وعزّ الشرق أوّله دمشق

الخميس، 4 أغسطس 2011

الأسد في ساعة الذئب: ما الذي تبقى من "أهون الشرور"؟


في نصف نهار، أقلّ من عشر ساعات، بواسطة مجرم حرب يمتطي دبابة، أو عنصر أمن انقلب إلى وحش كاسر، أو "شبيح" تجرّد من كلّ صفة بشرية؛ جندل نظام بشار الأسد قرابة 140 شهيداً، في حماة ودير الزور وحمص والبوكمال والحراك، في مسعى يائس للإجهاز على زخم شهر رمضان عموماً، في دلالاته الروحية أوّلاً، والتلويح بالقبضة الأمنية والعنفية الأشرس إزاء استثمار طقوسه، في صلوات التراويح خاصة، من أجل تصعيد حراك الإنتفاضة. ولم تكن صفة اليأس قد طبعت تلك الإجراءات بسبب من جرعات الوحشية التي اكتنفتها على صعيد عسكري وأمني، فحسب؛ بل كانت عودة النظام إلى أجواء التخويف من "العصابات المسلحة" قد اقترنت بتنويع أكثر سخفاً، وأسهل افتضاحاً بالطبع، هو الحديث عن وجود منظمة "القاعدة" في حماة، المدينة والريف، وفي معظم أرجاء جبل الزاوية ومحافظة إدلب.
لا يلجأ مستبدّ، أياً كانت حساباته أو تقديراته لميزان القوى في الصراع، إلى هذه الخلطة المتنافرة من إراقة الدماء البريئة، ثمّ السعي إلى غسلها بوسيلة خطاب ديماغوجي ركيك مستنفَد مستهلك، إلا إذا كان قد بلغ في اليأس مبلغ خطوط الدفاع الأخيرة. هذه، في عبارة أخرى، هي ساعة الذئب التي يحرّكها مزيج بهيمي من التضوّر والتغوّل وغريزة البقاء، فلا ينفع فيها تحكيم عقل أريب ـ على ندرة وجوده، في صفوف ناصحي النظام، من عرب أو عجم ـ ولا إفلات عقل سقيم من كلّ عقال، ولا رادّ لليأس من الذهاب أبعد فأبعد في الدفاعات اليائسة. وليس عسيراً، كما قد يجزم أبسط مراقب محايد، أن تتضح حدود ساعة الذئب تلك، وأن تتكشّف عن حصاد دامٍ، وحشي وبربري لا ريب، قد يشبع الذئب ساعة، لكنه لا يصنع برهة استذآب إضافية تضمن الساعة التالية، بقدر ما يرسّخ نقيضها المضادّ.
فما الذي كسبه النظام من سفك دماء 140 مواطناً سورياً، خلال ساعات معدودة؟ أغلب الظنّ أنّ أبرز "انتصارات" تلك العمليات الوحشية هي انطلاق أولى التظاهرات الشعبية في حيّ أبو رمانة، الدمشقي الفاره والنخبوي، حيث مقارّ السفارات والهيئات الدولية؛ وأولى التظاهرات التي لامست ساحة الأمويين، حيث وزارة الدفاع، وقيادة القوى الجوية (آمرية الطيران)، ومبنى الإذاعة والتلفزيون؛ وأولى التظاهرات في حيّ المهاجرين، غير بعيد عن القصر الرئاسي التاريخي، وقصر الروضة، ومقرّ العميد حافظ مخلوف في الجسر الأبيض. مواقع "انتصار" أخرى تمثلت في ما شهدته مدينة حلب من تكثيف للتظاهر، هناك حيث كان يتظاهر الحلبيون راكضين بسبب من الحواجز الأمنية الخانقة، والإنتشار السرطاني للمفارز الأمنية وقطعان "الشبيحة"، وحيث تفاخر النظام طويلاً حول صمت المدينة الثانية في سورية.
في المستوى الديماغوجي، وبالإضافة إلى توجيه الأبواق إلى نفخ المزيد من المعزوفات حول "العصابات المسلحة" وخلايا تنظيم "القاعدة"، لجأ النظام إلى نشر أشرطة فيديو (مصوّرة، يا للبراعة الزائفة، بواسطة أجهزة الهاتف النقال!) تصوّر ممارسات وحشية ضدّ أناس قيل إنهم من عناصر الأمن، نُسبت المسؤولية عنها إلى تنسيقيات حماة ودير الزور... تحديداً! وإذا صحّ التحذير من أنّ خطاب بعض دعاة نصرة الإنتفاضة السورية، في الخارج أوّلاً، علانية تارة وعبر كواليس المؤتمرات والندوات العقيمة طوراً، انطوى بالفعل على ما يشجّع لجوء السوريين إلى عنف مضادّ لعنف السلطة؛ وأنّ بعض الحوادث، في سياق هذا الطراز من العنف، لا يمكن تجنبها في المطلق؛ فإنّ الفشل الذريع كان مصير أشغال السلطة في هذا الميدان، ومثله اشتغالها الحثيث لصبّ الزيت على أية شرارة، فبقي شعار سلمية الإنتفاضة هو الوحيد، وليس الأعلى فحسب، ولا انقلاب عنه إلى سواه، أياً كانت عذابات مجابهة الدبابة بالعلم السوري وحده، وبالصدر العاري إلا من عزيمة المقاومة.
 أنساق أخرى من "الإنتصارات" تحققت في مجلس الأمن الدولي، حين عجزت موسكو عن تجرّع كلّ هذه الدماء، خاصة وأنّ الكرملين قد سكت عن الكثير منها طيلة أشهر الإنتفاضة، فصوّتت روسيا على مشروع قرار يدين عنف النظام. صحيح أنه نصّ هزيل، يساوي بين القاتل والقتيل، ولا عزاء فيه لكلّ مَنْ علّق أو يعلّق الآمال على هذه الهيئة الدولية؛ إلا أنّ النصّ ذاته كان غير مقبول من موسكو قبل المجازر الأخيرة، ويصعب بالتالي اعتباره تطوّراً بلا مغزى. في المستوى ذاته من علاقات النظام بالعالم الخارجي، ولكن في المحيط العربي هذه المرّة، أطلق النظام أتباعه الموالين المحليين في الأردن ولبنان، كما أوفد إلى عمّان وبيروت قطعاناً من "الشبيحة" المتخصصين بالسلاح الأبيض، لتفريق اعتصامات التضامن مع الشعب السوري. أمّا مغادرة سفير النظام في القاهرة، يوسف الأحمد، وهو محارب قديم في صفوف السلطة وليس دبلوماسياً عادياً، فإنّ دلالاتها ترفع شارة نصر للمئات من الأشقاء المصريين الذين تظاهروا مراراً أمام السفارة، تأييداً للإنتفاضة السورية؛ كما تبعث برسالة، قصيرة ولكنها بليغة، إلى بيروقراطي منافق وساكت عن الحقّ مثل نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية.
لكنّ ساعة الذئب هي، من جوانب أخرى، جردة حساب متجددة لوريث لاح ذات يوم أنه "أهون الشرور" على سورية ما بعد حافظ الأسد، والفتى الذي أوحى بالثقة أكثر من "الأعمام" الذين حكموا مع أبيه، في مسائل الإصلاح ومحاربة الفساد بصفة خاصة. ولم يكن هذا رأي غالبية أنصار النظام وحدهم، بل كان أيضاً تقدير فئات من المعارضة السورية، وساجل دفاعاً عنه بعض مثقفيها ومفكريها، ممّن يقفون اليوم في صفّ الشعب بوضوح أقصى (وهذه واحدة من حسنات الإنتفاضة، غنيّ عن القول). البعض الآخر (ويشرّفني، من باب المسؤولية في الأقلّ، أنني كنت في عدادهم)، ساجل في الصفّ النقيض: بشار الأسد ليس أهون الشرور بل أكثرها إنذاراً بالأخطار على سورية المعاصرة.
ذلك لأنّ توريثه يسنّ قاعدة بغيضة مرفوضة، لا تشمل "جمهورية آل الأسد"، كما تحدّث معلّقون اعتبروا بأنّ الجمهورية لم تكن موجودة أصلاً، بل ترتدّ إلى عقود خلت، فتنسحب على تاريخ "الجمهورية السورية"، تلك الصيغة السياسية الراقية التي اختارها الشعب السوري فور الإستقلال، وقبل زمن طويل من صعود حزب البعث بجميع تياراته، واستيلاء البيت الأسدي على السلطة. وتلك جمهورية أخذها الشعب السوري أخذاً، بنضالات متعددة الأشكال، ولم تُمنح له هبة من أحد، بل دفع ثمنها غالياً، وتشبث بنجاحاتها وإخفاقاتها، وتعلّم من تجاربها سلوكيات سياسية ديمقراطية وتعددية لم تفرّق بين مواطن وآخر على أيّ أساس قومي أو ديني أو مذهبي أو مناطقي.
وساعة الذئب هذه تذكرة بأنّ الشعب السوري لم يتوجه إلى صناديق الإقتراع، في تموز (يوليو) 2000، للتصويت على اختيار بشار الأسد، إستناداً إلى إرادة الشعب الحرّة، بل جرى قسر الناس على التوجّه إليها بموجب إرادة استبداد عسكرية ـ أمنية، هي الإرادة العتيقة ذاتها التي أجبرت المواطنين السوريين على ممارسة الطقس الروتيني ذاته كلّ سبع سنوات منذ العام 1971 حين جرى التصويت على الأسد الأب. وإذا كانت نسبة التصويت لم تهبط مرّة واحدة عن الرقم الشهير 99، فإنّ الرقم الذي قيل إنّ الأسد الابن حاز عليه (97,29 بالمئة) كان المؤشّر الأوّل والأبكر على أنّ الوريث لن يختلف عن المورِّث في تزوير الإرادة الشعبية.
ولم يكن الوريث أفضل الحلول (وتلك كانت التسمية الأخرى لتعبير "أهون الشرور")، كما ساجل بعض السفسطائيين، بل كان في واقع الأمر المرشح الأوحد، المفروض بقوّة البطش وإعمال القبضة الأمنية واحتقار الشعب والدستور، ذاك الذي سنّته السلطة ذاتها، تفصيلاً على ما يناسبها من مقاسات. المرشح الأفضل الوحيد هو ذاك الذي يختاره الناخبون، من بين لائحة مرشحين، في اقتراع سرّي سليم وحرّ وديمقراطي؛ وما دام هذا الشرط قد غاب عن اقتراعَيْ 2000 و2007، فإنّ المرشح الوحيد الذي فُرض على الشعب هو أسوأ المرشحين منطقياً، أو هو "المرشح ـ اللامرشح"، إذا جاز هذا النحت اللغوي الذي تبيحه الطرافة السوداء، في هذه الأيام السوداء.
وطيلة ثلاثة عقود ظلّ الأسد الأب يعمل 16 ساعة كلّ يوم، كما أفادنا البريطاني باتريك سيل، مؤلف السيرة  الأخلص للأسد ونظامه، من أجل بناء بنية في الحكم تتراتب بدقّة شبكة العنكبوت، حيث تُنسج الخيوط المعقدة يميناً ويساراً، أفقياً وشاقولياً، من المربع إلى المستطيل إلى الدائرة، لكي تنتهي جميعها عند المركز الأوحد الذي يقيم في قلب الشبكة، ويصنع القرار النهائي، ويرسم السياسة الأخيرة. صعد الكثيرون منذ العام 1970، حين اتقلب الأسد على رفاقه في حزب البعث واستولى على السلطة، وهبط الكثيرون: ضباط أمن وضباط جيش، قادة حزبيون وقادة بيروقراطيون، لصوص ومرتزقة وشرفاء وبلهاء، أخوة وأبناء أخوة وأخوات، من كلّ الطوائف والمذاهب والمشارب.
لكنّ هذه الخصيصة لم تنقلب إلى نعمة تساند نظام الوريث، بل تقلّبت بين نقمة هنا، وعبئاً هناك، حين توجّب على الوريث أن يستبدل بنفسه عدداً من كبار أفراد الحرس القديم، وأن يُعلي شأن أفراد من الحرس الفتي، في غمرة ظروف مباغتة أو غير مواتية، كانت على رأسها حقيقة أنّ مرض الأسد الأب لم يمهله وقتاً يكفي لترتيب البيت كما يريد له أن يُرتّب، تحت رقابته اللصيقة وقبضته الفولاذية. ولقد وجد الأب بعض الوقت لإزاحة البعض، دون أن يسعفه الزمن في اختيار، أو تدريب وتربية، بدلاء مجرَّبين وشديدي الولاء للوريث، فتوجّب على الأخير أن يختار بنفسه، وأن ينقلب السحر في هذا على السحرة.
المثال الأبرز هو "سرايا الدفاع"، وحدات البطش التي تعيّن على الأسد الأب تفتيتها وإعادة تركيبها وتبديل اسمها وتفريق شمل ضباطها، بعد أن بلغ النزاع مع قائدها، وشقيقه، رفعت الأسد، مرحلة المواجهة. ثمّ، في السنوات الأولى من التوريث، تعيّن أن يكون قائد هذه الوحدات الفعلي، إسوة بالقيادة الفعلية للحرس الجمهوري، شابّ في مقتبل العمر، ليست له من خصيصة عسكرية أو قيادية سوى أنه يُدعى ماهر الأسد! ولأنّ علاقته بالسياسة أقرب إلى الدرجة صفر، وعلاقته بالمؤسسة العسكرية لا يسندها أي تاريخ أو تزكيها أية تجربة، فضلاً عن انغماسه في خدمة شبكات المال التي يتشارك فيها أكثر من اهتمامه بالشؤون العسكرية واللوجستية، فقد انتهت اثنتان من كبريات المؤسسات التي تحمي "الحركة التصحيحية" إلى إمرة ضابط عصابي ولمفاوي ودموي المزاج، هو الذي يدير أعمال الحلّ الأمني اليوم.
هذا هو المشهد الذي يتسيّده "أهون الشرور"، رأس الإستبداد والآمر الأول بأشدّ ممارسات العنف وحشية، وبالتالي فإنه اليوم ليس أفدحها خطراً على حياة سورية، فحسب؛ بل ينبغي أن يكون ختام الشرور، حيث تسير عقارب ساعة الذئب إلى ثوانيها الأخيرة، ويبتديء الشعب ساعة الحساب الأولى. لكلّ فرعونه، كما يعلّمنا التاريخ، ولن يكون قفص آل الأسد أقلّ صناعة للتاريخ من ذاك الذي احتوى آل مبارك.

الأحد، 31 يوليو 2011

بن لادن حماة وزرقاوي دير الزور

 مع دخول دبابات ماهر الأسد إلى مدينتَيْ حماة ودير الزور (باتفاق تامّ مع، أو بأمر مباشر من، شقيقه بشار الأسد... لكي لا يظنّ أحد أننا نضع الأخير في صفّ حمائم النظام، وهو رئيس الجوارح ورأس الكواسر)؛ في إطار تنفيذ عمليات وحشية، وانتحارية يائسة، ضدّ الحمويين والديريين، أهل التظاهرات المليونية؛ تترافق قذائف الدبابات مع قصف إعلامي يتولاه أزلام النظام، وكأنهم ينفخون الأكذوبة ذاتها، عبر البوق الواحد، بالنشاز المنكَر إياه. المهمة هذه تنقلب إلى ما يشبه نقيق الضفادع، خاصّة حين يجترّ بوق أوّل كلاماً هالكاً عن "مندسين" و"إمارات سلفية" و"مخرّبين"، أو يلعب بوق ثانٍ على مخاوف مستهلَكة مثل تخريب سكة قطار أو تفجير أنبوب نفط.
آخر منتجات ذلك القصف هو القول بأنّ "الجيش الوطني" إنما يدخل إلى حماة بناء على طلب "الأخوة المواطنين" (وهذا نغم ابتدائي في الأسطوانة المشروخة)، لتطهير المدينة من "فلول المخرّبين" (وهنا تنويع مملّ على النغمة الإبتدائية)، و... القضاء على "خلايا منظمة القاعدة" التي تحتلّ المدينة (وهنا أقصى التطوير في النغم)! المرء، بادىء ذي بدء، يتذكّر ما كشفت عنه وثائق "ويكيليكس"، عن الاجتماع المشهود الذي شهدته العاصمة السورية، في شباط (فبراير) العام الماضي، بين دانييل بنيامين، منسّق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، وفيصل المقداد، نائب وزير الخارجية السوري. التفصيل المثير هو حضور اللواء علي مملوك، مدير إدارة المخابرات العامة، على نحو لم يكن مقرراً في الأصل، وكيف بدا انضمامه إلى الاجتماع بمثابة "اقتحام مباغت"، كما سيقول بنيامين؛ بأمر مباشر من الأسد، كما ستقول برقية الخارجية الأمريكية بعدئذ.
ولأنّ واشنطن كانت على علم بأنّ مسائل ضبط الحدود مع العراق ليست في عهدة إدارة مملوك، وأنّ سيّد الملفّ الفعلي هو العميد ذو الهمة شاليش، مرافق الأسد وابن عمّته؛ فإنّ حضور مملوك كان يبعث برسالة المقايضة التالية: هذا اجتماع في الوقت الضائع، وحين تكون إدارة أوباما جادّة في تحسين العلاقات مع النظام، عندئذ سوف يكون شاليش حاضراً في أيّ اجتماع قادم! الدليل على هذا هو الكلام الفجّ الذي صدر عن اللواء مملوك أثناء الاجتماع، وضار ذائع الصيت اليوم: "في محاربة الإرهاب على نطاق المنطقة، كانت سورية أكثر نجاحاً من الولايات المتحدة، لأننا كنّا عمليين وليس نظريين". ذلك لأنّ "النجاح السوري تمثل في اختراق المجموعات الإرهابية، وحصول سورية على ثروة من المعلومات. نحن من حيث المبدأ لا نهاجمهم أو نقتلهم، بل نتمدد داخل هذه المنظمات عن طريق اختراقها بعناصرنا". خاتمة المداخلة كانت أشبه بإطلاق رصاصة الرحمة على المقاربة الأمنية الأمريكية بأسرها: "الفارق بيننا وبينكم هو أنكم تحاربون الإرهاب وجهاً لوجه، أمّا نحن فنخترق صفوفه"!
جانب آخر من المسألة تكفّل سيمور هيرش، المحقق الصحفي الأمريكي الشهير، بتسليط الأضواء على وقائعه، في تقرير مأثور نشرته مجلة "نيويوركر: الأمريكية، صيف 2003. لقد روى الرجل أنّ المخابرات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي عملتا في مدينة حلب، ضمن ما يشبه تفويض الـ"كارت بلانش" من السلطة، على دراسة وتدقيق آلاف الملفات الوثائق والمستندات السرية التي تخصّ رجالات "القاعدة". كذلك كان للأجهزة السورية فضل إفشال عمليتين ضدّ القوّات الأمريكية: واحدة ضدّ الأسطول الخامس في البحرين، والثانية ضدّ هدف في أوتاوا بكندا. وهيرش يؤكد، استناداً إلى معلومات متعددة المصادر، وإلى مقابلة مباشرة مع بشار الأسد، أنّ النظام السوري كان يسعى إلى بناء "قناة خلفية" للحوار مع البيت الأبيض، مستغلاً استماتة الأجهزة الأمنية الأمريكية في حيازة معلومات ملموسة عن كوادر "القاعدة" وخلاياها.
فكيف حدث أنّ منظمة "القاعدة" صارت تحتلّ حماة ودير الزور، رغم دبابات العميد الأسد، ومفارز اللواء مملوك، و"شبّيحة" شاليش ومجموعات مهرّبي السلاح، لكي لا يتساءل المرء عن عناصر المخابرات العسكرية، والأمن السياسي، ومخابرات القوى الجوية؟ وإذا كانت حماة قد انقلبت إلى "قندهار جديدة"، في توصيف منحطّ أطلقته صحافة رقيعة، يحكمها بن لادن الحموي؛ وتحوّلت دير الزور إلى "بعقوبة ثانية"، بإمرة الزرقاوي الديري مثلاً... فأين ذهب "اختراق" صفوف الإرهابيين، و"التمدّد" داخل منظماتهم، و"ثروة" المعلومات التي جمعها العباقرة من ضباط أمن النظام؟ وإذا صحّ أنّ النظام أفشل عمليتين لـ"القاعدة" ضدّ أهداف أمريكية، فكيف عجز عن إحباط مخططات منظمة "القاعدة"، ويحتاج اليوم إلى عشرات الدبابات لمحاربتها؟ 
حبل الكذب، هنا، ليس قصيراً فحسب، بل هو فحشاء قصوى ينحطّ إليها نظام استنفد أغراض وجوده جمعاء، وصار نقيض الحياة وخصمها، وبات عاجزاً حتى عن استثمار سبطانة الدبابة وبوق الأكذوبة. وللصامتين أن يلوذوا برهاب من أيّ نوع، في تصديق ما تنفخه الأبواق من مخاوف كاذبة؛ وللدجالين المتذرعين بالحرص على "علمانية" البلد، أن يتواطأوا مع ما يرتكبه نظام الإستبداد والفساد من مجازر. ولكن... إذا كانت العدالة تنتظر مجرمي الحرب، على اختلاف مواقعهم، ذات يوم قريب آتٍ لا محالة؛ فإنّ مزبلة التاريخ، وازدراء الملايين، فضلاً عن خسران شرف المشاركة في صناعة سورية المستقبل، هي مآل الصامت ومصير الدجال.

الخميس، 28 يوليو 2011

حلقة الأسد الأمنية: حتمية التفكك، بعد اختبار النار

يواصل أناس من أمثال العميد ماهر الأسد (شقيق بشار الأسد، والقائد الفعلي للحرس الجمهوري)، والعميد ذو الهمة شاليش (ابن عمّة الأسد، ورئيس حرسه الشخصي، والمشرف الفعلي على جهاز أمن الرئاسة)، والعميد حافظ مخلوف (ابن خالة الأسد، والضابط الأبرز في الفرع 251 والأقوى نفوذاً في جهاز المخابرات العامة بأسره)، واللواء علي مملوك (المدير الرسمي للجهاز ذاته)، إدارة الحلّ الأمني في شتى أساليبه وتنويعاته وأسلحته. ومنذ أواسط آذار (مارس) الماضي وحتى الساعة، أنجزت قراراتهم الميدانية الحصيلة التالية، إذا اكتفى المرء بالأرقام وحدها: 1,647 من الشهداء، بينهم أطفال ونساء وشيوخ؛ 2,918 من المفقودين، الذين لا يُعرف لهم مكان اعتقال، أو مصير؛ 26,000 من الذين اعتُقلوا، مرّة أو أكثر، وتعرّضوا لصنوف وحشية من التعذيب؛ 12,617، من الذين ما يزالون قيد الإعتقال، وأماكن توقيفهم معروفة أو مرجّحة.
من جانبه يواصل بشار الأسد، خامس أعضاء هذه الحلقة الأضيق (وهو أوّلهم بالطبع، لأنه رأس النظام ورئيس الحلّ الأمني) ألعاب ذرّ الرماد في العيون، حول مشاريع "الإصلاح" تارة، وتصنيف "فئات" التآمر طوراً؛ ليس دون الإيحاء، عبر بعض نافخي الأبواق من حوله، بأنه ـ على نقيض من الأربعة الكواسر، أو في مواجهتهم أحياناً! ـ هو المبشّر بالحلّ السلمي والسياسي. بعض حصيلة ألعابه يمكن أن تختصرها القرارات القاضية بإحداث اللجان التالية، ونقتبس بالحرف عن موقع "التشاركية" الحكومي التابع لرئاسة مجلس الوزراء: القرار رقم 8507، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها تقديم المقترحات اللازمة لمكافحة التهريب ومنعه؛ القرار رقم 7885، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها إعداد وصياغة مشروع جديد للأحزاب؛ القرار رقم 7272، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي واقتراح الحلول الممكنة؛ القرار رقم 7271، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها صياغة قانون جديد للإعلام ووضع الآليات اللازمة لإعادة هيكلة منظومة الإعلام الوطني؛ القرار رقم 6080، القاضي بتشكيل لجنة مهمتها تحديد وتوصيف جرائم الفساد وإقتراح الضوابط اللازمة للوقاية منه وآليات مكافحته...
ويحدث، غالباً وبحكم المنطق العملياتي الصرف، أن تنتقل مداولات الحلقة الأمنية الأضيق إلى النطاق الخارجي، وإلى ما يشبه العلانية في الواقع، وفقاً لثلاث أواليات: حين يتوجّب إبلاغها، كتوجيهات وأوامر ومهامّ عمل، إلى الحلقات التنفيذية الأدنى؛ أو حين يجري تسريبها، عن سابق عمد وتصميم، لكي تضرب مثلاً أو تلقّن درساً أو تُنذر وتردع؛ وثالثاً، لأنّ لكلّ من أعضاء الحلقة الأضيق شبكات ولاء أدنى يتوجّب وضعها في صورة القرار، وهذه بدورها تنتقل إلى الأدنى، فالأدنى. وعلى سبيل المثال، إذا كان وفاء العميد مخلوف، لسيّده وابن عمّته بشار الأسد، مطلقاً، في الآونة الراهنة على الأقلّ؛ فإنّ وفاءه لشقيقه، رجل الأعمال رامي مخلوف، هو مطلق المطلق، ولا بدّ من إحاطته علماً بتوجهات النظام. وفي الإستطراد، سوف يجد الأخير مصلحة دائمة، وأحياناً مجزية تماماً، في تمرير بعض المعلومات إلى شركائه من كبار رجال الأعمال السوريين، وربما العرب والأجانب، فلا تنتقل التوجهات مباشرة من الحلقة العليا الأضيق، بل عبر وسيط ثالث، وهكذا دواليك...
هنا، في أكثر من مضمار واحد مماثل، يقع التداخل بين الأمني ـ العسكري، والاقتصادي ـ السياسي؛ فتُكلّف بثينة شعبان، على سبيل المثال أيضاً، بمهامّ ترجمة بعض تلك التوجهات إلى أشكال مرنة من "التواصل" و"الانفتاح" و"الحوار" مع أشخاص معارضين (لأنهم هكذا، بالفعل، سبق لهم أن اعتُقلوا لأنهم عارضوا سياسات النظام، أو نشطوا ضدّها، على نحو أو آخر)، بهدف تشجيعهم على اتخاذ مبادرات تكمل ألعاب ذرّ الرماد في العيون. وإذا كان هؤلاء على اتفاق، في كثير أو قليل، حول تقييم طبيعة النظام، وبالتالي حول ضرورة الإنتقال إلى نظام آخر تعددي وديمقراطي؛ فإنّ التباين بينهم يقع في منطقة أخرى هي ميدان اشتغال شعبان وسواها: الفارق بين ارتفاع خطاب التظاهرة، وارتقاء مطالب الإنتفاضة، بما في ذلك ثبات شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ وبين مداولات مؤتمر سميرامس ـ1، ومشروع سميراميس ـ 2 قيد التحضير، على سبيل المثال، هنا أيضاً.
ذلك لا يحول دون وقوع تناقض، أو افتقار إلى درجة كافية من التطابق، بين ما تقرّره، وتوجّه به، الحلقة العليا الأضيق؛ وما تسفر عنه التطبيقات على الأرض، أمنية كانت أم سياسية، وسواء اتخذت صفة إجراءات محلية في هذه المحافظة أو تلك (كما حين يسارع الأسد إلى عزل المحافظين الذين تشهد محافظاتهم اتساعاً عارماً للتظاهر)، أم صفة مركزية تشمل البلد (مؤتمر الحوار الوطني، في أحدث الأمثلة). هنا قد يتلقى فاروق الشرع، نائب الرئيس والمكلّف بما يُسمّى "الحوار الوطني"، إشارة توبيخ علنية، ولكن ساخنة وخشنة (مثل التصريح بأنّ المؤتمر الذي ترأسه كان "كارثة وطنية")، تأتيه من قيادة الإتحاد الوطني لطلبة سورية، "المنظمة الشعبية" التي تسيّرها الاجهزة الأمنية. وهذه، من جانبها، لا تكون قد تلقّت التوجيه المباشر من شاليش أو حافظ مخلوف أو مملوك، بل تولى الإبلاغ وسطاء أقلّ شأناً، من أمثال اللواء عبد الفتاح قدسية أو العميد مناف طلاس أو اللواء زهير حمد.
وكما فشلت الحلول الأمنية في كسر إرادة التظاهر، بل أسهمت في تجذير الحراك الشعبي وفي توحيد قواه وتطوير أدواته وأنساقه؛ كذلك فشلت ألعاب المخادعة السياسية في اختراق المشهد الوطني المعارض، بما يكفي لمنح فريق بثينة شعبان شهادة تفوّق من أي نوع. لقد حدث العكس، على الجبهتين، وبدا أنّ عوامل الفشل الذريع ليست مؤشرات مقترنة بواقعة واحدة، أو بساحة محددة دون سواها، بل هو عجز مريع عن تطوير أداء أمني تقليدي، لا يركن إلا على سطوة الرصاص الحيّ وحصار الدبابة وقصف الحوّامة؛ وأداء سياسي لا يتكيء إلا على استثارة الخواف الطائفي، أو استمالة التردد، أو تفريغ شحنات الإحتقان، أو استيهام مبدأ "فخّار يكسّر بعضه".
في عبارة أخرى، لا تتكامل الجبهتان في خدمة ما تخطط له الحلقة العليا الأضيق، بل تزيد في مأزق النظام حين تبدّد قبضة أمنية يسرى، ما خالت قبضة سياسية يمنى أنها انتزعته من صفّ الإنتفاضة؛ أو تنقلب لعبة سياسية هنا، على اللاعب الأمني هناك، فلا يكتفي الشارع الشعبي بمرأى افتضاح كلا اللاعبَيْن، فحسب؛ بل يكتسب طرازاً إضافياً من الحصانة ضدّ ألعاب مماثلة آتية، ومهارات جديدة في الفضح المضادّ، فتتعمّق أكثر من ذي قبل ثقافة المقاومة، وتنبسط السياسة أعرض فأعرض في السلوك اليومي. مشاهد ساحة العاصي في مدينة حماة، ومشاهد دوّار المدلجي في دير الزور، فضلاً عن تظاهرات اللاذقية خلال جمعة "أحفاد خالد بن الوليد" الماضية، وبؤس مخططات إشعال الفتنة الطائفية في حمص، والاضطرار إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع في القامشلي، والوضع الغامض الذي يكتنف الكلية الحربية في حمص، ومثول عدد من الفنانات والفنانين أمام القضاء، ومجزرة كناكر... كلّ هذه، وسواها كثير، تفاصيل بالغة الدلالة في ترسيم ذلك الفشل الذريع، الأمني ـ السياسي المزدوج.
وفي كتابه "وراثة سورية: بشار أمام اختبار النار"، الذي صدر سنة 2005، كان الأمريكي فلنت ليفريت قد استعار تعبير "اختبار النار" Trial by Fire لتصوير ما يخضع له الأسد بعد وراثة أبيه، مذكّراً بذلك الطقس اللاهوتي والأنثروبولوجي الأوروبي الذي شاع خلال القرون الوسطى، وقضى بوضع المتهم أمام اختبار فريد لإثبات براءته: أن يحمل باليدين قضيباً من الفولاذ مُحمّى حتى الإحمرار، وأن يسير به تسع خطوات، فيخرج سليماً من الحروق، أو مصاباً بحروق طفيفة قابلة للعلاج والشفاء السريع. وفي تعليقه الأوّل على الإنتفاضة السورية، ورغم تعاطفه الصريح مع النظام السوري، بدا ايفريت وكأنه يعيد قضيب الفولاذ الناريّ إلى يدَيْ الأسد، في جانب واحد على الأقلّ من معركته ضدّ الشعب: أكذوبة القدرة على الإصلاح.
ويذكّر ليفريت بثلاثة منظورات يرى أنها تحكم الرؤية الأمريكية للنظام السوري: الأوّل يرى أنّ الأسد إصلاحيّ النوايا، لأنه "درس في الغرب، وهو عليم بالإنترنيت، وزعيم من جيل شاب يقرّ بمشكلات سورية العديدة، ويريد تحسين الامور، ويريد علاقة أفضل مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكنه مقيّد بالحرس القديم". الثاني يعتبر الأسد "قوّة استمرارية للنظام، وليس للتغيير"، وهو "نتاج النظام الذي خلقه أبوه"، ولهذا فهو "جزء من المشكلة في سورية، وليس أبداً جزءاً من الحلّ". وأمّا المنظور الثالث فهو أنّ الأسد "جديد على الصنعة"، و"قليل الخبرة، رديء التأهيل، غير ذي اطلاع، الخ..." على نحو لا يجعله صالحاً لتنفيذ "مسؤولياته كزعيم وطني".
ليفريت يبدو أقرب إلى المنظور الأوّل، وإنْ كان لا ينفض يديه تماماً من المنظورين الثاني والثالث: "في الواقع أظن أن صورة بشار ينبغي أن تكون أكثر تمايزاً وتمازجاً. وبشار في يقيني عنده حوافز إصلاحية. وهو يقرّ بأنّ سورية تعاني من مشكلات كثيرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ويري أن الأمور ينبغي أن تكون افضل. ولكني أجادل بأنّ حوافزه الإصلاحية هزيلة واهنة. ليست لديه رؤيا شاملة كاملة عن تحويل سورية". هنا تقفز حكاية "الحرس القديم"، ويروي المؤلف إنه حين أجرى مع الأسد حواراً خاصاً بالكتاب، اعتزم عدم الخوض في هذه المسألة، لولا أنّ الأسد باغته حين فتح هو نفسه هذا الملفّ. وقبل أن ينتهي ربع الساعة الأوّل من اللقاء، قال أشياء كثيرة، بينها أنّ الحرس القديم ليس "اثنين أو ثلاثة أشخاص يحتلون مناصب رفيعة في أعلى النظام"، بل هم "حرفياً آلاف البيروقراطيين العاديين والمتحجرين على امتداد النظام، والذين تخندقوا في مواقعهم على مرّ السنين والعقود وليست لديهم أية مصلحة في أن يسير أيّ شيء على نحو مختلف"!
والحال أنّ محفل الخمسة يخلو تماماً من أيّ ممثّل للحرس القديم كما عرّف الأسد مفهومه، بل هو "الحرس الفتي" وحده الذي يحكم ويصول ويجول (اللواء علي مملوك، ورغم اقترابه من السبعين، في عداد الفتية أيضاً، لأنه أيام الأسد الأب كان ضابطاً مغموراً في مخابرات القوى الجوية، بلا صلاحيات ولا سجايا). وإذا كان أيّ من مدنيي النظام البارزين، بما في ذلك أمثال رامي مخلوف وطريف الأخرس وفاروق الشرع وبثينة شعبان واللواء المتقاعد محمد ناصيف، ليس عضواً في محفل الخمسة، فإنّ أياً من هؤلاء لا ينتمي إلى الحرس القديم أيضاً (رغم سنّ الشرع وشعبان وناصيف). ولم تكن مصادفة أنّ سمير سعيفان، الخبير الاقتصادي والقيادي السابق في الحزب الشيوعي السوري (جناح بكداش) وأحد أعضاء "الحرس الفتي الإستشاري" الذي صعد ضمن مناخات التوريث، كان أبرز المدافعين عن حوافز الأسد الإصلاحية، في... مؤتمر سميراميس!
ولحلقات الحكم الضيقة مصائرها الحتمية، كما يعلّم التاريخ، ليس بين قطبَيْ التفكك بسبب الإنغلاق، أو الإنفجار جرّاء الضغط الهائل على عصبة منعزلة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ اختبار النار لم يعد بوّابة التبرئة، بل فاتحة الإدانة، قبيل السقوط.   

الأحد، 24 يوليو 2011

رغم أنف جورج وسوف


في أزمنة "الربيع العربي"، الحبلى بوعي التغيير وحسّ المقاومة وروحية التجدّد، ثمة انبعاث مدهش لطراز من القصيدة الكلاسيكية، تنهض خصوصيته على ارتباط وثيق بين الموضوع الوطني (بالمعنى الأعمق لمفهوم المواطنة، وليس بمعنى الإنتماء الوطني وحده)، وبين الأغنية التي رسخت شعبيتها عبر العقود (بسبب من تميّز لحنها وجاذبيتها الموسيقية، وليس بسبب موضوعها الوطني وحده). في سورية، على سبيل المثال، ترافق إقبال الأجيال الفتية على ترديد "حماة الديار"، قصيدة خليل مردم بك (1895 ـ 1959) والنشيد الوطني السوري، مع اهتداء إلى سلسلة القِيَم السياسية والإنسانية والأخلاقية التي تختزنها الكلمات، في جانب أوّل؛ وانشداد إلى موسيقى الأخوين فليفل، كان مفاجئاً من جيل اعتاد على تذوّق أغنيات وفيق حبيب وجورج وسوف وعلي الديك وسارية السواس، في جانب ثانٍ.

والحال أنّ التراث الشعري ـ الغنائي العربي الحديث يحفل بعشرات القصائد الوطنية التي خلّدها، أوّلاً، نصّ شعري فصيح وحماسي وأخاذ؛ قبل أن تستكمل تخليدها أغنية تردّدها الحناجر، ضمن الطراز ذاته التي سبقت الإشارة إليه. ثمة، بالطبع، قصيدة "يا ظلام السجن"، التي كتبها الصحافي السوري نجيب الريس (1898 ـ 1952) عندما كان سجيناً في قلعة جزيرة أرواد سنة 1922، وقيل إنه لحّنها بنفسه وبمشاركة زملائه في السجن. مطلع القصيدة الشهير يبدأ هكذا: يا ظلام السجن خيّمْ/ إننا نهوى الظلاما/ ليس بعدَ السجن إلا/ فجرُ مجدٍ يتسامى"، وكانت في البدء موجهة ضدّ الإنتداب الفرنسي، ثمّ تحوّلت إلى نصّ ـ أغنية ضدّ الطغيان بصفة عامة.

هنالك، أيضاً، "بلاد العرب أوطاني"، قصيدة فخري البارودي (1887 ـ 1966) التي يقول مطلعها: "بلاد العُرْب أوطاني/ من الشام لبغدان/ ومن نجد إلى يمن/ إلى مصرَ فتطوان"؛ وضمن كلماتها، للتذكير، ذلك البيت اللامع: "فلا حدّ يباعدنا/ ولا دين يفرّقنا"، الذي جعلها تتوخى إسقاط الحدود وإلغاء فُرقة الأديان، في زمن عربي شهد اصطخاب المشاعر الشوفينية والتعصّب الديني. ومن الإنصاف التذكير بأنّ الشاعر البارودي كان سياسياً وضابطاً وبرلمانياً وصحافياً، وناضل ضدّ الإنتداب الفرنسي، كما وضع كتاباً طليعياً بعنوان "فصل الخطاب بين السفور والحجاب"، صدر سنة 1924.

كذلك لا ننسى، نحن السوريين، قصيدة "عروس المجد"، للشاعر عمر أبي ريشة (1910 ـ 1990)، التي قد يجهل الكثيرون أنّ ملحّنها هو اللبناني فلمون وهبي، وأنه اختار منها تسعة أبيات، غنّتها المطربة الدمشقية سلوى مدحت، احتفاء بعيد الجلاء. مطلع القصيدة يقول: "يا عروس المجد تيهي واسحبي/ في مغانينا ذيول الشهب/ لن تري حفنة رمل فوقها/ لم تُعطّر بدما حرّ أبي/ درج البغي عليها حقبةً/ وهوى دون بلوغ الأرب". طريف، إلى هذا، أن يلحظ المرء علاقات التفاعل بين الشعر والموسيقى، وهامش التسامح أيضاً، في موافقة الشاعر على قيام الملحّن بتعديل في النصّ، كما حين اقترح وهبي تبديل الفعل "تُرضي" إلى "ترضى" في البيت الختامي: "شرف الوثبة أن ترضي العلى/ غلب الواثبُ أم لم يغلبِ".

غير أنّ "موطني" قصيدة إبراهيم طوقان وألحان الأخوين فليفل أيضاً، قد تكون الأرسخ في الوجدان العربي الحديث والمعاصر، لأسباب شتى لعلّ أبرزها أنها كانت أنشودة الإنتفاضة الفلسطينية سنوات 1936 ـ 1939، ضدّ الإنتداب البريطاني وموجات الهجرة اليهودية. ولعلّ السبب الآخر أنّ القصيدة اعتمدت تشكيلاً وزنياً متنوعاً وطليقاً، يتخفف كثيراً من تواتر التفاعيل المكرورة، ويمزج ببراعة بين الموشّح والعمود الخليلي، ويعتمد أكثر من صيغة ذكية لبناء إيقاع رديف عن طريق التكرار.

وقبل انتفاضات العرب، حين كان عماء استبداد الأنظمة، وفساد عائلاتها من الآباء إلى الأمهات إلى الأبناء والبنات، هو السائد؛ ذهبت مرارة المواطن العربي إلى حدّ قلب كلمات هذه القصيدة الأيقونية، لتصبح هكذا: "موطني موطني/ الوبال والضلال والبلاء والرياء/ في رباك في رباك/ والطغاة والبغاة والدهاء لا الوفاء/ في حماك في حماك/ ها أراك لا سواك/ خانعاً مكمماً بقادتكْ مسمّماً/ ها أراك ها أراك/ كُبّلت يداك/ تصطلي لظاك/ موطني موطني". وثمة جمهرة من الأسباب الوجيهة التي تجعل المرء يرى الكلمات الأصلية وقد عادت، اليوم، إلى الشفاه والحناجر: "الجلال والجمال والسناء والبهاء/ في رُباكْ".

وقبل أيام، خلال مؤتمر صحفي في العاصمة الأردنية عمّان، قال جورج وسّوف: "أنا مع بلدي ورئيسي، وغير ذلك أكون بلا شرف"، وكأنه اعتبر ملايين السوريين الذين تظاهروا طيلة خمسة أشهر من عمر الإنتفاضة، أناس "بلا شرف". هو حرّ في الوقوف مع رئيسه، غنيّ عن القول، وليهنأ واحدهما بالآخر؛ لكنّ الإنتفاضة السورية تواصل تأسيس حال الشرف التي تعتق المواطن الحرّ من ذلّ الإنحناء عند قدم رامي مخلوف، كما فعل وسّوف مؤخراً، في شريط فيديو صار الآن محطّ زائري الـ"يوتيوب". لا يعادله في الشهرة إلا شريط يلتقط حفل الطرب الذي أقامه دريد لحام، في بيته بدمشق، للعقيد الليبي معمّر القذافي، بحضور جمهرة من فناني وفنانات الـ"منحبّك".

ثمة، رغم أنف وسّوف ولحام، فنّ آخر، لكرامة أخرى؛ ولهذا يتوفّر آلاف يردّدون كلّ يوم: أبتْ أن تُذلّ النفوس الكرام!

الخميس، 21 يوليو 2011

الإخوان المسلمون والإنتفاضة السورية: واقع يجبّ الخرافة

مؤتمر "الإنقاذ الوطني"، في شطره الذي احتضنته مدينة اسطنبول التركية تحديداً، أعاد التشديد على موقع الإسلاميين ضمن تيارات المعارضة السورية بصفة عامة، وداخل مختلف التنسيقيات التي تدير حراك الإنتفاضة بصفة خاصة. ورغم أنّ "جماعة الإخوان المسلمين" شاركت في، أو أطلقت المبادرة إلى، مؤتمرات سابقة عقدتها أطراف سورية معارضة في اسطنبول ذاتها، وفي أنطاليا وبروكسيل؛ فإنّ المؤتمر الأخير شهد التئام عدد كبير من الإسلاميين غير المنتمين إلى الجماعة، من المتعاطفين مع خطّها السياسي الراهن على نحو إجمالي، أو حتى أولئك الذين يختلفون مع الخطّ في كثير أو قليل، ولكنهم ينطلقون من الحساسية الإسلامية ذاتها تجاه حاضر ومستقبل سورية.

ولعلّ فضيلة هذا المؤتمر الأبرز (والتي لا تطمس، بحال، مثالبه الكثيرة التي انتهت به إلى ما يشبه الفشل المعلَن) أنه أتاح للسوريين أينما تواجدوا، ولكن في الداخل أساساً، التعرّف أكثر، وأوضح من ذي قبل ربما، على واحدة من الخرافات الكبرى التي اقترنت بالإنتفاضة، وبأنساق وأطوار الحراك الشعبي المعارض طيلة عقود حكم حافظ الأسد، مثل وريثه بشار الأسد: أنّ الإسلاميين، و"جماعة الإخوان المسلمين" أوّلاً، هم بديل النظام. تلك الخرافة صنعت، كما معروف، واحدة من ذرائع الولايات المتحدة، وغالبية الديمقراطيات الغربية، في تبرير تفضيل شرور النظام السوري على مخاطر مستقبل مجهول يهيمن عليه الإسلاميون.

الأسباب الخفية ذات طبيعة مختلفة، بالطبع، لأنها انطلقت على الدوام من الخدمات الممتازة التي أسداها الأسد الأب، مثل الأسد الابن، للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، ولأمن إسرائيل في المقام الأوّل. وتلك خدمات لا تنتهي عند استمرار سلام الأمر الواقع الذي يسود الجولان المحتلّ، منذ اتفاقية سعسع سنة 1973، أو التزام النظام بمدوّنة السلوك الحسن في ضبط الحدود السورية ـ العراقية، لصالح الإحتلال الأمريكي. كما أنها خدمات أبعد أثراً من حرب النظام ضدّ الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وحصار المخيمات، أواسط السبعينيات؛ أو التفرّج على الغزو الإسرائيلي للبنان، سنة 1982، رغم أنّ العدوان الإسرائيلي استهدف القوات السورية بدورها، وسقط من الشهداء ضباط وأفراد كثر؛ أو الإنضمام، فعلياً، إلى تحالف "حفر الباطن" ووضع الوحدات العسكرية السورية تحت إمرة جنرالات أمريكا. وما خلا المساندة اللفظية لـ"حماس" خالد مشعل، والاتجار السياسي والمالي بإمدادات السلاح الإيراني إلى "حزب الله"، فإنّ الوريث واصل نهج أبيه في خطب ودّ الغرب، والبحث عن أقنية التفاوض مع إسرائيل، سرّاً أو علانية أو عبر وسطاء.

من جانب آخر، ومثلما التجأ المنافقون من "الممانِعين" العرب، وعلى رأسهم عدد من الإسلاميين بالطبع، إلى شعار الحرص على النظام السوري من منطلق الحرص على المقاومة؛ كذلك تذرّع عدد من المنافقين "العلمانيين" العرب بأخطار انقضاض الإسلاميين السوريين على السلطة، لكي يواصلوا السكوت عن استبداد النظام السوري، بل الذهاب إلى حدّ التغنّي بنعيمه، في موازاة ما سيحلّ بسورية من جحيم إسلامي! ولم تكن مصادفة، البتة، أنّ فريقَيْ النفاق اجتمعا على هدف مساندة النظام منذ أسبوع الإنتفاضة الأوّل، وتولّى كلّ فريق تجميل موقفه بدمعة حزن هنا، على شهداء سورية؛ أو رسالة مناشدة هناك، تستصرخ القيادة السورية "الممانِعة" أن ترأف قليلاً بحال الشعب!

من جامعة ماريلاند الأمريكية، ولكي نذهب إلى صوت عربي وسط المعمعة ذاتها، أعطى شبلي تلحمي أقصى ما يمكن أن تبلغه مخيّلة في تشريح المسألة إياها: "سورية موطن الأخوان المسلمين"! صحيح أنه استند إلى احتمال أن تكون "الفوضى العميمة" هي الحال السائدة في أعقاب أيّ غزو عسكري أمريكي، وأنّ الإدارة الأمريكية قد تعلمت بعض الدروس من غزو العراق، بينها أنّ تلك الفوضى هي "أمّ الإرهاب". ولكن... هل سورية هي حقاً، على أيّة شاكلة محتمَلة أو حتى متخيََلة، "موطن الإخوان المسلمين"؟ وبالتالي، ما الذي أبقى هذا الموطن بمنأى عن أيّ حكم إسلاميّ الطابع، لكي لا نقول: إخوانيّ الهوية، طيلة عقود طويلة، قبل الإستقلال وبعده، وخلال مختلف العهود التي سبقت استيلاء حزب البعث على السلطة سنة 1963؟

مثل هذه التقديرات، وسواها كثير في الواقع (أكثرها إدهاشاً، ومدعاة للأسف، تلك التي تصدر عن بعض المعارضين السوريين أنفسهم!)، تتكيء إلى مقولات قديمة أحادية الجانب وناقصة وانتقاصية، تمّ ترويجها على هيئة كليشيهات مسبقة الصنع، وتنميطات مطلقة مجرّدة. إنها، أيضاً، تعيد إنتاج خطاب سلطة استبدادية عائلية مافيوزية، سعيدة تماماً لأنّ العالم يُبقي عليها، أو يطيل في عمرها، أو يكتفي بضرورة ضربها على يديها (كما في عبارة مدهشة أطلقها دنيس روس ذات يوم)؛ لا لسبب آخر سوى أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي بديل التغيير، الوحيد!

ويحضر، هنا، تعليق قديم، ولكنه يظلّ ساري المفعول، صدر عن المعارض السوري الأبرز رياض الترك، عضو قيادة "حزب الشعب الديمقراطي"، حول موقع الحركة الإسلامية في العمل الوطني السوري، وذلك في الحوار المطوّل الذي أجراه معه محمد علي الأتاسي مطلع عام 2000. الأتاسي سأل الترك عن موقفه من الإسلام السياسي ودور "الإخوان المسلمين" ومكانتها كحركة سياسية في المستقبل السياسي لسورية، فأجاب: "أنا أعتبر أنّ للإخوان المسلمين كحزب سياسي الحقّ في الوجود والعمل السياسي، ولكن عليهم أن يعيدوا النظر في السياسات التي سلكها بعض أطرافهم في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، وأن ينبذوا طريق العنف ويسيروا في الاتجاه الديمقراطي. وأرى أنه يجب ألا تكون موانع من وجود تيار سياسي يستلهم التراث الديني، لكن شرط ألا يستغلّ ولا يحتكر الدين، وألا يكفّر الناس. وأعتقد بأنّ التجربة الأخيرة لا بدّ أن تدفع بالعقلاء من الإخوان إلى أن يؤسسوا سياسة جديدة أكثر انفتاحاً وديمقراطية".

والإنصاف يقتضي التذكير بأنّ الجماعة، قبل أن تطرح مشروع" ميثاق الشرف الوطني" في أيار (مايو) 2001 ولكن بصفة خاصة بعد مؤتمر لندن الذي عُقد أواخر آب (أغسطس) 2002 وعدّل ثمّ تبنى الميثاق؛ أنجزت ما يشبه الإنتفاضة الداخلية، أو الإنقلاب السلمي على الذات، لجهة التنازل عن ثوابت كبرى في عقيدتهم: اعتماد خطاب معتدل تماماً، نبذ العنف المسلح، اعتناق معظم المطالب الديمقراطية التي أجمعت عليها الأحزاب السورية المعارضة وممثّلو منتديات المجتمع المدني، وتبنّي مبدأ التعددية السياسية (الأمر الذي كان يعني عملياً إغفال، أو بالأحرى إسقاط، اشتراط الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة تالياً).

الإنصاف ذاته يقتضي التذكير بأنّ خصائص المجتمع السوري الأصيلة، أي تلك التي اقترنت بالمحطات الكبرى الفاصلة في تطوّره السياسي والمجتمعي والثقافي في الأطوار الحديثة، تضع البلد على نقيض صريح من تلك الأطروحة الأحادية التي تجعل "الإخوان المسلمين" بديل التغيير الوحيد. هذا أمر لا يحتاج السوريون، في غالبيتهم الساحقة، إلى إمعان التفكير فيه أو ترجيحه كاحتمال ملموس. غير أنّ مبدأ التعددية السياسية، في ذاته أوّلاً وفي ضوء تطوّرات الفكر الإخواني وما يقترن به من سياسات ثانياً، لا يمكن أن يغلق الباب مسبقاً أمام أيّ فصيل يقبل بالمبدأ ويقرّ بقواعده الأخرى، بما في ذلك الاحتكام إلى صندوق الإقتراع، وفصل السلطات، وإقرار العلمانية، وترك الدين لله وإبقاء الوطن للجميع. أكثر من هذا، هل يمكن لأيّ ائتلاف ديمقراطي معارض للإستبداد والدكتاتورية، أن يُسقط من حسابه ضرورة اجتذاب معارضة إسلامية مستنيرة؟ وفي الأساس، هل يمكن لأية معارضة أن تكون فعالة في أيّ بلد ذي أغلبية شعبية مسلمة، دون إسلام مستنير؟

والإنصاف ذاته يقتضي، ثالثاً، عدم "مراعاة" ذلك الإسلام المستنير بذريعة اجتذابه إلى صفوف المعارضة، خصوصاً في المسائل الجوهرية الكبرى ذات الطابع التشريعي والحقوقي والثقافي، كأن تتمّ محاباة الإسلاميين في أية صياغة ـ سيّما إذا كانت غامضة، ركيكة، تلفيقية، وتوفيقية ـ تنصّ على دور أعلى تفوّقي أو تمييزي للإسلام على سواه. فالأمر هنا ليس سلاحاً ذا حدّين فقط، بل هو في الأغلب سلاح ذو حدّ واحد يرتدّ إلى نحور الغافلين عنه. كذلك، في المقابل، فإنّ مسخ العلمانية إلى كاريكاتور محض يحيل إلى سلّة المهملات جميع الجوانب الإنسانية المضيئة لثقافات مختلف الأديان والعقائد، هو بدوره سلاح ارتدادي من النوع المماثل، إذا لم يكن أسوأ وأشدّ ضرراً وأعظم عاقبة.

وهكذا، فلا الإخوان هم اللاعب الوحيد، ولا سورية هي ملعبهم وحدهم؛ وهم ليسوا خارج صفوف المعارضة، ولا خارج مشروع النضال من أجل سورية الديمقراطية، ولا هم البديل الوحيد عن سورية الإستبداد والنهب والمافيات وحكم العائلة. ولهذا فإنّ مؤتمر "الإنقاذ الوطني"، ورغم فشله تنظيمياً وسياسياً، زوّد الداخل السوري، والعالم الحريص على منظور موضوعي وملموس، بنموذج ساطع على السقوف الوطنية والديمقراطية التي أرستها الإنتفاضة السورية؛ ولم يعد في وسع أيّ فريق أن يُنقصها، أو ينتقص من ركائزها السياسية والأخلاقية، ويزعم في الآن ذاته انه جزء منخرط في صناعة سورية المستقبل. في عبارة أخرى، أياً كانت التكتيكات المبطنة، أو حتى ستراتيجيات العمل والتفكير، التي تخصّ هذه المجموعة الإسلامية أو تلك، فإنّ البيان الختامي لجلسة اسطنبول استعاد الخطاب ذاته، بمفرداته الأدقّ، الذي كانت جلسة دمشق ستعتمده لو لم تستخدم السلطة أقصى العنف للحيلولة دون انعقادها.

وجلسة اسطنبول انعقدت تحت شعار "من أجل سورية مدنية ديمقراطية تعددية"، بادىء ذي بدء؛ كما أجمع المشاركون على الأهداف الرئيسية التالية: 1) تصعيد النضال السلمي الديمقراطي، بمشاركة اطياف المعارضة وفصائلها كافة، ورفض التدخل العسكري الخارجي؛ و2) نقل السلطة سلمياً إلى حكومة وطنية مؤقتة، تتولى تفكيك الدولة الأمنية، وتأسيس حياة دستورية، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية؛ و3) بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية أساسها المواطنة، تستند إلى دستور عصري؛ و4) المساواة التامة بين أبناء الشعب السوري، واحترام خصوصياته الدينية والعرقية. وللمرء أن يميل إلى ترجيح صدقية، وصدق، الموافقين على هذه الأهداف، دون استبعاد احتمالات أخرى يفرضها في العادة انقلاب الحسابات تارة، أو تبدّل التحالفات طوراً، أو تناقض الأجندات الخافية مع تلك المعلنة، وما إلى هذا وذاك من تقلبات السياسة وطبائعها.

وليس بخافٍ على أحد أنّ تنسيقيات الإنتفاضة تضمّ العلمانيين والإسلاميين، الليبراليين والمحافظين، النشطاء المتمرسين والنشطاء المتدربين، أنصار رياض الترك وأتباع الشيخ العرعور... ولكن، أهذا عيب في التنسيقيات، واعتلال، أم مظهر عافية واغتناء؟ وكيف للتنسيقيات أن تمثّل الأطياف الأعرض من المجتمع السوري، في مستوى الخطّ السياسي أو الفكري أو الثقافي مثل الموقع الاجتماعي أو السنّ أو الإنتماء الإثني أو الديني، إذا كانت لا تتصف بكلّ ذلك التنوّع، ولا تسعى إلى سواه أيضاً؟ ليس خافياً، من جانب آخر، أنّ البيانات والأدبيات التي أصدرتها لجان التنسيق المحلية لم تخرج، حتى في أصغر التفاصيل، عن مفردات شعار الإجماع: سورية وطنية، ديمقراطية، مدنية، تعددية، عصرية.

وهنا لا ينتصر الواقع على الإستيهام والتضليل والخديعة والذريعة الزائفة، فحسب؛ بل يجبّ الخرافة أيضاً.