وعزّ الشرق أوّله دمشق

الخميس، 30 يونيو 2011

لقاء دمشق التشاوري: محاسن كثيرة تذهب المساوئ القليلة

يوم الإثنين الماضي، 27/6/2011، كان قد سجّل مرور ثلاثة أيام على إضراب مفتوح عن الطعام، نفّذه في سجن عدرا المركزي، قرب العاصمة السورية دمشق، مجموعة من معتقلي الرأي، من الناشطين السياسيين أو الحقوقيين، المهندسين والأطباء والإعلاميين، الذين يمكن إدراجهم في خانة 'المثقف' من جهة، وفئة الطبقة الوسطى من جهة ثانية.
بين هؤلاء أسماء مثل مازن عدي، أمجد بيازي، حسام أسود، هاشم عبد الحكيم غزالة، راتب الزعبي، أحمد مصلح، وكمال اللبواني. وفي عداد المضربين عن الطعام نجد، أيضاً، أحمد عسكر (صناعي)، منير نصر الله (حرفي)، أنس هواش، باسم الحراكي (عمل حرّ)، ماجد قلوش (حلاق)، وسرور الرفاعي (إمام مسجد). بيان الإضراب أشار إلى إخضاع المعتقلين إلى فترات تحقيق دامت أسابيع عدّة، في أقبية أجهزة أمنية مختلفة، وتعرّضهم لشتى صنوف التعذيب، وذلك قبل أن يستلموا أي قرار اتهام، في تناقض فاضح مع حال رفع قانون الطوارىء.

في اليوم ذاته، ليس في سجن عدرا هذه المرّة، بل في قاعة الروابي، فندق 'سميرامس'، في قلب دمشق، اجتمع قرابة 175 مواطنة ومواطناً سورياً، ينتمون بدورهم إلى خانة 'المثقف' العريضة ذاتها، من جهة؛ وإلى فئات الطبقة الوسطى، من جهة ثانية. ولقد ميّز الكثيرين منهم أنهم معتقلو رأي سابقون، حتى عهد قريب أو وسيط او بعيد، وهم اليوم ناشطون سياسيون أو حقوقيون، بهذه الدرجة او تلك من الإستقلالية عن أحزاب المعارضة، أو القرب منها. هذا اللقاء، الأوّل من نوعه منذ عقود، حمل صفة 'التشاور'، وانعقد تحت شعار 'سورية للجميع في ظلّ دولة ديمقراطية مدنية'، وخرج ببيان ختامي، أقرب إلى إعلان سياسي جيّد إجمالاً، وممتاز في بعض فقراته. كما أصدر وثيقة أخلاقية النبرة، لكنها ذات روحية وطنية وديمقراطية جلية، بعنوان 'عهد من أجل بلادنا التي نحبّ'، تعيد في الواقع استئناف نصّ مماثل، سبق أن تداولته المواقع الإلكترونية سنة 2006.

وأيضاً، في اليوم ذاته، كانت دبابات النظام تواصل زحفها على قرى إدلب وأريحا وجسر الشغور وجبل الزاوية، وستودي العمليات العسكرية بحياة ثمانية مواطنين في جبل الزاوية، وأربعة في قرية الرامي، واثنين في قرية مرعيان، واثنين آخرين في قريتَيْ سرجة وكفرحايا. وسيسقط المزيد من الشهداء في مناطق أخرى (علي مندو، من حيّ برزة في دمشق، برصاص الشبيحة؛ وحازم محمد عبيد، من الرستن، قرب حمص، بعد التمثيل بجثته؛ بين شهداء آخرين). وستخرج مظاهرات في حي الصليبة، اللاذقية؛ والمعضمية، والزبداني، وعربين، والقابون، والميدان، في دمشق وريفها؛ والبوكمال، وجامعة الفرات، في دير الزور، وساحة العاصي، في حماة؛ وفي قارة، منطقة القلمون؛ وعشرات المناطق الأخرى.

هذه مشاهد ثلاثة من وقائع نهار واحد يدشّن، ليس دون مفارقة ذات دلالات خاصة، دخول الإنتفاضة السورية يومها المئة؛ كما يعيد، في جانب آخر، التشديد على أنساق صارت مألوفة على صعيد مسارات الحراك الشعبي وخيارات النظام في قمع الإنتفاضة، سواء بسواء؛ وعلى أنساق وليدة، أو تبدو هكذا للوهلة الأولى، بينها لقاء دمشق التشاوري على سبيل المثال الأبرز. وهذا نسق فرضه امتزاج جدلي، على نحو ما، بين زخم الإنتفاضة وتضحيات الشعب السوري، في قطب أوّل؛ وإمعان النظام في خيارات العنف القصوى، ثمّ اضطراره إلى المراوحة بين القوّة والمناورة، وما يترتّب عليهما من تراجعات بيّنة أو خافية، في القطب الثاني النقيض.
حال الجدل هذه، التي تدور ضمن ذلك المعنى الماركسي الكلاسيكي الأبسط الذي يتفحص ديناميات الظواهر الاجتماعية ـ السياسية، تفترض سلسلة من علائق الشدّ والجذب بين القطبيين، ولا مناص من أن تنتهي إلى ميزان قوى تبادلي، حيث تتحوّل خسائر قطب إلى مكاسب للقطب الآخر، والعكس صحيح عند قلب المعادلة. وهكذا، في العودة إلى لقاء دمشق التشاوري، يبدو من المنصف، والمنطقي في ضوء حال الجدل ذاتها، التسليم بأنّ النظام كسب من سكوته عن عقد اللقاء (وهذا، بالطبع، يرقى إلى مستوى الترخيص له، حتى إذا كان منظّمو اللقاء لم يستأذنوا السلطة في انعقاده). لكنّ المجتمع المدني السوري، في صبغته المعارضة والحقوقية والوطنية والديمقراطية المنحازة إلى الشعب والإنتفاضة، وليس ضمن أية صبغة حيادية أو مجرّدة أو موالية للنظام، قد كسب من حدث الإنعقاد في ذاته، ضمن مواصفاته وملابساته، ومن حيث مجرياته ومداولاته، ثمّ أدبياته وخلاصاته.

وبذلك فإنّ السؤال اللاحق، الذي لا تكتمل هذه الدائرة من دون طرحه والإجابة عليه، هو هذا: مَنْ كسب أكثر، أو أقلّ؛ ومَن خسر أكثر، أو أقلّ، هنا أيضاً؟ وهذه السطور لا تتردّد في المساجلة بأنّ الكاسب الأكبر هو الإنتفاضة السورية، والمجتمع المدني السوري كما مثّلته الغالبية الساحقة من المشاركين في اللقاء التشاوري. والأرجح أنّ ميزان الربح والخسارة ـ إذا توجّب التفكير في موازنات كهذه ـ يمكن أن يختصره هذا الإفتراض: ثمة الكثير من المحاسن والمزايا التي سبقت، واكتنفت، وستعقب انعقاد الملتقى؛ وهذه تذهب بالمساوىء القليلة، أو ينبغي لها أن تفعل تدريجياً، في زمن تقتضي الضرورة أن يكون وجيزاً، كلما أحسن المشاركون تحويل اقوالهم إلى افعال على الأرض، وكلما عمّموا التجربة بحيث تتكرر سريعاً في مختلف محافظات القطر.
كذلك في الوسع الحديث عن شريحة خاصة، داخل المجتمع المدني السوري تحديداً، جنت مقداراً أكبر، ملموساً على نحو أوضح، من مكاسب لقاء دمشق التشاوري. وهذه هي فئة المثقف السوري الذي لاح، طيلة أسابيع من عمر الإنتفاضة، أنه في واحد من جملة تصانيف: مشارك خجول، أعلن موقفاً مؤيداً، في بيان أو مقال، وعفّ عن النزول إلى مظاهرة؛ وصامت، يكتم موقفاً متعاطفاً، أو حائراً، أو خائفاً، أو متواطئاً؛ ومؤيد للنظام، مروّج لأكاذيب السلطة حول اعتبار المتظاهرين مندسين وسلفيين وعصابات مسلحة، مارس 'التشبيح' الثقافي في هذا المضمار أو ذاك. وإذا صحّ تماماً القول بأنّ استعادة المجتمع المدني السوري، أو إحداث ما يشبه 'الصدمة' لإيقاظه من سبات، عميق أو سطحي، حقيقي أو كاذب، كانت سمة مركزية طبعت اللقاء؛ فإنّ السمة الأخرى المركزية، الرديفة اللصيقة، هي أنّ الغالبية الساحقة من الحاضرين في 'قاعة الروابي' كانوا من فئة المثقفين.
وحين يلحّ على المشاركة أمثال نبيل صالح وعباس النوري، وللرجلين ما لهما من مواقف منحازة إلى النظام، ومناهضة للإنتفاضة والحراك الشعبي ـ ضمن مفردات أُريد لها أن تكون مقذعة أحياناً، ديماغوجية غالباً، تحاكي خطاب أبواق النظام على نحو اقرب إلى طبق الأصل ـ فذلك لأنّ ميزان الربح عندهم أخذ ينقلب إلى خسارة. لم يكن مفاجئاً أن يركب أمثال صالح والنوري هذه الموجة الوليدة، وأن يقتحموا اللقاء دون دعوة، وأن 'يشبّح' أحدهم حول مفهوم 'المعارضة تحت سقف النظام'، وأن يغادروا القاعة بعد برهة قصيرة، إذْ من العسير عليهم أن يقطعوا الخطوة الحاسمة التالية، وأن يضعوا تواقيعهم على خلاصات اللقاء.
لم يكن هذا خيار بعض المشاركين، من السينمائيين بصفة خاصة، الذين وضعوا تواقيعهم على الوثيقتين، رغم أنهم كانوا في عداد الموقّعين على بيان سابق، صدر في أواسط أيار (مايو) الماضي، يخوّن زملاءهم السينمائيين السوريين الذين أصدروا بياناً مشرّفاً، جمع أسماء دولية كبيرة، وتجاوز الـ 700 شخصية. في بيان التخوين قال هؤلاء إنّ 'التظاهر السلمي لأجل الإصلاح لايتمّ بالتلطّي بالمساجد وانتهاك حرمتها، ولا بقتل أفراد من شعبنا العظيم وجيشنا العربي السوري البطل والتمثيل بجثثهم، ولا بقطع الطرقات أو حرق قصور العدل والممتلكات العامة والخاصة ولا بالشعارات المذهبية والطائفية'. وأمّا في بيان لقاء دمشق فقد وقّعوا على نقيض هذه الروحية، وهذه اللغة، وهؤلاء خسرهم صفّ النظام، في المدى المنظور على الأقلّ، وقد تصحّ المراهنة على أنّ الإنتفاضة اجتذبتهم، أو كسبت الكثير منهم بصفة نهائية.
لكنّ اللقاء قام على جهود مشاركين لا تحتاج سجلاتهم النضالية إلى شهادة حسن سلوك من أحد، وهم أصلاً في صفّ الشعب، وأسهموا في صناعة واحد من أهمّ منجزات الإنتفاضة: تحديد عنوان سياسي جديد، علني وتعددي، ينضمّ إلى عناوين أخرى سبق أن حدّدتها مجموعات المتظاهرين، واتحاد تنسيقيات الثورة السورية، وعشرات لجان المشاركة والدعم والمساندة، وأحزاب المعارضة الديمقراطية... أنها اليوم تأتلف، جميعها، من أجل فكّ حال التجميد السياسي، التي يحرص النظام على إبقاء الإنتفاضة أسيرة لها؛ وتحويل الحراك الشعبي من محض ممارسات بطولية في التظاهر والإحتجاج والتضحية والإستشهاد، إلى مشروع سياسي ناضج ومتكامل يتطلع إلى سورية المستقبل، الكريمة الحرّة الديمقراطية التي لا يمكن لهذا النظام أن يكون قادراً على توفيرها، أنّى ذهبت مناوراته الإصلاحية.
ولعلّ هذه الإشكالية، لأنها كذلك بالفعل، كانت كبرى معضلات اللقاء التشاوري في دمشق، إذْ أنّ تفاصيل الوقائع الأخرى في مشهد الإنتفاضة السورية، والتي تصدّرت هذه السطور؛ فضلاً عن هتافات المتظاهرين، وشعاراتهم ولافتاتهم، كانت ـ في مسألة تغيير النظام، على وجه التحديد ـ أوضح بكثير من الصياغات الغائمة، أو اللائذة بنبرة اعتدالية تختزن بعض اللبس في المعنى أو الزيغ في الدلالة، والتي انتهى إليها البيان الختامي. ولكن... مَنْ كان ينتظر العكس، في الأساس؟ ولماذا لا يكون خطاب التظاهرة متقدّماً على خطاب القاعة، ما دامت الأخيرة تقرّ ـ كما جاء في كلمة منذر خدام، رئيس اللقاء التشاوري ـ بأنّ الفضل في التئام القاعة إنما 'يعود إلى انتفاضة شعبنا السوري الباسلة، إلى مئات الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل أن يصير كل ذلك ممكناً'؟
وفي نظرة أخرى على المعادلة ذاتها، لماذا لا يكون التباين بين خطاب التظاهرة وخطاب القاعة مسألة وضوح أقصى تفترضه طبيعة، وطبائع، الفعل الجماهيري الأوّل، واشتراطات التعبئة والحشد والتنظيم والتنفيذ عند الخروج إلى الشارع؟ ولماذا لا يكون الوضوح أقلّ، فيخضع لألعاب مشروعة في تطويع اللغة وتسخير المفردات، سعياً إلى تفاوض أكثر سلاسة بين المشاركين، وإلى توافق أعرض؟ وهل يُفهم من نصوص البيان الختامي أنّ النظام القائم هو الذي سوف يتولى بناء 'دولة ديمقراطية مدنيّة تعدديّة، تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين السوريين السياسية والثقافية والاجتماعية'؟ أو أنّ النظام هو الذي سوف 'يضمن العدالة والمساواة بين جميع المواطنين والمواطنات بغض النظر عن العرق والدين والجنس'، كما جاء في البند الأوّل من البيان الختامي؟
لم ينصّ البيان على عبارة 'إسقاط النظام'، إذاً، وهذا ما أغضب بعض التظاهرات، لأسباب يتوجب تفهمها؛ مثلما يتوجب الترحيب برحابة صدر المتظاهرين الذين لم يتعرّضوا بسوء لللقاء فندق 'سميرامس'، رغم أنهم أنذروا ضدّ الحوار مع النظام. وفي هذا برهان جديد على جدل من طراز آخر، يوحّد القوى أو يجمع شتاتها، فتتكامل حتى حين تتعدد، وتتقاسم الأدوار والوظائف، فتتقارب عناصر المشهد، لكي تقترب من الشعار الأكثر تكريماً للشهداء: الشعب يريد إسقاط النظام!

الأحد، 26 يونيو 2011

إنتفاضة سعد الله ونوس

أفردت أسبوعية "أخبار الأدب" المصرية، في عددها الحالي رقم 935، مساحة كريمة للإنتفاضة السورية، تصدّرها غلاف حمل عبارة سعيد عقل التي خلّدتها أغنية فيروز: "شآم... ما المجد؟ أنتِ المجد لم يغبِ". وبين أبرز موادّ العدد مجموعة من رسائل المسرحي السوري الكبير الراحل سعد الله ونوس (1941 ـ 1997)، إلى رئيسة التحرير، الكاتبة والناقدة عبلة الرويني، تُنشر للمرّة الأولى. وفي تقديم هذه الرسائل، وعلى سبيل تحية الإنتفاضة السورية أيضاً، قال تحرير المجلة: "سعد الله ونوس بيننا الآن... صيحته الممتلئة بالأمل والثقة تهدر في شوارع دمشق، ودرعا، وحمص، وحماه، وبانياس، وجسر الشغور، والحسكة، ودير الزور. الشعوب التي راهن عليها ، تخرج الآن من صمتها، وتثور على (الملوك) و(الأفيال). سعد الله ونوس الأبقى في زمن مليء بالغائبين... رسائله هنا هي بعض من عذاباته وبعض من رؤاه".

موضوعات الرسائل تدور حول ضرورات فهم أعمق لهزيمة 1967، ومساءلة المشروع الناصري، وانطواء صفحة المعسكر الإشتراكي، وحرب الخليج، والمثقف العربي الذي أصابه "عري كامل"، وهشاشة القوى السياسية وضعف قدرتها على المقاومة. ولعلّ مزاج الراحل، في تلك الحقبة، تختصره هذه العبارة الصاعقة: "إننا مهزومون حتى العظم"؛ التي تستدعي مقارنة موازية مع عبارته الأخرى الأشهر: "نحن محكومون بالأمل". وفي رسالة أخرى يتحدّث ونوس عن "الوحدة الداخلية. وحدة فيها تقزر، فيها خوف، وفيها حزن أيضاً"؛ ويضيف: "أتعرفين ما نحن فيِ مجتمعاتنا! إننا ـ نحن المثقفين ـ سلطة ظلّ شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية. إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة! ويا للحزن!"

أصداء هذه العبارة يمكن أن تتردد اليوم، أكثر من ذي قبل ربما، بصدد تنويعات مواقف المثقفين العرب من انتفاضات شعوبهم، حيث يرتقي بعضها إلى سويّة مشرّفة، كما ينحطّ بعضها إلى درك فاضح، ويراوح تنويع ثالث بين الصمت السلبي أو التواطؤ المقنّع أو الإنخراط المباشر في صفّ الإستبداد. بيد أنّ موقف ونوس من الليبرالية جدير بالإنتباه الشديد، لأهميته الخاصة في ضوء الحاضر، والنقاشات التي دارت خلال السنوات الأخيرة حول مفاهيم الديمقراطية والتعددية والمجتمع المدني والحقوق العامة والخاصة. يكتب ونوس، في سجال مع الرويني: "أدافع عن الليبرالية بمعناها السياسي العميق، بمعنى الحرّية والعقلانية والمجتمع المدني والمشاركة في مصير هذه البلاد التي يتعاور مصيرها قطاع الطرق والأميّون والطفيليون والأتباع". ويضيف: "ألم تكن واحدة من أخطائنا الكبيرة نحن الماركسيين أننا لم نقدّر تراث الليبرالية حقّ قدره، وأنه دون الديمقراطية والعقلانية وحرّية السجال ما كان بوسع الإنتماء الماركسي أن يكون إلا شكلاً جديداً من أشكال الإنتماء اللاهوتي؟".

في الرسائل، أيضاً، شكوى مريرة من طرائق استقبال مسرحية "الإغتصاب"، 1990، التي جلبت على الراحل تهمة التبشير بالسلام مع الدولة العبرية، وتحوّلت إلى "معركة"، وإلى "محاكمة سياسية"، كما تكتب الرويني. والمرء، هنا، يتذكّر شريط السينمائي السوري الكبير الراحل عمر أميرالاي، عن ونوس، وفيه يطلق الأخير عبارة أخرى صاعقة، تضيف المزيد من الرهبة على ذلك الحوار الثقيل والجارح الذي يتسيّد الشريط بأسره: "فلسطين قتلتني"! وكان مدهشاً أن ينتهي صراع ونوس الطويل مع السرطان يوم 15 أيار (مايو)... يوم النكبة، دون كلّ الأيام!

صحيح أنه قَتْل بالإرادة، بمعنى أنّ انخراط ونوس وأمثاله من آلاف المثقفين والكتّاب العرب في الهمّ الفلسطيني حتى النخاع، كان خياراً طوعياً، بل كان على نحو ما ذاتياً وموضوعياً في آن معاً. إلا أنّ من الصحيح أيضاً، في الماضي كما اليوم وغداً، أنّ ذلك الإنخراط اتخذ وجهة قصوى لمعنى الإلتزام والإنحياز والوفاء، وكان قاتلاً بالمعنى الذي قصده ونوس: قتلٌ لرفاه الكتابة المتخففة من أعباء التاريخ، وقتلٌ لرفاه المكوث في أبراج عاجية عالية من أيّ نوع... بعيداً عن ضجيج الأرض، وعذابات أهل الأرض.

.. وبمنأى عن انتفاضاتهم، أيضاً! ترى ما الذي كان الراحل سيقوله اليوم تحديداً، عن عذابات سورية في وجه الطغيان، وعن انتصارات السوريين على تلك الحال البغيضة التي وصفها في إحدى الرسائل: "أما هنا فلا شيءِ إلا الكذب، والفساد، وموت الأمل"؟ وهو، الذي أغمض العينين على مشاهد أقلّ قتامة وقسوة وبشاعة ممّا يشهد وطنه اليوم، هل كان سيكتفي بالصمت، أم سيخرج على الناس شاهراً لافتة الأمل، دون سواها؟ وهل يجوز التفكير، برهة قصيرة واحدة، أنّ هذه ليست انتفاضة سعد الله ونوس؟ أو أنه ليس بيننا، يطلق صيحة الأمل، كما يقول أصدقاؤنا في "أخبار الأدب"؟ مَنْ يتخيّله متحذلقاً حول خروج التظاهرات من المساجد، أو متفلسفاً حول مسؤولية حزب البعث وليس "الرئيس المنتخَب"، كما فعل أدونيس؟

وإذا كان جسمه قد قارع السرطان حتى الرمق الأخير، فكم من جسوم كان سعد الله ونوس سيقسّم نفسه فيها، من أجل دحر الخوف والحزن والخيبة، وهزيمة المثقف/ قفا النظام لصالح البديل النقيض، ومقارعة ما يُدبّر لسورية من... سرطانات أدهى؟
27/6/2011

السبت، 25 يونيو 2011

رسالة أدونيس إلى بشار الأسد: إنحياز مطلوب في توقيت محسوب

 شاء الكثيرون القول إنّ أدونيس تأخر في توجيه رسالته الى بشار الأسد، وأنّ زمن المناشدة قد فات، بعد دخول الإنتفاضة السورية شهرها الرابع، وسقوط أكثر من 1500 شهيد، وإصابة أكثر من 6000 جريح، ونزوح 11 ألف مواطن إلى تركيا أو لبنان، واعتقال الآلاف. وهو قول يفترض حسن نيّة مزدوجاً: من جهة أدونيس، الذي توجّب أن يناشد الأسد في مرحلة أبكر، عند الشهيد رقم 500 على سبيل المثال؛ ومن جهة الآملين خيراً في الأسد نفسه، إذْ لعلّه كان سيستجيب للمناشدة الأدونيسية، فيتحقق ما يصبو إليه الشاعر، وما يظنّ أنه رغبة الأسد نفسه في نهاية المطاف (يخاطبه هكذا: ألستَ "قبل كل شيء رئيس بلاد وشعب"؟ و"بوصفك خصوصاً رئيساً منتَخَباً"، أليس "قدرك هو أن تفتدي أخطاء" التجربة التي "يمثلها حزب البعث العربي الاشتراكي، نظراً وعملاً، ثقافةً وسياسة"؟).

وإذا صحّ، بالفعل، أنّ أوان المناشدة قد انطوى ولم يعد هنالك شك، حتى لدى أدونيس نفسه، في استقرار النظام على حلول العنف القصوى، فإنّ توقيت توجيه رسالة الشاعر إلى الطاغية كان دقيقاً وذا وظيفة حيوية بالنسبة إلى المرسِل، وكان نافعاً وذا مغزى إنحيازي بالنسبة إلى المستقبِل. لقد حاقت الأهوال بشرائح واسعة من أبناء الشعب السوري لأنهم تظاهروا من أجل الحرية والكرامة والمستقبل الأفضل. وفي المقابل لجأ النظام إلى أبشع أنساق العنف، وبدأ باستخدام الرصاص الحيّ، وانتقل إلى حصار المدن بالدبابات وقصفها بالمدفعية وراجمات الصواريخ والحوّامات، ولم ينته عند العقاب الجماعي وتعذيب الأطفال وقتلهم والتمثيل بجثثهم، والدوس بالنعال على جباه البشر. وفي هذا، ورغم أنه يساوي بين الجلاد والضحية في المسؤولية عن "الإنهيار" في سورية، وعن "تشويه صورتها الحضارية بأوحال "الطائفية" و"العشائرية" و"المذهبية"، فضلاً عن "وحل التدخل الخارجي"... لا يملك أدونيس إلا الإشارة إلى أوحال أخرى يصعب أن تكون للضحية يد فيها: "التعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى".

طراز آخر من الوحل، تفادى أدونيس التوقف عنده، هو ذاك الذي تلطخت به سمعة النظام السوري في المحافل الثقافية والفكرية والسياسية، العربية والعالمية، فتوالت بيانات ذات حسّ إنساني وأخلاقي شجاع، وقّع عليها الآلاف، وامتزجت فيها مواقف تأييد الإنتفاضة مع مشاعر إدانة النظام وشجب ممارساته الأخلاقية. لم يوقّع أدونيس على أيّ من هذه البيانات، بالطبع، ولكنّ السؤال المنطقي اللاحق هو التالي: هل يعقل أنه ـ هو الذي يتمتع بدرجة وافية، وكافية، من الذكاء وحسن تقدير الموقف، وانتهاز الفرصة المناسبة في التوقيت المناسب ـ لم يدرك أنّ توجيه مثل هذا النصّ الإستعطافي، إلى مثل هذا "الرئيس المنتخَب"، الآن إذْ تنفلت أجهزته الأمنية من كلّ عقال ضدّ الشعب، بأمر مباشر منه... هو مقامرة خاسرة، لا محالة؟ كيف فاته مقدار الضرر الأخلاقي الذي سيلحق بسمعته كشاعر سوري، له صيت حسن في أوساط عالمية لا يجمعها جامع مع الإستبداد والمستبدين، فضلاً عن كونه أحد أبرز المرشحين العرب لجائزة نوبل للآداب؟

باختصار، كيف لم يتنبه أدونيس إلى أنّ نظام بشار الأسد آخذ في الإنهيار التدريجي، بدليل ازدياد جرائمه وضحاياه؛ واتساع الهوة بينه وبين الشعب، حتى صارت شاسعة فاغرة لا تقبل الردم؛ وأنّ حلفاءه لا يتناقصون فحسب، بل ينقلب بعضهم إلى خصم صريح، أو خصم صامت؛ وأنّ خلاصة المعادلات هذه تقول إنّ النظام آيل إلى سقوط؟ الجواب الأبسط هو أنّ توقيت رسالة أدونيس لم يكن اعتباطياً، بل كان مطلوباً ومنتظَراً، لهذا السبب تحديداً: أنّ النظام، في هذه الساعات الحرجة التي تعصف بركائزه، بحاجة إلى كل أصدقائه، وينتظر منهم انحيازات واضحة صريحة لا تقبل الغمغمة أو التأتأة، وتقتضي الإصطفاف داخل خندق الصراع من أجل البقاء، وتأبى التفرّج من التخوم أو المشارف، فما بالك بالوقوف على الأطلال!

في عبارة أخرى، لم يعد مجدياً أن يتابع ادونيس ما دأب عليه منذ انطلاقة الإنتفاضة السورية (التذرّع بالدفاع عن العلمانية بغية التشكيك في تظاهرات تخرج من الجوامع، أو التباكي على الوطن الجميل الذي يتشوّه، أو التحذير من مخاطر الإنقسامات الطائفية... وتلك كانت موضوعات مقالاته السابقة). المطلوب الآن لا يقلّ عن الوقوف خلف رأس النظام، بشار الأسد شخصياً، واعتباره صمّام الأمان المنقذ والمخلّص، بعد تنزيهه من الموبقات جمعاء: أخطاء التجربة البعثية، مثل أوحال القتل والتعذيب والتمثيل بالجثث. لكنّ أدونيس ليس فقير العقل، أو ضعيف الإطلاع، لكي يجهل أنّ الأسد نفسه، وليس سواه، هو الأمين العام لهذا الحزب الذي تُلصق به كلّ هذه الموبقات، وبالتالي إذا كان ربّ البيت بالطبل ضارباً، فهل من شيمة أخرى لأهل البيت سوى الرقص؟

وأدونيس ليس ساذج الحجة أو ركيك المحاججة لكي يعلّق الحراك الشعبي السوري، الذي يدخل شهره الرابع أكثر عمقاً وتجذراً، على مشجب حزب البعث تارة، ومشجب الجوامع التي ينطلق منها المتظاهرون تارة أخرى؟ ألا يعلم، حقّ العلم في الواقع، أنّ حزب البعث صار جثة شبه هامدة منذ عقود، وأنه ليس البتة حاكم سورية بل محض استطالة للأجهزة الأمنية، وغالبية أعضائه خدم عند تلك الأجهزة قبل أن يكونوا حملة عقيدة أو فكر سياسي. كذلك يعلم أدونيس أن التظاهرات خرجت من الجوامع في الأسابيع الأولى من الإنتفاضة لأنّ المسجد، وملعب كرة القدم، هو الفضاء الوحيد الذي لا يُمنع المواطنون من الإحتشاد فيه؛ كما يعلم أنّ التظاهرات لم تعد تنطلق من الجوامع وحدها، ولم تعد تقتصر على أيام الجُمَع أيضاً.

وليس بجديد التذكير بأنّ أدونيس كان صديقاً لآل الأسد، منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة سنة 1970 وحتى الساعة، وأنّ صداقاته مع رجالات النظام لم تقتصر على الشخصيات الثقافية (إذْ كان هؤلاء الأتعس حظاً معه، كما في مثال رئيس اتحاد الكتاب السابق علي عقلة عرسان)، بل ضمّت أمثال اللواء المتقاعد علي حيدر (القائد الأسبق للوحدات الخاصة، وأحد كبار ضبّاط مجزرة مدينة حماة، خريف 1982)؛ والضابط المتقاعد السفير سليمان حداد، رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية في مجلس الشعب، والمقرّب من الأسد الأب؛ واللواء المتقاعد محمد ناصيف، أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العامة؛ فضلاً عن السيدة أنيسة مخلوف (والدة بشار الأسد، التي يجمعها مع أدونيس انتماء سابق إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي). وحين توفي الأسد الأب، أرسل أدونيس برقية تعزية (وقد يكون الواجب إنسانياً صرفاً، هنا، لولا أنّ المرء ليس مضطراً للتعزية في رحيل الطغاة)؛ كما أرسل برقية تهنئة حين تمّ توريث الأسد الابن، بعد تعديل الدستور خلال دقائق، ليتناسب مع عمر الوريث (وهنا أيضاً، لا يصفّق المرء لجمهورية وراثية دون أن يكون صديقاً وفياً لطغمتها الحاكمة).
 
ولم يتخلّف أدونيس عن هذه المهمة، والحقّ يُقال، فأثبت أنه صديق صدوق للنظام، وهنا الفحوى الأهمّ في رسالته. لقد امتدح رأس النظام واعتبره القادر على إعادة "الكلمة والقرار إلى الشعب"، ومحو "صورة الرئاسات السابقة في سورية". وقال في ذمّ المعارضة السورية ما لم تتجاسر أجهزة النظام ذاتها على التفوّه به (هنا بعض صفاتها، عنده: "لحمة ضدّية عنفية، تغلب عليها نبرة التهييج والثأرية والدينية الطائفية أو السلفية). وأمّا ما تبقى من كلام حول الديمقراطية الممتنعة عن العرب، و"زمن السماء، الجمعي والإلهيّ"، مقابل "زمن الأرض، الفرديّ والإنسانيّ"، و"ثقافة المساومات، والترضيات، والابتزازات، والاحتكارات، والإقصاءات والتكفيرات، والتخوينات، إضافة إلى ثقافة القبليات والطائفيات والعشائريات والمذهبيات"... فهو محض اجترار أدونيسي عتيق باهت، لم يعد مكروراً فحسب، بل صار سفسطة جوفاء.

ويخطر لي أنّ أفضل الردود على رسالة أدونيس جاءت من بشار الأسد شخصياً، في خطابه الثالث قبل أيام. وليس لأدونيس عذر في القول إنه، وهو الرائي البصير، لم ير أي وليد أعطى ذاك المخاض!

"أخبار الأدب"، 26/6/2011

الخميس، 23 يونيو 2011

الأسد والخطاب الثالث: مخاض شكلي أم انحناء أمام العاصفة؟

حين يخرج بشار الأسد عن نصوص خطاباته المكتوبة، فيلجأ إلى الإرتجال بدل التلاوة، فإنه لا يستفيض في بواطن خافية أو غامضة أو مدعاة شرح إضافي في واقع الأمر، بل يكشف النقاب عن تفاصيل جرى تغييبها عن سابق قصد، لأسباب شتى، قد تأتي في طليعتها رغبته في إحداث تأثير دراماتيكي خاصّ، أو ممارسة الدعابة والمزاح، أو إطلاق واحدة من ضحكاته التي صارت شهيرة الآن، على نطاق دولي والحقّ يُقال. في عبارة أخرى، إنه يتجلى حقاً، في مستوى شفاهي يتيح فرصة أفضل للتعرّف على أفكاره، أو إعادة قراءة النصّ على نحو أوضح، وقد يحدث ـ مراراً في الواقع، ولعلها القاعدة وليس الإستثناء ـ أن تنقلب زلّة لسان هنا، أو صياغة متسرّعة هناك، إلى مفاتيح جازمة تفسّر الخطاب من الألف إلى الياء.

وهكذا، في حال الخروج عن النصّ، يكشف الأسد الكثير من الأفكار الأقرب إلى دخيلة نفسه، والتي أوعز لكاتب خطبه أن لا يدرجها في النصّ المكتوب، أو هي مدرجة بالفعل ولكنّ الصياغات الإرتجالية تكسبها معنى مختلفاً، في كثير أو قليل، وحمّال دلالات إضافية في كلّ حال. لعلّ المثال الأشهر هو فاصل الإرتجال الذي شهده خطاب صيف 2006، وانطوى على الغمز من قناة "أشباه الرجال"، المصري حسني مبارك والسعودي عبد الله بن عبد العزيز وآخرين، دون أن يتجاسر الغامز على تسميتهم؛ وكيف سارع الأسد، بعد أقلّ من سنتين، إلى زيارة أولئك الأشباه خلال قمّة الكويت الإقتصادية، فتبادل معهم المصافحة والعناق والقبلات، معيداً إليهم صفة الرجولة كما للمرء أن يتخيّل.

ما يعني هذه السطور هو ذلك الطراز من الإرتجالات التي تخصّ مسألة الإصلاح، والتي أعاد الأسد ارتجال الحديث عن بعضها خلال خطابه الثالث قبل أيام، في مدرج جامعة دمشق، على نحو يذكّر بخطابه أمام ما يُسمّى "مجلس الشعب"، في تموز (يوليو) 2007، أثناء أداء القسم لدورة رئاسية ثانية. آنذاك أفصح الأسد عن جملة أفكار، وأماط اللثام عن جملة أخرى من الحقائق، بينها أنه لم يجد الوقت الكافي للتفرّغ للإصلاحات الداخلية (حتى تلك الإدارية والإقتصادية الأثيرة على قلبه، التي كان حتى وقت قريب يردّد أنّ لها عنده الأولوية على الإصلاح السياسي). ولقد قال، مرتجلاً بالطبع (وننقل عن النصّ الرسمي كما نشرته وكالة الأنباء السورية، سانا، بالحرف وبعلامات الوقف ذاتها): "لم يكن لدينا الوقت حتى لمناقشة أية فكرة لا بالنسبة لقانون الأحزاب ولا لغيرها.. وحتى فى مرحلة من المراحل.. حتى الأولوية كانت الإقتصاد.. لم يكن لدينا الوقت لمتابعة الوضع الإقتصادى.. كنا نخوض معركة مصيرية.. وكان لابد من أن ننجح فى هذه المعركة.. لم يكن هناك خيار أمامنا".

وتوجّب أن نعرف، بذلك، أنّ أيّ إصلاح لن يرى النور في ما تبقى من أشهر العام، رغم أنه يدشّن الولاية الثانية: "طبعاً هذا العام أيضاً.. عام 2007.. هو عام مصيرى.. نحن طبعاً فى النصف الثانى وبقى منه بضعة أشهر.. هذا العام وربما أشهر من هذا العام ستحدد مصير ومستقبل المنطقة وربما العالم كله". عرفنا، كذلك، أنّ الرئاسة ستكون منشغلة بما هو مصيري، والإصلاح استطراداً مسائل هامشية ولا تُصنّف في أيّ مستوى مصيري. بل لقد اتضح، كذلك، أنّ أي توقيت إصلاحي هو رهن بعلم الغيب، ما دامت الإصلاحات ـ مجتمعة أو متفرّقة، ذات أولوية أولى أو خامسة أو عاشرة، سيّان... ـ مرتبطة بمعارك النظام الخارجية، وما هو أبعد (الترتيب الرئاسي سار هكذا: "نحن لسنا منعزلين.. ولا نعيش فى جزيرة.. نحن نتأثر بكل ما حولنا.. نتأثر بالعراق ونتأثر بلبنان ونتأثر بفلسطين.. وبأشياء أخرى.. ربما تكون أبعد").

هل آن أوان "الإصلاح"، في اليوم المئة من عمر الإنتفاضة السورية، بعد سقوط أكثر من 1500 شهيد، وإصابة أكثر من 6000 جريح، ونزوح 11 ألف مواطن إلى تركيا أو لبنان، واعتقال الآلاف؟ ارتجالات
خطاب مدرج جامعة دمشق تقول نعم، بل هي لا تشير أبداً إلى تأثر النظام بالعراق ولبنان وفلسطين، وبقدرة قادر تطمئن السوريين إلى أنّه "لا يوجد من يعارض الإصلاح"! قال الأسد: "أنا شخصياً لم ألتق بشخص في الدولة يعارض الإصلاح والكل متحمس للإصلاح.. المشكلة هي أي إصلاح نريد.. ما هي التفاصيل". المشكلة الأخرى هي أنّ "البعض يريد أو يتوقع بأن القانون يصدر والرئيس يوقع هذا القانون، القضية سهلة. هل ممكن أن يحصل هذا الشيء؟ طبعاً.. هل يؤدي هذا الشيء لنتائج إيجابية ويحقق المصلحة العامة؟ ربما". كذلك: "عندما أقول ربما يعني الاحتمالات واردة.. لا نستطيع أن نقوم بعمل مفصلي وبعملية إصلاح كاملة بعد خمسين عاماً من شكل سياسي معين أن ننتقل من خلال قفزة في المجهول".

والحال أنّ هذه "الدوّيخة" الجديدة تتابع ما دأب عليه الأسد في دوّيخات سابقة وقع الشعب السوري ضحية لها، منذ خطاب القسم الأوّل سنة 2000، حين أعلن وريث حافظ الأسد أنه لا يملك عصا سحرية؛ مروراً بخطاب القسم الثاني، حين اعترف بأنّ "الظروف السياسية والضغوطات"، ومعها "الفوضى العارمة"، هي التي "غيّرت أولوياتنا وبات همّنا الأول هو الحفاظ على الأمن والأمان"؛ وصولاً، بالطبع، إلى حيرته على مدرج جامعة دمشق، بين وجود مجلس الشعب أم غيابه؟ تعديل بعض الدستور، أو كلّه؟ قانون انتخاب لدائرة صغرى أم متوسطة أم كبرى؟ وقانون أحزاب يمنع تحويل سورية إلى "كرة يُلعب بها"، أم قانون يجعلها لاعباً؟ ونتحاور وطنياً خلال شهر أو شهرين؟ عبر مئة شخص، أم أقلّ؟ مَنْ يشارك بالحوار، وما هي المعايير، وكيف نضع المحاور، ومَنْ يشارك في كلّ محور من المحاور؟ وأخيراً، كيف القيام بكلّ هذه الخطوات، تحت ضغط المؤامرة، والمندسّين، والمخرّبين، والإمارات الإسلامية، والتكفيريين، والفارّين من وجه العدالة، والجراثيم، و... عربات الدفع الرباعي!

وبمعزل عن مقدار التفكك في موضوعاتها، وانعدام الترابط بين مفرداتها، فإنّ هذه الحزمة من الإرتجالات يمكن أن تصلح مادّة لاستقراء الخطّ الراهن من تفكير النظام، وعلى مستوى الحلقة الأضيق التي تدير القرار الأعلى تحديداً؛ إذْ يلوح عندها أنّ الحزمة تمهّد لسلسلة انحناءات أمام العاصفة، وسلسلة ترتيبات تتيح تكيّف النظام أمام المتغيّرات، ومعها، بدل السعي إلى اعتبارها عابرة مؤقتة يصحّ فيها الخيار الأمني وحده. وسواء كانت زلة لسان، أم نطق بها عن سابق وعي وقصد، فإنّ محض إشارة الأسد إلى تشكيل "هيئة تأسيسية" تطرح دستوراً جديداً على الإستفتاء الشعبي، تعني أنّ أحد المطالب الرئيسية للمعارضة أخذت تتسلل إلى ذهنه، فغابت عن النصّ المكتوب، وانزلقت إلى الشفاهي المرتجل.

وبين السيناريوهات التي قد تكون في صلب حسابات النظام، وضمن خياراته في المراحل الأخيرة من معركة البقاء، ذاك الذي يجبر السلطة على وضع الحلّ الأمني جانباً، أو بصورة مؤقتة لا تلغي إمكانية العودة إليه في أي وقت. صحيح أنّ المعارك التي يخوضها النظام ضدّ الشعب، كلّ يوم، واعتماداً على الهراوة والاعتقال مثل الرصاص الحيّ والدبابة والحوّامة، تبرهن أنّ الخيار الأمني ما يزال هو المرجّح وهو السائد. وصحيح، أيضاً، أنّ اليد العليا تظلّ لأمثال ماهر الأسد وكتائب "الحرس الجمهوري" المنتخبة، وللمفارز الأمنية التي يقودها اللواء على مملوك، واللواء زهير الحمد، والعميد ثائر العمر، والعميد أنيس سلامة، والعميد حافظ مخلوف (من جهاز المخابرات العامة/ أمن الدولة)؛ واللواء عبد الفتاح قدسية (المخابرات العسكرية)، واللواء جميل حسن (مخابرات القوى الجوية)، واللواء محمد ديب زيتون (شعبة الأمن السياسي)...

صحيح، كذلك، أنّ حديث الأسد عن بقاء الجيش حتى إشعار آخر، لأنه "موجود من أجل أمن المواطنين وأمن أبنائهم" كما قال، يؤكد استمرار النظام في الاعتماد على الحلّ الأمني؛ إلا أنّ الإرتجال اللاحق يوحي بباطن تفكير السلطة أيضاً: "نحن نرغب بالحل السياسي ونتمنى أن يعود الجيش إلى ثكناته بأقصى سرعة". ذلك لأنّ "الجيش" الذي يقصده الأسد ليس كلّ الجيش السوري، ولا نصفه أو ثلثه أو ربعه، بل هو ثلاث كتائب نخبوية التسليح والإمتيازات، اختار ماهر الأسد أفرادها وصفّ ضباطها وضباطها بعناية فائقة، وعلى أسس فئوية ومناطقية لاوطنية تجعلها أقرب إلى ميليشيا خاصة أو عصابة منظمة. وهذه الكتائب، بالتعاون الوثيق مع قطعان "الشبيحة"، هي التي ارتكبت وترتكب الجرائم في درعا وبانياس وحمص وتل كلخ وجسر الشغور ومعرّة النعمان وخربة الجوز، وهي التي تدافع عن الحلّ الأمني وتتعهد تنفيذه.

خشية النظام، وفي هذا يستوي الأسد وشقيقه مع غالبية ضباط الحلّ الأمني، هي أن يؤدّي فشل الحلّ الأمني، وإطالة أمده دون جدوى ملموسة، إلى احتكاك مباشر مع الجيش السوري الفعلي، أي مع أكثر من 300 ألف مقاتل عامل، و300 ألف مقاتل احتياط، ينتشرون في طول البلاد وعرضها، ولم يتدربوا على قتال آبائهم وأبنائهم وبناتهم، أخوتهم وأخواتهم، أطفالهم وشيوخهم، المتظاهرين المسالمين الذين لا يحملون أيّ سلاح سوى الهتاف بالوحدة الوطنية، من أجل الحرّية والكرامة. وحين يتمنى الأسد أن يعود "الجيش" إلى ثكناته، فهو في الواقع يتمنى عودة كتائب ماهر الأسد إلى ثكناتها، قبل أن تدخل في صدام مع سرايا وكتائب وأفواج وألوية وفِرَق الجيش السوري النظامي.

وضمن قراءة مماثلة، لا يتمنى الأسد "أن يعود عناصر الأمن إلى مكاتبهم وأبنيتهم ومواقعهم أيضاً بأقصى سرعة"، إلا لأنّ تجارب 100 يوم من محاولات كسر إرادة الشعب ارتدّت على تلك الأجهزة ذاتها، وربما منذ الأسبوع الأوّل، فلم تنكسر سوى صورتها السابقة، التي نهضت على الترهيب والقهر ودوس الكرامات والعبث بكلّ وأيّ قانون. وعلى هذه الاجهزة، في المقام الأوّل، ينطبق أحد أجمل شعارات الإنتفاضة: رصاصكم لم يقتل فينا إلا خوفنا منكم! وبالطبع، لا بدّ أن يكون الحفاظ على ما تبقى من هيبة الأجهزة الأمنية، والإبقاء على بعض شوكتها القمعية، واحداً من العناصر الحاسمة في ستراتيجيات تكيّف النظام مع المراحل القادمة من تطوّر الإنتفاضة.

هو انحناء أمام العاصفة، إذاً، تكشف على نحو غير مباشر، كما انكشف بصفة مباشرة أيضاً، في خطاب الأسد الثالث؛ ولعلّه، إذا صحّ، سوف يفضي إلى إبعاد الخيار الأمني ـ العسكري مؤقتاً، وسحب المبادرة من يد ماهر الأسد (بالتراضي والاتفاق دائماً، ولا يظننّ أحد أنّ الأمر سيتمّ في حلبة صراع بين الشقيقين)، وإعادتها إلى بشار الأسد، ومعاونيه ومعاوناته (وهذا قد يفسّر الظهور، بعد غياب، لأمثال وليد المعلّم وبثينة شعبان). لكنه، في الآن ذاته، مخاض زائف، لولادة تعلن كلّ الوقائع أنها ليست عقيمة ممتنعة عن الصدق والمصداقية والانفتاح والحوار، فحسب؛ بل هي مناورة جديدة يلجأ إليها نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، فاقد لأية قدرة على تعديل بنيته بما يديم صلاحيتها، المستعصية أصلاً على الإصلاح.
23/6/2011

الاثنين، 20 يونيو 2011

المقدّس الثالث

بعد احتجاب دام أكثر من ستة أسابيع، عاد النظام السوري إلى العزف على طنبور "المظاهرات المليونية"، مع تعديل دراماتيكي شهدته المظاهرة التي نُظّمت قبل أيام في العاصمة دمشق: رفع علم سوري ذي مقاسات خرافية، 2300 x 18 متراً، امتدّ على طول أوتوستراد المزّة، وحمله مئات الآلاف. هؤلاء، غنيّ عن التذكير، هتفوا بحياة قائدهم بشار الأسد، وأعلنوا كالعادة افتداءه بأرواحهم وبدمائهم، وجعلوه ثالث ثلاثة أقداس ("الله، سورية، بشار... وبسّ!"). وكالعادة، مرّة أخرى، لم يتسلل إلى صفوفهم مندسّ واحد أو مندسّة، ولم تُرفع عصا، أو تُطلق رصاصة، أو تُلقى قنبلة مسيلة للدموع، ولا اضطر إلى التدخلّ أي من رجال الأمن والشبيحة، حماة الوطن والمواطن.

حسناً، "صحتين يا شباب!"، كما يقول التعبير الشعبي الشائع؛ فما الضير، إذاً، أن يخرج بضعة آلاف من المواطنين، السوريين أباً عن جدّ بدورهم؛ وأن يحملوا ـ كما فعل أباة مدينة حماة يوم جمعة صالح العلي الماضية ـ عَلَماً قياسياً بدوره، أقلّ طولاً بالطبع؟ ولماذا لا يفعلها الدمشقيون في ساحة عرنوس، مثلاً، لكي لا نقول ساحة العباسيين، التي قد تستنفر السلطات الأمنية لأنها تذكّر بمشاهد ساحة التحرير القاهرية؟ وما الجريمة، "الإندساسية" أو "السلفية" أو "المؤامراتية"، في أن يهتف الحمويون والدمشقيون والحلبيون، والسوريون في أيّ وكلّ شبر من أرجاء وطنهم، بثالوث آخر مقدّس لديهم: "الله، سورية، حرّية... وبسّ"؟
أسئلة، على سذاجتها الظاهرة في ضوء خيارات النظام العنفية القصوى ضدّ الإنتفاضة، تصلح نظائر بسيطة ومبسّطة لمساجلة أبواق النظام، حول ما يجعل مظاهراتهم وطنية، شرعية، محمية، مغطاة إعلامياً؛ ومظاهرات سواهم من السوريين جديرة بالهراوة والعصا الكهربائية والرصاصة، وباتهامات لا عدّ لها ولا حصر. ولا نعدم، بالطبع، بوقاً فهلوياً لوذعياً يرفع عقيرته بالقول إنه مع التظاهر الشعبي "البريء" و"المخلص" و"غير المرتبط بقوى أجنبية متآمرة"، ولو وقعت عيناه على مظاهرة واحدة من هذا الطراز، لانخرط فيها دون إبطاء! ويحدث، في كلّ الأحوال، دائماً وليس غالباً، أنّ صاحبنا يجوب أحياء دمشق طولاً وعرضاً، فلا يعثر على ضالته!

ثمة، إلى هذا، بعض الفوارق التي تُسجّل لنظام بشار الأسد، بالمقارنة مع نظام أبيه، على صعيد هذه التظاهرات تحديداً، وبصدد طرائق تنظيمها وتسييرها، ومضمون شعاراتها وهتافاتها، و"تقنيات" توظيفها إعلامياً وسياسياً و... ديماغوجياً. ففي أيام الأسد الأب كانت التوجيهات العليا، الآتية من مصادر مختلفة في الهرم الأمني أو الحزبي أو البيروقراطي، تحثّ على تشجيع الإحتفالات والمسيرات الشعبية، ابتهاجاً بالإستفتاءات الرئاسية على نحو خاصّ. لكنّ تلك التوجيهات كانت تُنقل على نحو غير مباشر، أو غير رسمي بالأحرى، وكان مُصْدِروها يراهنون على أنّ اللبيب من الإشارة يفهم، ويحدث دائماً أنه يفهم بالفعل، حقّ الفهم.

أمّا في هذه الأيام فإنّ القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، بتعاون وثيق مع هذا أو ذاك من أجهزة الأمن المعنية، استقرّت على إسقاط هذا الحياء (غير المبرّر، يشهد الله!)، وإصدار توجيهات رسمية إلى فروع الحزب واتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ومنظمة طلائع البعث، فضلاً عن الوزارات والمحافظين والمؤسسات والقطاعات المختلفة، تحثّ على السماح للشعب بالتعبير عن أفراحه. في عبارة أخرى، تقول التوجيهات: بالإضافة إلى تسيير المظاهرات وإجبار الموظفين والعاملين في القطاع الخاص والطلاب والتلامذة على السير فيها، لا تمنعوا "الأفراح" في الشوارع، ولا تترددوا في تأجيل الإمتحانات المدرسية إذا كانت تتعارض مع "المسيرات الشعبية". كذلك، إذهبوا أبعد ما تستطيعون في تسجيل مشاعر السرور والغبطة والحبور، ولا تقتصروا في هذا على "أبناء شعبنا في سورية" وحدها، بل اقصدوا "الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج"، وسجّلوا عبارات تأييدهم لنا ولقائدنا المفدّى!

وبالفعل، أتى حين من الدهر شهد اكتظاظ وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا، بسلسلة من الأقوال الماثورة، بينها قول الأديب التونسي ساسى حمام: "يحقّ للشعب السورى أن ينشر مظاهر الزينة فى كلّ المدن والقرى السورية لمناسبة ترشيح الرئيس بشار الأسد لولاية دستورية جديدة، وذلك تعبيراً عن اختياره الحرّ فى مواصلة واستمرار النهج الذى اختاره بشار الأسد وطنياً وقومياً وعالمياً"؛ أو عبد الوهاب عبد الحميد، نائب رئيس مجلس النواب اليمني: "الرئيس بشار الأسد جّسد فى سياسته المشروع القومى والحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية"؛ أو الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن: "الشارع العربي كلّه مع بشار الأسد"...

أقوال كهذه صارت اليوم صعبة، وربما مستحيلة، ليس لأنّ قائليها توقفوا عن إبداء أرائهم، صدقاً أو رياء؛ بل لأنّ المشاهد الوحشية الآتية من درعا وبانياس والبيضة واللاذقية ودوما وحمص وجسر الشغور، وشريط الفتى حمزة الخطيب، وسواه من شهداء الإنتفاضة، الأطفال والنساء والشيوخ، باتت تعقد اللسان، صدقاً أو رياء، هنا أيضاً. وتخيّلوا، في صورة مضادّة موازية، لو أنّ العَلَم ذا الـ 2300 متراً رُصف بصور الشهداء الذين تجاوز عددهم الـ 1500، وصور المعتقلين الذين بلغوا أكثر من 10 آلاف، وصور النازحين الذين قاربوا الرقم ذاته... فكم من الأمتار الإضافية سوف تقتضي الحاجة؟ وكم من أوتوستراد يلزم، حتى تصبح حرّية الوطن هي المقدّس الثالث؟