة في الواقع. هذا المبدأ/ القانون هو الركيزة الكبرى في صرح المدرسة الخمينية، وخلافتها الخامنئية، وليست مبالغة أن يساجل المرء اليوم أنّ الأمل منعدم في السير خطوات أبعد على الطريق الذي وُعدت به إيران في مثل هذه الأيام من سنة 1979، وتحقيق انفراج داخلي إيراني، سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي؛ ما لم يقف الإيرانيون موقف مراجعة راديكالية شاملة لعلاقة هذا المبدأ بالحياة والحقّ والحقوق.
ففي نهاية المطاف، هذا مبدأ في "الحكم الإسلامي" صاغه الإمام الخميني على عجل سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية، وخضع منذ البدء لأخذ وردّ، واختلف فيه وحوله عدد كبير من فقهاء الشيعة. الثابت، مع ذلك، أنّ خامنئي هو اليوم أشدّ المدافعين عنه، وأبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً. الأسباب جلية، لا تخصّ الفقه بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية؛ الأمر الذي يفسّر الحماس للمبدأ في صفوف "حزب الله"، وحسن نصر الله شخصياً.
ذلك لأنه المبدأ الذي يحيل زراعة الاقتصادي بني صدر، إلى حصاد بمنجل الجنرال سليماني!
 17/1/2019

تركيا في إدلب: لعبة الخصم والحَكَم

ثمة استيهامات عديدة تكتنف حضور "هيئة تحرير الشام"، "هتش" في السطور التالية، على امتداد الشمال الغربي من سوريا، وفي محافظة إدلب وريف حلب الغربي تحديداً؛ في عدادها، أو على رأسها ربما، ما يتردد من أنها اللاعب العسكري الأوّل على الأرض. ذلك صحيح، في كثير أو قليل، ولكنه ليس البتة منفصلاً عن الحقيقة الأكبر على الأرض أيضاً، بل هو مشروط بها وخاضع لها: أنّ تركيا، متمثلة في جيشها النظامي أساساً، ثمّ الفصائل المنضوية تحت سلطة الآمر التركي ثانياً، هي اللاعب الأعلى: عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، محلياً وإقليمياً ودولياً.
بهذا المعنى، وطبقاً للحقائق الميدانية الصلبة التي تكشفت خلال عمليات "هتش" العسكرية الأخيرة، يتضح زيف ما قيل عن تعهد أنقرة، ضمن سلسلة تفاهمات سوشي وأستانة مع روسيا وإيران (وبلسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً، كما جزم بعض النطاسيين!) بتحجيم "هتش" عسكرياً في الشمال الغربي، حتى لو اقتضى الأمر توجيه ضربات عسكرية لها، مصغّرة أو وسطى ولكن منهجية ومتلاحقة. فالمنطق يقول إنّ بقاء كتائب الجولاني، في هيئة كابوس فعلي هنا أو متخيَّل هناك، مصلحةٌ تركية مفتوحة لأنها ببساطة مترابطة مع أغراض أنقرة الجيو ــ سياسية والعسكرية الأهمّ في الشمال السوري، أي تصفية نفوذ الـPKK هناك، وإقامة ما يشبه المنطقة العازلة شرق الفرات، وربما على امتداد الحدود السورية ــ التركية، والبقاء مثل حجر ثقيل يتوسط طاولة تقاسمات النفوذ في سوريا.
ويتناسى الكثيرون، والبعض يتغافل عن الأمر عامداً أغلب الظنّ، أنّ تركيا تدير 12 مركز مراقبة (أي: إشراف وتحكّم وسيطرة)، تمتدّ من أطراف حلب وحتى تخوم محافظة اللاذقية، مارّة بشمال محافظة حماة؛ وأنّ هذه تجاوزت، منذ برهة تأسيسها في الواقع، صيغة "النقاط" التي تمّ التفاهم عليها ضمن ترتيبات "مناطق خفض التصعيد"، فباتت أقرب إلى ثكنات ارتكاز وتحصين وانقضاض في آن. ومن الطريف، رغم قتامة دلالاته العسكرية والسياسية ــ أو حتى "العقائدية" لدى فصائل الجهاديين خاصة ــ أنّ عمليات "هتش" الأخيرة التي استهدفت "الزنكي" أو "أحرار الشام"، لم تتقاطع مرّة واحدة مع دروب أيّ من تلك الثكنات التركية، وإلا لانتهى التقاطع إلى صدام وقتال وعواقب...
وليس دون مفارقة صارخة أنّ "الجيش الوطني"، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب، اكتفى بالجعجعة اللفظية ضدّ "هتش"، والوعد بتشكيل "غرفة عمليات عسكرية" لمواجهة جحافل الجولاني الزاحفة؛ لكنه، في مثال حصار بلدة الأتارب قبيل اجتياحها، لم يحرّك ساكناً سوى ألسنة الناطقين باسمه، مكرراً معزوفة "رفع الجاهزية العسكرية"، ولكن في جبل الزاوية ومعرة النعمان وأريحا! هذه، بدورها، بصمة تركية لا تخفى، وهي تعيد التأكيد على أنّ اللاعب الأعلى هو الجيش التركي، وأنه يدير رقعة شطرنج مركبة يمكن أن تحتدم بين اللاعبين على الطرفين، ولكن بتوجيه من دماغ واحد وحيد.
ولم يكن ينقص هذا المشهد إلا شهادة إثبات، وتثبيت، جاءت من جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة؛ صحبة الجنرال جوزيف دنبر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي يحدث أيضاً أنه أقرب جنرالات البنتاغون إلى مزاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وإذْ تشدّق بولتون بحرص أمريكا على أولئك الذين قاتلوا "داعش" تحت لوائها، وأنّ واشنطن تتفهم مخاوف تركيا الأمنية جراء وجود كرد الـPKK شرق الفرات؛ فإنه، في المقابل، كان صريحاً واضحاً حول انسحاب أمريكي وشيك، مبرمج على مدى زمني لا يتجاوز 120 يوماً.
بذلك، وكما في مناسبات سابقة ذات صلة بالتوسع التركي في عمق الأراضي السورية، لا يصحّ تنزيه اللاعب التركي عن أداء واحد من تلك الأدوار الكلاسيكية المناطة بكلّ احتلال عرفه التاريخ: المناورة عن طريق خصم محلي، فعلي أو افتراضي، "هتش" هنا؛ هو في واقع الأمر أداة مؤقتة، ضمن منظومة أدوات متكاملة الوظائف.    
 12/1/2019