وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 4 سبتمبر 2011

اللهم نجّ الإنتفاضة من أصدقائها!

يُنسب إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير (والبعض يرجّح الماريشال الفرنسي كلود دو فيلار) هذا الدعاء الرهيب: "اللهم نجّني من أصدقائي، أمّا أعدائي فإنني كفيل بهم"؛ الذي يرفع الخشية من الأصدقاء، في هذا أو ذاك من أنماط الغدر أو الخيانة أو الإنقلاب على روح الصداقة، إلى مستوى أشدّ وطأة من ذاك الذي ينتظره المرء، عادة، من أعدائه. وفي الطور الراهن من مساراتها الظافرة، المضمخة أكثر فأكثر بدماء الشهداء الزكية وتضحيات السوريين الغالية، لعلّ الإنتفاضة السورية بحاجة إلى اتقاء شرّ أصدقائها، لأنها ببساطة تكفّلت وما تزال تتكفّل بأعدائها: النظام، بطغمته الضيقة وأجهزته وعسكره وشبّيحته، في الداخل؛ وحلفاء النظام، على اختلاف راياتهم "الممانِعة" و"المقاوِمة"، أو ما يذرفونه من دموع كاذبة على "قلب العروبة النابض"، في الخارج.

أوّل هؤلاء "الأصدقاء" هم سدنة ما يُسمّى بـ"المجتمع الدولي"، من أمثال الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل... هؤلاء، ومَنْ شغلوا مناصبهم ذاتها طيلة 41 سنة سابقة، كانوا في طليعة مساندي نظام "الحركة التصحيحية" منذ انقلاب حافظ الأسد سنة 1970، بما في ذلك توريث بشار الأسد سنة 2000، وعلى امتداد محطات كثيرة ومنعطفات كبرى في تاريخ المنطقة المعاصر: من اتفاقية سعسع، 1974؛ إلى التدخل العسكري في لبنان، 1976؛ إلى الحرب ضدّ الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وحصار المخيمات، والإجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، ومجزرة تلّ الزعتر؛ وصولاً إلى الإنضواء تحت الراية العسكرية الأمريكية في تحالف "حفر الباطن"، والمشاركة في مؤتمر مدريد، والمفاوضات مع إسرائيل سرّاً أو علانية، في شبردزتاون وكامب دافيد وعمّان وأنقرة...

أسلاف سدنة "المجتمع الدولي" هؤلاء سكتوا عن عشرات المجازر التي ارتكبها النظام السوري، في حماة وتدمر وحلب وجسر الشغور ودير الزور واللاذقية وحمص، وسقط خلالها عشرات الآلاف من الأبرياء، خلال سنوات 1979 ـ 1982؛ بل تعاقدوا على تشجيعها ضمناً لأنّ التفكير الذرائعي كان يبرّرها على هذا النحو: معركة ضدّ الإسلاميين يخوضها نظام دكتاتوري إستبدادي فاسد، يقصف المدن ويسفك الدماء ويحرق الأرض، ولكنه "علماني" و"مستقرّ" و"مرن"؛ وأرضه تحتلها إسرائيل، ولكنّ خطوط الإحتلال صامتة خرساء آمنة؛ ويبسط نفوذه على كامل الأراضي اللبنانية، وهو خطّ إمداد "حزب الله" بالسلاح الإيراني، ولكنه في نهاية النهار يقوم بمهامّنا هناك، ويلبّي حاجات حلفائنا، على أحسن وجه، وبأفضل ممّا نستطيع نحن!

جليّ أنّ ضغط الرأي العام الشعبي في هذه البلدان ـ خاصة بعد افتضاح ممارسات النظام الوحشية ضدّ الحراك الشعبي الأعزل والسلمي، وانتقال النظام إلى الخيارات القصوى في محاولة قمع الإنتفاضة ـ هو الذي أخذ يجبر حكوماتها على اتخاذ هذا الموقف أو ذاك من النظام السوري، واعتماد عقوبات ذات تأثير محدود أو منعدم أو شكلاني محض. ضغط شعبي مماثل، في الشارع العربي، أجبر بعض الحكومات العربية على إعلان مواقف خجولة، طافحة بنفاق الحثّ على "حقن الدماء"، على نحو يضع الضحية والجلاّد في مصافّ متساوية؛ وهؤلاء هم النمط الثاني من "أصدقاء" الإنتفاضة السورية، أعداء الديمقراطية في بلدانهم، وكارهي الحرّية في كلّ زمان ومكان.

نمط ثالث، لا يستحقّ سوى إشارة عابرة، يمثّله أناس من أمثال الفرنسي برنار ـ هنري ليفي، الذي يدّعي معاداة النظام، ولكنه لا يقوم عملياً إلا بخدمة أغراض النظام؛ أو الأمريكي جوشوا لانديس، الذي يستحي من ادعاء صداقة النظام، ولكنه يكمل وظيفة ليفي. الأذى الذي يُلحقه هؤلاء "الأصدقاء" بالإنتفاضة لا يقتصر على مواقفهم وكتاباتهم، فهذه أمرها يهون، وكشفها لا يحتاج إلى كبير عناء؛ بل يمتدّ إلى تصنيع أذى أبعد أثراً حين يقع في حبائلهم أناس يحتسبون أنفسهم على المعارضة، أو يزعمون الإشفاق على سورية من أخطار الحرب الطائفية والتفكك وهيمنة الإسلام الأصولي المتشدد. والمصيبة أنّ هذه الفئات تمتشق الحسام دون إبطاء، ليس لقتال النظام كما ينتظر المرء ويقتضي المنطق، بل للإجهاز على مخالفيهم في الرأي، نيابة عن ناصبي الحبائل؛ وليس بصدد أية إشكالية تخصّ الإنتفاضة، بل دفاعاً عن... الحبائل، إياها!

نمط رابع ينتمي إلى البيت السوري، أيضاً، ويضمّ رجال دين دجّالين من كلّ الأديان والطوائف والمذاهب، ومافيات تجّار مصّاصي دماء، وقادة أحزاب سياسية متحالفة مع النظام، و"مستقلين" ليسوا في نهاية المطاف سوى شهود زور، ومستحاثات تصنّف ذاتها في "تيارات" قومية أو تقدّمية أو علمانية أو ليبرالية أو إسلامية... هؤلاء، كما أبواق النظام بالضبط، يعلنون إيمانهم بمشروعية "الإصلاح" من جهة، شريطة أن يكون المُصْلِح الوحيد المخوّل هو بشار الأسد، من جهة ثانية؛ ولا نعدم في صفوفهم أناساً كانوا، حتى عهد قريب، على مسافة متساوية من الشعب والنظام؛ أو سجيناً سياسياً سابقاً، كان ذات يوم ماركسياً ـ لينينياً وقائداً لحزب عريق مناضل، يعلن اليوم إيمانه بوجود "مندسين" و"عصابات مسلّحة"!

بهذا فإنّ خشية فولتير تصبح غير كافية للوقاية من أذى هذا النمط الأخير، فيتوجب أن يلهج المرء بدعاء آخر: اللهم نجّ الإنتفاضة من بعض زاعمي قيادتها، ومزيّفي تمثيلها، وغاصبي صوتها!

الخميس، 1 سبتمبر 2011

تركيا والإنتفاضة السورية: الخيار الأطلسي أم الخلافة العثمانية؟

ليست مصادفة محضة، كما أنها لا تُعزى إلى مرونة القوانين الناظمة لحرّية التعبير وحدها، أنّ تركيا استضافت غالبية المؤتمرات التي عقدتها بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج، من جهة أولى؛ وأنّ مقرّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية قد انتقل من عمّان ولندن إلى اسطنبول، من جهة ثانية؛ وأنّ رجال أعمال سوريين معارضين للنظام لأنهم تضرّروا من سياساته، من أمثال آل سنقر، صاروا يجدون راحة أكبر في إطلاق المبادرات من أنقرة، بدل القاهرة أو طرابلس (لبنان)، من جانب ثالث. وهكذا، في ملاحظة الشكل الأولى، ليس صحيحاً أنّ المنابر التركية (وهي، في نهاية المطاف، ليست حكومية أو رسمية البتة) لا تشرع أبوابها إلا للإسلاميين، كما تردّد مراراً؛ إذْ شهدت المؤتمرات واللقاءات ولجان العمل حضور سوريين من مشارب شتى، من أهل اليمين واليسار والوسط، المتديّن فيهم مثل العلماني، والماركسي مثل الليبرالي، فضلاً عن التنويعات الإثنية والدينية والمذهبية كافة.

هذا من حيث الشكل، الذي يعكس في واقع الأمر بعض علائم المحتوى أيضاً، في أنه يسبغ على تحركات المعارضة السورية صفة سياسية، وربما إيديولوجية، ليس من السهل التهرّب منها: أنّ الحاضنة الأولى لهذه المؤتمرات، بالمعنى القانوني والإجرائي على الأقلّ، هي في عهدة شخصيات أو مؤسسات تابعة لـ"حزب العدالة والتنمية" التركي الحاكم؛ وأنّ هذه الحاضنة تشكّل، بدورها، ميداناً عملياً لرأب الصدع الظاهري بين موقف الحكومة التركية من الإنتفاضة السورية، وموقف الحزب الحاكم. في عبارة أخرى، ما يجد المسؤول التركي حرجاً في التصريح به، لا يتردد المسؤول الحزبي التركي في الإعراب عنه من خلال رعاية هذا أو ذاك من لقاءات السوريين على الأرض التركية؛ فلا تقع الحكومة التركية في محذور قد يحمّلها أعباء دبلوماسية وسياسية في غير أوانها، ولا يفوت المسؤول الحزبي أن يشبع تطلّع جماهير الحزب إلى مواقف أكثر صلابة في تأييد الشعب السوري، الجار في الجغرافيا، والشريك في التاريخ، والأخ في الإسلام.

وثمة سلسلة من الاعتبارات التي حكمت وتحكم العلاقة بين النظام السوري وتركيا المعاصرة، في عهد "حزب العدالة والتنمية" بصفة خاصة، ترقى من الجانب التركي إلى مستوى المزايا الكبرى الجيو ـ سياسية والاقتصادية والإيديولوجية، على مستوى تركي محلّي، وآخر إقليمي وإسلامي، وثالث أوروبي وأطلسي. بيد أنّ الحال تغيّرت، وكان لا بدّ لها من أن تتغيّر، بعد انطلاق الإنتفاضة السورية، ولجوء النظام الفوري إلى الحلّ الأمني وأعمال العنف الوحشية ضدّ المدنيين العزّل والتظاهرات السلمية، سيّما تلك التي وقعت في جسر الشغور والقرى المحاذية للحدود، وأجبرت آلاف السوريين على اللجوء إلى تركيا. وهكذا، كانت العلاقات التركية مع النظام السوري في أبهى أزمنتها، فأخذت تتدهور يوماً بعد آخر، وكلما حنث بشار الأسد بما قطعه من وعود لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان شخصياً؛ وتوجّب أن تنقلب اعتبارات الجوار من مزايا إلى تحدّيات، ومن مغانم إلى مخاطر.

فعلى الصعيد الجيو ـ سياسي، كان على تركيا أن تتخلى عن ركائز كبرى في فلسفة وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو، وهي الناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح "حزب العدالة والتنمية" في حيازة أغلبية برلمانية مريحة. بين تلك الركائز مبدأ تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط؛ وليس الإقتصار على علاقات أنقرة التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، أو البقاء في أسر التلهف على عضوية الإتحاد الأوروبي. ركيزة ثانية هي خيار "الدرجة صفر في النزاع" مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية. وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام "القوّة الخشنة"، واليوم "نعرف أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها'، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير "العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي". وتدهور العلاقات مع النظام السوري يعني، أيضاً، هذا المقدار أو ذاك من تدهور العلاقات مع إيران، ومع حكومة نوري المالكي في العراق، و"حزب الله" في لبنان...

كذلك، على الصعيد الاقتصادي، ظلّت تركيا حريصة على إدامة ميزان تجاري رابح تماماً بالنسبة إلى أنقرة، وخاسر على نحو فاضح من الجانب السوري، بلغ 2,5 مليار دولار في سنة 2010، بزيادة تقارب 43 بالمئة، وكان يُنتظر له أن يبلغ خمسة مليارات في السنتين القادمتين. الصادرات التركية تشمل المعدّات الكهربائية، والوقود المعدني، والزيوت النباتية والحيوانية، والبلاستيك، ومنتجات الصناعات التحويلية والمؤتمتة، ومشتقات البترول المصنعة، والمنتجات الكيماوية، والإسمنت، ومنتجات الحديد والصلب، وصناعة القرميد والبلاط، والمنتجات الجلدية، والأخشاب، والقمح، والدقيق، والسمن النباتي، والملابس الجاهزة... الإستثمارات التركية في سورية تبلغ أكثر من 260 مليون دولار، وتحتلّ الشركات التركية المرتبة الأولى من حيث عدد المشاريع التابعة لجهات أجنبية... ولقد اتضح، طيلة أسابيع الإنتفاضة، أنّ كبار التجار الأتراك تكاتفوا مع كبار التجّار السوريين، في حلب ودمشق بصفة خاصة، لإبقاء العاملين في مؤسساتهم بمنأى عن الحراك الشعبي، حتى إذا كلّفهم ذلك سداد تعويضات إضافية ومغريات مادية مجزية.

ومن جانب آخر، تغاضى النظام السوري عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت الأجهزة الأمنية السورية مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار "حزب العمال الكردستاني"، الـ PKK، الذين كانت دمشق تزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنها سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ من هذه الاعتبارات الاقتصادية، الجيو ـ سياسية بامتياز ايضاً، أنّ النظام السوري أقرّ، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، وهو منطقة سورية واسعة قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الإنتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.

في المستوى الإيديولوجي، لم يكن "حزب العدالة والتنمية" يملك الكثير من هوامش المناورة في ضبط مشاعر جماهيره وناخبيه، وغالبيتهم الساحقة من المسلمين السنّة، إزاء ما يرتكبه النظام السوري من مجازر وأعمال وحشية، وخاصة في مواقع ذات قيمة عاطفية ورمزية عالية مثل مدينة حماة، فضلاً عن دمشق التي تظلّ "الشام الشريفة" في ناظر الجمهور التركي العريض. وكيف للفريق التركي الحاكم أن يسكت عن جرائم النظام السوري، فيضحّي بما اكتسبته تركيا من شعبية واسعة في الضمير العربي العريض، بسبب الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وانسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس، ومأثرة "أسطول الحرية"، وسواها؟

وفي الجانب الذي يخصّ المقارنة بين نظامين في الحكم، لا مناص للجارة تركيا من أن تشكّل مثالاً نقيضاً، وبالتالي قدوة حسنة، لمواطن سوري عانى طيلة ثلاثة عقود من نظام الإستبداد والفساد الذي ترأسه حافظ الأسد، ويعيش منذ 11 سنة في ظلّ النظام ذاته بعد أن ازداد سوءاً وصار وراثياً وأقرب إلى حكم العصابات والشبيحة. صحيح أنّ الديمقراطية التركية لم تكن أبهى نماذج الديمقراطية في العالم، ولكنها في الحساب الأخير تقوم على انتخابات حرّة، وتداول سلمي للسلطة، وحرّيات مدنية أساسية؛ كما أنها، وهنا الأخطر ربما، ديمقراطية لا يغيب عنها العسكر والجنرالات، وهي إسلامية المنشأ، آسيوية شرق ـ أوسطية؛ واقتصادها مزدهر متطّور، ينتقل من نجاح إلى نجاح!

غير أن تركيا، بمعزل عن تطورات ما بعد انطلاق الإنتفاضة السورية، كانت تسير حثيثاً نحو احتلال موقع أبعد نفوذاً من ذاك الذي تتولاه قوّة أقليمية، لأنها ـ في فلسفة داود أوغلو، التي يتبناها أردوغان بالحرف تقريباً ـ قوّة دولية أوّلاً وقبلئذ، ويتوجب عليها أن تتصرّف على هذا الأساس، فتعمل على خلق منطقة تأثير تركية ستراتيجية، سياسية واقتصادية وثقافية. ولم يكن غريباً أنّ وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون ثمّنت عالياً، ومراراً، هذه المرونة التركية في التعامل مع محاور مسلمة ومسيحية ويهودية، في العالم العربي والإسلامي، وفي أوروبا وإسرائيل، فأطلقت على تركيا لقب "القوّة الكونية الصاعدة". البعض، ليس خارج تركيا فحسب، بل في داخلها أيضاً، يفضّل استخدام تعبير نظير، أكثر تعبيراً عن واقع الحال ربما: إمبراطورية عثمانية جديدة، وليدة، ناهضة من رماد ذلك "الرجل المريض" الذي ساد، ثمّ تفكك، دون أن تبيده العقود تماماً!

وهنا، في تراث العلاقات السورية ـ التركية، لا تُنسى تلك الواقعة المفصلية التي شهدها صيف العام 1998، حين أبلغت تركيا الأسد الأب هذه الرسالة الوجيزة القاطعة التالية: إمّا أن يرفع النظام الغطاء عن عبد الله أوجلان، زعيم "حزب العمال الكردستاني"، فتطرده من سورية ومن البقاع اللبناني، وتغلق معسكراته، وتوقف أيّ دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي كانت تقدّمه له؛ ثمّ تفعل الشيء ذاته مع "الجيش السرّي لتحرير أرمينيا" ASALA، الذي يحظى برعاية أمنية سورية في لبنان؛ وإمّا... الحرب العسكرية المباشرة الشاملة، بوضوح وبساطة وبلا تأتأة! قبل تسليم الرسالة كانت تركيا قد استنفرت فرقة عسكرية كاملة، نشرتها مع قوّات مختلفة التسليح على طول الحدود مع سورية، فقلّب الأسد الأب الرسالة التركية على كلّ وجه ممكن، وتأكد أنّ أنقرة لا تمزح، فانحنى. وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، غادر أوجلان الأراضي السورية واللبنانية إلى غير رجعة، أو بالأحرى غادرها إلى حيث سيقيم اليوم: في المعتقل التركي!

وتركيا، إلى هذا، عضو في الحلف الأطلسي، يستمدّ من هذه العضوية سلسلة منافع، ويتكيء عليها لجني المزيد، أو لتعزيز أمن تركيا القومي والجيو ـ سياسي الستراتيجي؛ الأمر الذي يحفظه جنرالات تركيا عن ظهر قلب، وعلى نحو يدغدغ ذلك المزيج من التربية الإنكشارية العثمانية، والغطرسة الكمالية المتقنعة بالعلمانية. فإذا بلغ النظام السوري في حلّه الأمني مرحلة قصوى ختامية، وانتحارية، تبرّر للحلف الأطلسي اختراع تدخّل عسكري من نوع ما، كما في إقامة منطقة آمنة على سبيل المثال، أو فرض حصارات جوية وبحرية، فإنّ لعاب الجنرالات الأتراك لن يكون وحده الذي سوف يسيل، وسيلحق بهم الساسة المدنيون لا محالة، بذرائع قد تبدأ من خطر عودة الـPKK، ولا تنتهي عند زعم انهيار الحدود جرّاء تدفّق اللاجئين.

فإذا امتزجت فلسفة الإحياء العثمانية لدى ساسة "حزب العدالة والتنمية"، بنزوعات الإحياء الإنكشارية والأطلسية لدى الجنرالات الأتراك، وطُولب أصحاب المزيج باتخاذ موقف "إنساني" من مأساة الشعب السوري ومجازر جلاديه من آل الأسد، فإنّ مؤتمرات اسطنبول وأنقرة لن تذهب سدى... لصالح الحاضنة التركية، غنيّ عن القول، وليس لمشاريع المجالس السورية "الإنقاذية" و"الوطنية" و"الإنتقالية"؛ فهذه ستواصل سجالاتها على الفضائيات وحدها، أغلب الظنّ، حيث الجعجعة بلا طحن!

الأربعاء، 31 أغسطس 2011

حول المجالس السورية، "الإنقاذية و"الوطنية" و"الإنتقالية"... لا تقدّموا لآل الأسد خدمة مجانية لم تكن في حسبانهم!


"مفاجأة أنقرة"، كما يتوجب التفكير بتسمية ذلك الإعلان الدراماتيكي عن "تعيين" مجلس إنتقالي سوري، و"انتخاب" رئيس له، دون علم الرئيس "المنتخَب" نفسه، ومثله عدد كبير من المعيّنين؛ كانت أحدث الخطوات المتسرعة في السباق المحموم لـ"تشكيل" هيئة سياسية تنطق باسم الشعب السوري، وتنوب في ذاتها عن التنسيقيات العاملة على الأرض، وبالتالي تستحوذ على الحقّ في النيابة عن الإنتفاضة بأسرها.

كانت تلك المفاجأة هي الأحدث، لكنها لا تبدو آخر الأحزان في مضمار تصنيع المجالس الإنتقالية أو الإنقاذية أو الوطنية. في هذه الساعة، إذْ أحرّر هذا النصّ، يجري طبخ هيئة جديدة مؤلفة من 50 اسماً، غالبيتهم الساحقة يقيمون داخل سورية، ومعظمهم من الأسماء الوطنية المشهود لها بالكفاءة، ممّن تمرّسوا بالعمل المعارض على هذا النحو أو ذاك، أو وفدوا إليه مؤخراً وبرهنوا على مكانة مميّزة، والكثير منهم جُرّبوا في ميادين النضال المختلفة، واختُبرت عريكتهم في السجون والمعتقلات (بين المرشحين شخصيات تقبع الآن في المعتقلات، وآخرون يعيشون في ظروف الحياة السرّية). وهؤلاء اختلفوا مع بعضهم البعض، أو فيما بينهم، ليتفقوا في العموم على خطّ الإنتفاضة وأهدافها؛ وهم، بالفعل، يمثّلون أطياف يسارية وقومية وإسلامية وليبرالية، فضلاً عن عكس صورة شبه كاملة لمكوّنات المجتمع السوري الإثنية والدينية والمذهبية (تجدر الإشارة إلى أنّ اللائحة الجديدة تغيّب المكوّن السرياني ـ الآشوري، تماماً كما فعل "إعلان أنقرة"!).

كلّ هذا جميل، في الشكل بالطبع، غير أنّ المحتوى يؤكد أنّ هذه الهيئة الجديدة تقع في المحذور ذاته، الذي تكرّر من قبل في جميع اللجان المنبثقة عن جميع المؤتمرات واللقاءات التشاورية التي عُقدت خارج سورية: أنها تفترض تمثيل شباب التنسيقيات، الذين أطلقوا شرارة الإنتفاضة الأولى، وحملوا ويحملون أعباءها اليومية الثقيلة، بالصدور العارية والصمود الأسطوري والإبداع العبقري؛ ولكنها في الواقع العملي تغيّبهم من حيث الوجود العددي والعمري (سنّ أصغر أعضاء الهيئة الجديدة تجاوز الأربعين، وما لا يقلّ عن النصف قاربوا الستين، وثمة أبناء 70 و80 سنة...)، رغم أنّ الاعتبارات الأمنية ليست ذريعة هنا، إذْ يعمل الكثير من نشطاء التنسيقيات بأسماء حركية، وكان في الوسع ضمّهم إلى الهيئة بأسمائهم تلك.
 
من جانب آخر، ثمة هذه الإشكالية الجلية: إذا كانت تلك المجالس والهيئات تنطلق ـ كما يحبّ المرء أن يرجّح، مبدئياً على الأقلّ ـ من حسن النيّة، والتجاوب مع المطلب الشبابي، والحرص على الإنتفاضة، ومنحها عناوين سياسية، إلخ... إلا أنها تنتهي جميعها، شاءت أم أبت، إلى إشاعة البلبلة والحيرة والتخبط، من جهة؛ أو الإحساس، الواهم أو غير الواقعي، بوجود قيادة سياسية فعلية للإنتفاضة، موحدة ومتماسكة وفاعلةن من جهة ثانية؛ فضلاً عن صبّ الزيت على نيران الخلاف والشقاق والفرقة بين فصائل المعارضة، في الداخل مثل الخارج، وهي المتأججة أصلاً لأسباب ذاتية وموضوعية، من جهة ثالثة.

ولقد أوضحتُ من قبل موقفي من مؤتمرات الخارج، في ضوء ذلك المحظور وتلك الإشكالية، واعتذرت عن المشاركة فيها أو في ما يتمخض عنها من لجان وهيئات، ليس تهرّباً من العمل الوطني العام (إذْ من المعروف، كما أرجو، أنني أعارض نظام آل الأسد منذ 30 سنة ونيف، من داخل تنظيم سياسي محظور وملاحَق، وليس من موقع المثقف والكاتب فحسب). كما حافظتُ، ويهمّني أن أحافظ دائماً، على مسافة نقدية واضحة، ملموسة وميدانية، من فصائل المعارضة السورية، عموماً؛ ومن "حزب الشعب الديمقراطي"، الذي أنتمي إليه، بصفة خاصة. وتلك، في يقيني، هي المسافة التي تسبغ المعنى، فضلاً عن الجدوى والشرف، على انتماء المثقف إلى قضايا شعبه، وانحيازه إلى الحقّ والحرّية والمساواة والديمقراطية، ودفاعه عن مجتمع مدني علماني وتعددي تنظّم علاقاته دولة القانون.

وأجدني مدفوعاً ـ اليوم أيضاً، في مناسبة ما يتكاثر طبخه من مجالس وهيئات قيادية ـ إلى التشديد على موقفي، والحفاظ على مسافتي النقدية، ولكن ليس من برج المراقب وحده، بل من موقع المنحاز والمنتمي والمنخرط. ولهذا أرى واجباً عليّ إعلان انضوائي في صفّ المبادرة التي أعلنتها "الهيئة العامة للثورة السورية" مؤخراً، بصدد توحيد الجهود لتشكيل مجلس وطني للإنتفاضة، تنهض معاييره على مبدأ العودة إلى الثوّار على الأرض، أوّلاً وقبلئذ، عند ترشيح الشخصيات الجديرة بعضوية المجلس، ليس دون تمحيص دقيق يُعهد به إلى لجنة رقابية تُنتخب من قلب الهيئة. مهمة المجلس ينبغي أن تبدأ من التوافق على، والمهمّ أكثر: المضيّ أبعد في إنجاز، أهداف واضحة وعملية يقتضيها برنامج الإنتفاضة الداخلي أوّلاً، بما يكفل إبعاد الحراك الثوري الداخلي عن مماحكات الخارج، سيّما منها الصراعات الجانبية بين "زعيم سياسي" هنا، و"نجم فضائي" هناك.

ذلك لأنّ عناوين الإنتفاضة الشعبية الظافرة ليست مجهولة أو مضيّعة أو متيتمة، وليس عسيراً تحديد مرجعياتها الميدانية والسياسية، والباحث عن قادة الإنتفاضة الفعليين لن يضلّ السبيل إلى ساحات درعا وحماة ودير الزور وحمص والقامشلي واللاذقية وإدلب ودمشق وحلب... وحيثما، وكيفما، أطلق النشطاء أشغال الإنتفاضة دون رجوع إلى قادة المعارضة في الداخل، وبالتالي دونما حاجة إلى تنصيب قيادات لها من الخارج. ومع حفظ التقدير التامّ لكلّ مناضل مخضرم، عارض وضحّى وعانى في قليل أو كثير، على امتداد 41 سنة من استبداد آل الأسد؛ وكذلك حفظ الدور لكلّ مَنْ أيقظته الإنتفاضة من سبات عميق، فصار معارضاً بعد أن كان صامتاً أو متحذلقاً أو موالياً أيضاً؛ فإنّ مبدأ التعيين والترئيس والإنتخاب الكاذب، واستفحال شراهة عقد المؤتمرات المتسرعة، والغرق أكثر فأكثر في هوس طبخ اللجان والمجالس القيادية كيفما اتفق... كلّ هذا لا يخدم الإنتفاضة، في يقيني الشخصي بالطبع، أياً كانت النوايا والمقاصد. لعلّه، في المقابل، يُلحق بها الأذى، خاصة حين يشيع البلبلة والفرقة، فلا يخدم في النهاية إلا في مدّ النظام بأسباب بقاء إضافية، لم تكن طغمة بشار وماهر الأسد تنتظرها، أو تحلم بها!

الأحد، 28 أغسطس 2011

وضاح اليمن وشبّيح موسكو

جاء في "الأغاني" أنّ زوجة الوليد بن عبد الملك، أمّ البنين، أقامت صلة عشق مع عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني (الذي لُقّب بـ"وضاح اليمن"، لوسامته)، وكانت ترسل إليه فيدخل إلى مخدعها، ثمّ تخبئه في صندوق وتقفل عليه إذا داهمها زائر، حتى اكتشف أمرها خادم فوشى بها إلى الخليفة. ولقد سارع الوليد فدخل على أمّ البنين في مخدعها، وتعمّد الجلوس على الصندوق الذي وصفه الخادم، ثم قال: يا أمّ البنين هبي لي صندوقاً من هذه الصناديق، فقالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين؛ قال ما أريدها كلها وإنما أريد هذا الذي أجلس عليه، فقالت: فيه أشياء من أمور النساء، فقال: ما أريد غيره، فقالت: خذه يا أمير المؤمنين.

وهكذا، دعا الوليد أن يُحمل الصندوق إلى مجلسه، فأزاح البساط، وأمر عبيده أن يحفروا حفرة عميقة، ثمّ خاطب الصندوق، قائلاً: يا هذا، إنه قد بلغنا شيء إنْ كان حقاً فقد كفّناك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر؛ وإنْ كان باطلاً فإنّا دفنّا الخشب وما أهون ذلك! ثم قذف بالصندوق في الحفرة، وهيل عليه التراب. صاحب "الأغاني"، أبو الفرج الأصفهاني، لا يؤكد وجود وضاح في الصندوق تلك الساعة، ولا ينفيه؛ لكنّ الخليفة ارتاح، وأمّ البنين نجت من الفضيحة، وما وقعت عين على وضاح اليمن بعدئذ.

وأعترف أنني لا أستطيع مقاومة إغراء استدعاء هذه الحكاية كلّما بلغني جديد فاضح من يفغيني ماكسيموفتش بريماكوف، رئيس وزراء روسيا الأسبق، ووزير خارجيتها الأسبق، والمرشح الرئاسي في انتخابات 2000. العنصر الذي يستدعي الحكاية هو "المعرفة المعمقة" التي يزعم بريماكوف امتلاكها عن الشرق الأوسط، شعوباً وأنظمة؛ "الدفينة" في صناديق خشبية مغلقة لا تنفتح على احتمال واحد، بل تتخذ صيغتين متناقضتين في الظاهر، يتبيّن فيما بعد أنهما على درجة عالية من التكامل في الباطن.

ففي الصيغة الأولى، كان ذلك الصحافي الشابّ مجرّد مراسل لإذاعة موسكو وصحيفة الـ "برافدا" في الشرق الأوسط، يتجوّل في بيروت ودمشق وعمّان والقاهرة وبغداد، خلال عقد الستينيات وحتى مطلع السبعينيات. ولقد صار مقرّباً من القيادات التقليدية في الأحزاب الشيوعية العربية، وأخذ يطرح على أمثال خالد بكداش وفهمي السلفيتي وعزيز محمد أسئلة مربكة حول العلاقة بين القومية والإشتراكية، وضرورة الاعتراف بحدود 1967 وليس 1948 في رسم الخريطة الفلسطينية، والموقف من القيادات والكوادر المجدِّدة ـ أو، في التوصيفات السوفييتية القدحية: "الإنشقاقية" أو "التحريفية" أو "اليسراوية" ـ أمثال رياض الترك والياس مرقص وياسين الحافظ، لكي نقتبس أسماء من الحزب الشيوعي السوري التاريخي وحده.

وأمّا في الصيغة الأخرى، الباطنية، فقد كان بريماكوف الوجه العلني لشخصية "مكسيم"، الاسم المستعار لرجل الإستخبارات السوفييتية الأبرز في المنطقة، كما اتضح سنة 2000 من كشوفات المجلد الضخم "أرشيف متروخين: الـ KGB في أوروبا والغرب". بيد أنّ مآلات بريماكوف الراهنة، السياسية والفكرية، تؤكد أنّ الرجل يعيش أطوار صيغة جديدة، لم يعد فيها مكترثاً حتى بالحفاظ على ذلك التوازن الخفي بين الظاهر والباطن. وأحدث الأمثلة هي تنظيراته الراهنة للإنتفاضات العربية، حيث يبدو تفكيره مطابقاً لذلك التشبيح الإستشراقي الذي يمارسه رهط الذين يعتبرون أنفسهم "خبراء شرق ـ أوسطيين"، من أمثال باتريك سيل وجوشوا لانديس وفلنت ليفريت.

وفي حديث مع مجلة "دير شبيغيل" الألمانية، نُشر قبل أيام، اعتبر بريماكوف أنّ روسيا تعرف خفايا الشرق الأوسط أكثر من أية دولة أخرى في الغرب، ولهذا فإنّ وقوفها مع نظامَيْ معمر القذافي وبشار الأسد ليس نابعاً من المصالح، بل من القراءة الصائبة لحقائق التاريخ، من جهة؛ ولأنّ هذه "التحركات الشعبية"، التي يشهدها العالم العربي، لن تسفر عن أنظمة ديمقراطية، بل ستعيد إنتاج الأنظمة الأوتوقراطية ذاتها، من جهة ثانية. وكان المرء سيعتبر الكلام رأياً، هزيلاً بالطبع وركيكاً وخاطئاً، لولا جرعة التشبيح التالية التي يضيفها بريماكوف: هل تمكنت قناة "الجزيرة" من تصوير معمّر القذافي وهو يرتكب المجازر؟ هل يضمن أحد أنّ المعارضة السورية لا يسيطر عليها الإخوان المسلمون؟ وهل يملك الغرب إحصائيات دقيقة عن نسبة الديمقراطيين والعلمانيين، بالمقارنة مع الإسلاميين والأصوليين، داخل صفوف المعارضات العربية؟

وتسأله "دير شبيغل"، أما يزال مؤمناً بتصريحه، سنة 2007، أنّ بشار الأسد "رجل رؤيا ستراتيجية عميقة" فلا يجيب مباشرة، ويراوغ قليلاً، قبل أن يحيل الإجابة إلى كلمة حقّ يُراد بها باطل: الغرب ليس مهتماً بالديمقراطية في سورية. والإنصاف يقتضي التذكير بأنّ بريماكوف كان قد أعطى تصريحه ذاك لوكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا، وقال بالحرف إنّ الأسد "شخصية سياسية بارزة، وصاحب رؤيا ستراتيجية عميقة فى التعامل مع قضايا المنطقة والعلاقات الدولية"!

وبوصفه أحد آخر المتبقين من رجالات تلك "المعرفة" السوفييتة البائدة، التي كانت على نحو ما خبيئة الصناديق الخشبية، قبل انقلابها إلى تشبيح سياسي وفكري ملحق بمؤسسات المافيا الروسية وأنظمة الإستبداد العربية؛ فإنّ إرث بريماكوف تصحّ فيه حكمة الوليد بن عبد الملك: إنْ كان باطلاً، وهكذا كان بالفعل، فإنّ الخشب هو الذي يُدفَن اليوم... وما أهون ذلك!

الخميس، 25 أغسطس 2011

لا إله إلا بشار، وعلي فرزات رسّام الكفّار... سورية: انفلات العربدة من كلّ عقال

ينتهي نهار الإستبداد السوري في ساعة متأخرة من الليل، مع "ظفر" جديد تحققه زمرة من الشبيحة، أو طراز جديد منهم صار يضع اللثام على الوجه، استئناساً ربما بمبدأ "إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا"؛ أو، في تفسير آخر، لأنّ البعض من الشبيحة صار يستشعر دنوّ ساعة الحساب أمام الشعب، وأمام قانون حقيقي تنوي سورية المستقبل الركون إليه، لا صلة تجمعه مع قوانين الغاب والمافيا التي سنّها النظام، ثمّ أباح لعصاباته ذاتها أن تدوسها وتنتهكها. صحيح أنّ خاتمة "الظفر" ذاك تمّت تحت جنح الظلام، وكما يليق بأشدّ الجبناء خسّة وانحطاطاً، إلا أنّ البداية وقعت في ساحة الأمويين: على مبعدة أمتار من وزارة الدفاع العتيدة، ومبنى الإذاعة والتلفزيون الأغرّ، وعلى مرأى ومسمع حواجز أمنية منتشرة في محيط الساحة كانتشار الفطر الشيطاني.

وهكذا، في دولة "الإصلاحات" التي يتبجح بشار الأسد بإنجازها، كان لا بدّ من سقوط ستار جديد يكشف المزيد من وجوه دولة العصابات والأجهزة، حيث يمتزج الذعر بالحقد، وتنقلب أواليات الدفاع عن النظام إلى سلوك همجي صرف، وغريزة انتقام بهيمية، لا تعاقب المعارض بوسائل تنكيل لا عدّ لها ولا حصر فحسب، بل تقتصّ من الجسد في ذاته، ومن أعضاء فيه يخالها الوحوش مصادر خطر مباشرة على أمن النظام. بعد ذبح الزجّال الحموي إبراهيم القاشوش، وجزّ حنجرته التي صدحت ضدّ الأسد وضدّ شقيقه ماهر، بالاسم والتعيين الذكي الصائب؛ ها هم الشبيحة ينقضّون على رسام الكاريكاتير السوري الكبير علي فرزات، فيعرّضونه لضرب مبرّح، ويلقونه مثل شاة ذبيحة في ظاهر دمشق، ليس قبل استهداف الجزء الذي يخيفهم أكثر في بدنه: أصابعه التي ترسم!

 الأرجح أنّ اعتقال فرزات على النحو الكلاسيكي، كأنْ تداهم بيته ثلة من رجال الأمن لاقتياده إلى أحد الفروع، كان سيصيب النظام بحرج بيّن؛ فالرجل شهير، وضمير نقدي حيّ عكس هموم السوريين على الدوام، وتألق أكثر من أي عهد مضى خلال أسابيع الإنتفاضة؛ وهو، إلى ذلك، رسّام كاريكاتير معروف عربياً وعالمياً، والمنطق الذرائعي البسيط يقول، بلسان حال النظام: لا ينقصنا الإحراج! بيد أنّ المنطق الثاني، غريزة إنزال العقاب بالمعارضين، وعلى النحو الهمجي الأشنع، ليس في مقدورها أن تنحسر أو تنطفيء في مواجهة اعتبارات الإحراج، ولهذا تدبّر الآمرون الذين يحرّكون قطعان الشبيحة هذا المخرج: لا نعاقبه على الملأ، بل في السرّ، وبالوحشية المطلوبة؛ ولا نعتقله رسمياً، بل نرسل إليه الشبيحة ملثّمين، لاختطافه من قلب العاصمة، أو بالأحرى إنزاله عنوة من سيارته، لكي يكون عبرة لكلّ من تسوّل له النفس الظنّ بوسائلنا وأساليبنا. وفي تنويع آخر على الرسالة إياها: لسنا مضطرين إلى الإعتقال إذا كنّا ننوي العقاب، بل يمكن أن نختطف، ولن نفعل هذا في العتمة، بل تحت الأضواء الساطعة.

أمّا التنويع الذي يخصّ شخص فرزات الفنان، المثقف، المنحاز إلى صفّ الشعب والإنتفاضة، الممثّل لشريحة آخذة في التوسّع والتجذّر، فإن الرسالة مزدوجة كما للمرء أن يرجّح: شطر منها إلى هذه الشريحة، وشطر ثانٍ إلى الفئة الموازية التي ينضوي فيها أمثال دريد لحام ورياض عصمت وصفوان قدسي. للشريحة الأولى تقول الرسالة إنّ مَنْ يذهب بعيداً في معارضة النظام، بريشته أو بقلمه أو بصوته أو بما امتلك من صيغة تعبير فنّية أو أدبية أو فكرية، سيلاقي مصائر مماثلة، ضمن مستويات متغايرة من العقاب المباشر، الذي قد يبدأ من اقتلاع الحنجرة أو كسر اليد، ولا ينتهي إلا عند إلقاء الجثة حيثما اتفق، في نهر أو على أرض. لأصحاب الشريحة الثانية، إذا كانوا في الأصل بحاجة إلى تنبيه أو مخاطبة، لا تقول الرسالة إلا الوجيز الواضح: اتعظوا بما جرى للقاشوش وفرزات، واعتبروا! 

وقد يخجل أيّ مافيوزي عريق من دناءة هذا السيناريو، إذْ أنّ انفلات العربدة من كلّ عقال سوف يشير بالضرورة إلى نقائض مراميها، كأن يبغي المافيوزي من التنكيل بالناس إظهار القوّة العاتية التي يمتلكها، فلا يبرهن لهم إلا على أنه خائف ومرتبك ومتخبط، ضعيف الحيلة، خائر القوى. أيّ نظام قوي هذا الذي يلجأ إلى اختطاف فنان، على هذا النحو الفاضح الجدير بالعصابات وحدها، بهدف معاقبته جسدياً، وكسر يده؛ والأخير لا يستخدم إلا الحبر الأسود والضمير اليقظ والعين الحصيفة، في نهاية المطاف؟ ألم يبشّر الأسد أتباعه، قبل أيام قليلة فقط، بأنّ النظام صار أقوى، وأنّ "الوضع الأمني أفضل"؟ أهذا، اختطاف فرزات وتحطيم أضلاعه وكسر يده، في عداد "إنجازات أمنية" تفاخر الأسد بأنّ نظامه حققها مؤخراً، و"لن نعلن عنها الآن لضرورة نجاح هذه الإجراءات"؟

نهار الإستبداد كان قد شهد، في ساعات سابقة، افتضاح أمر "ظفر" من نوع آخر، لا يقلّ تشبيحاً وهمجية وكشفاً لطبائع الدرك الذي يهبط إليه نظام "الإصلاحات"، حيث لم يعد كافياً من المواطن أن يردّد الهتاف الثالوثي المقدّس "الله! سورية! بشار وبسّ!"، وتوجّب أن لا يُشرك السوري إلهاً آخر في بشار وماهر الأسد. شريط الفيديو (الذي حصلت عليه إحدى التنسيقيات من شبّيح في الفرقة الرابعة، لقاء مبلغ زهيد من المال، وصار شهيراً الآن) يُظهر ضابطاً من الفرقة الرابعة يصفع جندياً يُفهم من الحوار أنه كان بصدد الإنشقاق، ثمّ يطلب الضابط من الجندي أن يقول: "لا إله إلا بشار الأسد"، فيهتف الجندي بهذا؛ ثمّ يُطلب منه أن يقول أيضاً: "لا إله إلا ماهر الأسد"، فيفعل. يتعالى، في الأثناء، صوت ضابط آخر يطلب ما معناه: فلننتهِ منه، ونذبحه، ونلقيه في بطن الوادي.

اسم الضابط افتُضح بالطبع، ودُوّن في اللوح المحفوظ الذي افتتحته الإنتفاضة لأهوال مماثلة ارتكبها أعضاء في عصابات همجية، إذْ هكذا يتوجّب تصنيف الوحدة العسكرية التي ينتمون إليها، أياً كانت تربيتها الأخلاقية شائهة، ومهما بلغ ولاؤها من عمى بصر وبصيرة، وكيفما تحدّرت أصولها الدينية أو الإثنية أو الطائفية. وإذا كانت هذه الهمجية المعلنة، المنفلتة حقاً من كل رادع سوى خلائط الذعر والحقد والغريزة الحيوانية، لم تعد مفاجئة للسوريين، وللعالم بأسره في الواقع؛ فإنّ تصويرها بهذا الدم البارد، بغرض توثيق الوحشية أو التفاخر بها أو بيعها كما اتضح مؤخراً، يظلّ تفصيلاً مثيراً للدهشة على الدوام. ثمة، في أشرطة مثل هذه، تذكرة دائمة بحقيقة نظرة هؤلاء إلى سورية، في كونها مزرعة لآل الأسد يُبرّر فيها ارتكاب كلّ وأيّ الأفعال البغيضة الدنيئة، ما دامت تخدم سادة المزرعة، وقادة الشبّيح.

لكنّ حكاية إجبار الناس على تغيير عبارة "لا إله إلا الله" إلى "لا إله إلا بشار الأسد"، ومثله شقيقه ماهر، ليست زلّة لسان من الضابط القبضاي (المرء يتخيّل ارتعاد فرائصه إذا ما أُجبر على المرابطة ساعة من الزمن أسفل تلّ أبو الندى، أو على مقربة من مرصد جبل الشيخ، في الجولان المحتلّ، مثلاً!)، في شريط الفيديو؛ مثلما أنّ تحويل آل الأسد إلى آلهة تجب عبادتها، ليس أمراً طارئاً. في الماضي القريب شاع هتاف يقول "حلّك يا الله حلّك/ يقعد حافظ محلّك"، تردّد مراراً على امتداد عدد من قرى الساحل السوري، في منطقة القرداحة تحديداً، وبعض الوحدات العسكرية الخاصة الأقرب إلى العصابات والميليشيات. صحيح أنّ النظام ليس غبياً إلى درجة الوقوف خلف انطلاق شعارات كهذه، إلا أنّ أجهزته الأمنية والعسكرية الخاصة تغابت تماماً عن ترديده على الملأ، بين الحين والآخر. وما لا يُمنع صراحة، أو يُعاقب عليه، فإنه ضمناً مرخّص به ومُجاز؛ وتلك كانت القاعدة في الماضي، عند تأليه الأسد الأب خلال التظاهرات الهستيرية، وهي تبدو القاعدة اليوم أيضاً، مع الأسدَين الصغيرين.

وسواء تلقى هذا الضابط أيّ أمر أو إيحاء أو ترخيص مبطّن، أو أعطى لنفسه الحقّ وأوحى إليها بأنّ السلوك سليم، بل مشرّف؛ فإنّ مآلات واقعة إجبار الجندي على تأليه بشار وماهر لا تختلف عملياً، من حيث أنها تمثيل تطبيقي لأخلاقيات الولاء الراهنة، ضمن مختلف أجهزة الإستبداد، والتي ترقى أكثر فأكثر إلى سوية العبادة والديانة. طريف، مع ذلك، أن يلحظ المرء ثلاثة تفاصيل لافتة في الواقعة ذاتها: أنّ الضابط أسقط، بصفة غير مباشرة، شعار النظام الأثير (الذي يقول: "الله! سورية! بشار وبس!")؛ وأنّ عبادة الإستبداد ليست توحيدية في رأي الضابط، بل مثنوية، لأنها تجمع إلهَيْن معاً: بشار وماهر؛ وثالثاً، أنّ الضابط جدّف تحت عدسة التصوير، وبالتالي كان في منزلة من اثنتين: إمّا أنه آمِن مطمئن إلى أنّ ما يوم به هو سواء السبيل في ناظر أيّ محاسِب، فرد أو جماعة، أو هو غير مكترث بأيّ حساب أو مساءلة، البتة.

وأولئك الشبيحة الذين نبشوا قبر الطفلة الشهيدة علا جبلاوي (بنت السنتين ونصف السنة، من حيّ السكنتوري في اللاذقية)، ومثلهم الشبيحة الذين أظهرهم شريط فيديو آخر وهم يجبرون السجناء العطاش على الهتاف لبشار الأسد مقابل رشقة ماء على الوجه، أو الشبيحة الذين ذبحوا المواطنين على سطح مسجد الكرك بدرعا وكدّسوا فوق جثثهم قطع السلاح والذخيرة للإيهام بأنهم عصابات مسلحة، أو رفاقهم في السلاح شبيحة الرائد أمجد عباس من جهابذة الدوس على رقاب المواطنين في حيّ البيضا البانياسي، أو شبيحة عاطف نجيب من جلاّدي الأطفال ومُهْدري كرامة الناس في حوران، أو شبّيحة مجزرة سجن صيدنايا التي حرص ماهر الأسد على تصويرها بنفسه... أولئك، مجتمعين، هم أنصار ودعاة وأزلام ورجالات وقادة هذه الديانة النكراء.

إنهم أيضاً، واستطراداً، ثلّة الملثمين التي اختطفت فرزات من ساحة الأمويين، ونكّلت به، كأنما تعلن أنه رسّام الكفّار/ الشعب السوري الذي ينتفض لإسقاط نظام الفساد والإستعباد؛ وأنّ عقاباً مماثلاً ينتظر أمثاله من المجدّفين بحقّ ديانة الإستبداد الأحدث هذه، ممّن لا يهتفون كما أُمر الجندي المنشق البائس. ولكي تكتمل صفة النظام هذه، أي العربدة على طريقة العصابات والميليشيات وتحويل التشبيح إلى أوالية دفاع عمياء ومتعامية؛ كانت وسائل إعلام السلطة الحكومية، وتلك السائرة في فلك النظام،، قد سكتت تماماً عن واقعة اختطاف فرزات، وكأنها جرت على سطح كوكب آخر. دليل آخر، لعلّ بعض السذّج ما يزالون بحاجة إليه، على أنّ "مناخات الإنفتاح" التي يشيعها النظام ليست زائفة وكاذبة وتضليلية فقط، بل هي في ذاتها أدوات عربدة وتشبيح.

وللسذّج، أنفسهم، أن ينتظروا ملمح شجاعة واحداً من صفّ المثقفين، أهل الشريحة الثانية، ممّن تنافخوا شرفاً في الدفاع عن "السلم الأهلي" و"الوحدة الوطنية" و"نهج الإصلاحات"، وتكاذبوا، وتدافعوا بالمناكب في مسيرات النظام المليونية. صمّ بكم عمي فهم راكعون للطاغية، ساجدون لأجهزته، عليهم حلّت لعنة الوطن، وبانتظارهم حساب شعب كفر، مرّة وإلى الأبد، بطواغيت استبداد وفساد آن لها السقوط في مزابل التاريخ.