وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 30 أكتوبر 2011

غليون العلوي والأسد الديمقراطي

في مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي، حين أخذت الصحافة العالمية تتداول اسم الدكتور برهان غليون كرئيس قادم للمجلس الوطني السوري، كانت أسبوعية الـ"إيكونوميست" البريطانية ـ المعروفة برصانتها، وسعة اطلاعها، وحرصها على دقة المعلومة ومصداقية المصدر ـ قد وقعت في خطأ فادح. لقد اعتبرت أنّ غليون ينتمي إلى الطائفة العلوية، وبنت بعض نقاط تحليلها لحال المعارضة على معطيات هذه النتيجة، قبل أن تسارع إلى إدرك الخطأ الشنيع، فتصحّح، وتعتذر. بيد أنّ الأذى كان قد حدث لتوّه، إذْ نقلت المعلومة عشرات الصحف والمواقع والمدوّنات الإلكترونية التي تأخذ، عادة، موادّ الـ"إيكونوميست" على محمل الجدّ؛ ثمّ لم تكترث إلا قلّة منها بتصحيح الخطأ (على سبيل المثال الأبرز، ما يزال القسم الفرنسي في موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية الشهيرة يؤكد، حتى ساعة تحرير هذه السطور، أنّ غليون من أبناء الطائفة العلوية).

وأمّا مصدر المعلومة الخاطئة فهو جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط، والأستاذ في جامعة أوكلاهوما، والمشرف على الموقع الشهير Syria Comment، وصديق النظام السوري (وليس، البتة، صديق سورية البلد والشعب والثقافة والتاريخ، كما تجدر الإشارة دون إبطاء). إنه، إلى هذا، مستشار دائم حول الشؤون السورية، ترجع إليه كبريات وسائل الإعلام الغربية (من الـ"نيويورك تايمز" والـ"إيكونوميست"، إلى الـCNN و"الجزيرة" الإنكليزية)، وثمة ركن دائم في موقعه، عنوانه "لانديس في الأخبار"، يتحفنا بأحدث تحاليله حول كلّ صغيرة وكبيرة في سورية. هذه، بالطبع، أبهى أيامه في النصح، وأدسم مواسمه في الإفتاء، فالانتفاضة تتصدّر العناوين، وتتردد على الألسن، كما تتوالى مشاهدها أمام الأبصار؛ وهنا، استطراداً، فرصة صاحبنا لكي يصول ويجول، دون أن يغادر عادته الأثيرة: أنه لا يملّ من رفع العقيرة دفاعاً عن "استقرار" سورية، في عهدة آل الأسد دائماً، وبالضرورة، حتى تحت نير أسوأ أعراف الاستبداد والفساد، وأشدّ الممارسات الأمنية والعسكرية وحشية؛ وإلا فإنّ البديل هو انزلاق سورية إلى حروب شتى، دينية وإثنية وطائفية ومناطقية...

خطوط تفكير لانديس مطابقة لذلك التشبيح السياسي الاستشراقي الذي ينتجه أمثال البريطاني باتريك سيل والأمريكي فلنت ليفريت، ممّن يعتبرون أنفسهم "خبراء" في تأويل ألغاز سورية وخفايا معضلاتها الجيو ـ سياسية. لكنّ فارق لانديس هو أنّ تطبيله للنظام يبدو أسوأ من ذاك الذي ينخرط فيه أنصار السلطة وأبواقها، ولعله يبزّ الجميع في إطلاق تحذيراته الكابوسية من أنّ سورية لم تكن موحّدة في أيّ يوم، وانقسامها إلى طوائف وإثنيات نجم أصلاً عن تشرذم حدودها بين الدول؛ وبالتالي... حذار، حذار من فتح أبواب جهنم! كذلك فإنّ الرجل، لا سيما بعد إيفاده إلى سورية بمنحة من مؤسسة فولبرايت، صار صاحب القول الفصل في هاجس الغرب الأعظم: بديل النظام ("العلماني" رغم مظاهر القمع والقهر والنهب والتسلط العائلي، كما يذكّر لانديس دون كلل أو ملل)، ليس أية قوّة أو قوى علمانية ديمقراطية، منفردة أو مجتمعة، بل جماعة الإخوان المسلمين، وحدهم!

ولانديس، في جانب آخر من ابتلائنا بـ"خبراته"، هو طراز من صبية الاستشراق، أو فتيانه في أفضل حال، ممّن ينقلبون ذاتياً، أو يقلبهم بعض عباقرتنا أبناء جلدتنا، إلى نطاسيين لا يُشقّ لهم غبار في تشخيص أمراضنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية والثقافية والنفسية، قبل مداواتها والسهر على شفائنا منها؛ وذلك بالرغم من اعتمادهم شبه الكليّ على "معرفة" بائسة جاهزة سطحية قائمة على الكليشيهات، وعلى هذه وحدها حصراً أحياناً. وشرّ البلية أنّ بعض هؤلاء يُسقط حساباته العقائدية على ما هو جوهريّ وحاسم وغير قابل للمساومة في قضايا شعوبنا، كما حين يساجل يساري أممي بأنّ العاجل هو مناهضة الإمبريالية، وأن سقوط النظام السوري (حتى بعد انكشاف جرائم لا تقبل الالتباس، مثل حصار المدن وقصفها، وقتل الأطفال، وخطف واغتصاب النساء، والتمثيل بجثث المعارضين بعد تصفيتهم، وتحويل المشافي إلى مراكز اعتقال وتعذيب...) إنما يخدم الأجندات الامريكية!

كذلك يتقن لانديس فنون ذرّ الرماد "الوطني" في العيون، عندما تعزّ ذرائع الدفاع عن النظام، خاصة في مسائل ذات محتوى أخلاقي لا يقبل التعمية أو التورية. ذلك ما حدث حين استهجن قرار مجلة "فوغ" الأمريكية ـ بصدد الاعتذار عن الملفّ الذي كانت قد خصصته لإطراء أسماء الاخرس، عقيلة بشار الأسد، وسحبه نهائياً من الأرشيف الإلكتروني للمطبوعة ـ معتبراً أنّ المجلة ما كانت ستتجاسر على اتخاذ القرار ذاته لو أنّ الملفّ تناول السيدة الأولى في إسرائيل! ربما، قد يُقال بحقّ، ولكن ما صلة افتراض كهذا بإصرار لانديس على مديح الأخرس، والتشديد على أنها وزوجها "صورة جميلة، ولكن داخل نظام دكتاتوري"؟

إنه تشبيح "الخبير/ المستشرق"، ليس أكثر وليس أقلّ. فإذا جاز لصاحبنا "الخبير" أن يجزم بأنّ برهان غليون علوي، ثمّ أن يعتذر ويتابع استخدام "الخبرة" ذاتها وكأنّ شيئاً لم يكن؛ فما الذي سيعيقه عن الإفتاء بأنّ بشار الأسد ديمقراطي مخضرم متمرّس، وهو ليس رأس نظام الاستبداد والفساد الآيل إلى سقوط، بل... القائد السرّي للانتفاضة الموشكة على الانتصار؟ كلّه استشراق في استشراق؛ أو، كما ستقول الحكمة الشعبية، "كلّه عند العرب صابون"!

الخميس، 27 أكتوبر 2011

"معارف" النظام السوري: تطويع الأداة وتربية الوحش



أغلب الظنّ أنّ النظام السوري، وعلى نقيض من الرأي الشائع في أوساط مراقبيه ومعارضيه على حدّ سواء، تعلّم الكثير من الدروس خلال الأشهر السبعة التي انصرمت منذ انطلاق الانتفاضة، وتنوّع ما تعلّمه وتشعّب، فتوزّع بين معرفة أمنية ـ عسكرية صرفة، وأخرى أمنية ـ استخباراتية، وثالثة أمنية ـ سياسية، ورابعة أمنية ـ دعاوية، وخامسة أمنية ـ دبلوماسية... ومع ذلك، بئس هذه الحصيلة التي لا تستجمعها إلا معارف مرتكزة أوّلاً على الخيار الأمني، الذي ينتج الأداة قبل العقل، والطاعة قبل المبادرة، والهاجس قبل اليقين، والانحياز الأعمى قبل الانخراط الإرادي.

وهكذا، في المعرفة الأمنية ـ العسكرية، تعلّم ضباط الفرقة الرابعة، إسوة بصفّ ضباطها وأفرادها، العاملين مثل المجنّدين، كيف تنقلب استباحة حيّ، أو قرية أو بلدة أو مدينة بأسرها، إلى رياضة باردة، جديرة بالقاتل المأجور، أو القاتل المرتزق، أو القاتل الشبّيح. وكان لا مفرّ لهؤلاء، في قيامهم بدور الأداة الطيّعة، ثمّ في وفائهم لشبكات الولاء التي تستولد منظومات مصالح سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة أو متجانسة، لا تغيب عنها غرائز الانضواء الطائفية أو العشائرية أو المناطقية، من أن يستسهلوا الذهاب بالهمجية إلى حدودها القصوى. كأنّ القتال صار عندهم معركة وجود أو عدم، ليس ضدّ شرائح واسعة من مواطنيهم المسالمين العزّل وحدهم، بل أيضاً ضدّ "الوطن" الذي ينتمي إليه المتظاهر، بوصفه وطناً خائناً أو مندساً أو عميلاً أو سلفياً أو... وفي واحد من أبرز مستويات هذه الحصيلة أنّ الفرقة الرابعة انسلخت عن شخصيتها العسكرية، بأي معنى مهني أو تعبوي أو لوجستي لهذه الشخصية، فصارت الفرقة عيّنة مصغّرة عن عصبة أو عشيرة أو طائفة، أو لعلّها في الواقع كفّت عن الحاجة إلى أي تصنيف ومسمّى، ما خلا أنها أداة دفاع عن النظام، صمّاء عمياء بكماء!
 
وفي المعرفة الأمنية ـ الاستخباراتية، يُصاب ضابط مثل اللواء جميل حسن، رئيس جهاز استخبارات القوى الجوية، بعُصاب من طراز جنوني خاصّ، تتفاقم أعراضه الباثولوجية بين حدّين أقصَيَن: إرضاء الحلقة الأمنية العليا (الضيّقة، المغلقة، التي لم يحظَ بـ"شرف" الانضمام إليها)، عن طريق استعراض عضلات جهازه، وارتكاب المزيد فالمزيد من الفظائع؛ والعجز عن نيل ذلك الرضا العسير، لأنّ الانتفاضة تُلحق به وبأجهزته الفشل الذريع، فلا تسير النتائج إلا بما لا يشتهي اللواء وسادته. وهكذا، لأنّ الجهاز فشل في كسر إرادة ناشط مثل غياث مطر، كان نموذجاً ناصعاً وعالي التمثيل لمعجزات الانتفاضة في جذب الشباب إلى العمل الوطني وصياغة الحراك الجماهيري، توجّب أن يُصفّى الفتى، وأن يتمّ التمثيل بجسده على نحو بالغ البشاعة والوحشية، وأن تُسلّم جثته إلى أهله بهذه الهيئة: عبرة لمَنْ يعتبر، في ظنّ اللواء، الذي فاته بالطبع أنّ العبرة الأخرى ـ شهيد الانتفاضة، وشهيد سورية ـ هي الأشرف للفتى وأهله، والأبقى في ضمير بلده وذمّة التاريخ.

بذلك فقد كان طبيعياً أن تنحطّ المعرفة الأمنية ـ السياسية، في المقابل، إلى سوية سفلى من ابتذال الخطاب وإدقاع المفردات وتقزيم المصلحات، توجّب أن تحزن رأس النظام نفسه في المقام الأوّل، هو الذي ـ حتى قبيل توريثه، وخلال أشهر تدريبه على الحكم ـ نصب نفسه في مقام الفيلسوف والمنظّر والمفكّر والحكيم وعالم الاجتماع والاقتصاد والسياسة... في آن معاً! الكون السوري، وفق منظور الأسد الأمني ـ السياسي، هو مؤامرة على نظام "ممانع" و"مقاوم"، سبق للغرب أن حاكها، فخرج النظام فيها منتصراً، وكذلك سيفعل اليوم إزاء الأطوار الأحدث من تلك المؤامرة ذاتها (لا يمرّ شهر، في واقع الأمر، إلا ويعلن أحد وجوه السلطة أن "المؤامرة" انتهت وصارت وراء النظام). والكون السوري، عند الأسد دائماً، لن يحيد عن طريق "الإصلاحات" حتى يبرهن أنه مثال يُحتذى في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنّ رأس النظام جدير بقيادة المعمورة في أربع رياحها وليس سورية وحدها، كما هتف أحد دُمى ما يُسمّى "مجلس الشعب" ذات يوم قريب. وأمّا "الإصلاحات" ذاتها (مثل قوانين الأحزاب والإعلام والانتخابات تعديل الدستور...) فإنها لا تأتي، إذا أتت حقاً، إلا وقد صار استحقاقها وراء الحراك الشعبي، هذه المرّة، ولم تعد قيمتها تساوي الحبر الذي كُتبت به، فكيف بالدماء الزكية التي أُريقت في درب المطالبة بها على وجه أمثل، غير مزيّف وغير ملفّق.

وليس أدلّ على ما آلت إليه معارف النظام الأمنية ـ الدعاوية من العودة، بين الفينة والفينة، وحسب مقتضى الحال، إلى ما يطلق عليه النظام تسمية "المسيرات المليونية"، كما حدث مؤخراً في الحشود التي غصّت بها ساحة الأمويين، في قلب العاصمة دمشق، على سبيل استقبال وفد الجامعة العربية. ذلك لأنه حتى تلك القاعدة التي تبيح للمرء أن يفعل ما يشاء إذا كفّ عن الحياء، لم تعد تكفي لتفسير مقدار تخبّط النظام في هذا الركن من معارفه، وكم فقد من حسّ اكتراث بما يقول الناس، داخل سورية وخارجها، إزاء هذا المسرح الردىء الفاضح والمفضوح. كان البعض يتساءل، عن حقّ بالطبع: لماذا لا تظهر العصابات المندسة مرّة واحدة خلال هذه المسيرات المليونية، رغم أنها صيد ثمين دسم لكلّ "إرهابي" مبتديء؟ أو، في المقابل: لماذا يظهر الرصاص الحيّ والغاز المسيل للدموع والشبيحة والأمن والدبابات... كلما حاول مئات من المتظاهرين، وليس مئات الآلاف، الاقتراب من ساحة الأمويين، أو ساحة العباسيين، أو ساحة السبع بحرات، أو حتى ساحة المرجة؟

جديد هذه المعرفة الأمنية ـ الدعاوية، وهي نقلة ذات طرافة مريرة سوداء، أنّ الجماهير المليونية هذه أخذت تسرق ألحان الزجّال والمغنّي الشعبي الشهيد إبراهيم القاشوش، بعد أن تقلبها رأساً على عقب، بما يجعلها تتمات أشدّ ابتذالاً لتلك الهتافات التي تركع أمام صورة الأسد وتقبّلها، أو تُعلي مقامه إلى مستوى الألوهة، أو تضعه بديلاً للحرّية في الثالوث الشهير "الله! سورية! بشار وبسّ!". جديد آخر هو سرقة الهتاف الشعبي المعروف "الذي لا يشارك/ ليس عنده ناموس"، بحيث يصبح "الذي لا يشارك/ أمّه حمصية"، في تعريض وضيع بنساء حمص وبالمدينة العريقة المناضلة. وأمّا الذي لم يكن جديداً، بقدر ما صار فاقعاً أكثر وقليل الحياء أيضاً، فهو نصرة النظام عن طريق حشد السيارات الفارهة ومركبات الشبيحة و... عربات الدفع الرباعي، ذاتها التي اتهمها الأسد بالمشاركة في التآمر على نظامه!

ورغم أنها تأتي في المرتبة الأخيرة من هواجس نظام يعيش سكرات الموت، ويدافع عن وجوده بالنواجذ والأسنان، في الداخل أوّلاً، وعبر الخيارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والدعاوية، فإنّ المعرفة الأمنية ـ الدبلوماسية تطلّ على استحياء بين حين وآخر، حين تشترطها اعتبارات خارجية أساساً. وهكذا، بصدد التعامل مع مبادرة الجامعة العربية، لم يذهب وليد المعلم، وزير خارجية النظام، إلى درجة شطب الجامعة العربية من خريطة الكون؛ أو ضمّ الدول العربية إلى اللائحة التي توعدها بالويل والثبور إذا تعاملت مع المجلس الوطني السوري، أو اعترفت به. صحيح أنّ مندوب النظام الدائم لدى الجامعة العربية أرغى وأزبد، هناك في القاهرة، إلا أنّ "الأجواء الإيجابية" التي أعلن النظام انها سادت اجتماع الأسد مع وفد الجامعة العربية، كانت هي كلمة السرّ في إعلام النظام، إسوة بالترغيب بدل الترهيب.

بيد أنّ الدبلوماسية ليست، بالطبع، هذه الـ"حرتقات" الصغيرة التي يديرها أمثال وليد المعلم وبثينة شعبان وفيصل المقداد، في نيويورك أو في موسكو أو في بكين؛ بل هي، في المقام الأسبق، ذلك التبرّم الذي أخذ يعتري خطاب حلفاء النظام، من روسيا إلى الصين إلى إيران؛ وارتفاع "المنسوب"، اللفظي على الأقلّ، للتوصيفات التي صارت تصدر عنهم لدى الحديث عن أعمال العنف والقتل والمجازر المرتكبة بحقّ المتظاهرين السوريين العزّل. والدبلوماسية هي، كذلك، ما يقوله ألان جوبيه، وزير الخارجية الفرنسي، من أنّ سقوط النظام صار حتمياً مهما استغرق من وقت؛ وما تعنيه مغادرة السفير الأمريكي روبرت فورد، الآن تحديداً، ولأسباب قد تتصل فعلاً بارتخاء قبضة النظام على بعض أجهزته ومشايعيه ومناصريه، بحيث يمكن أن يتعرّض السفير إلى ما هو أشدّ وطأة من الحجارة والبيض. والدبلوماسية، في ما هو أهمّ من هذا وذاك، هي أيضاً المصير الأسود الذي انتهى إليه دكتاتور حليف، هو معمّر القذافي؛ والمصير التالي الذي ينتظر الدكتاتور الحليف الآخر، اليمني علي عبد الله صالح...

وفي مقابل معارف النظام، التي تنشغل بتطويع الأداة وتربية الوحش، ثمة تلك المعارف الموازية التي اختزنتها الانتفاضة الشعبية، وتختزنها كلّ يوم، والتي تنشغل بتطوير أنساق المقاومة، وتربية وعي سياسي وإنساني وطني وديمقراطي كفّ عن كونه مأثرة الانتفاضة الكبرى، لكي يصير تراث سورية اليومي وسلاحها الأمضى. وها أنّ ضباط الفرقة الرابعة ينتقلون من حال التخبط والتعثر إلى حال الانتكاس، وبينهما حال الحيرة أمام أسئلة موجعة: لماذا؟ إلى متى؟ وما العاقبة في نهاية المطاف؟ وها هو غياث مطر يغادر صورته الأولى، فتى داريا الباسم الوادع المنشغل بعروسه وبأهله وبمهنته الشعبية، ليصبح واحداً من رموز سورية، فيتردد اسمه على الشفاه والألسن والقلوب، كما على اللافتات والصور، في رأس كلّ التظاهرات. "إصلاحات" النظام يمسخها الحراك الشعبي إلى أضحوكة، وألحان القاشوش تنتصر على قاتليه فتتردد على ألسنة مشايعي النظام في الساحات ذاتها التي حلم الشهيد بالغناء في جنباتها، ولم يبق من دبلوماسية السلطة سوى تلك النكات التي تروي "هلع" الأوروبيين من أن يعاقبهم النظام بمنع تصدير "علكة سهام" إلى أسواقهم!

تربية أداة مقابل تربية إرادة، وتراث قتل مقابل تراث حياة، وسوري شبيح مقابل سوري ثائر، ولا عزاء في هذا للذين ينزّهون سورياً عن قتل شقيقه السوري؛ والمعركة، التي دخلت شهرها الثامن، اقتضت تسيير الدبابة وراجمة الصواريخ والحوّامة، ضدّ الصدر العاري والأهزوجة الشعبية ورسم الكاريكاتير؛ وبالتالي فإنّ حصيلتها الأهمّ، حتى الساعة، هي عجز السلاح عن كسر الإرادة، وصمود المواطن الأعزل الباحث عن الحرّية في وجه المواطن الشبيح المناصر للاستبداد، وسقوط معارف النظام أمام معارف الشعب. أمّا الحصيلة الختامية فإنها انتصار الانتفاضة ذات ساعة آتية لا ريب فيها، ولعلّها أقرب أجلاً ممّا يظنّ الطغاة ومؤسسات تربية الوحوش الكاسرة.

الأحد، 23 أكتوبر 2011

فتّحْ عينك.. أنت في كفرنبل!

 منذ التظاهرات الأبكر في مسيرة الانتفاضة السورية كانت لافتاتهم قد شدّت الانتباه إلى نبرتها اللاذعة، ومضمونها السياسي العميق، وطرافة ما تمزجه من متناقضات ومفارقات، وبراعة جمعها بين الفصحى والعامية؛ فضلاً عن مهارة التقاط جانب خاصّ في تسميات أيام الجُمَع، وإبرازه على نحو ذكي وساخر ومرير وتحريضي في آن. ومن جانبي، كانت برهة انشدادي الأولى إلى هذا الطراز من الانفراد الإبداعي، كما أجيز لنفسي وصفه دون تردّد، هي تلك اللافتة التي تقول: "فتّحْ عينك/ مافي نقطة: سلمية، سلمية"؛ أي، بالطبع، أنها ليست سلفية، ردّاً على ادعاءات النظام، وعلى لآراء التي تنتهي إلى خلاصة مماثلة، رغم زعمها الاستقلال عن صفّ النظام (مثل الذريعة الأشهر، حول خروج التظاهرات من المساجد).

لافتات أخرى قالت: "مطلوب في سورية مشايخ ومفتون يعبدون الله دون فرعون"، و"شركة أسد ومخلوف لمكافحة الجراثيم: دبابات، حوامات، مدافع، مدرعات، فرع خاص للشبيحة"، و"من يملك القدرة على رؤية الحقيقة لا يتجه إلى ظلها"، و"لمن يدّعي الخشية على الوطن.. الفراغ أفضل من بشار وزبانيته"، و"متنا ونموت وتبقى سورية"، و"كلّنا أمهات حمزة الخطيب" حين تكون التظاهرة نسائية. وفي التعليق على موقف المجتمع الدولي، قالت لافتة: "يبدو أننا نطلب الحماية ممن يحتاج لحماية سفرائه أولاً"؛ وفي السخرية من وعيد النظام ضدّ المجتمع الدولي، قالت أخرى: "بماذا تهددون؟ هل ستصدّرون الشبيحة إلى أنحاء العالم؟"؛ وهنا ما أعلنته لافتة في التعليق على نهاية نظام معمر القذافي: "نتائج دوري الإجرام: خرج القذافي من الدور نصف النهائي/ وتأهل بشار للدور النهائي"!

ولا تنجو المعارضة السورية من التنبيه، والنقد اللاذع حين يتطلب الأمر، فتقول لافتة: "إلى المعارضة السورية.. اتحدوا وكونوا على مستوى تضحيات الشارع الثائر"؛ وتقول أخرى، شهيرة وحظيت باهتمام واسع بالنظر إلى ما انطوت عليه من طرافة وانتقاد عميم وخيبة رجاء: "يسقط النظام والمعارضة.. تسقط الأمة العربية والإسلامية.. يسقط مجلس الأمن.. يسقط العالم.. يسقط كل شيء"! وأخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللافتات المكتوبة بالإنكليزية تظلّ في عداد الأذكى والأنضج، والأسلم لغوياً أيضاً، على نطاق التظاهرات السورية جمعاء.

أصحاب هذا الامتياز هم أهالي بلدة كَفْرَنْبِلْ (كما يحلو لهم لفظ الاسم، خلافاً لتسمية أخرى تعتمد "كَفْر نُبْل"، مصدر نَبُل ينبُل نُبلاً)، التي تقع في محافظة إدلب، غرب معرّة النعمان، ويتميّز أبناؤها (قرابة 30 ألف نسمة) بنسبة عالية في عدد حَمَلة الشهادات الجامعية (65 بالمئة من السكان) وخرّيجي الدراسات العليا (15 بالمئة). كما يفاخر بعضهم بأنّ نسب البلدة يعود إلى إلى نابيلو بن ياكين بن منسا بن ميران بن سام بن نوح، وبالتالي فإنّ تاريخ نشوئها غير بعيد عن تواريخ الحواضر السامية العتيقة التي قامت على سفوح ووديان وهضاب جبل الزاو، أو جبل الزاوية الحالي. كذلك يتحدّث أهلها، ليس أقلّ تفاخراً أيضاً، عن الهجرات التي خرجت من كفرنبل بعد وصول الإسكندر المقدوني إلى المنطقة، فبلغت جبلة على الساحل السوري، وتل كلخ في جبال حمص، والكرد في شمال شرق سورية، والبدو في سهول حماة، وتدمر في بادية الشام؛ إلى جانب تركيا في آسيا الصغرى، وقرطاجة في تونس!

وفي ربيع 1905 ذُهلت الرحالة الإنكليزية جرترود بيل إزاء العدد الكبير من المدن الدارسة والمدافن القديمة في منطقة جبل الزاوية، وعلى تخوم كفرنبل تحديداً، كما سحرتها تلك البرّية الجميلة حيث التلال الخضراء وبساتين الزيتون والعشب الطالع على الصخور التربة الحمراء المكتظة بزهور الياقوتية وشقائق النعمان. صحيح أنها لم تجد ما كانت تبحث عنه (لوح ديونيسيوس النافر)، إلا أنّ بيل غادرت جبل الزواية لا كما جاءت إليه: مفعمة بتاريخ حافل، وغنى بشري، ومشهدية جمالية فائقة أغرتها برقاد ليلة كاملة... داخل قبر! بعد 106 سنوات، سوف يرفع أبناء كفرنبل لافتة، لا تتوجه إلى نظام بشار الأسد بقدر ما تخاطب أحفاد بيل، وبينهم دعاة الرأفة تحديداً: "إلى جمعيات الرفق بالحيوان/ حاولوا حمايتنا/ لم يعد أحد يكترث لإنسانيتنا"!

وإلى جانب حفنة من الشهداء، كان في طليعتهم أمثال محمد عبد القادر الخطيب، أحمد العكل، عمر محمد سعيد الخطيب، أحمد ابراهيم البيور، عبد الله حمود الداني، أحمد حمد الفريدة، مصطفى سليم حزب الله (لا علاقة، البتة، بين كنية هذا الشهيد والحزب اللبناني الذي يساند النظام مساندة عمياء، غنيّ عن القول)؛ صنعت كفرنبل أمثولات مجيدة لا تُحصى، في التضحية والشجاعة والصبر والثبات والإصرار على انتصار الانتفاضة. ولم تكن عذابات أهلها مشرّفة لبلدتهم، الجميلة الوديعة الهادئة في العادة، فحسب؛ بل صارت قدوة تُحتذى في أرجاء جبل الزاوية، وعلى امتداد سورية بأسرها؛ وكابوساً يقضّ مضجع النظام، ويُلحق الفشل الذريع بكلّ ما ارتكبته الأجهزة الأمنية من ممارسات وحشية في مسعى قهر البلدة.

"فتّحْ عينك.. أنت في كفرنبل!" عبارة ينبغي أن تكون في بال الداخل إلى البلدة، سواء ذاك الذي يأتيها حاجّاً مستبشراً يستلهم الأمل من عتباتها الثائرة الشريفة، أم ذاك الذي يقتحمها شبّيحاً قاتلاً، ميّت الضمير ومرتعد الفرائص.

الخميس، 20 أكتوبر 2011

حزب العمال الكردستاني والنظام السوري: وكالة أم عمالة؟

بين علائم سكرات الموت، وهي الحال التي يعيشها النظام السوري في الطور الراهن من تدابيره الأمنية ـ العسكرية الهادفة إلى قمع الانتفاضة، أنّ تخبّط الخيارات صار السمة الأبرز في تعامل النظام مع الشطر الكردي من شرائح الحراك الشعبي؛ وأنّ المآلات المنطقية لذلك التخبط أسفرت عن انقلاب شبه تامّ، وربما رأساً على عقب، في مجمل السياسة التي حاول النظام اتباعها مع المواطنين الأكراد منذ ساعة انطلاق الانتفاضة، أواسط آذار (مارس) الماضي. ومن برهة "الرشوة"، حين أرسل بشار الأسد ضباطه وممثليه إلى احتفالات عيد النوروز في منطقة الجزيرة السورية؛ مروراً بـ"جمعة آزادي"، التي أفصحت عن الترابط الوثيق في هموم العمل الوطنية والديمقراطية السورية، بين كرد وعرب؛ وصولاً إلى برهة اغتيال الناشط الكردي المهندس مشعل التمو، والتي كانت واحدة من سلسلة عمليات نفّذتها الأجهزة في مسعاها إلى افتعال أو تسعير بؤر احتقان إثنية وطائفية ودينية، في مناطق من سورية تمّ انتقاؤها بعناية فائقة.

ضمن سياقات مماثلة، تخصّ الملفّ الكردي تحديداً، ليس مستغرباً أن يكون النظام قد استطاب خيار شنّ هجوم مضادّ على تركيا، بهدف الإفلات قليلاً من ضغوطات حكومة رجب طيب أردوغان، الراهنة أو تلك التي يُحتمل أن تتعاظم في المستقبل القريب؛ وذلك عن طريق استخدام الورقة الوحيدة التي ما تزال متاحة، حتى إذا كانت محدودة النطاق والتأثير، ومحفوفة بالمخاطر البالغة: تحريك حرب بالوكالة، عن طريق حزب العمال الكردستاني، الـ PKK. ولم يكن تصريحاً مجانياً ذاك الذي أطلقه أردوغان، تعليقاً على العملية العسكرية التي شنّها الحزب مؤخراً وأودت بحياة 26 جندياً تركياً في جنوب شرق تركيا، واعتبر فيه أنّ "حزب العمال الكردستاني أصبح أداة بيد قوى خارجية تسعى لضرب الأمن والاستقرار في تركيا". وثمة مؤشرات عديدة توحي، وبعضها يؤكد تماماً، أنّ الـ PKK قد عرض خدماته على كلّ من إيران والنظام السوري، حتى إذا لم يرتقِ التعاون مع الدولتين إلى مستوى التحالف ضمن محور ثلاثي، واقتصر على عمليات كرّ وفرّ موجعة للأتراك.

وبينما يواصل أكراد سورية، بغالبية ساحقة، مشاركات نشطة في اشغال الانتفاضة، فيتساوون مع أبناء وطنهم العرب، أو يتفوّقون تماماً حين تكون المناطق الكردية هي ساحات التظاهر (كما حدث في مسيرة تشييع الشهيد تمو)؛ يقرأ المرء تصريحات مدهشة لبعض قادة الكردستاني، لا تتعاطف مع النظام السوري فحسب، بل تلصق الخيانة بأشقائهم أكراد سورية، وتطعن في شرف الانتفاضة ومقاصدها أيضاً. الرجل الثاني في الحزب، جميل باييك، يشاطر النظام الرأي بأنّ الانتفاضة "مؤامرة خارجية"، وهو على يقين من أنّ أجهزة الأمن السورية "لا تستهدف المدنيين الأبرياء"، وأنّ مجموعات المعارضة السورية ليست "قوى ديمقراطية" بل زمر متفرقة "طامعة في السلطة". يوسف زيدان، زميله في القيادة ومسؤول العلاقات الخارجية، لا يتورّع عن حثّ إيران والنظام السوري على بناء "حلف ثلاثي"، هدفه "مواجهة مخططات تركيا في المنطقة"! ولكن هل يقول باييك أو زيدان كلمة واحدة عن أنساق التمييز والاضطهاد التي يتعرّض لها الأكراد في سورية أو إيران؟ وهل يرى، أحدهما او كلاهما، أي وجه لانخراط أكراد سورية في الانتفاضة، دفاعاً عن تلك الحقوق، وثقة بأنّ إسقاط النظام هو البوّابة الأولى لاستعادة حقّ المواطنة السوري، بادىء ذي بدء، ومعه حقوق الأكراد؟

يُضاف إلى هذا أنّ تقارير صحفية كانت قد أشارت إلى نجاح الحرس الثوري الإيراني في القبض على زعيم الحزب مراد قراييلان، الصيف الماضي، ثمّ إطلاق سراحه بعد مفاوضات مطوّلة انتهت إلى إبرام "صفقة ناجحة" مع الرجل، وبالتالي مع قيادة الحزب عملياً. وكان لافتاً أنّ إيران لم تؤكد الخبر تماماً، ولكنها أعلنت أنها بالفعل اعتقلت شخصاً يحمل نفس الاسم، ولكنه ليس زعيم الكردستاني، فأطلقت سراحه! مدهش، من جانب آخر، أنّ قراييلان كان قد أدلى بحديث للقناة الثانية في التلفزة الإسرائيلية، اعتبر فيه أنّ أعداء إسرائيل هم أنفسهم أعداء الأكراد، وحثّ على وقف التعاون بين تل أبيب وأنقرةّ، وتقديم المساعدات الضرورية للحزب كي ينجح في محاربة تركيا! فإذا كان اليوم مستعداً لوضع حزبه في خدمة إيران والنظام السوري، ضدّ تركيا، فإنّ من حقّ المرء أن يتساءل عن ميزان صداقة/ عداء إسرائيل في هذا المثلث: منْ صديقها، ومَنْ عدوّها؟

وقائع التاريخ، الحديثة والقديمة، تسمح بالقول إنّ تاريخ الأكراد يقوم على سرديتين متكرّرتين، متكاملتين على نحو ما جدلي، رغم تناقضهما في الشكل والمحتوى. من جانب أوّل، ثمة وقائع السردية التي تروي موجات متعاقبة من الاضطهاد الإثني والسياسي والثقافي، على يد أمم صغرى وأمم كبرى، إقليمية وكونية؛ وثمة، من جانب ثانٍ، وقائع سردية الخيانة ذات الطابع المزدوج: أولى على يد الحلفاء أو الأصدقاء، أو ما صنّفهم الأكراد ـ عن خطأ، أو حسن نيّة، أو أمل كاذب ـ في عداد الحليف والصديق؛ وخيانة ثانية ذاتية اقترفتها قيادات سياسية كردية على مرّ تاريخ الأكراد، الحديث منه خصوصاً، إمّا بسبب تحليلات خرقاء تنتهي إلى نتائج كارثية، أو بسبب صراعات طاحنة داخلية بين مختلف القوى والأحزاب الكردية.

أولى الخيانات الكبرى وقعت سنة 1918 حين نصّت مبادىء الرئيس الأمريكي وودرو ولسون على حقّ تقرير المصير لكلّ الأقليات غير التركية في ظلّ الدولة العثمانية، ثم حين أقرّت اتفاقية سيفر لعام 1920 على إقامة دولة كردية، لكي تأتي اتفاقية لوزان، بعد ثلاثة أعوام فقط، فتوزّع المناطق التي يعيش فيها الأكراد على تركيا وإيران والعراق وسورية والإتحاد السوفييتي. على المراقب ذاته أن يتذكر أنّ أحدث الخيانات المعلصرة جاءت كذلك من رئيس أمريكي، هو جورج بوش الأب، الذي حثّ الأكراد على التمرّد ضدّ نظام صدام حسين، ثمّ تخلى عنهم، وتركهم فريسة لقاذفات الدكتاتور ومدفعيته الثقيلة.

وكان حزب العمال الكردستاني في طليعة دافعي الأثمان الباهظة لقاء التواطؤ الأمريكي ـ التركي القديم/ الجديد حول المسألة الكردية عموماً، وحقوق أكراد تركيا ومطامحهم بصفة خاصة، وذلك بعد سقوط صدّام حسين وإقرار الحكم الذاتي في كردستان العراق. وكان الجنرال المتقاعد جوزيف رالستون (الذي تولى مهمة عجيبة اسمها "الموفد الأمريكي الخاصّ لمجابهة الـ PKK"!)، قد رفض التفاوض مع أية جهة تمتّ بصلة إلى "هذه المنظمة الإرهابية" على حدّ تعبيره. إلا أنّ بعض القيادات الكردية العراقية ذاتها لم تكن بريئة من مسؤولية التواطؤ إياه؛ إنْ لم يكن جرّاء المشاركة اللوجستية، فعلى الأقلّ بسبب التزام الصمت المطبق. آنذاك أعلن رالستون أنه التقى بعدد من كبار المسؤولين الأكراد، وأوضح لهم بجلاء أنّ واشنطن لن تقبل بتحويل الأراضي العراقية إلى "ملجأ آمن لإرهابيي الـ PKK"، لأنّ وجود هؤلاء في شمال العراق "لا يمكن أن يكون في مصلحة العراق، خصوصاً وأنّ تركيا هي أفضل صديق يمكن أن يكسبه العراق في الجوار". ولقد كان مدهشاً أن يستخدم الجنرال المتقاعد، والعضو السابق في رئاسة أركان الجيش الأمريكي، عبارة "الملجأ الآمن" بالمعنى السلبي القدحي، متناسياً أنّ هذه هي التسمية التي أطلقها جورج بوش الأب على شمال العراق، بوصفه... ملجأ الأكراد الآمن!

وفي كتابه "نهاية العراق: كيف خلق العجز الأمريكي حرباً بلا نهاية"، يروي الأمريكي بيتر و. غالبريث أنّ الحاكم الأمريكي السابق للعراق بول بريمر، حين زار مكتب مسعود البرزاني للمرّة الأولى ورأى صورة والده الملا مصطفي البرزاني معلّقة على الحائط، سأله: مَن هذا؟ وغالبريث يُعدّ الناطق غير الرسمي باسم أكراد العراق في الكونغرس لأنه تسلل ذات يوم إلى داخل العراق دون إذن، وعاد يحمل الكثير من الوثائق حول قصف حلبجا بالأسلحة الكيماوية، قدّمها إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، التي كان سكرتيرها. ولكنه يسوق حكاية بريمر لا لكي يسخر من جهل الأاخير الفاضح وعجزه عن التعرّف على صورة الزعيم الكردي الأبرز في العصر الحديث فحسب، بل لكي يذكّر الأكراد بأنّ تجاربهم المريرة مع الغرب لم تنطو فصولها بعد، والقادم قد يكون أشدّ خطورة من الماضي.

وفي مناسبة سابقة، حين تصافح مسعود البرزاني وجلال الطالباني برعاية مادلين أولبرايت، بعد حرب ضروس، كان في وسع المخيّلة البسيطة أن تبصر الدم الكردي الآخر يقطر من بين الكفّين المتصافحتين، وأن تتلمس هذه الحقيقة الفاجعة: كيف يبدو يسيراً تماماً أن ينوب الكردي عن أخيه الكردي، في قتل أخ كردي ثالث. آنذاك، مثلما هو الحال اليوم، كان حزب العمال الكردستاني خاسراً كبيراً بالنيابة عن مآلات حرب الخليج الثانية، والمحاصصة الاقليمية الهشة والعشوائية الناجمة عن فشل تحالف "عاصفة الصحراء" في صياغة وتنفيذ سيناريوهات ما بعد الحرب والدمار والانتفاضات المنفّذة بجهاز التحكّم عن بعد. وبالأصالة عن أنفسهم، وبالتالي عن مصالحهم الصغيرة الحقيرة، كان أكراد آخرون يقبضون ما يدفعه الحزب من أثمان!

فما الذي يجعل الكردستاني يفترض اليوم أنّ التعاون مع النظام السوري سوف يكون أفضل، أو أنه لن ينزلق سريعاً إلى صيغة الارتهان، وربما العمالة، بعد الانخراط في الحرب ضدّ تركيا بالوكالة؟ هل تجهل قيادة الحزب أنّ النظام أخذ يبدي عصبية إضافية تجاه أكراد سورية بعد احتلال العراق، وكأنهم حصان طروادة الذي قد يلجأ إليه الأمريكيون إذا شاؤوا زعزعة استقرار النظام؟ ألم تلجأ السلطة إلى الهراوة الغليظة، ثمّ الرصاص الحيّ على الفور، خلال المواجهات التي وقعت إثر مباراة كرة قدم في القامشلي، ربيع 2004، وتصرّفت على نحو فاشيّ وكأنها تجتاح مدينة حماة مجدداً، ممثّلة هذه المرّة في القامشلي والحسكة وعامودا وديريك والدرباسية وعين العرب وعفرين، أو كأنها تعيد إنتاج دروس مجزرة حماة بغية تلقينها للمواطنين الأكراد هذه المرّة؟

وكيف ينسى الحزب ذلك الزمن غير البعيد حين كان عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي للكردستاني، يقيم في البقاع برعاية سورية، وكانت التقارير الصحافية الغربية مولعة بوصف تحركاته في سيارة مرسيدس مصفحة تحمل لوحة دبلوماسية سورية، ويرافقها طاقم حراس شخصيين تابعين للأمن السوري... قبل أن تنقلب الحال رأساً على عقب هنا أيضاً، بعدما انحنى الأسد الأب أمام تهديد الأتراك وصار أوجلان طريداً، فلم يمضِ وقت طويل حتى وقع في المصيدة؟

إذا كان الحزب ينسى هذا كله، أو يتناساه عامداً، فإنّ المصيدة سوف تُنصب مجدداً، فيقع الحزب أسير نواس قاتل بين الوكالة والعمالة

الأحد، 16 أكتوبر 2011

مضادات الخوف الحيوية

انقضت الآن خمسة أسابيع على اعتقال المحللة النفسية السورية رفاه توفيق ناشد (66 سنة)، بعد قيام مخابرات القوى الجوية باختطافها من مطار دمشق وهي تزمع السفر إلى باريس؛ ثمّ إنكار وجودها لدى أيّ جهاز أمن أو شرطة، قبل الإقرار بأنها نزيلة سجن النساء في دوما. القضاء السوري، وجرياً على مألوف ما يتلقاه من تعليمات عليا، رفض الإفراج عن ناشد بكفالة مالية، وأبقى عليها قيد الاحتجاز ريثما تفرغ السلطات الأمنية من تدبيج سلسلة الاتهامات المعتادة: التحريض على التظاهر، إضعاف الشعور القومي، ثمّ ـ لكي لا تغيب المفارقة عن التلفيق، وتتأكد المسخرة ـ التسبب في وهن... نفسية الأمة، بالنظر إلى أنّ علم النفس هو اختصاص ناشد!

والحال أنه لا يُعرف عن هذه السيدة أي انتماء سياسي، وهي ليست ناشطة في أيّ تجمّع ثقافي أو أكاديمي له صبغة معارضة، كما أنها ـ في حدود ما أعلم شخصياً ـ لم توقّع على أيّ من بيانات المثقفين السوريين التي طالبت بالإصلاح، خاصة تلك التي صدرت بعد توريث بشار الأسد. هذه السيدة انخرطت، فور تخرّجها من جامعة باريس السابعة، سنة 1985، في ميدان اختصاصها المهني، فمارست العلاج النفسي في مدينة حلب، مسقط رأسها، ثمّ في العاصمة دمشق بعدئذ، سواء في المشافي الحكومية أو في عيادتها الخاصة. وهي من روّاد، التحليل النفسي في سورية، ولها الفضل في تأسيس "مدرسة دمشق للتحليل النفسي"، وعقد مؤتمر مشهود حول علم النفس كان الأوّل من نوعه في تاريخ سورية الحديث.

أمّا "الجريمة" التي رأى النظام أنّ ناشد قد ارتكبتها، واستحقت عليها الخطف من المطار والزجّ في زنزانة واحدة مع القاتلات ومهربات الحشيش والجانيات المحترفات، فهي أنها سعت إلى استخدام علومها من أجل لمّ شمل بنات وأبناء وطنها، وتشجيعهنّ على تبادل الرأي والهواجس، وتحريضهنّ على الكلام غير المباح، وتهدئة مخاوفهنّ... ليس في سياق مظاهرة أو اجتماع سرّي في منتدى أو محفل، بل في بقعة هادئة ومكشوفة هي مركز اليسوعيين في دمشق. وفي أواخر آب (أغسطس) الماضي، وزّعت وكالة الأنباء الفرنسية تقريراً عن هذه الجلسات، نشرته عشرات الصحف العربية والأجنبية، تحت عناوين مختلفة ولكنها تتفق على الأساس: سوريون من أديان وطوائف مختلفة يجمعهم أمر واحد هو الخوف من المستقبل.

التقرير أوضح أنّ المشروع يقوم على اجتماعات أسبوعية، يحضرها في كلّ مرّة ستة من أصل 50، تُطرح فيها مسائل شتى بأكبر قدر ممكن من الشفافية، والتخفف من المحرّم والمسكوت عنه، لا سيما المخاوف الطائفية والدينية والإثنية، واحتمالات الحرب الأهلية. كما أشار التقرير إلى أنّ ناشد تشترك في تنسيق المشروع مع الأب رامي إلياس، المحلل النفسي ومسؤول المركز، واقتبسها تقول التالي: "المفارقة هي أنّ الجميع يشعرون بالخوف في سورية. لماذا يستخدم النظام العنف والقمع؟ لأنه يخاف أن يفقد السلطة. والناس الذين يتظاهرون، ألا يشعرون بالخوف؟ بالتأكيد، ومع ذلك يذهبون" إلى المظاهرات. ثمّ نقرأ ما يقوله مشارك من الطائفة العلوية (عبّر عن الهلع على نفسه وأولاده بعد اقتحام جامع الرفاعي في دمشق)، ومشاركة من الطائفة الدرزية (قالت إنها لا تخشى من الانقسامات الطائفية، بقدر خشيتها من التدخل الأجنبي الذي يمكن أن يقسم البلد)، وثالث مسيحي (روى أنه كان مع النظام حتى ازدادت عمليات القتل، فذهب للتظاهر في دوما، وآواه سكانها الذين يسميهم النظام "سلفيين").

فما الذي يمكن أن يوهن عزيمة الأمّة، إذا اجتمعت شرائح تمثيلية من بناتها وأبنائها، وخاضوا في نقاشات مثل هذه، أو انقسموا حول هذا الأمر أو ذاك، بين مؤيد للانتفاضة وخائف منها مباشرة، أو من تأثيراتها الخارجية؟ وكيف يمكن لجلسات كهذه أن تضعف "الشعور القومي"؟ أليس بعض هذا هو ما تنطح رأس النظام إلى تحقيقه في ما سُمّي بـ"الحوار الوطني"؟ هي أسئلة نافلة، غنيّ عن القول، لأنّ الأصل في قرار اختطاف ناشد كان تجميد مبادرتها هذه، فضلاً عن  تعطيل طاقااتها في العلاج السريري المباشر لمرض كبير عضال اسمه الخوف، مزمن في سورية منذ 48 سنة، حين فُرضت قوانين الطوارىء والأحكام العرفية.

ممنوع على رفاه ناشد استغلال سيغموند فرويد وجاك لاكان وجورج باتاي، أو حتى علماء نفس عرب من أمثال مصطفى صفوان ومصطفى حجازي وسامي علي، في تدريب السوريات والسوريين على كسر حواجز الخوف، وفتح كوى في جدران الصمت، والإبصار بعيداً إلى أمام، نحو الحرية والكرامة والديمقراطية والمستقبل الأفضل. وإذا كانت أجهزة النظام أجهل، بل أشدّ غباء، من أن تدرك خطورة أبحاث ناشد السابقة حول المغزى الثقافي ـ السياسي لشيوع ظواهر الحجاب والنقاب والتديّن الشعبي، وعلاقات الهوية بين الذات والآخر (كما جاء في مقالتها اللامعة "قول ما لا يُقال"، مثلاً)، فإنّ الأجهزة ذاتها لا يمكن إلا أن تستنفر وتستشيط غضباً وحقداً حين تعكف ناشد على رفد الانتفاضة، وإنْ بطرائق غير مباشرة، لكنها عميقة الأثر.

مثل توفير المضادات الحيوية الكفيلة بقتل الخوف، وتزويد الأمّة بكلّ المناعة المطلوبة للوقاية منه، مرّة وإلى الأبد!