وعزّ الشرق أوّله دمشق

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

"نسيوا يقولوا سوريين!"


خلال الأشهر الأولى التي تلت توريث بشار الأسد، ثمّ 'التصويت' على ترقيته إلى رئاسة الجمهورية العربية السورية، بنسبة 92،79 ' كما يتوجّب التذكير، اعتبر رهط من المتفائلين أنّ علائم العهد الجديد الإيجابية تتجلى في تخفيف مظاهر عبادة الفرد، التي اقترنت بعقود حكم أبيه الثلاثة. اختفت، تدريجياً، الصور العملاقة المنصوبة في الساحات الرئيسية، وتناقصت الأغاني التمجيدية، وهدأت نبرة الشعارات التأليهية، وتراجعت التظاهرات الحاشدة التي كانت تمرّ أمام شرفة قصر الروضة كلّما حلّت ذكرى 'الحركة التصحيحية'، أو اقتضت المناسبة استعراض العضلات وتبيان القدرة على حشد 'الشارع' الشعبي.

لكنّ نظام الوريث سرعان ما استأنف العادات القديمة ذاتها، بل زاد على الماضي في معدّلات عبادة الفرد تحديداً، وزاود في الهبوط بأنساق ابتذال كرامة الإنسان الفرد أمام القائد الأوحد. ولعلّ الابتكار الأحدث في هذا المضمار هو المشهد المسرحي الذي شاع خلال ما سُمّي بـ'المظاهرات المليونية'، بعد الأسبوع الأوّل لاندلاع الإنتفاضة السورية، والذي مورس على نحو موحّد متماثل في جميع مظاهرات السلطة على امتداد محافظات القطر، ممّا برهن على أنّ الأداء كان وحياً من أجهزة السلطة الأمنية والحزبية، وأقرب إلى الأمر. والمشهد، المشروط بوجود العدسة التي تسجّل بالطبع، يتضمن قيام المواطن بتقبيل صورة بشار الأسد، مراراً وتكراراً، ثمّ وضعها بعناية على الأرض، والسجود أمامها، وتقبيلها مجدداً، مع هتاف هستيري يقول: 'مطرح ما بتدوس/ نحنا نوطّي/ نحنا نبوس'!

وكانت الشعارات السابقة، التي جرى تفريخها ابتداء من 'المظاهرات المليونية' في آذار (مارس) 2005، ثمّ صارت 'لازمة' لا غنى عنها من أجل تطريب المتظاهرين في السنوات اللاحقة، قد ضمّت هذه النماذج، على سبيل الأمثلة: الترنيمة الأزلية 'بالروح! بالدمّ! نفديك يا بشار!'؛ والأخرى، التي لا تخلو من دموية منفّرة: 'يا بشار لا تهتم/ عندك شعب بيشرب دمّ'؛ والثالثة، التي سجّلت العودة الأوضح إلى عبادة الفرد: 'الله! سورية! بشار وبسّ!'، وهذه استُخدمت خلال الأسابيع الأخيرة ردّاً على هتاف الإنتفاضة المركزي: 'الله! سورية! حرّية وبسّ!'. وعند كلّ مظاهرة سلطوية، كانت وكالة الأنباء السورية، 'سانا'، تعيد تكرار الأكذوبة الفاضحة حول هوية الجهات المنظّمة للمظاهرة: 'فعاليات اجتماعية وثقافية واقتصادية خاصة'، ثمّ، وهنا طامّة التكاذب، 'مؤسسات المجتمع المدني'!

أثناء الفترة ذاتها، كان ممثّلو 'المجتمع المدني' السلطويون، إياهم، يرسلون أعوانهم وأزلامهم لكي يخترقوا صفوف اعتصام مدني أمام قصر العدل في العاصمة السورية دمشق، احتجاجاً على استمرار فرض حالة الطوارىء والمحاكم والقوانين الاستثنائية والعرفية. ولكي تختلط المأساة بالمهزلة، رفع المخترقون شعارات المظاهرات المليونية ذاتها، وشقّوا حناجرهم بالهتافات التي تفدي بالدم، ولا تشرب إلا الدمّ، بل لجأ بعضهم إلى انتزاع العلم السوري من أيدي بعض المعتصمين، واستبدلوه بصورة بشار الأسد! وأمّا القادة الشباب لهذا 'المجتمع المدني'، فقد كانوا أنجال تماسيح النهب والفساد والتجارة القذرة، فضلاً عن قطعان 'الشبّيحة' الذين يتوجب أن يكون لهم في كلّ عرس قرص.

والحال'أنّ استئناف العادات القديمة الذميمة كان سيجد بعض مسوّغاته لو أنّ النظام واجه تهديداً جدياً داخلياً، من معارضة منظمة قادرة على الذهاب بالسلطة إلى خطوط الدفاع الدعاوي والتعبئة الشعبوية، أياً كان مقدار الديماغوجية في تنظيم تلك الخطوط. ورغم أنّ 'ربيع دمشق' لم يكن يندرج في خانة الأزمات التي يمكن أن تهزّ أركان النظام وتكشف طبيعته الإستبدادية، القديمة والمتجددة، فضلاً عن حقيقة أنّ ذلك 'الربيع' كان في الأساس قد أطلّ على حياء؛ فإنّ السلطة لم تحتمله إلا بضعة أسابيع. ونتذكّر أنّ ذلك 'الربيع' كان أقصر بكثير من أن يسمح بعبور سنونوة واحدة، وأضيق نطاقاً من أن يستوعب نقاشاً سياسياً معمّقاً، مثل ذلك النقاش حول مفهوم المجتمع المدني ذاته، والذي بدأ صادقاً ومتواضعاً، لكي يتوقف غائماً وسفسطائياً.

اليوم، وطيلة الأسابيع العشرة من عمر الإنتفاضة السورية، أخذت ثقافة المقاومة'الشعبية السلمية ترتقي بالنقاش، على قدم المساواة مع ارتقاء أساليب التظاهر وأنساق الاحتجاج، وصارت دينامية الحراك تتجلى بصفة خاصة في الهتافات والشعارات المرفوعة، وما تستولده هذه من خطاب وعي ذكيّ اللغة، ورفيع من حيث محمولاته السياسية. وبين أذكى اللافتات تلك التي تقول: 'أنت في المكان الخطأ، هنا درعا (أو بانياس، دوما، حمص، اللاذقية، القامشلي...) وليس الجولان'؛ أو أخرى تقول: 'الرجاء استخدام الرصاص المطاطي، إسوة بالجيش الإسرائيلي'؛ وثالثة: 'هذا هو الإصلاح/ طلقة لكلّ مواطن'. وبين أذكى الهتافات ما يشدّد على الوحدة الوطنية، مثل 'واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد'، أو يبرز الكرامة الوطنية: 'الشعب السوري ما بينداس/ والسوري مرفوع الراس'، و'من القامشلي لحوران/ الشعب السوري ما بينهان'؛ أو يدين النظام: 'خاين يللي بيقتل شعبه'؛ أو يفضح إعلام السلطة: ' لا إخوان ولا سلفية/ هاي الكذبة الإعلامية'.

وتبقى، لا ريب، تلك الأغنية البارعة اللاذعة، التي تؤديها مجموعة أطلقت على نفسها اسم 'فرقة المندسّين السوريين'، في غمز ساخر من أكاذيب النظام، ويسير مطلعها هكذا: 'قالوا عنّا مندسّين/ قالوا عنّا مخرّبين/ قالوا عنّا مسلّحين/ قالوا عنّا سلفيين/ قالوا عنّا وياما قالوا/ ونسيوا يقولوا سوريين... سوريين... سوريين!'
5/6/2011

شتاء النظام الأخير وربيع سورية المديد

عند إعلان التلفزة السورية عن صدور المرسوم التشريعي رقم 61، الذي قيل إنه يمنح عفواً عاماً عن "الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31/5/2011، وبعد ساعات معدودات أعقبت ذلك الإعلان، كان عدد الشهداء في بلدة الرستن قد تجاوز الـ60، بينهم الطفلة مروة حسان شخدو (أربعة أعوام) التي استُشهدت أثناء مداهمة منزل عائلتها. كذلك تعرّض الشهيد وائل خطاب للقنص وهو على دراجة نارية، ومعه ولده (خمس سنوات) وبقيت جثته ملقاة على الطريق، والطفل بجواره، فترة طويلة لأنّ كثافة إطلاق الرصاص كانت تحول دون الاقتراب من الشهيد وطفله.

في البلدة ذاتها استخدم ضبّاط النظام المدفعية الثقيلة والدبابات في قصف أهداف محددة (منتخبة بعناية، كما يتوجب القول)، بينها مخبز المدينة الآلي، والمدينة الرياضية، وحيّ طويلة، وحيّ الصناعة، إلى جانب مساجد أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد والعمري والمحمود والأشتر، فضلاً عن هدف عجيب بعض الشيء: منزل العميد الركن زياد المدني! في غضون عمليات القصف العنيف هذه، كانت الحواجز العسكرية والأمنية تمنع إدخال أيّ نوع من المساعدات الغذائية أو الطبية إلى أهالي الرستن؛ كما تولّت مفارز أمنية عمليات خطف الجرحى من الشوارع، وتجميع جثث القتلى في أكياس من الخيش.

ليس غريباً، ولا هو بالتطوّر الجديد، أن يجمع النظام السوري بين العفو وجريمة الحرب؛ وأن يهب "المكرمة"، كما تصف الأبواق مراسيم العفو، ويرتكب المذبحة، في آن. لكنّ الدلالة الأبرز هنا هي اتضاح المزيد من علائم التخبّط الذي تسقط فيه، كلّ يوم، بل كلّ ساعة، خيارات النظام في مواجهة انتفاضة لا تكفّ عن التنامي والاتساع، ولا تسير دينامياتها العديدة المتعددة إلا إلى أمام، وإلى نضج في الشعارات، وذكاء في أساليب تنظيم التظاهر، وصفاء في الرؤية السياسية، رغم اشتداد العنف وتعاظم الأثمان الفادحة. العلامة، هنا، أنّ النظام لا يزداد عزلة، أمام حلفائه قبل خصومه، فحسب؛ بل تتكشف التناقضات داخل حلقته الأضيق، وتزداد الكسور في المجمّع العسكري ـ الأمني ـ المالي الذي ظلّ يضمن تماسك مكوّناته، رغم تنافراتها.

هذه ليست دولة قانون، كما نعرف ويعرفون، ولكنها أيضاً لم تعد نظاماً يلتزم بالقوانين ذاتها التي يسنّها بنفسه، لصالح تجميل صورته تارة، أو ذرّ الرماد في العيون طوراً، أو الإنحناء المؤقت أمام عاصفة تمرّ بين حين وآخر. ومثال القانون 61 هو الأحدث عهداً في تبيان هذه الحال، إذْ نُشر في غمرة تهليل وتطبيل بوصفه "عفواً عاماً" عن جميع "الجرائم" المرتكبة قبل تاريخ نشره؛ لكنّ المادّة 2 من القانون تستثني من الإعفاء أكثر من 50 مادّة في قانون العقوبات، وقوانين أخرى سابقة، بينها المادّة 306 التي استند إليها قضاة المحاكم الإعتباطية في الحكم على نشطاء المجتمع المدني وسجناء الرأي.

وهكذا، حتى كتابة هذه السطور، لم يُفرج عن علي العبد الله، مهند الحسني، مشعل تمو، مازن عدي، نجاتي طيارة، خلف الجربوع، وائل حمادة، عبد الله الخليل، تامر الجهماني، المدوّنة الصبية طلّ الملوحي، عبد الرحمن حمادة، أعضاء المنظمة الآثورية، وسواهم. كما لم يُسقط القانون الملاحقة القضائية عن أمثال سهير أتاسي، ملك شنواني، سيرين الخوري، دانا الجوابرة كمال شيخو، فايز سارة، عمر قشاش، جورج صبرة، عبد الناصر كحلوس، حسن عبد العظيم، وسواهم من النشطاء الذي أحيلوا إلى القضاء واُفرج عنهم بكفالات مالية.

المرء، في المقابل، يعبّر عن الابتهاج البالغ للإفراج عن تهامة معروف، ومعتقلي "حزب العمل الشيوعي"، عباس عباس وتوفيق عمران وغسان حسن وأحمد النيحاوي، الذين كانوا قد اعتُقلوا في أيار (مايو) 2009، وحُكم عليهم بالسجن لمدّة أربع سنوات. ورغم أنّ هؤلاء استردّوا حقاً لا يمارى في الحرّية، ولم يتلقوا "مكرمة" أو "هبة" من سجّانهم الأوّل، رأس النظام؛ فإنّ المفارقة كانت صارخة حول القيمة الفعلية للقوانين ذاتها التي تسنّها أو تستند إليها السلطة: لقد حوكموا، وحُكم عليهم، بموجب المادّة 306؛ وتمّ الإفراج عنهم بموجب قانون العفو رقم 61، الذي يستثني من أحكامه... المادّة 306! في عبارة أخرى، الأجهزة الأمنية التي اعتقلت هؤلاء دون سند قانوني سليم، أطلقت سراحهم دون سند قانوني سليم، وبالتالي قد تلجأ إلى اعتقالهم مجدداً ساعة تشاء، دون سند قانوني سليم!

في الجانب الآخر، "السياسي" المكمّل لخيارات قمع الإنتفاضة بالمدفع والدبابة والرصاص الحيّ وإطلاق قطعان القنّاصة و"الشبّيحة" واعتقال المتظاهرين بالآلاف وليس بالمئات، أصدر الأسد قراراً جمهورياً بتشكيل "هيئة الحوار الوطني"، التي "تكون مهمتها وضع الأسس لحوار وطني وتحديد آلية عمله وبرنامجه الزمني". وعند اجتماعه بأعضاء هذه الهيئة، قال الأسد إنّ عليها "صياغة الأسس العامة للحوار المزمع البدء به بما يحقق توفير مناخ ملائم لكل الاتجاهات الوطنية للتعبير عن أفكارها وتقديم آرائها ومقترحاتها بشأن مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سورية، لتحقيق تحولات واسعة تسهم في توسيع المشاركة وخاصة فيما يتعلق بقانوني الأحزاب والانتخابات وقانون الإعلام، والمساهمة في وضع حد لواقع التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه بعض الشرائح الاجتماعية".

مهامّ جليلة، لا ريب، ما خلا حقيقة أنّ أعضاء اللجنة ليسوا سوى أبناء النظام (نائب الرئاسة فاروق الشرع، وهيثم سطايحي عضو القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، و ياسر حورية زميله في القيادة)؛ أو المتحالفين معه في ما يُسمّى "الجبهة الوطنية التقدّمية" (صفوان قدسي الأمين العام لـ"حزب الإتحاد الاشتراكي العربي"، وحنين نمر الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ جناح يوسف فيصل)؛ أو المسبّحين بحمد النظام (عبد الله الخاني، وليد إخلاصي)؛ أو العاملين في مؤسساته (منير الحمش، إبراهيم دراجي). كيف، بمعزل عن حوار الطرشان، يمكن لهؤلاء أن يقدّموا إلى رئيسهم "أفضل السبل لتحقيق حوار وطني يستوعب كل أطياف المجتمع، ويعكس اهتمامات ومصالح مختلف الشرائح الاجتماعية والسياسية، التي تؤمن بالحوار سبيلاً لتحقيق الإصلاح والنهوض بالعمل الوطني وتعزيز وحدة البلاد"، كما قالت وكالة أنباء "سانا" الحكومية في وصف اجواء اجتماع الأسد بهم؟

ذكر الله بالخير السيدة سميرة المسالمة، التي خالت أنها تستطيع الإنفتاح على بعض شخصيات المعارضة، فلقيت من الرئاسة بطاقة حمراء تتضمن الطرد الفوري من الحلبة، حتى دون إنذار ببطاقة صفراء! اليوم لا يكترث الأسد بضمّ أي اسم قد يوحي بأي ارتباط، مهما كان واهياً وغير مباشر، بأيّ من قوى المعارضة أو الرأي الآخر؛ ومطلوب من المواطن السوري أن يصنّف، شاء أم أبى، أشخاصاً مثل القدسي ونمر في صفّ المعارضة، حتى إذا أبوا هذا، هم أنفسهم! وعلام، وفيم، سيتحاور هؤلاء إذا كانوا يقفون خلف قائدهم كالصفّ المرصوص، يؤمنون معه أنّ سورية تتعرّض لمؤامرة إمبريالية شرسة، وأنّ غالبية المتظاهرين مندسّون سلفيون عملاء؟

ومنذ سنة 2000، في خطاب القسم الذي أعقب توريثه السلطة، أعلن الأسد الابن أنه إنما يسير (وسار بالفعل، طيلة 11 سنة بعدها) على نهج والده في كلّ ما يخصّ الحياة السياسية والحزبية في سورية، فأغدق المديح على صيغة "الجبهة الوطنية التقدمية" بوصفها المثال على "نموذج ديمقراطي تمّ تطويره من خلال تجربتنا الخاصة"، وتناسى ما يعرفه كلّ مواطن سوري راشد: أنّ هذه الجبهة خُلقت جثّة هامدة منذ البدء، وتعفّنت طويلاً، وزكمت رائحة موتها الأنوف، وأحزابها ليست سوى حلقات تصفيق وتهليل ومباركة ومبايعة. وإذا كان الأسد الابن قد تحدّث عن ضرورة تطوير صيغة عمل الجبهة "بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي"، فإنّ الأسد الأب كان قد تحدّث هكذا في كلّ خطاب قسم خلال السنوات الثلاثين. الجبهة العتيدة بقيت على حالها، وبقي عجائزها العاجزون كلٌّ في مكانه وموقعه: لا حياة لمن تنادي!

كذلك أعاد الابن إنتاج خطاب أبيه في مسألة الديمقراطية، مع تغيير وحيد هو اللغة الفلسفية المتحذلقة التي يستخدمها هو، أو كاتب خُطبه، والتي تختلف عن اللغة الجافة الإستعلائية التي كان يستخدمها كاتب خُطب الأسد الأب. الابن سيقول إنّ "الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا"، أيّ أنّ ممارسة الديمقراطية ليست حقّ المواطن أوّلاً، بل هي التالية بعد واجبه تجاه "الآخرين"، الذين لا يمكن أن يكونوا سوى الدولة ذاتها. يؤدّي المواطن واجبه أوّلاً، وبعدها نبحث في حقوقه. هذا هو جوهر الحذلقة في التهرّب من المسألة الجوهرية التي تقول إنّ انفصال الحقوق عن الواجبات، أو تفصيل الحقوق على مقاس الواجبات، هو المدخل الكلاسيكي الذي مكّن أنظمة القمع والإستبداد من تدجين المواطن وتغييب حقوقه تحت مظلة واجبه تجاه "الوطن"، الذي ليس سوى مزرعة القاهر، وملعب السلطة.

خطاب القسم الثاني، 2007، سوف يستأنف، أيضاً، تلك الفلسفة الرئاسية "الشابة" (إذْ هكذا قدّمها ثقاة النظام وبعض المتفائلين)، التي نظّرت وتنظّر على نحو مقارن بين ديمقراطية النظام والديمقراطيات الغربية، حيث ينبغي "أن تكون لنا تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا، المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية، والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا". وبعد أسابيع معدودات على وأد تجربة المنتديات، وما عُرف باسم "ربيع دمشق"، حين شُنّت حملة اعتقالات شملت ناشطين بارزين مثل رياض سيف وعارف دليلة ومأمون الحمصي وحبيب عيسى، وإعادة اعتقال المعارض الكبير رياض الترك؛ قال الأسد ما يلي في وصف ذلك التحرّك، بسخرية ظاهرة: "كلمة ربيع لا تعنينا كمصطلح. فالربيع هو فصل مؤقت، والربيع فصل يعجب البعض والبعض الآخر يحبّ الشتاء"...

النظام، في متابعة خيارات العنف وذرّ الرماد في العيون، سواء بسواء، استقرّ على شتاءاته التي يحبّها، وصار سلوكه في معمار القيادة والسيطرة أكثر ركوناً إلى حلقة في القرار أضيق فأضيق، في أعلى هرم عائلي أو شبه عائلي، على نقيض ما تمكن الأسد الأب من بنائه خلال عقود حكمه الثاثة، ولا سيما السنوات العاصفة لأواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات. ذلك لأنّ لأب نجح مبكراً في تشكيل طاقم أمني ـ عسكري ـ سياسي متماسك من حوله، ضمّ ضباطاً من أمثال رفعت الأسد وعلي دوبا ومحمد الخولي وعلي حيدر وحكمت الشهابي وشفيق فياض وابراهيم صافي ومحمد ناصيف، ومدنيين من أمثال عبد الحليم خدام وعبد الرؤوف الكسم ومحمد حيدر؛ أمّا الأسد الابن فإنه يفضّل إحاطة القصر بالأخ والأخت والصهر والخال وابن الخال.

بيد أنّ ربيع سورية، الذي انطلق ـ ليس دون مفارقة بديعة بهيجة ـ منتصف آذار (مارس) الماضي، يضع النظام وجهاً لوجه أمام مصائر أبعد عاقبة من التفلسف الساخر حول الفارق بين الربيع لفظاً، والربيع سياسة. وما تشهده سورية اليوم من تنويع النظام بين العفو والمذبحة، وتشكيل هيئة حوار وطني في غمرة قصف المدن وحصارها، يقرّب السلطة من شتائها الأخير الوشيك، مثلما يضع الشعب على مبعدة أسابيع من ربيع الحرّية المديد، الآتي لا محالة.
2/6/2011

حمزة الخطيب ومأمون فندي: بين شهيد وبهلوان

مأمون فندي ـ الأكاديمي الأمريكي المصريّ الولادة، رئيس مركز أبحاث "فندي وشركاه" في واشنطن ـ يريد الإيحاء بأنه رقيق الحاشية، نبيل المشاعر، مرهف الأحاسيس، تمسّ شغاف قلبه مشاهد العنف على شاشة تلفزة... ولهذا فقد عاب على فضائية "الجزيرة" أنها عرضت صور حمزة علي الخطيب، الطفل السوري الذي استُشهد على أيدي وحوش النظام السوري، بعد تعذيبه وإطلاق النار على جسده، والتمثيل بجثته. وفي مقال بعنوان "الجزيرة والطفل السوري المشوّه"، نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" قبل أيام، كتب فندي: "عرض صورة طفل بهذا التشويه في وضح النهار والأطفال في حالة صحو، هو أمر مناف لأي أخلاق مهنية ومسيء إلى مشاعر المشاهدين، فلا توجد قناة محترمة في أي مكان من العالم تعرض هذه الصورة (...) مما جعل بعض من كنت أشاهد معهم الشريط يتقيأون حرفياً"!

هذا الإعتراض قد يكون قابلاً للنقاش في حالة واحدة، وحصرية ربما، هي أن يُبنى على انحياز أخلاقي مسبق، صريح جلي ولا لبس فيه، إلى صفّ الضحية، ضدّ الجلاد؛ وإلا فإنّ الإعتراض ينقلب إلى نقيضه، فيتجاوز الرأي، حتى إذا كان نفاقاً وسفسطة، إلى التواطؤ مع قاتل يحدث أنه نظام استبداد وفساد لم يعد يتورّع عن فعل همجي، ضدّ قتيل طفل لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره. ما يفعله فندي هو هذا بالضبط، إذْ يسأل "الجزيرة": هل لديكم "مبرّر تحريري قوي" لعرض هذه الصور؟ ألا تعرفون أنّ "قنوات تلفزيونية محترمة" (والبروفيسور يضرب مثالَيْ الـ"بي بي سي" والـ"سي إن إن")، لا يمكن أن تعرض هذه المشاهد؟ ما أدراكم أنّ الطفل قُتل على يد النظام؟ وكيف تأكدتم أنه قُتل في سورية؟ هل حصلتم على موافقة أهله حين عرضتم الصور؟ وإذا صحّ أنه قُتل في سورية، أما كان عليكم انتظار خروج بشار الأسد نفسه للتعليق على الصورة، وتأكيد أو نفي صحتها؟

ولا يخفى أنّ فندي يستهدف فضائية "الجزيرة"، كدأبه في مقالات عديدة، فضلاً عن كتابه "حرب كلمات غير مدنية: وسائل الإعلام والسياسة في العالم العربي"؛ غير أنّ تصفية الحساب مع فضائية، أو حتى مع بلد، لا تصلح البتة ستاراً يخفي السقطة الأخلاقية الفاضحة التي انحدر إليها فندي. مشاهد الطفل الشهيد (و"الجزيرة"، للعلم، عرضت أقلّها وطأة على المشاهدين) أفظع في نقل همجية النظام، وأقدس في تسجيل تضحيات الشعب السوري، وأولى في أبسط مسوّغات توثيق جرائم الحرب، وأهمّ في فرض "مبرّر تحريري قوي"... من أن يحيلها بروفيسور منافق إلى أسئلة زائفة أقرب إلى ألعاب حواة. لم يستخدم فندي سوى مفردة "المشوّه" في وصف الطفل حمزة، ولم يبدِ أيّ تعاطف مع القضية التي استُشهد الطفل من أجلها، كما اعتبر عرض الصور بمثابة "حضّ على العنف ونشر الكراهية"، وكأنه استعار لسان طالب إبراهيم وبسام أبو عبد الله وسواهما من أبواق النظام.

وأجدني أستعيد، هنا، لعبة حواة أخرى لجأ إليها فندي بعيد الغزو العسكري الأمريكي للعراق، سنة 2003: لقد عاد إلى "الأطلال"، قصيدة الشاعر المصري إبراهيم ناجي، التي كُتبت في العقود الأولى من القرن المنصرم، ليقول إنّ أمّ كلثوم غنّتها على سبيل هجاء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، بعد هزيمة سنة 1967!  ليس هذا فقط، بل ذهب فندي أبعد حين قارن فكرة الأطلال عند ناجي وأم كلثوم، بسقوط صنم صدّام حسين في بغداد. وفي صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، دون سواها، اقتبس الشطر الأوّل من الأغنية ("كان صرحاً من خيال فهوى")، ليستنتج بأنّ "الصورة تحمل المعنى ذاته الذي حملته في العالم العربي قبل 36 سنة. والصور التلفزية تُظهر اليوم تماثيل وملصقات صدّام حسين وهي تُدمّر"!

أليس من المعيب أن يسوق بروفيسور محترم (أو هكذا ينبغي أن يكون) كلّ هذا التسطيح والتجهيل والمجانية والخداع؟ ألم يجد، من أجل تأويل مشاهد تحطيم تمثال صدّام حسين، سوى التشنيع على عبد الناصر؟ ألم يكن في وسعه أن يدغدغ رغائب محرّري "نيويورك تايمز"، قبل قرّائها في واقع الأمر، بفذلكة أخرى غير هذه الخلطة العجيبة؟ وما علاقة قصيدة عاطفية رومانسية، بهزيمة عسكرية ـ سياسية ستقع بعد عقود من كتابة القصيدة؟ وهل نفهم أنّ أمّ كلثوم كانت ضدّ عبد الناصر؟ وفي هذه الحال، ما تفسير البروفيسور لأغنية مثل "والله زمان يا سلاحي"، أو "أصبح عندي الآن بندقية"؟

أغلب الظنّ أنّ أسئلة كهذه لا تعني البروفيسور، ولا توقظ ضميره من سبات، ففي ممارسة رياضة تشويه الحقائق، أو قلبها واستقلابها واختزالها، يلهث فندي خلف عدّاء آخر (أشطر بكثير في الواقع، وأعتق، وأمهر، وأمضى أسلحة) هو اللبناني فؤاد عجمي؛ الذي يلهث بدوره خلف برنارد لويس، كبيرهم الذي يعلّمهم أصول الإستشراق العامل في خدمة البنتاغون، حرفياً وليس مجازاً، وصاحب اللقب الطريف والبغيض في آن: "بطريرك الإسلام". أمّا مشاهد الطفل الشهيد حمزة الخطيب فإنها لم تخدش حياء البروفيسور في واقع الأمر، بل ألصقت به وصمة عار هيهات أن يمحوها بهلوان!
30/5/2011

شروخ في بنيان النظام السوري


أولى العلائم الدالة التي تشير إلى ابتداء الشروخ في بنيان النظام السوري، وفي القطاع الصيرفي من مركّبه الأمني/ العسكري/ الاقتصادي تحديداً، ذلك الخبر الذي يقول إنّ آل مخلوف قد عرضوا للبيع شركة "سورية للأسواق الحرّة"، المعروفة باسم "راماك"؛ وأنّ مجموعة من المستثمرين الكويتيين قد اشتروا كامل أسهم الشركة، وسيعلنون قريباً تفاصيل الصفقة، وسياسة التشغيل الجديدة. ورغم أنّ هذه الشركة ليست أضخم الصروح الإستثمارية لآل مخلوف، صيارفة النظام الأبرز؛ وأنّ الصفقة قد تنجلي عن لعبة مافيوزية للتحايل على العقوبات الأمريكية والأوروبية التي طالت رامي مخلوف، عن طريق ترحيل الملكية إلى شركة وهمية، فإنّ ذلك كلّه لا يقلل من المغزى الكبير لخطوة كهذه.

المغزى، ذاك، لا يقتصر على الصعيد الرمزي وحده، بالنظر إلى أنّ "راماك" تحتكر إدارة الأسواق الحرّة في مطارَيْ دمشق وحلب، وفي منافذ الحدود البرّية مع الأردن ولبنان وتركيا (درعا، وجديدة يابوس، وباب الهوا)، ومينائَيْ اللاذقية وطرطوس. هو، قبلئذ، مغزى سياسي يخصّ المراجعات التي لاح أنّ الصيارفة انخرطوا فيها منذ تصريحات مخلوف إلى صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، حول خياراتهم المستقبلية في ضوء تعاظم الإنتفاضة الشعبية في سورية، مقابل تخبّط تكتيكات النظام في مواجهة الإنتفاضة، واهتراء آلة القمع، واشتداد عزلة السلطة داخلياً وإقليمياً ودولياً.

صحيح أنّ بيع "راماك"، وثمة تقارير عن توجّهات مماثلة بصدد مؤسسات أخرى، قد لا يعني أنّ مخلوف وأمثاله سوف يحزمون حقائب الفرار من البلد عمّا قريب (بافتراض أنهم سيجدون الفرصة لهذا بالطبع، وأنّ الشعب السوري لن يكفل لهم مصير سوزان وجمال وعلاء مبارك). لكنّ الصفقة تذكّر، من جانب آخر، بتلك المقولة العتيقة الصائبة: لا دين للمال ولا ناموس، كما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير، والدرهم يهاجر عند أوّل غيمة عاصفة! يُضاف إلى هذا افتراض لاحق، متلازم منطقياً مع طبيعة المواقع التي يشغلها آل مخلوف في معمار السلطة؛ مفاده أنّ خلفيات الصفقة أبعد، في النطاق والسياق والتوقيت، من واجهتها المباشرة التي تخصّ "راماك" اليوم، في المدى المنظور.

علامة أخرى تفيد انحطاط خيارات السلطة، وانتقالها من صفة التخبّط واختلاط التكتيكات وتناقضها أحياناً، إلى اللوذ الخارج واستجداء الدعم عن طريق عرض المزيد من التنازلات في ورقة استئناف المفاوضات مع إسرائيل أوّلاً، أو التلويح بإعادة النظر في مواقف النظام السابقة بخصوص ملفّات أخرى عربية وإقليمية، حيث الغرض الأعلى هو ترقية العلاقات مع واشنطن. في الآن ذاته لا نعدم مَنْ يعزف على النغمة، المكرورة المستهلكة المفتضَحة، التي تقول إنّ الولايات المتحدة والغرب عموماً عادت إلى سياسة الضغط على النظام السوري لإجباره على "فضّ الشراكة" مع إيران و"حزب الله" و"حماس"، وربما مع أحمد جبريل أيضاً!

ومن المعروف أنّ ما سُمّي "عقوبات" على رجالات النظام السوري، وعلى بشار الأسد شخصياً، ليس سوى الإجراء الرمزي شبه الوحيد الذي يمكن للحكومات في أوروبا والولايات المتحدة تقديمه إلى الرأي العام الغربي، خصوصاً بعد أن أخذت صور الفظائع تقضّ المضاجع وتضغط على الضمائر. وكان خيراً لهذه الحكومات أن توفّر على نفسها إجراءات النفاق الهزيلة تلك، لا لأنّ حيتان النهب ليسوا حمقى إلى درجة ترك الأموال في انتظار قرارات الحجز الأمريكية والأوروبية، فحسب؛ بل لأنّ تلك "العقوبات" سوف تنقل المياه إلى طواحين التضليل الديماغوجية، إذْ لا ينتظر النظام ذريعة أفضل من هذه لكي يسرد المطوّلات حول كيل الغرب بمكيالين، وهذا حقّ حتى إذا أُريد منه الباطل.

الثابت أنّ شاغلي البيت الابيض، ربما منذ الأطوار الأبكر في علاقة واشنطن مع حافظ الأسد ونظام "الحركة التصحيحية"، توافقوا على طبيعة الشطرنج السياسي الذي أداره النظام مع واشنطن وتل أبيب (أو مع جارة مثل تركيا، عبر أكراد الـ PKK وعبد الله أوجلان) من وراء استضافة هذه المنظمة أو تلك، في هذا الطور أو ذاك. كان ذلك الشطرنج يشمل المحيط الإقليمي أيضاً، العراق ودول الخليج والأردن، فضلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات شخصياً. وكان شطرنجاً يقوم على قواعد لعب مكشوفة مفضوحة، رديئة إجمالاً، وإنْ كانت لا تُسقط عن الشطرنج سمة اللعب ذاته، من حيث المناورة والكرّ والفرّ والخسارة والربح.

وفي ربيع العام 2005، في ذروة حقبة شهدت "أقصى الضغوط" الأمريكية، حسب التعبير المعتمد لدى النظام وحلفائه، صدر عن آدم آيرلي، نائب الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية آنذاك، تعليق بالغ الدلالة على لقاء موظفين كبار في الإدارة (إليزابيث شيني وجون هانا) مع "نشطاء مجتمع مدني وأكاديميين" أمريكيين من أصل سوري. لقد نفى آيرلي أنّ يكون هدف اللقاء هو دراسة خطط بديلة عن نظام الأسد، مؤكداً على نحو صريح واضح أنّ "النقاش دار حول كيفية مساندة رغبة الشعب السوري في الإصلاح، وفي حرّيات أكبر، وفرصة أفضل... من داخل النظام القائم هناك حالياً".

هذا إلى جانب الدعم، المكين الثابت، الذي ظلّ العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز يخصّ به النظام السوري على صعيد إقليمي ودولي، بصدد مسائل بالغة الحساسية والخطورة (مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، واستشراس المحقق الدولي الأسبق ديتليف ميليس، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بتقليص النفوذ السوري في لبنان، وسواها). وكذلك كانت حال الموقف الإسرائيلي، كما تجلى في أوضح صياغاته عند أرييل شارون، رئيس الوزراء الأسبق، الذي ناشد إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن عدم الذهاب خطوة أبعد من ألعاب النفاق والضغط اللفظي ذاتها، في التضييق على الأسد؛ بل حدث وأن طُولبت مؤسسات اللوبي اليهودية الامريكية بأداء دور مباشر في تحقيق هذا الغرض.

والمتابع لتاريخ أربعة عقود من عمر العلاقة بين البيت الأبيض والنظام الحاكم في دمشق، منذ "الحركة التصحيحية أواخر العام 1970 وحتى الساعة، يدرك أنّ التعاون والتفاهم والشراكة، وليس العداء والتناقض والقطيعة، هي الطبائع الأدقّ في وصف تلك العلاقة. هذه خريطة جيو ـ سياسية تشمل لبنان أوّلاً، منذ دخول القوات العسكرية السورية بإذن أمريكي سنة 1976، مروراً بضرب تحالف القوى الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وحرب المخيمات؛ ثمّ "عاصفة الصحراء"، حين انخرطت وحدات من الجيش السوري في تحالف "حفر الباطن"؛ ولبنان ثانياً، عند تصفية سلطة الجنرال ميشيل عون وسقوط بيروت الشرقية؛ وفي العراق بعدئذ، رغم مدّ هنا وجزر هناك.

والعلامات التي تركتها مشاركة وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق مادلين أولبرايت في التعزية بوفاة الأسد الأب، كانت تشير إلى عزم واشنطن مواصلة التعاقد ذاته مع الوريث، الأمر الذي تبدّلت بعض عناصره مع مجيء بوش إلى البيت الأبيض، دون المسّ بشروطه الجوهرية التي ما تزال قائمة حتى اليوم. فهل كان استئناف المباحثات السورية ـ الإسرائيلية في تركيا، حتى في طورها غير المباشر، نقيض ما يرغب البيت الأبيض، أيام بوش مثل خلفه باراك أوباما، على حدّ سواء؟ أو هو تطوّر لا يخدم مفهوم الخارجية الأمريكية، حول تحسين سلوك النظام... من داخل النظام ذاته؟

أو، في استئناف المنطق ذاته، كيف أمكن لحليف أمريكي مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أن ينفتح على النظام السوري بما يناقض مصالح واشنطن؟ أو أن لا يكون إخراج الأسد من القوقعة بمثابة أداء بالإنابة للعمل ذاته الذي تقرّه واشنطن، لأنه ببساطة يخدم النظرية دون سواها، حول التغيير من الداخل؟ والشخصية التي صار الأسد يذهب بها إلى طهران، بصفة حامل رسائل الغرب الشفهية (وليس الحليف، شريك خندق الممانعة الواحد؟)؛ ألم تكن ترضي بوش وساركوزي، أكثر من إرضاء أحمدي نجاد وحسن نصر الله؟

وخلال سنوات "الضغط"، ذاتها، كانت تقارير صحفية جادة تتحدث عن مناشدات حارّة توجّه بها بعض القادة الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا وألمانيا، خاصة) إلى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، لتخفيف الضغط عن نظام الأسد، كي لا ينهار فجأة أو يتشقق أو يتداعى. وبعض التصريحات الأمريكية أكدت لهؤلاء الحلفاء أنّ واشنطن على وعي تامّ بهذه الحال، حتى أنّ وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس انخرطت في ما يشبه التفكير بصوت عالٍ، على أعمدة صحيفة "واشنطن بوست"، فقالت: "ما نحاول القيام به هو تقييم الموقف حتى لا يُباغت أحد، لأنّ الأحداث تتسارع بشدّة وفي اتجاهات غير متوقعة، بحيث يقتضي الحذر معرفة ما يجري في هذه الآونة".

وأمّا الآونة الراهنة، فإنها تقتضي المزيد من الحذر، وهذا ما تُتاح قراءته في تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما، حين طالب الأسد بأن يقود الإصلاح، أو يتنحى جانباً (ليتولى سواه القيادة، من فريق الأسد وبطانته، ومن داخل نظامه كما للمرء أن يفهم)؛ وتصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، حين اعتبرت أنّ الإدارة سمعت من الأسد الكثير من الأمور التي لم تسمعها من زعماء آخرين في المنطقة، حول نوع التغييرات التي يريدها البيت الأبيض. التغيير من داخل النظام، إذاً، وليس على أنقاضه أو بعد الإطاحة برجالاته. لا بأس، لهم دينهم ومصالحهم في هذا، وللإنتفاضة السورية دينها ومصلحتها في سواه؛ وإذْ لا تريد الإنتفاضة منهم عوناً (وحذار أن يزوّر أحد إرادة الإنتفاضة في هذا!)، فليس لهم أن ينتظروا منها اختزالاً للحقوق، وتفريطاً بالتضحيات.

وقبل أيام نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، عن مصادر أمريكية، أنّ الأسد أرسل ما يفيد استعداد نظامه لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل؛ وتشديده على أنّ 98 في المئة من مواضيع الخلاف تمّ الاتفاق حولها في الماضي؛ وأمّا النقطة الأهمّ فقد كانت إشارة الأسد إلى أنّ استئناف جولات التفاوض لن يكون ميسّراً إلا إذا "هدأت الأوضاع الداخلية" في سورية. والحال أنّ التفاوض مع إسرائيل، وما ينطوي عليه من التلويح بالتنازلات، كان على الدوام أحد الركائز الكبرى التي يعتمد عليها النظام في تأمين منافذ النجاة، كلّما لاح خطر داهم؛ فكيف إذا كان الخطر الراهن داخلياً صرفاً هذه المرّة، يأخذ صفة انتفاضة شعبية شملت وتشمل سورية بأسرها؟

وكيف إذا كانت الأيام السبعون من عمر هذه الإنتفاضة برهنت أنها أمّ الأخطار التي واجهها النظام، وآخرها قبيل سقوطه الآتي، خاصة بعد أن أراق دماء المئات من أبناء الشعب؛ وسعى إلى زرع الفتنة، الإثنية والدينية والطائفية؛ وتخبّط، في الخيار الأمني ـ العنفي، بين سلسلة من خطوط الدفاع التي انقلبت وتنقلب عليه كلّ يوم؟ فكم من "راماك" سيبيع آل مخلوف، قريباً، قبل أن تُحزم الحقائب تحت جنح الظلام؟ وكم دبابة سيحتاج ماهر الأسد، قبل أن تصيبه جولات الفشل المتواصلة بصعقة الجنون الختامية؟ وأيّ استرحام ينفع رأس النظام اليوم، إذا كانت جغرافية انهيار سلطته ترنو إلى واشنطن وتل أبيب، عبر خرائب درعا وبانياس؟
26/5/2011

رسالة مفتوحة إلى سعود قبيلات ورابطة الكتّاب الأردنيين

الأستاذ القاصّ سعود قبيلات
رئيس رابطة الكتّاب الأردنيين
تحية وبعد

هل السطور أدناه، كما نشرتها صحيفة "الدستور"، بتاريخ 17/5/2011، ضمن استطلاع خالد سامح، هي حقاً موقفكم من انتفاضة الشعب السوري؟

وهل هذا هو تقديركم الشخصي، أم تقدير قيادة الرابطة؟

وكيف أجزتم المقارنة بين انتفاضة مشتعلة شملت سائر أرجاء سورية، وأسفرت حتى اليوم عن قرابة ألف شهيد، جلّهم من المدنيين، وبينهم شيوخ ونساء وأطفال، واستخدم فيها النظام السوري الدبابة والمدفع وراجمة الصواريخ، فضلاً عن حصار المدن والبلدات والقرى... وبين أحداث دوّار الداخلية، مع عميق تقديرنا لنضالات الشعب الأردني، قديمها وحديثها؟

وأياً كانت الحال؛ هل، في التضامن مع انتفاضات الشعوب، يُشترط مبدأ المعاملة بالمثل؟

كان لا مفرّ من إزعاجكم بهذه الأسئلة، وعلى نحو مفتوح أيضاً.

صبحي حديدي
 23/5/2011

النصّ المنشور في "الدستور" الأردنية

رابطة الكتاب الأردنيين، برئاسة القاص سعود قبيلات، كانت قد شاركت بفعالية في الحراك الشعبي الأردني المطالب باصلاحات سياسية ومحاربة الفساد، كما كان لها مواقف لافتة إزاء ثورات تونس ومصر، وذلك عبر بيانات واعتصامات أمام سفارات تلك الدول، طالبت فيها بحرية الشعبين: المصري والتونسي، ورفض قمعهما، وحول عدم إصدارها لأي بيان حول «الثورة السوريا»، يبرر قبيلات ذلك، في لـ «الدستور»، بالتساؤل التالي: «هل أصدر المثقفون السوريون أي بيان تضامني مع زملائهم الأردنيين بعد أحداث دوار الداخلية؟». قبيلات، الذي يتخذ مواقفه -من الثورة السورية تحديدا- وفق مبدأ معروف في العلاقات الدولية وهو «المعاملة بالمثل»، يعود ويؤكد أنه ضد القمع والبطش، ومع الحرية في أي مكان، لكنه يرى أن لكل بلد ظروفه، ولكل ثورة معطياتها، ووفق ذلك تتخذ الرابطة موقفها، وأعلن قبيلات عن بيان قد يصدر قريبا باسم رابطة الكتاب الأردنيين ويتناول الأحداث في سوريا.