وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 18 سبتمبر 2017

عتمة فان غوغ المبهرة


هو معرض غير مألوف، هذا الذي تحتضنه القاعة الكبرى في مركز فنون "لافيليت" الباريسي؛ تحت عنوان "تَخَيُّل فان غوغ"، نسبة إلى الفنان الهولندي الشهير (1853 ـ 1890)، بتصميم من أنابيل موجيه وجوليان بارون. هنا يتاح للزائر أن يتأمل، أو بالأحرى يحملق في، ويتبصر ويتملى، معظم أعمال الفنان الكبير؛ ولكن ليس عبر لوحات معلقة على الجدران، كما يسير العرف في المعارض والمتاحف، بل بوسيلة رشق تلك الأعمال على شاشات عملاقة. وفي فضاء مكاني يقارب 400 متر مربع، وسط عتمة تامة، بمصاحبة مقطوعات موسيقية من بروكوفييف وباخ وسان ـ ساين وساتي وشوبيرت وموتزارت وديليب؛ يتوالى عرض أكثر من 900 عمل، على نحو يغطي أسلوبية فان غوغ في كامل تبدلاتها وتقلباتها؛ على مساحات ضوئية، مختلفة الأحجام (بين 50 إلى 100 متر مربع)، ومتعددة الزوايا من
حيث التوزّع داخل الصالة، تبلغ في مجموعها قرابة 4000 متر مربع!

وأياً كانت الزاوية التي يختارها الزائر لمتابعة المعرض، أو إذا شاء التنقل من موقع على آخر داخل الصالة، أو استقرّ على الصعود إلى إحدى دكتين توفّران رؤية علوية؛ فإنّ هندسة رشق اللوحات بين مختلف الشاشات، وإيقاعات تبادل الأعمال بين شاشة وأخرى، وحجم وآخر؛ سوف تتكفل بتوفير نطاق مشاهدة أقصى، وتنويع حيوي شيّق، ليس على امتداد دقائق العرض الثلاثين، فحسب؛ بل حتى إذا مكث الزائر فترات مضاعفة.

صحيح أنّ الأعمال تُرشق وفق ترتيب موضوعاتي يراعي أطوار تنفيذها، أو مواقعها الجغرافية (آرل، سان ريمي، أوفيرـ سورـ واز...)، بما يمكّن الزائر من إدراك خصائص كلّ مرحلة؛ إلا أنّ خيوط التكامل، الظاهرة المباشرة أو الضمنية غير المباشرة، تفضي إلى خلاصة وافية وكافية حول تجربة الفنان الكبير.

المعرض، أو العرض بالأحرى، يتناول سلسلة الموضوعات الكبرى التي شغلت الفنان، في الطبيعة والعالم البشري والنفس، وعبر أكوان طافحة بضياء الشمس ودفء الحقول وحرارة الألوان، أو بالليالي الدامسة التي تستضيء بنجوم متلألئة وسماءات مترعة بالألوان الضاجة. ورغم ذلك، ولعله أمر طبيعي لا مهرب منه، لم يكن في وسع عشاق فان غوغ إلا أن يلحظوا غياباً لهذا الموضوع أو ذاك، أو معالجة أقلّ احتفاء بطور أسلوبي دون آخر. ومن جانبي، شخصياً، افتقدت موضوعة المرأة؛ ليس بمعنى حضورها في الأعمال، فقد حضرت بالضرورة وربما في غالبية الأعمال التي تتناول المجاميع البشرية؛ بل بمعنى علاقة فان غوغ العاطفية، أو اختلال تلك العلاقة على نحو أدقّ، بالمرأة الحبيبة بصفة خاصة، وبمفهوم الحبّ والمحبة عموماً.

"لقد آمنتُ على الدوام بأنّ أفضل الطرق لمعرفة الله، هي أن يحبّ المرء ما في وسعه: الصديق، الزوجة، أي شيء تحبه وتسعى إلى تعميق معرفتك به. غير أنّ على المرء أن يعشق متسلحاً بعاطفة مفعمة بالوفاء والقوّة، وأن يحاول معرفة ما هو أكثر عمقاً وثراء في الآخر. ذلك هو الدرب إلى الله، وهو الدرب إلى الإيمان الخالص"؛ هكذا كتب فان غوغ إلى شقيقه ثيو، في تموز (يوليو) 1880. بعد عام سوف يكتب، أيضاً: "لستُ سوى رجل، ورجل تتأجج في داخله المشاعر. إنني بحاجة دائمة إلى المرأة، ولا أستطيع العيش من دونها وإلا انقلبتُ إلى حجر أو جماد. لن يكون في وسعي العيش بغير عشق"!

فهل كانت الحياة شفوقة عليه في هذا، أو هادنته على الأقلّ؟ في لندن، ;وكان في مطالع العشرينات من عمره، بدأت حلقات إساءة الفهم لمعنى أية علاقة مع الأنثى، وذلك حين صارحته أوجيني لوير، ابنة مالكة المنزل الذي كان يقيم فيه، أنها لا تبادله مشاعره العاطفية، وأنها تحبّ الساكن السابق. في مسقط رأسه، غروت ـ زوندرت، وقع في غرام ابنة خالته كي فوس، الأرملة التي توفي زوجها تاركاً لها ابناً في الرابعة، لكنّ رسائله إليها ظلت مغلقة، بل رفضت أن تستقبله حين توسل أن يراها "خلال الزمن الذي أستطيع فيه إبقاء يدي في اللهب"، كما أنبأها. وفي لاهاي عطف على بغيّ، واسكنها معه. وفي آرل، يبلغ شجاره مع غوغان ذروة كبرى، فيجدع الجزء السفلي من أذنه، ولا يجد مَنْ تستحق الاحتفاظ بقطعة اللحم الدامية سوى البغيّ راشيل!

وكانت البغي كلاسينا ماريا هورنيك قد أثارت إعجاب فان غوغل انها "نموذج العاملة الشقية"، بدلالة يديها الخشنتين وشظف العيش وعناء تحصيل الرزق. وفي إحدى رسائله إلى ثيو، وصفها بجملة بليغة، تشكل مفتاح رؤيته لعمق علاقة الرجل بالمرأة: "أية امرأة في أي عمر، شريطة أن تحبّ وأن تعمر الطيبة قلبها، تستطيع أن تهب الرجل ليس أزلية اللحظة فقط، بل لحظة الأزلية ذاتها". وإذْ يتذكر المرء أنّ الفنان الكبير أطلق هذه الجملة في وصف بغيّ، فإنه يدرك كم كان موقفه من المرأة، بما عليه من قهر اجتماعي واقتصادي ونفسي وجسدي، متقدماً على أقرانه، وتقدمياً وإنسانياً بمنظورات عصره، وعصرنا أيضاً.

وليست فتنة تلك العتمة المبهرة، في معرض "لافيليت"، سوى بعض قبس من لحظة الأزلية التي خلّفها الفنان الكبير للأبدية. 

الأحد، 17 سبتمبر 2017

دير الزور: سوريالية الدم


في ريف دير الزور، تتكاثر المشاهد السوريالية، ولكن الدامية والمبتذلة في آن معاً، والتي تعكس الكثير من عناصر واقع الحال في سوريا المعاصرة كما باتت اليوم؛ بعد أن دشّن نظام بشار الأسد سيرورات التدمير العشوائي، والإبادة المنظمة، والتطهير الديمغرافي المناطقي، وارتكاب جرائم الحرب بأسلحة لا تستثني الغازات والكيمياء؛ قبيل تسليم مقدّرات سوريا إلى إيران وروسيا، وغزاة وميليشيات مذهبية وجهادية من كلّ حدب وصوب.
وهذا ريف صار شهيداً، بصفة يومية مفتوحة، منذ أواخر العام 2013، حين تمكن "الجيش السوري الحرّ" من دحر قوّات النظام في نصف أراضي المحافظة تقريباً؛ ثمّ وقع اقتتال داخلي في صفوف "المحررين" أنفسهم، أتاح لميليشيات "داعش" أن تسيطر على الأرض، وتصبح الخصم الوحيد في وجه النظام، فينقلب أبناء المحافظة المدنيون إلى ضحايا لا حول لهم ولا طول، بين فكّي كماشة دامية، على طرفَيْ المواجهة. وبدل أن تكون آبار النفط في المحافظة نعمة على أبنائها (وهذا لم يحدث قطّ، أصلاً، لأنّ سياسات النهب والفساد كانت، وظلت، سمة النظام)؛ فإنها انقلبت إلى نقمة، حين شكّلت واحداً من أهمّ منابع تغذية "داعش" مالياً؛ وها أنها، اليوم، تضاعف النقمة إلى البلوى، جرّاء تكالب القوى الخارجية على المنطقة، طمعاً في ثرواتها.
تعلن قوات النظام والميليشيات الحليفة أنها تقدمت نحو فكّ الحصار عن مطار دير الزور، المحاصر منذ ثلاث سنوات، وانسحاب "داعش"، التي كانت هي الطرف المحاصِر، فيُعزى "الانتصار" إلى ما تبقى من وحدات موالية، مثل "الحرس الجمهوري" و"قوّات النمر". كأنّ هذا التطوّر لم يكتمل إلا تحت قصف شديد، معظمه همجي ومسعور يستهدف المدنيين أولاً، تولت موسكو تنفيذه من الجوّ، ولكن من بارجاتها في مياه المتوسط أيضاً. أو كأنّه ليس تذكيراً جديداً بمبدأ سيرغي لافروف الشهير: لولا تدخل موسكو، لسقطت دمشق!
وأمّا البُعد السوريالي في المشهد، فهو لم يغب عن كلّ ذي بصر وبصيرة: النظام، ومعه روسيا وإيران و"حزب الله"، يعلنون أنهم في حالة حرب لا تُبقي ولا تذر ضدّ "داعش"؛ ولكنّ هذا التحالف ذاته هو الذي فاوض "داعش" على الخروج من عرسال اللبنانية، وضمن نقل مقاتلي التنظيم عبر مناطق سيطرة النظام، وفي قلب الصحراء المكشوفة أمام الطيران الحربي الروسي، إلى... دير الزور، ذاتها، التي فيها يقاتل التحالف "داعش"!
المشهد السوريالي الثاني تكفّل بصناعته أحمد حامد الخبيل (أبو خولة)، قائد ما يُسمى "مجلس دير الزور العسكري"، التابع لـ"قوات سوريا الديمقراطية"؛ حين أعلن أنّ مقاتليه لن يسمحوا لقوات النظام بعبور نهر الفرات. السوريالي هنا أنّ ميليشيات الخبيل سبق لها أن تعاونت مع جيش النظام، عبر اللواء 113، في معارك دير الزور أواخر العام 2013؛ كما قلبت المعاطف على الفور، فتعاونت مع "داعش" ذاتها، فأسند لها التنظيم إدارة حاجز في ظاهر المدينة، أتاح لها تنظيم عمليات التهريب والنهب!
تفصيل سوريالي آخر، ضمن هذا المشهد الثاني، تمثّل في أنّ "قسد" ذاتها، التي تتفاخر اليوم بأنها ستمنع النظام من عبور الفرات، تعاونت مع النظام في عشرات المواقع في شمال وشرق سوريا؛ بل حدث مراراً أنّ هذا التعاون ألزمها بمواجهات مسلحة مع قوى كردية رافضة لهذه العلاقة مع النظام، ومناهضة لسياسات التحالف كما اعتمدها "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب". طريف، أيضاً، أنّ التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، راعية "قسد"، كان قد سمح لباصات حسن نصر الله بنقل مقاتلي "داعش"... أنفسهم، الذين تتبجح "عاصفة الجزيرة" بقتالهم! 
في غضون هذه المشاهد، وسواها، يواصل الطيران الحربي ارتكاب المجازر الوحشية ضدّ مدنيي المحافظة، ويخلّف عشرات القتلى والجرحى؛ إذْ كيف لسوريالية محتلّيْ سوريا أن تكتمل، دون أن تتلطخ بالدماء!

الجمعة، 15 سبتمبر 2017

رمال السعودية المتحركة: في انتظار "انتفاضة بريدة" ثانية؟




على "تويتر"، موقع التواصل الاجتماعي الأكثر انتشاراً في المملكة العربية السعودية، بات شائعاً هذا الوسم: "#اللي_مارباه_الزمان_يربيه_سلمان"؛ الذي يفيد بأنّ الملك سلمان كفيل بتربية أولئك الذين لم يتولّ الزمان تربيتهم. الوسم الآخر، الشقيق، يسير هكذا: "#الوطن_يغتسل_من_الخونة"، ليس للإشارة إلى إرهابيين، أو جهاديين متطرفين، أو إسلاميين متشددين؛ بل إلى كلّ من سوّلت له نفسه ضبط نفسه أو لسانه أو قلمه، وعدم الانجرار إلى الحملات الإعلامية ضدّ قطر. فإذا استبشر كاتب سعودي خيراً بقرب انفراج الأزمة، ورحّب بجهود الوساطة الكويتية، فإنّ تهمة التخاذل في الدفاع عن الوطن سوف تُلصق به على الفور؛ إذا لم يكن نصيبه التخوين، وربما العمالة و"القبض" من الخارج!
وقد يكون بين هؤلاء الذين يحلّ عليهم واجب "التربية"، كاتب رصين مثل عبد الله المالكي؛ جرّاء تغريدة تقول: "أياً كان شكل النظام السياسي الذي تقترحه وتؤمن بجدوى إصلاحه؛ فليس هناك أخطر ولا أسوأ من أن تكون إرادة فرد من الناس، لها قوّة القانون النافذ". فإذا لم تكفِ هذه التغريدة لاعتقال المالكي، ففي وسع السلطات السعودية أن تتكئ على ذريعة أخرى، أكثر وضوحاً من حيث تلفيق تهمة الخروج عن الشرع والشريعة، وربما الهرطقة... ليس أقلّ! ذلك لأنّ الرجل نشر كتاباً هاماً، وشجاعاً في الواقع، بعنوان "سيادة الأمّة قبل تطبيق الشريعة: نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام"؛ يطرح أسئلة من العيار الثقيل التالي: إشكالية الإمكان والتخيير في تطبيق الشريعة أو تعطيلها، وإذا كان الحاكم مسلماً والشعب يرفض تطبيق الشريعة كمرجعية، وجهاد القتال وحرّية إرادة الشعوب...
وبالفعل، ها أنّ المالكي قيد الاعتقال اليوم، ضمن حملة شنتها السلطات السعودية مؤخراً، وطالت شخصيات عامة وناشطين اجتماعيين وأكاديميين وكتّاباً وإعلاميين، بينهم من النساء رقية المحارب ونورة السعد؛ ومن الدعاة الشيخ محمد موسى الشريف ويوسف الأحمد وعبد العزيز آل عبد اللطيف وحمود بن علي العمري؛ ثمّ مصطفى الحسن وخالد العودة وعصام الزامل وعبدالله بن عابد الحارثي ومحمد الخضيري وزياد بن نحيت وغرم البيشي وإبراهيم الفارس ومحمد الهبدان وعلي حمزة العمري وفهد السنيدي وإبراهيم الحارثي... الأشهر، غنيّ عن القول، هو الداعية الشيخ سلمان العودة، الشخصية الأبرز بين معتقلي حملات مطلع التسعينيات، والداعية الذي أثار اعتقاله حركة احتجاج شعبي واسعة، سنة 1995، استحقت صفة "انتفاضة البريدة"؛ إذْ لم تعترض على اعتقال العودة، وزميله الشيخ سفر الحوالي، فحسب؛ بل تظاهر الناس استنكاراً لـ"تسليم البلد" للقوات والقواعد العسكرية الأمريكية.
السلطات السعودية لا تعلن أيّ سبب واضح، مباشر أو على صلة بواقعة ما سياسية أو اجتماعية أو دينية محددة، في تفسير حملة الاعتقالات؛ رغم أنّ شائعات الشارع الشعبي تشير إلى ملفّ النزاع مع قطر، وتخلّف البعض من المعتقلين عن ركب تأثيم الدوحة والانخراط في الحملات المقذعة ضدها؛ إلى جانب الخلفية الأخرى التي باتت كلاسيكية، واستُهلكت واهترأت: أنّ المتخلفين من جماعة "الإخوان المسلمين"، وهم استطراداً في صفّ قطر بالضرورة. ولكن، لأنّ انتماءات المعتقلات والمعتقلين لا تشير إلى تيّار واحد متجانس فكرياً وسياسياً، ولا تنحصر في محتد إخوانيّ وحيد بالتأكيد، بل تتنوّع المشارب وتتعدد الأفكار؛ فإنّ وراء حملة الاعتقالات سلسلة أسباب ليست أقلّ كلاسيكية، وإنْ كانت أقلّ اهتراءً إزاء متغيرات الزمن، وأكثر قدرة على البقاء والتجدد.
في طليعة هذه السلسلة من الأسباب يأتي الصراع القديم/ الجديد بين مؤسسة الحكم، كما يحتكرها آل سعود، من كبار الأمراء وصغارهم؛ والشريك الثاني التاريخي في تقاسم الحكم، كما ابتدأته وتواصل احتكاره، إلى حدّ كبير، المؤسسة الوهابية. وبين هذه وتلك، ثمة معضلات التوريث داخل المؤسسة الأولى (وقد دخلت، اليوم، طور احتقان غير مسبوق مع تولية محمد بن سلمان نيابة الملك وقرب تتويجه ملكاً)؛ ومعضلات تطويع العصر بما يلائم سلطة "المطوّع"، وليس العكس بالطبع، أي تطويع الأخير لكي ينحني ـ في قليل فقط، وليس في كثير! ـ أمام متغيرات الحياة، وما يسمّيه المالكي "سيادة الأمّة قبل تطبيق الشريعة"، داخل المؤسسة الثانية. وإذا جاز التفكير بأنّ أطوار الوئام بين المؤسستين كانت هي القاعدة العليا، طيلة عقود تأسيس المملكة؛ فإنّ حقائق التاريخ، ثمّ وقائع ما بعد "الصناعة الجهادية" الأمريكية، واستيلاد ظاهرة "الأفغان العرب" و"عاصفة الصحراء"، تؤكد أنّ التأزّم بين المؤسستين وقع مراراً، وهو اليوم جوهر الاحتقانات الراهنة في المملكة.
سبب آخر جوهري يندرج في السلسلة الكلاسيكية إياها، هو حال التنافر الطبيعي بين قسر الإصلاح (خاصة حين يكون خياراً شبه إلزامي، على غرار ما رأى الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز)؛ وعسر الإصلاح (كما في التعثّر الدراماتيكي، والفاضح أحياناً، الذي يشهده مشروع محمد بن سلمان المسمى "رؤية السعودية 2030"). والمرء، هنا، يستعيد مطالع العام 2003، حين أصدر أكثر من 100 شخصية سعودية مذكرة حملت عنوان "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله"، تضمنت مجموعة كبيرة وهامة من المطالب الإصلاحية. وقد حاول الموقعون، وكانوا خليطاً من الوزراء السابقين وأساتذة الجامعات والكتّاب ورجال الأعمال والشخصيات الليبرالية والدينية من الطائفتين الشيعية والسنية، تقديم الوثيقة إلى ولي العهد مباشرة، وكان الأمير عبد الله؛ وحين وجدوا ممانعة من مساعديه، أرسلوا إليه المذكرة بالبريد المضمون! المفاجأة الثانية أنّ الأمير استقبل وفداً منهم، ضمّ 30 شخصية، وقال لهم بالحرف الواحد: "إنّ مطالبكم هي مطالبي"!
فهل كانت كذلك، حقاً؟ هيهات، بالطبع، لأنّ النصّ شدد على تدهور الخدمات العامة، وتصاعد البطالة، وتفاقم الدين العام (حوالي 250 مليار دولار حسب بعض التقديرات، يومذاك)، وانتهاك حرمة المال العام، والتدني الملحوظ في دخول المواطنين، وانتشار العنف، وانحسار دور المهتمين بالإصلاح والعمل الوطني. وفي الإصلاح السياسي طالبت المذكرة بتشكيل مجلس شورى ومجالس مناطق عن طريق الانتخاب المباشر، والتأكيد على مبدأ استقلالية القضاء وإزالة كلّ القوانين التي تحدّ من فعاليته وحصانته، وإصدار إعلان ملكي يضمن للمواطنين ممارسة حقوقهم في مجال حرية الرأي والتعبير والتجمع وسائر حقوق الإنسان. الأرجح أنّ هؤلاء المئة، لو أنهم رفعوا المذكرة اليوم إلى محمد بن سلمان، لوجدوا أنفسهم في الزنزانة ذاتها مع داعية مثل سلمان العودة، أو إصلاحي مثل عبد الله المالكي!
ويبقى سبب ثالث، هو بؤس الخطاب الذي تعتمده المؤسستان معاً، آل سعود والمرجعية الوهابية، في محاربة الفكر الديني المتشدد والمتطرف. ثمة، في جانب أوّل، تضخم لفظي طنان يتحدث عن "فئة ضالة"، "شوّهت رسالة الإسلام السمحة"، و"عاثت فساداً في مهد الدين الحنيف"؛ وثمة، في جانب ثان، محاولة الالتفاف على شروط اللعب كما حدّدها الجهاديون أنفسهم، إذْ يُستنفر الفقهاء ورجال الدين وأئمة المساجد، وتستضيفهم برامج التلفزة المختلفة، لكي يكفروا "الضالين" ويحثوا الناس على التعاون مع رجال الأمن. وبالطبع، النتيجة في الحالتين معكوسة، وتصبّ الماء في طواحين الجماعات المتشددة، التي تركز على فساد الأسرة المالكة، وخضوعها للأمريكيين الذين يدنسون الأراضي المقدّسة ويدعمون إسرائيل في جرائمها ضد الفلسطينيين. ولا يحتاج المرء إلى أن يكون أصولياً متشدداً، أو إرهابياً، لكي يدرك روحية التعاطف مع هذا الخطاب، ولكي يشكك في الخطاب الآخر الذي يردد أصداء السلطة.
والأصل، في المعضلة الراهنة كما في سابقاتها، أنّ رمال المملكة متحركة تحت أقدام المؤسستين؛ وهكذا يلوح أنها سوف تبقى، منذرة بأكثر من "انتفاضة بريدة" واحدة!


الاثنين، 11 سبتمبر 2017

مشنقة القاموس


ثمة واقعة، فريدة حقاً في يقيني، تلحّ عليّ كلما قاربتُ إشكالية الاضطرار إلى الكتابة بلغة أخرى تمارس الهيمنة لأسباب شتى، لعلّ أبرزها تجربة الاستعمار؛ الأمر الذي يسفر عن دفع اللغة الأمّ إلى باحة الشعور الخلفية، والاكتفاء باستخدامها شفاهياً وفي نطاقات ضيّقة، أو ربما قَهْرها تماماً وعن سابق قصد أو قسر. والواقعة تخصّ الكاتب والشاعر والصحافي الهاييتي البارز إدموند لافوريست (1876 ـ 1915)، الذي انتحر بطريقة لا مثيل لها، من حيث تحميل فعل الانتحار رموزاً عالية الدلالة: لقد ربط إلى عنقه نسخة ثقيلة من قاموس "لاروس" الفرنسي، وألقى بنفسه من أعلى جسر إلى مياه النهر الموحلة. بذلك أعلن لافوريست أنّ اللسان الأوروبي الذي استخدمه في الكتابة والتعبير كان بمثابة أثقال مقيِّدة في الحياة، وأثقال ضامنة للموت. وكان اختياره للقاموس، وليس أي كتاب فرنسي ثقيل آخر، دلالة على المحتوى الرسمي الذي تكتسبه اللغة في انقلابها إلى أداة كونية استعمارية قاهرة.
واقعة أخرى، تخصّ العلاقة بين الإبداع واللغة والعرق هذه المرّة، تعود إلى سنة 1772 في بوسطن الأمريكية؛ حين اجتمع 18 من كبار أشراف المدينة، لإصدار حكم غريب: هل الصبية فيليس ويتلي، "الزنجية" سليلة "الزنوج"، هي ذاتها التي كتبت مجموعة قصائد لافتة المستوى، بلغة إنكليزية سليمة، ومعجم غني؟ وبعد امتحان معقد، قيل إنه تضمّن تصريف بعض الأفعال باللغة اللاتينية، وسؤال الصبية إنْ كانت تحفظ أشعار جون ملتون وألكسندر بوب؛ أصدر المجمع المهيب قراراً مكتوباً يقول إنّ "هذه الزنجية، التي لم تكن قبل سنوات قليلة إلا بربرية غير مثقفة من أفريقيا، وهكذا تظلّ الآن أيضاً، وتخدم عبدة عند سادتها، مؤهلة بالفعل لكتابة تلك القصائد"! ومع ذلك، ورغم وثيقة الإقرار هذه، فإنّ ويتلي لم تنجح في العثور على ناشر أمريكي واحد يصدّق أنها شاعرة، أصلاً؛ فما بالك أن يقبل بطباعة مجموعة شعرية تحمل اسمها. ولقد توجب عبور المحيط، إلى بريطانيا، للعثور على ناشر يغامر بقبول المخطوط.
هاتان واقعتان تتصف كلّ منهما بغرابة خاصة، ضمن عشرات الوقائع المماثلة الأقلّ انطواءً على العجيب، في ملفّ واحد حافل: معضلات الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأمّ، أو هي بالأحرى لغة تخصّ "الآخر" أياً كانت هويته، أو الامتياز الذي يمنحه حقّ الهيمنة اللسانية. ويستوي، إلى حدّ كبير، أن تكون تلك المعضلات قد انبثقت من عجز الكاتب عن استخدام لغته الوطنية، لأنه لم يُمنح فرصة تعلّمها والنطق بها؛ أو نهضت على اختيار شخصي حرّ، يمارسه الكاتب لأسباب متعددة. والسجال المستدام حول هذه الإشكالية (كما في مثال الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية)، دليل على أنّ هاجس اللغة، في تحديد الهوية الإبداعية للعمل الفنّي؛ ليس أقلّ أهمية من دور الهاجس ذاته، في تحديد الهوية الوطنية لصاحب العمل الفني.
ولم نعدم، في هذا الصدد، رأياً متشدداً، حتى من باب حسن النيّة، يذهب إلى درجة التساؤل عمّا إذا كان يحقّ للأدب العربي المكتوب باللغة الفرنسية أو الإنكليزية، أن ينتمي إلى كتلة الأدب العربي في الأساس؛ سواء بمعنى تمثيله لخطوط تعبيرية محدّدة، أو نجاحه في تجسيد "خصوصيات"، وربما "جماليات" محددة، يجوز الافتراض بأنها وليدة الكتابة باللغة العربية. وإذْ أجدني في صفّ المدافعين عن، والمرحّبين بآداب، أولئك الذين يضطرون إلى، أو يختارون، الكتابة بلغة أوروبية (وليس بينهم، بالطبع، أولئك الذين يكتبون بدافع الاستعراض، أو إشباع عُقَد النقص، أو التزلّف للغة مهيمنة)؛ فإني، في الآن ذاته، لا أُغفل تسجيل المغزى الجوهري للنقاش بأسره، أي معايير "التناقل" اللغوي و"التبادل" اللساني بين الأمم والحضارات.
كذلك أجدني أضع المسألة في ذلك السياق الثقافي والتاريخي المكمّل، العريض والعريق، الذي يقول إنّ اللغة هي أداة الإمبراطورية. وفي العام 1492 (وهو، في التاريخ الأوروبي وتسعة أعشار التاريخ الإنساني بأسره، "عام العجائب" بامتياز، إذْ شهد سقوط غرناطة، و"اكتشاف" كريستوفر كولومبوس سلسلة الأصقاع التي ستُسمّى القارّة الأمريكية)؛ فرغ إيليو دي نبريجا، المؤرخ الرسمي للملكة الإسبانية إيزابيلا، من طباعة كتاب ضخم في قواعد اللغة القشتالية، كان فريداً في نوعه على نطاق اللغات الأوروبية. وحين عرضه على الملكة، سألته باستخفاف: "ما الفائدة من هذا الكتاب الضخم العويص"؟ فأجاب نبريجا: "اللغة، يا صاحبة الجلالة، كانت رفيقة الإمبراطورية على مرّ العصور".
في تلك الحقبة كان هرناندو دي تالافيرا أسقف أفيلا المقرّب من الملكة، وكان مهندس اتفاق التفاهم مع الخان الأعظم لمهاجمة الإسلام في تجارته ومركز دعواه في جزيرة العرب ومكة وحصار المسلمين من المؤخرة، وأبرز المؤمنين بمشروع كولومبس في "الوصول إلى جزر الهند مباشرة بقصد توظيف الثروات التي سيجلبها "الاكتشاف" في تجريد "حملة صليبية تتوجه إلى فلسطين وتحرر المذبح المقدس"، كما تقول كتب التاريخ. وكانت الملكة تنتظر رأي الأسقف في مشروع كتاب القواعد ذاك، فلم يتأخر في إطرائه والحثّ على تمويله: "اللغة ليست رفيقة الإمبراطورية فقط، يا صاحبة الجلالة، بل هي أداة لها أيضاً".
.. أو واحدة من مشانقها الكثيرة، حتى إذا اكتفت بهيئة قاموس سميك!


الجمعة، 8 سبتمبر 2017

لماذا تسكت رادرات موسكو عن عمليات إسرائيل في الأجواء السورية؟



في أواخر آب (أغسطس) الجاري، أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالتصريح التالي: "إذا كان أيّ طرف في الشرق الأوسط أو سواه يخطط لانتهاك القانون الدولي عن طريق نسف سيادة ووحدة أراضي أية دولة، بما في ذلك الشرق الأوسط وشمال افريقيا، فإنّ هذا مدعاة إدانة". كان لافروف يردّ على أسئلة المراسلين الصحفيين، حول تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّ إسرائيل سوف لن تتردد في قصف أية أهداف داخل سورية يُراد منها تمرير أسلحة ستراتيجية إلى "حزب الله".
وفي آذار (مارس) الماضي أعلن بشار الجعفري، ممثل النظام السوري في الأمم المتحدة، أنّ روسيا قد أبلغت إسرائيل بأنّ "قواعد اللعبة" في سوريا قد تغيرت، وأنّ حرّية النشاط الإسرائيلي في الأجواء السورية قد انتهت. وروى الجعفري حكاية مثيرة عن قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستدعاء السفير الإسرائيلي، وإبلاغه أنّ "اللعبة انتهت". وكان أيضاً تحت وطأة الحماس الملتهب الذي دبّ في أفئدة، وعلى ألسنة، وفي أقلام، أنصار النظام ومعلّقيه والمتعاطفين معه، بعد إطلاق نيران المضادات الأرضية لإبعاد طيران حربي إسرائيلي كان يحلّق في الأجواء السورية.
لم يكن هذا رأي الرادارات الروسية في مطار حميميم، ولا في قاعدة طرطوس الروسية، ولا على أيّ من البوارج الروسية في عباب المتوسط؛ حينما نفذت إسرائيل ضربة جوية فجر أمس، استهدفت معسكر الطلائع الذي يستضيف مصنعاً للأسلحة الكيميائية والصاروخية، تابعاً لـ"مركز البحوث"، في ظاهر مصياف، وعلى مبعدة كيلومترات قليلة من هذه المنشآت العسكرية الروسية. لزمت هذه الرادارات صمت القبور، في المجاز الشائع؛ وصمت المتيقظ البصير العارف، في المعنى الفعلي لقدرات هذه الرادارات على التنصت والرصد والتنبيه، كي لا يتحدث المرء عن الإنذار والتشويش والتعطيل.
هيهات، بالطبع، أن تتدخل روسيا لإيقاف عملية مثل هذه، ولا عزاء لأمثال لافروف (حول "انتهاك سيادة" الدول)، أو الجعفري (بصدد تغيير "قواعد اللعبة")؛ فضلاً عن المعلقين البؤساء الذين بُحّت حناجرهم في وصف "رعب" إسرائيل من انطلاق مضادات النظام. يومها، للتذكير المفيد، ذهب بعض المعلقين إلى مستوى رسم اصطفاف جديد لقوى "الممانعة"، يبدأ من الضاحية الجنوبية في لبنان، ويمرّ من نظام الأسد، ويلتقي مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي (وعفّ البعض، في حياء مبتذل مفضوح، عن تسمية "الحشد الشعبي" وعصائب غلاة الشيعة)، ثمّ ينتهي في طهران (وتفادى الحياء الرخيص إياه ذكر الجنرال قاسم سليماني و"الحرس الثوري" الإيراني)، ولا ضرر في أن يعرّج قليلاً على اليمن وعبد الملك الحوثي!
لكنّ الحمقى، وبائعي التصريحات الجوفاء، وشبيحة النظام، وأبواق "الممانعة"، هم وحدهم الذين تجاسروا على التفكير بأنّ الكرملين (متمثلاً في بوتين، حصرياً، وليس البتة في لافروف وأضرابه)؛ يمكن أن يذهب إلى مواجهة مع إسرائيل، أو حتى ملاسنة لفظية، دفاعاً عن مصنع سلاح تابع للنظام، أو تديره إيران ذاتها. في المقابل، لا يحتاج كلّ ذي بصر وبصيرة إلا إلى استذكار واقعة زيارة نتنياهو إلى موسكو، في أيلول (سبتمبر) 2015، كي يستعيد الحقيقة البسيطة الساطعة: أنّ "قواعد اللعبة"، أو بالأحرى قواعد فضّ الاشتباك، بين موسكو وتل أبيب، في كلّ ما يخصّ تدخّل روسيا لصالح النظام أو تدخّل إسرائيل ضدّ منشآت النظام العسكرية؛ رُسمت هناك، يومئذ، وهي التي تظلّ سارية المفعول حتى إشعار آخر، طويل... طويل!
وللتذكير المفيد، لم تكن زيارة نتنياهو مبرمجة مسبقاً، على غرار ما يجري عادة بين الدول، خاصة وأنها الأولى العلنية (بعد زيارة سرّية، في خريف 2009، دامت ساعات قليلة)، وكان لائقاً أن تسبقها سلسلة تحضيرات ومراسم واستقبال ومظاهر احتفاء، فضلاً عن توقيع اتفاقيات مشتركة مختلفة. لقد ذهب نتنياهو صحبة غادي أيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وهرتزل هاليفي رئيس الاستخبارات العسكرية، وبدا جلياً بالتالي أنّ جدول أعمال الزيارة يتناول تفصيلاً ملموساً واحداً؛ هو الانتشار الروسي في مطار حميميم، وتعزيز القاعدة الروسية في طرطوس، والتفاهمات الروسية ــ الإسرائيلية العملياتية في حال قيام الطيران الحربي الإسرائيلي بأية عمليات في الأجواء السورية، وضمان عدم وقوع سوء تفاهم من أيّ نوع بين بين قاذفات الـ"سوخوي 27" الروسية، والـ"F-15" الإسرائيلية. ولقد برهنت الأشهر اللاحقة، منذ أيلول 2015 وحتى أيلول 2017، أنّ سوء التفاهم لم يقع أبداً؛ ليس في الأجواء السورية وحدها، بل كذلك على أرض الجولان، وفي الأجواء اللبنانية (باحة إيران الخلفية وساحة "حزب الله).
جانب آخر، في قراءة صمت رادارات موسكو عن عمليات إسرائيل في الأجواء السورية، هو أنّ بوتين ونتنياهو تمكنا ــ سريعاً، ودون عناء كبير في الواقع ــ من التوصّل إلى مسلّمة مشتركة، بسيطة وجوهرية في آن: أنّ اتفاقهما على إبقاء نظام بشار الأسد، في المدى المنظور؛ لا يعني إطلاق يد إيران في سوريا، خاصة لجهة تمكين "حزب الله" في المنطقة، وليس في لبنان وحده، على صعيد التسلّح الستراتيجي. وما دامت إسرائيل لا تقصف الفرقة الرابعة أو "الحرس الجمهوري" أو ما تبقى من أفواج وألوية النظام (إلا حين تمرّ، من مواقع انتشارها، قوافل السلاح المتوجهة إلى "حزب الله")؛ فلا ضرر عند موسكو، ولا ضرار في تل أبيب! العكس هو الصحيح، في الواقع، لأنّ واحدة من روافع ضغط روسيا ضدّ اتساع نفوذ إيران في قلب النظام السوري، هو تحجيم دور "حزب الله" العسكري في سوريا، وإبقاء سقف تسليحه عند مستويات دنيا، أو هي لا ترتقي إلى السوية الستراتيجية.
جانب ثالث، لعلّ أهل "الممانعة" يعضون على النواجذ كلما استذكروه واضطروا إلى إغفاله عن سابق عمد؛ هو أنّ "هوى" بوتين الشخصي كان إسرائيلياً على الدوام، وليس سورياً أو فلسطينياً أو لبنانياً أو عراقياً أو مصرياً... ولعلّ سيّد الكرملين لا ينسى أنّ أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، لم يتردد في مباركة خيارات الجيش الروسي العنفية، وممارساته الوحشية، في الشيشان. ومؤشر العلاقات الروسية ــ الإسرائيلية في عهد بوتين لا يُقارَن، على أيّ نحو، بعلاقات موسكو مع حلفائها السابقين، أو اللاحقين، في العالم العربي؛ ويكفي استذكار واقعة راهنة تقول إنّ موسكو سبقت واشنطن في الحديث عن "القدس الغربية كعاصمة لدولة إسرائيل".
وفي التعليق على الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مركز البحوث، في ظاهر مصياف، فجر أمس؛ كان عاموس يدلين، الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قد غرّد على "تويتر" بأنّ الضربة "ليست روتينية"، وفي تنفيذها وجهت إسرائيل ثلاث رسائل هامة: أنها لن تسمح بإنتاج أسلحة ستراتيجية، وأنها تعتزم فرض خطوطها الحمراء حتى إذا أهملتها القوى الكبرى، وأنّ حضور الدفاعات الجوية الروسي لن يعيق توجيه الضربات. ولم يفت يدلين أن يجمّل وجه إسرائيل القبيح، حين طالب المجتمع الدولي بتهنئة بلاده على ضربة "حميدة أخلاقياً"، لأنّ مصنع مصياف ينتج، أيضاً، البراميل المتفجرة التي "قتلت آلاف المدنيين السوريين"!
يبقى التذكير بما باح به الجنرال أمير إشيل، القائد السابق لسلاح الجوّ الإسرائيلي، من أنّ عدد الغارات ضدّ مواقع النظام السوري العسكرية، منذ 2012 فقط، يُحتسب بثلاثة أرقام، أي الـ100 فما فوق بالطبع. نصفها، أغلب الظنّ، نُفّذ تحت سمع وبصر الرادارات الروسية؛ وصمتها المطبق!