وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

حمّالة التحولات



تبدّلت صورة فلسطين عبر أطوار الوعي الذاتي المختلفة، وتحوّلت جزئياً أو جذرياً كما ينبغي لأية فكرة عليا وقصوى عن خسران جَمْعي، إذا جاز لي أن أقول، يتجاوز المحليّ والوطنيّ إلى الأُطُر الأعمّ والحدود الكونية. في سورية تفتّح وعينا على فلسطين "الحبيبة" و"السليبة"، على نحو كان أشدّ غَوْصاً في الوجدان من حالتنا مع لواء الإسكندرون الذي كان سليباً بدوره، وكانت تلك السيرورة تشتغل على أصعدة تربوية شتى، تبدأ من نصوص الكتاب المدرسي وتمرّ بالمذياع المنزلي قبل شيوع التلفزة، ولا تنتهي عند التلقين العائلي.
من جانبي شهدتْ صورة فلسطين ثلاثة تبدلات تأسيسية، كما أسميها، صارت فيما بعد مهاداً لانقلابات الصورة التكوينية الابتدائية. الأوّل كان اكتشافي لما سُمّي في حينه "شعر المقاومة الفلسطينية"، وقصائد محمود درويش بصفة خاصة، إذْ لست أنسى تلك البرهة الاستثنائية من اتقاد الحسّ الفلسطيني، وارتقاء الذائقة الجمالية في الآن ذاته، حين قرأت قصيدة "يوميات جرح فلسطيني"، وفيها يقول درويش: "لم نكنْ قبل حزيران كأفراخ الحمام/ ولذا لم يتفتت حبّنا بين السلاسل/ نحن يا أختاه من عشرين عام/ نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل". التبدّل الثاني اتخذ صفة سياسية ونظرية وتنظيمية أيضاً، حين انقلبت "المسألة الفلسطينية" إلى واحدة من قضايا الخلاف داخل الحزب الشيوعي السوري الذي انتميت إليه؛ بين الخطّ البكداشي الذي كان سوفييتياً أيضاً، وخطّ "المكتب السياسي" الذي انضويت في صفوفه وكان يتبنى قراءة تجديدية وأكثر انحيازاً للحقّ الفلسطيني. وأمّا التبدّل الثالث فقد صنعه تحوّل حركة التحرر الوطني الفلسطينية إلى مؤسسة/ دويلة، وامّحاء صفتها النضالية على نحو تدريجي بلغ ذروة غير مسبوقة مع اتفاقيات أوسلو وتشكيل "السلطة الوطنية" على أراض محتلة ومطوّقة بعشرات المستوطنات في قطاع غزّة والضفة الغربية.
في محطات الوعي اللاحقة أدركتُ حدود تعبير "شعر المقاومة الفلسطينية"، وربما سذاجة استخدامه في سياقات تعميمية وتصنيفية، ولهذا كان مبهجاً للغاية أنّ درويش نفسه سرعان ما انخرط في برامج تطوير شعرية متعاقبة تذهب بقصيدته نحو مصافّ كونية أعمق تمثيلاً لعناصر فلسطينية كبرى، مثل الاقتلاع والاحتلال والاستيطان والمنفى والصمود والبقاء، وبالتالي أرقى تعبيراً عن جماليات قضية جديرة باحتلال موقع إنساني وكونيّ فسيح. صحيح أنّ ضغط الشروط الموضوعية ألزم درويش بدفع برنامجه الجمالي إلى الصفّ الثاني، والسماح للمهمة الوطنية باحتلال الصفّ الأول؛ خلال مراحل محددة وأولى من تجربته الشعرية. ولكن من الصحيح أيضاً أنه أثبت حساسية فائقة تجاه تطوير لغته وأدواته وموضوعاته، خصوصاً في العقدين الأخيرين من مسيرته الشعرية؛ حين استقرّت كثيراً معادلات أكثر هدوءاً للعلاقة التبادلية بين تطوير جمالياته الشعرية، وتطوّر نفوذه الأخلاقي والثقافي في الوجدان العربي. وهذه حال تتجاوز مثال درويش إلى علاقة القضية الفلسطينية بالإبداع العربي عموماً، كما أعتقد.
وفي الشريط الوثائقي الذي أنجزه المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي عن الكاتب والمسرحي السوري سعد الله ونوس، يطلق الأخير عبارة وجيزة صاعقة: "فلسطين قتلتني"! من الإنصاف القول أنه "قَتْل" بالإرادة، بمعنى أنّ انخراط ونوس وأمثاله من آلاف المثقفين والكتّاب العرب في الهمّ الفلسطيني حتى النخاع، كان خياراً طوعياً؛ بل كان، على نحو أو آخر، ذاتياً وموضوعياً في آن معاً. ليس أقلّ إنصافاً، في المقابل، التذكير بأنّ ذلك الانخراط اتخذ وجهة قصوى لمستويات الالتزام والانحياز والوفاء؛ وبالتالي كان "قاتلاً" بالمعنى الذي قصده ونوس: قتل لرفاه الكتابة المتخففة من أعباء التاريخ، وقتل لرفاه الفنّ الذي يترفّع عن الآنيّ واليوميّ والطارئ، وقتل لرفاه المكوث في أبراج عاجية عالية من أيّ نوع...
وضمن النقاش السوري، أو العربي إجمالاً، الذي سعى إلى تطوير الماركسية في ميادين نظرية أو تنظيمية، لم تكن حصّة فلسطين قد تجاوزت تلك الإسهامات المعمقة التي اقترحها المفكر السوري الكبير الراحل الياس مرقص، وخاصة في عمله الرائد "عفوية النظرية في العمل الفدائي" الذي صدر سنة 1970. مجموعة "المكتب السياسي" إياها، حتى بعد أن صارت حزباً مستقلاً وعقدت ثلاث مؤتمرات وبدّلت اسمها إلى "حزب الشعب الديمقراطي"، عجزت عن تطوير الأجنّات الأولى لتفكير ثوري وتجديدي حول القضية الفلسطينية؛ ربما بتأثير انقلاب القضية ذاتها من "صراع عربي ـ إسرائيلي" إلى "عملية تفاوض" فلسطينية ـ إسرائيلية، وتحوّل منظمة التحرير الفلسطينية إلى دويلة يمكن لأجهزتها أن تمارس التسلط والقمع والفساد على غرار النظام العربي المعياري المتماثل.
كذلك كان تطوراً مريراً للغاية، وأبعد بكثير من جَرْح النرجسية اليسارية، أو بالأحرى اليسراوية كما يتوجب أن أقول؛ أن نجد "الحكيم" جورج حبش يقيم في دمشق، تحت سلطة استخبارات حافظ الأسد، حين كانت التنظيمات والأحزاب اللبنانية الحليفة للنظام السوري تخوض حرب المخيمات وتجويع الفلسطينيين بالطرائق الأشدّ وحشية وبربرية؛ وأن نتابع، في الآن ذاته، ياسر عرفات (الذي كنّا نعدّه في صفّ "اليمين"، الديني تارة والقومجي طوراً!)، طريداً ومحاصراً من جانب الأسد وحلفائه. الاستكمال الأمرّ لهذه الحال تمثّل في مواقف عدد غير قليل من المثقفين الفلسطينيين، ولندعْ جانباً سلطة محمود عباس وبعض قيادات حركة "فتح"، إزاء الانتفاضة الشعبية السورية وموالاة النظام إجمالاً، وحصار مخيّم اليرموك وتدميره خصوصاً.
في سنة 2000 منعتني سلطات الاحتلال الإسرائيلية من دخول فلسطين عبر الجسر، وكنت ضمن وفد أدبي وثقافي عربي توجّه إلى رام الله للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وكانت ذريعة المنع أنّ بعض كتاباتي السياسية ضدّ الكيان الصهيوني جعلتني شخصاً "غير مرغوب" بدخوله؛ فاتضحت أمامي حقائق أخرى ميدانية كاشفة لمزيد من الأوهام، وربما الاستيهامات، حول أيّ "سلام" مع هذا الكيان الصهيوني. في سنة 2015، وكنت ضمن وفد عالمي يمثّل "احتفالية فلسطين للأدب"، سمحت لي سلطات الاحتلال بالدخول، وأبلغني الضابط الإسرائيلي أنهم وافقوا هذه المرّة رغم كتاباتي (وبعضها يندرج ضمن العداء للسامية، كما أبلغني!)، لعلّي أبصر الفارق بين دولة الاحتلال ومجازر الأسد في سورية. ولو كان لديّ أدنى استعداد للانخراط معه في حديث من أيّ نوع، فكيف بمجادلته، لسردتُ له أوجه التطابق الكثيرة بين النظامين. وفي سنة 2018 دخلت إلى فلسطين للمرّة الثانية، بدعوة من مؤسسة محمود درويش، كي أشارك في إحياء الذكرى العاشرة لغيابه؛ وهذه المرّة كانت شركة علاقات عامة إسرائيلية هي التي تتولى حركة الجسر، وبات الدخول إجراء "تقنياً" تشرف عليه سلطات الاحتلال عن كثب.
هذه ثلاث تجارب ميدانية شخصية لمواطن سوري شدّدتْ، أكثر من ذي قبل، على ما أخذتُ أقتنع به منذ أن اكتسبت فلسطين صورة الواقع، وليس فقط بلاد المجاز أو الحلم أو الفردوس الضائع أو القضية المقدسة أو "الأرض التي تمتصّ جلد الشهداء" حسب تعبير درويش. وفي رام الله والقدس وبيت لحم والخليل ونابلس اتضحت، أكثر أيضاً، ضرورة أن يستردّ الفلسطيني الحقّ في أن يكون إنساناً، لا مجرّد اختزال أسطوري أو بطولي؛ ليس من دون اقتران هذه الخلاصة بالسؤال الرديف: ولكن... هل يستطيع، حقاً؟ هل في وسع الفلسطيني أن يكون آدمياً عادياً، حتى إذا شاء؟ هل يمكنه هذا، متى شاء؟ أينما شاء؟ كيفما شاء؟ وماذا عن "ثقافة الاستشهاد" التي يسوقها البعض على سبيل التهمة ضدّ الفلسطيني، هل يمتلك أيّ فلسطيني رفاه الزعم بأنه بعيد عن، أو مستبعَد من، احتمال الشهادة؟ وفي باطن هذه الأسئلة، وربما ذروتها، هل في وسعي كمواطن سوري أن أتحرر من أسطَرَة فلسطين، والفلسطيني؟ أن أنفكّ عن حال الارتباط العالقة مع فكرة عليا وقصوى، هي التجسيد الأشدّ تعبيراً عن خسران جَمْعي لم يفارق الوجدان منذ أن تفتّح الوعي؟
بين أعمال إدوارد سعيد، غير المشهورة كثيراً في العالم العربي، ثمة كتاب بعنوان "بعد السماء الأخيرة"، تضمن الكثير من صور جان موهر الفوتوغرافي السويسري من أصل ألماني؛ قرأ فيه سعيد التاريخ الفعلي، البشري والمادّي القائم في الزمان والمكان، لسلسلة نماذج فلسطينية. ولقد ابتدأ من افتراض طريف، لكنه عميق الدلالة: رغم وجود أدبيات كثيرة تصف فلسطين والفلسطينيين، خاصة تلك التي سطّرها الفلسطينيون أنفسهم، فإنّ الفلسطيني يظل مجهولاً نسبياً، بمعنى أنه لا ينتمي إلى شعب بقدر تمثيله لذريعة حرب وصراع ونزاع. يكتب سعيد: "منذ 1948 كان وجودنا من طراز أقلّ. عشنا الكثير الذي لم يُسجّل. قُتل منا الكثيرون، وأصابتنا ندوب، وأُخرسنا، دون أن نترك أثراً. والصورة التي تُستخدم في تمثيلنا لا تقوم إلا بإنقاص حقيقتنا الفعلية أكثر. وعند الكثيرين لا يُرى الفلسطيني أساساً إلا في هيئة المقاتل أو الإرهابي أو المطارَد".
أخال أنني لم أفلح يوماً في التخلّص من إدمان الاستزادة من مقدار فلسطينيتي، والتزيّد فيها، ليس ردّاً على ذلك "الإنقاص" الذي يشير إليه سعيد، فحسب؛ بل كذلك لأنّ سلسلة عوامل تخصّ إنضاج خيارات الوعي المختلفة ظلت تحثّ على هذا، في السياسة والاجتماع والثقافة. على سبيل المثال كنتُ في بداية انكبابي على دراسة النصّ الأدبي منحازاً إلى الرواية ضدّ الشعر، فأقامت قصيدة درويش الميزان الصحيح بينهما؛ وكان مزاجي اليساري، أو "الجدانوفي" على وجه أدقّ، لا يذهب بي إلى أبعد من لوكاش، حتى قادتني جاذبية إدوارد سعيد الفلسطيني إلى غرامشي!
وهكذا، لا أراني قادراً على، أو حتى راغباً في، الانعتاق من حال "القتل" التي تحدث عنها ونوس؛ ليس لأنها رياضة تستحثّ الإحياء والانبعاث والارتقاء فقط، بل لأنّ فلسطين هي أيضاً حمّالة التحوّلات و"أمّ البدايات"، سواء بسواء.
19/3/2019

تهمة" محمود درويش

هذه السنة بلغ محمود درويش سنّ الثامنة والسبعين، ويوم ميلاده، 13 آذار (مارس)، مناسبة دائمة لكي يُستعاد عند الناس في مستويات مختلفة، ومشارب شتى، ومقاربات متباينة، وضمائر صافية أو عكرة، وعلى نحو بسيط أو تبسيطي تارة وتركيبي تعقيدي تارة أخرى. وتلك استعادات لا تخلو، غنيّ عن القول، من غمز هنا أو لمز هناك، ضمن بواعث لا تخفى في يقيني؛ بل لعلها باتت تنوس بين السخف المكشوف أو الخبث المفضوح، سواء تألفت من جملة واحدة أقرب إلى اللافتة، أو استغرقت نصاَ مسهباً بآلاف الكلمات  يهرف بما يختلق!
من جهتي لا أفوّت فرصة، مثل هذه أو الكثير سواها، دون العودة إلى درويش من زوايا مختلفة وأبعاد متقاطعة، أصيب في بعضها أو أخطئ؛ ولكنّ ديدني دائماً هو الإضاءة ــ ما وسعتني العدّة والأدوات، بالطبع ــ على جديد طارئ في مشروعه الشعري الفذّ، أو قديم مقيم لم يستنفد بعدُ أبعاد دراسته واستقرائه. ولست أكتم بهجة شخصية في أنّ المصادفات تسعفني أحياناً، كأنْ أصل إلى لندن فأكتشف، بعد دقائق من صعودي إلى قطارات الأنفاق، أنّ شعر درويش، وضمن تقليد "قصائد في الأنفاق" الذي تعتمده شركة مواصلات العاصمة البريطانية، مثبت على الجزء الأعلى من جدار العربة، باللغة الإنكليزية (ترجمة ريما حمامي وجون بيرجر)، تحت عنوان "خضراء أرض قصيدتي"؛ فأكتب عن هذه الواقعة البهيجة، دون إبطاء!
ولقد أشرت، مراراً، واستجابة لأسئلة صحفية غالباً، أنّ درويش شاعر كبير ومشروع شعري كبير وظاهرة شعرية كبيرة لا تزال ــ رغم مرور عشر سنوات ونيف على غياب صانعها الأمهر ــ الأكبر اليوم في المشهد الشعري العربي المعاصر. ذلك، وأيّ اعتبارات أخرى في تثمين درويش، لا يمكن ولا يجوز أن تصنع منه أيقونة مقدّسة، لا تُمسّ ولا تُنتقد ولا تُهاجم ولا تُشتم، من جهة أولى؛ كما أنّ تلك الاعتبارات جمعاء لا تغلق تاريخ الإبداع الشعري العربي المعاصر، ولا تجعل من درويش وتجربته ومكانته سدوداً منيعة في طريق تطوّر القصيدة العربية المعاصرة في أشكالها كافة، وتياراتها وأجيالها وموضوعاتها، من جهة ثانية.
ولقد شرّفني أن أتناول نقدياً أعمال أكثر من 30 شاعرة وشاعراً عربياً، حديثاً أو معاصراً، ومع ذلك ظلّ البعض يُلحق بي تهمة عدم رؤية شاعر آخر سوى درويش؛ الأمر الذي أعترف أنني اكترثت بالردّ عليه وتفنيده في البدء، ثمّ اكتشفت أنّ الخوض في مسائل واضحة الحدود أمام القارئ العربي ليس هبوطاً بسويّة السجال الثقافي، والعقلي ربما، فحسب؛ بل هي مضيعة للوقت، أغلب الظنّ، فتوقفت عن ردّ "التهمة"! صحيح أنني شديد الإيمان بمنجز الرجل الشعري، وشديد التوق إلى خدمة قصيدته نقدياً، وقراءته وإعادة قراءته دون توقف؛ ولكن من الغباء الصريح أن يعتبر البعض أنني لا أرى سوى درويش (كيف لي أن أفعل، أصلاً!)، أو لا يعجبني سوى درويش، أو حتى "لا يملأ عيني" سواه كما قيل ذات مرّة. وصحيح أنني كنت، كقارئ ودارس شعر، محظوظاً بالعيش في عصره ومتابعة ارتقاء تجربته طوراً بعد آخر؛ إلا أنني محظوظ، كذلك، بمعايشة عصور أمثال نزار قباني وسعدي يوسف ومحمد الماغوط وأمل دنقل وثريا ملحس ومحمد القيسي وقاسم حداد وسليم بركات وسركون بولص وعباس بيضون وبسام حجار ولينا الطيبي ووليد خازندار وزهير أبو شايب وأمجد ناصر ونوري الجراح وفاطمة قنديل، وعشرات سواهم...
وتبقى حكاية "نجومية" الشاعر و"جماهيرية" الشعر، وهما في صلب مقدار غير قليل من الإعجاب بدرويش أو بغضه (نعم، فثمة مَنْ يبغض البغضاء المتأصلة المجانية!)؛ فضلاً عن هذا الطراز أو ذاك من الحسد، الإيجابي الطبيعي أو السلبي المريض. وذات يوم، خلال حوار مطوّل، طرح عليّ الصديق الشاعر الفلسطيني الراحل جهاد هديب السؤال التالي: "كيف تتأمل جماهيرية الشعر؟ هل حقق الشاعر العربي يوماً نجومية ما في عصره، كالمتنبي مثلاً؟ ماذا عن مقاربة هذا الأمر بحالة محمود درويش؟". أجبت بأنّ مفهوم "الجماهيرية" غائم الدلالة وعائم البرهان، فضلاً عن أنه مشبع بالتباسات شتى، ولهذا أميل شخصياً إلى ترجيح مفهوم "الذائقة الجَمْعية"، التي يمكن أن تتسيّد حقبة بعينها لأسباب متعددة. النجومية"، من جانبها، ظلّت قرينة الشعر في كلّ العصور كما أعتقد، ويندر أن نعثر على حقبة لم يتسيدها شاعر نجم، أياً كانت الاعتبارات وراء هذا. هو موقع فريد، بل نفوذ خاصّ، تمتّع به كبار شعراء الأمم، منذ الأطوار السحيقة لازدهار الشعر.
وفي ثقافات الأمم تكررت على الدوام تلك البرهة الاستثنائية التي تُلقى فيها على عاتق شاعر واحد مهمّة رؤيوية كبرى، هي التقاط الوجدان الجَمْعي للأمّة، وبالتالي صناعة تلك "الذائقة الجَمْعية"، وتحويل الشعر إلى قوّة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. المتنبي كان من طينة هؤلاء، مثل حفيده الشعري درويش؛ وكذلك كان أمثال والت ويتمان في أمريكا، وألكسندر بوشكين في روسيا، والشيرازي في بلاد فارس.
في كلّ حال، هذه السطور لم تُكتب لردّ "تهمة" امتلاء بصري وبصيرتي بقصيدة درويش، بقدر الاحتفاء بها مجدداً؛ في ذكرى ميلاد صاحبها.
17/3/2019

الأسد في طهران ونتنياهو في موسكو: شتان بين الدلال والإذلال



الرقم جدير بالتدوين، لأنه قياسي بالفعل وضمن اعتبارات شتى، جيو ــ سياسية وتاريخية وثقافية: منذ أن اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا، لإنقاذ نظام بشار الأسد من سقوط وشيك؛ التقى مع رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 15 مرّة، هي الأعلى عدداً للقاءات بينهما خلال فترة زمنية قياسية بدورها. ويقتضي السياق تبيان حقيقة أولى كبرى، مزدوجة على نحو ما، تمحورت حولها جميع، وليس فقط معظم، المشاورات بينهما: كيف يمكن أن ينخرط الإثنان في شراكة، محفوفة بالمخاطر عسكرياً، تنقذ الأسد؟ وكيف، في الآن ذاته، يتمّ التوافق على سلسلة من الخطوط الحمر ترسم حدود الدور الإيراني في عملية الإنقاذ إياها؟
وخلال هذه اللقاءات الـ15 تمتع نتنياهو، والحقّ يُقال، بمعاملة من نوع خاصّ تماماً، لعله كان أقرب إلى "الدلال" منه إلى الترحاب وحسن الوفادة بين "دولتين صديقتين"؛ ولعلّ الذروة الدراماتيكية التي تكفلت بتجسيد تلك المعاملة، على صعيد المادة والمجاز معاً، تمثلت في الهدية التي قدّمها بوتين إلى نتيناهو، صيف 2016: دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال. ومؤخراً، خلال زيارته إلى موسكو الأربعاء الماضي، حظي نتنياهو بروحية تسامح فائقة من سيّد الكرملين؛ لأنه طلب تأجيل الموعد الأوّل للزيارة بسبب مشكلة التحالفات الحزبية الجديدة ضدّ "الليكود"، ثمّ طلب اختصار الزيارة لأنّ المدّعي العام الإسرائيلي أفيشاي ماندلبليت قد يفرج في أيّ وقت عن توصياته في إدانة نتنياهو بالرشوة والفساد.
يصعب، بالطبع، أن نعثر على مقدار استثنائي من السذاجة المعلنة يمكن أن يسمح للبعض بأيّ وجه من المقارنة مع سلوك بوتين حين يلتقي الأسد، سواء في موسكو أو سوتشي أو قاعدة حميميم؛ أو، في المقابل، سلوك المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، مع رأس النظام خلال زيارته الأخيرة إلى طهران. وفي الأساس، ليس ثمة عنصر واحد، من أيّ نوع أو محتوى، يتيح وضع علاقة نتنياهو مع موسكو، أو العالم خارج دولة الاحتلال إجمالاً؛ مع علاقة الأسد بعالم خارجي اختُصر، بعد انتفاضة الشعب السوري ربيع 2011، إلى دولتين لا ثالثة لهما، روسيا وإيران، فضلاً عن استقبال دكتاتور السودان عمر حسن البشير. هذا على مستوى الشكل والمراسم والبروتوكول، وأمّا من حيث مضامين اللقاءات، جيو ــ سياسية كانت أم عسكرية وأمنية، فإنّ الأمر عندئذ يتجاوز نهائياً فكرة المقارنة، بل يصبح واجباً انتفاء مفاهيم الفارق أو الاختلاف!
بشاشة بوتين في لقائه مع نتنياهو يتوجب أن تحمل دلالة خاصة، ضمن نطاق "الدلال" ذاته؛ لأنها تبدّت على محيا الرئيس الروسي بدل حدّ أدنى من "تجهم" منتظَر مردّه أنّ هذه هي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأولى بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية "إيل 20" فوق الساحل السوري، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ومقتل 15 عسكرياً روسياً كانوا على متنها. صحيح أنها سقطت بمضادات النظام السوري، إلا أنّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو حمّل سلاح الجوّ الإسرائيلي مسؤولية واقعة "لا تعكس روح الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية"، وأنّ موسكو تحتفظ بالحقّ فى الردّ بخطوات مناسبة". وكما هو معروف، كانت بعض تلك الخطوات قد تمثلت في نشر صواريخ "إس ـ 300"، الروسية المتطورة في بعض مناطق الساحل؛ الأمر الذي لم يمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من استئناف عمليات القصف الجوي في العمق السوري.
الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية مستمرة، إذن، ولم يعكر صفوها حادث طائرة "إيل 20"، ولهذا فقد أدلى نتينياهو بتصريحات لا لبس فيها أو غموض حول السمت العريض لزيارته الـ15 إلى موسكو: "إيران هي التهديد الأكبر على استقرار وأمن المنطقة، وسنفعل ما بوسعنا لإبعاد هذا الخطر". من جانبه لم يردّ سيّد الكرملين إلا بعبارة فضفاضة، تحتمل كلّ اللبس وكلّ الغموض: "من المهم جداً مناقشة المسائل المتعلقة بأمن المنطقة"؛ وهذا يشمل، أوّل ما يشمل كما للمرء أن يرجّح، أمن دولة الاحتلال في ضوء بندين حملهما رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الذي رافق نتنياهو إلى موسكو: مخاطر إطلاع الضباط الإيرانيين في سوريا على أسرار صواريخ الـ"إس ــ 300" الروسية، ومخاطر أوسع نطاقاً ناجمة عن الحضور العسكري الإيراني المتزايد في قلب المعادلة السورية.
ولقد كان لافتاً تماماً تصريح نتنياهو بأنّ الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية في سوريا تقوم، أيضاً، على اتفاق بين موسكو وتل أبيب حول "خروج القوات الأجنبية" من البلد؛ وفي هذا استعادة لتصريح مماثل كان بوتين قد أطلقه في أيار (مايو) الماضي، حين كان رأس النظام السوري يقف إلى جانبه في سوتشي: "الانتصارات الملموسة للجيش السوري فى محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوّات الأجنبية من أراضى سوريا"؛ قال بوتين، وهو لا يصنّف القوّات الروسية في باب الأجنبية، وكذلك لا يُدرج الاحتلال الإسرائيلي في الجولان ضمن هذا التصنيف. كان الغمز يعني إيران أوّلاً، حتى إذا كان يشمل أمريكا وتركيا، ولهذا لم يتردد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، فأعلن أنّ إيران لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها.
وحين ينطوي الأسبوع ذاته على زيارة من نتنياهو إلى موسكو، وأخرى من الأسد إلى طهران؛ فإنّ حكاية التنافس الروسي ــ الإيراني على الأرض السورية تصبح تحصيل حاصل منطقيّ الاتساق، يجوز أيضاً البحث عن عناصره الفرعية الميدانية. على سبيل المثال، معظم قتلى الأسابيع الأخيرة ضمن صفوف جيش النظام لم يسقطوا في القتال مع المعارضة المسلحة أو "النصرة" أو "داعش"؛ بل خلال المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة من جهة، وميليشيات سهيل الحسن، الملقب بـ"النمر"، وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب، من جهة ثانية. وهذه حروب صغيرة، قد يقول قائل، لكنها ليست البتة بعيدة عن الانقلاب إلى رافعة صراع داخل مجموعات النظام ذاته، أوّلاً؛ وفي عمق ما تبقى له من جبهة موالاة في العمق الشعبي للطائفة العلوية، ثانياً؛ فضلاً عن الانشطارات المستجدة التي تزداد تبلوراً، واكتمالاً، بين الاستقطاب الروسي (كما تمثله اليوم شخصية "بو علي بوتين"، على صعيد القِيَم والعصر و"العلمانية")، والاستقطاب الشيعي، أو التشييعي على وجه الدقة (كما أخذ ينحسر عن شخصية خامنئي، أو حسن نصر الله)، ثالثاً.
بين العناصر الميدانية الأخرى اجتماعات اللجنة العليا السورية ــ الإيرانية المشتركة، التي عُقدت في دمشق قبل أسابيع قليلة وتمخضت عن 11 اتفاقية مختلفة؛ بينها واحدة حول التعاون الاقتصادي الاستراتيجي طويل الأمد، اعتبرها إسحاق جهانغيري النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانية أوّل إسهام في "مرحلة إعادة الإعمار". وليس خافياً أنّ مشروع التدخّل العسكري الروسي في سوريا يتوخى الثمار السياسية والعسكرية والأمنية الإقليمية والدولية، ولكنه أيضاً يقرنها بثمار اقتصادية ذات صلة بإعادة التعمير المقبلة والعقود الفلكية لاستثمار الخراب السوري؛ وثمة، هنا، منافس جدّي وغريم كبير اسمه إيران.
ومن هنا فإنّ من الإنصاف إقرار الخلاصة التالية: نتنياهو في موسكو، والأسد في طهران، شتان بين الدلال والإذلال!
 28/2/2019

تحديث بيروت وتهذيب أدونيس


الأمريكي روبن كريسويل ناقد أدبي ومترجم وأستاذ مساعد للأدب المقارن في جامعة ييل، وله اهتمامات واسعة بحداثة الشعر العربي عموماً، والشطر اللبناني (أو بالأحرى: البيروتي) منها على وجه الخصوص. نشر، أيضاً، مراجعات لروايات الياس خوري وربيع علم الدين وربيع جابر؛ وفي الترجمة، نقل إلى الإنكليزية عملَين لكلّ من عبد الفتاح كيليطو وصنع الله إبراهيم. ومؤخراً أصدر، عن جامعة برنستون ومنشورات أكسفورد، كتابه الأوّل "مدينة البدايات: الحداثة الشعرية في بيروت"؛ والذي وقع في 259 صفحة، وستة فصول تبدأ بمقدّمة وتنتهي بخاتمة خاصة عنوانها "طهران 1979 ــ دمشق 2011" تتناول مواقف أدونيس من الثورة الإسلامية في طهران بالمقارنة مع مواقفه إزاء الانتفاضة السورية.
والكتاب، كما يوضح المؤلف، "يقع على مفترق طرق بين نقد الشعروالتاريخ الفكري. فإلى جانب شعراء عرب كثر [خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي] انخرط الحداثيون البيروتيون، وإنْ على نحو جانبي، في سجالات زمنهم: العلاقة بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية، والتنافس بين النزعات القومية والعلمانية والماركسية". لكنّ مقاربة المؤلف المركزية تختلف، في الواقع، عن هذه الصيغة المَزْجية التي يعلنها منذ المقدمة؛ إذْ أنّ النصوص الشعرية الحداثية تتمثل عنده في تجربة مجلة "شعر"، على وجه شبه حصري؛ والمعادل الفكري لتلك النصوص يتمحور حول فكر أنطون سعادة و"الحزب السوري القومي الاجتماعي"، بصفة غالبة هنا أيضاً، وإنْ كان يمرّ لماماً على مؤثرات الفلسفة الليبرالية، والحرب الباردة، ومؤتمر روما الشهير لسنة 1961. هذه، مع ذلك، مسائل ذات طابع آخر جدير بمناقشة أعمق وأوسع، ليس هنا مقامها المناسب.
يهمني، في هذه السطور، التوقف عند الخاتمة التي يكرسها المؤلف لمناقشة الفارق بين قصيدة أدونيس الشهيرة "تحية لثورة إيران"، التي نشرتها صحيفة "السفير" اللبنانية في عدد 12/2/1070؛ وسلسلة المقالات التي نشرها، والمواقف التي أعلن عنها، بصدد الانتفاضة السورية. يلاحظ كريسويل (وكيف له ألا يفعل!) أنّ أدونيس لم يكتب قصيدة هذه المرّة، ولم يؤيد الحراك الشعبي (على غرار موقفه من انتفاضة تونس، مثلاً)؛ بل كتب صراحة (في أواخر أيار/ مايو 2011، حين كان أكثر من 1000 قتيل مدني قد سقطوا برصاص أجهزة النظام) أنه لا يتفق مع مظاهرات تخرج من المساجد. ويقرّ كريسويل، بالطبع، أنّ "الكثيرين من ناقدي أدونيس وجدوا ازدواجية في استجابتَيه. لماذا ساند الثورة الإيرانية، التي أقرّ أدونيس تماماً بطابعها الديني بل شدد عليه، بينما نأى بنفسه عن المحتجين السوريين (الذين لم يخرجوا من المساجد إلا لأنها في عداد الأمكنة القليلة التي لا يسيطر عليها النظام)؟".
بعد هذه الملاحظة، الجديرة بباحث وأكاديمي ينتظر الرصانة من قارئه، ويتوجب أن يلتمسها في نفسه أوّلاً؛ ينتقل كريسويل إلى ستراتيجية عليا تحكم هذه الخاتمة، ومعظم مقاربات الكتاب في الواقع: تهذيب أدونيس، وتشذيب تناقضاته، وتجميلها؛ ضمن سُبُل عديدة، أكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاثة منها. الأوّل هو اقتراح أرضية فلسفية لمواقف أدونيس من الثورة الإسلامية في إيران، تبدأ من عقد مقارنة (بائسة حقاً، وركيكة) مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو؛ وتمرّ، استطراداً، من تراجع أدونيس عن عصمائه "تحية لثورة إيران"، واعتبارها مجرّد شهادة، وليست قصيدة. وضمن هذا السبيل، يتناسى كريسويل رسالة أدونيس الرجيمة إلى بشار الأسد، ومخاطبته كـ"رئيس منتخَب"، ومناشدته أن يتدخل لإنقاذ البلد، وكأنّ هذا الذي كشّر عن أنياب مجرم الحرب هو المخلّص الأوّل!
سبيل ثانٍ هو تنزيه أدونيس عن أية علاقة عضوية مع النظام السوري، رغم أنّ صداقة الأخير مع رجالات السلطة، من ضباط جيش وأجهزة أمنية (علي حيدر، محمد ناصيف، سليمان حداد...) كانت تتجاوز بكثير صلة شاعر شهير بنظام حاكم في بلده. وكريسويل، الذي لا تنقصه أدوات البحث والتنقيب، ولا تعزّ عليه المصادر في أبسط أنساقها وأوضح مرجعياتها؛ كان، لا ريب، غير عاجز عن بلوغ معلومة مثل برقية التعزية التي أرسلها أدونيس في مناسبة وفاة حافظ الأسد (وهذا سلوك إنساني محض، قد يقول قائل)؛ أو برقية التهنئة التي بعث بها إلى بشار الأسد بعد مهزلة توريثه (وهذه أبعد ما تكون عن الحسّ الإنساني).
سبيل ثالث، لعله الفاضح أكثر إذْ يأتي من أستاذ في ييل، أنّ كريسويل يتعامى نهائياً (ولستُ أختار هذا الفعل جزافاً!) عن كتاب أدونيس وخالدة سعيد "الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب"؛ الذي صدر في بيروت سنة 1983، عن دار العلم للملايين، ضمن سلسلة بعنوان "ديوان النهضة" ضمّ مختارات من معروف الرصافي وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا وجميل صدقي الزهاوي. أليست جديرة بالتعليق، فما بالك بالمناقشة، هذه الواقعة التي لا تمسّ شخصية أدونيس ("العلماني"، كما يواظب كريسويل على وصفه)، فحسب؛ بل تتوسع أكثر لتشمل معنى أن يُلقي أدونيس على الإمام عباءةَ النهضة والتنوير، وفي بيروت ذاتها التي يساجل المؤلف بأنها كانت حاضنة الحداثة الأولى؟
أم أنّ تحديث بيروت يعني تهذيب أدونيس، بالضرورة والقطع؛ تحت طائلة "إساءة فهم طراز الثورة وطراز الحداثة اللذين كتب عنهما طيلة نصف قرن"، كما يختم كريسول!
10/2/2019

التشكيل السوري في فرنسا: التصعيد الفسيح


شاءت أسباب عديدة، يتصل معظمها باشتداد النزوح السوري بعد انتفاضة آذار (مارس) 2011، ويعود بعضها إلى المصادفة أو الصلات المنفردة؛ أن يتجمع على الأراضي الفرنسية عدد كبير من التشكيليات والتشكيليين السوريين، الذين ينتمون إلى شريحة عمرية متقاربة إجمالاً، وتخرجوا بصفة عامة من كلية الفنون الجميلة في دمشق، والكثير منهم جمعته زمالة الدفعة الواحدة. وبالطبع، انضمّت إلى القادمين من شتى أصقاع سوريا أسماءٌ أخرى كانت تتواجد أصلاً في فرنسا قبل الانتفاضة، ولكن تنضوي في عداد الجيل إياه.
وقد أضاءت تجاربهم مناسباتٌ مختلفة ذات صلة بالأنشطة العامة، السياسية والثقافية، السورية أو العربية أو الفرنسية، ذات الصلة بالشأن السوري والانتفاضة؛ كما احتضنت معارضهم صالات عديدة، لعلّ الأبرز بينها كان، ويظلّ، "غاليري أوروبيا" الباريسي، بإدارة الصديقين ندى كرامي وخلدون زريق. وهذه صالة صغيرة، لكنها بالغة السخاء والترحاب، إذْ استضافت أيضاً عدداً كبيراً من التجارب السورية القادمة من الوطن، أو من أصقاع إقامات أخرى ومناف مترامية الجهات، في أربع رياح الأرض.  كذلك أصدرت الصالة عدداً من الكتب، المتميزة في المحتوى والتصميم، جمعت بين النصّ والتشكيل؛ يُذكر بينها: "الأيام السبعة"، قصيدة نوري الجراح، بترجمة رانيا سمارة ورسوم يوسف عبدلكي وعاصم الباشا؛ و"دمشق/ باريس: رؤى متقاطعة"، وضمّ رسومات ونصوصاً لقرابة 70 تشكيلياً وكاتباً سورياً وعربياً وفرنسياً؛ و"سوريا بوجه آخر"، بإشراف زريق وسمارة وشريف رفاعي، واحتوى على مقالات تعرّف بالرواية والمسرح والشعر في سوريا، وتقترح قراءات لأمثال سليم بركات وزكريا تامر ونزار قباني ومحمد الماغوط...
وفي خريف 2017 شهدت باريس وضواحيها ولادة تجمع "أبواب مفتوحة على الفنّ السوري المعاصر"، الذي بادرت إلى تأسيسه سبع نساء، أربع فرنسيات وثلاث سوريات؛ وانطوى على مشروع حيوي للتعريف بالتشكيليين السوريين، عبر زيارتهم في مراسمهم مباشرة. ولقد أنجزت المبادرة الكثير من أغراضها، فجذبت المشاهد التلقائي، وكذلك أصحاب صالات العرض، ومقتني اللوحات، وجمعيات أصدقاء المتاحف، والصحافيين. وفي هذه الأيام يستقبل "بيت الفنون"، ضاحية مالاكوف الباريسية، معرضاً لأعمال 20 من التشكيليات والتشكيليين السوريين الذين قُدّمت أعمالهم، على نحو أو آخر، ضمن مبادرة "أبواب مفتوحة".
المعرض يحمل عنوان "أين بيت صديقي؟"، المستمدّ من شريط الإيراني عباس كياروستامي، 1987، الذي يروي بشاعرية عالية لهفة فتى في الثامنة خلال بحثه عن بيت صديقه ليعيد إليه كراسته المدرسية التي أخذها منه بالخطأ. والاستدعاء هذا يتوخى تمثيل "سؤال الفقدان"، و"يسائل إعادة البناء بين التذكارات، الأحلام، والكوابيس"، كما تكتب في الدليل فيرونيك بورويه ــ أوبيرتو مندوبة "أبواب مفتوحة"، والقيّمة على المعرض مع بولا أيزمبرغ ودنيا الدهان. المشاركون، حسب الترتيب في الدليل: بيسان الشريف، تمام عزام، خالد تكريتي، ولاء دكاك، رندة مداح، علا عبد الله، خالد بركة، أكرم الحلبي، سلافة حجازي، وليد المصري، نور عسلية، عزة أبو ربعية، نغم حديفة، ديالا برصلي، محمد عمران، خالد ضوا، إيمان حاصباني، ريم يسوف، نجاح البقاعي؛ بالإضافة إلى مجموعة "مصاصة متة" التي تقدّم، منذ 2011، مسرح دمى يسخر من شخص بشار الأسد ونظامه.
طبيعيّ، أوّلاً، أن يعكس المعرض تنوّعاً واسعاً في الموضوعات والأشكال، وفي خيارات الموادّ والتقنيات، حتى أنّ المرء لا يجازف كثيراً إذا استشعر اشتغال مطحنة أساليب، بالمعنى الإيجابي للعبارة، في جوانب هاتين الغرفتين اللتين عُلّقت على جدرانهما الأعمال الـ42. ثمة، في التقنيات، فيديو، وطباعة رقمية، وإكرليك على قماش، وحبر على ورق، وتجهيز فنّي (إنستاليشن)، ورصاص على ورق، وأحبار وأصباغ على قماش، وألوان زيتية على قماش، وكولاج خيوط، ونحت بالشمع، وحفر على ورق، وأقلام تخطيط على ورق، ونحت بأصماغ عضوية، وطين، وحبر صيني على ورق، وفوتوغراف...
الموضوعات تنقل هواجس مختلفة، وهذه سمة طبيعية هنا أيضاً، ما خلا أنّ الخلفيات السورية لا تخفى، على نحو غير مباشر غالباً، وهذه فضيلة خاصة تُسجّل للمشاركين؛ إذْ لا يلوح أنّ التمثيلات المختلفة لأحاسيس المنفى أو النزوح أو الانحياز أو النأي أو الفقد أو الحنين، وسواها من البنى الشعورية التي تلازم السوري المعاصر في غربته واغترابه، هي التي تتصدّر المساحة الدلالية في الغالبية الساحقة من الأعمال.
لا أحد، أغلب الظنّ، سوف يخطيء تفسير الانحياز السياسي والأخلاقي والوطني، السوري تحديداً، خلف جميع هذه الأعمال؛ الأمر الذي لم يَفُتْ على رعاة المعرض، إذْ ختموا الدليل بإدراج "مصطلحات" قدّروا أنها على صلة خاصة بمضامين الأعمال: البالون، كأداة احتجاج خلال الانتفاضة؛ ودمشق/ الشام، العاصمة وقلب الإجراءات العنيفة؛ والسجن، المرادف للجحيم عند السوريين؛ وفيسبوك، وسيلة التواصل وتنظيم الاحتجاجات والتعبير؛ والكابوس، الذي يشكل حالة رعب دائم، وجزءاً من حياة السوريين اليوم...
ولعلّ السمة الأهمّ في مشهد التشكيل السوري على أرض فرنسا تعكسها، في يقيني، تلك المقادير المتفاوتة من تصعيد هاجس سوري جَمْعي، إنساني وكونيّ فسيح لكنه لا يغادر سماته المحلية المؤسِّسة والمأساوية. وهذا، استطراداً، توجّه حميد يتيح الترميز الشفيف، والتوظيف التلميحي، والتسخير البارع لتلك المؤثرات الملحمية الأعمق التي تهدي الناظر ــ في البصر والبصيرة، على حدّ سواء ــ إلى روح المشهد السوري الراهن. 
3/2/2019