وعزّ الشرق أوّله دمشق

الخميس، 9 أغسطس 2018

لماذا الاستماتة الإسرائيلية في الإبقاء على الأسد؟

تولى رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثمّ وزير دفاعه أفيغدور ليبرمان، تذكير الغافلين (ومعظمهم لا يتغافل إلا عن سابق قصد) بأنّ العلاقات مع النظام السوري، أو آل الأسد على وجه التحديد، كانت وتظل على ما يرام: "لم تكن لدينا مشكلة مع نظام عائلة الأسد، فطوال 40 عاماً لم تطلق رصاصة في هضبة الجولان. والأمر المهم هو الحفاظ على حريتنا في العمل ضد أية جهة تعمل ضدنا"، قال نتنياهو، أواسط تموز (يوليو) الماضي، في اختتام زيارة حافلة إلى موسكو. ليبرمان، من جانبه، لم يغلق الباب أمام علاقات مستقبلية مع النظام، كمَنْ يتمنى لآل الأسد عمراً مديداً؛ مشدداً على أنّ "الجبهة السورية ستكون هادئة" مع استعادة الأسد​ "للحكم الكامل" في سوريا.
كان أمثال نتنياهو وليبرمان (أو الإعلامي والأكاديمي إيدي كوهين، الذي أعلن أنه "لا توجد أي دولة تريد إسقاط الأسد، حتى إسرائيل لن تسمح بإسقاطه لأنه يحمي حدودنا منذ 1967 ولن نجد أفضل منه في كل سوريا. سقوطه يهدد أمن إسرائيل القومي"؛ أو الصحافي الإسرائيلي المعروف زفي برعيل، الذي سار عنوان مقالته هكذا، ببساطة بليغة: "كيف أصبح الأسد حليف إسرائيل")؛ يعيدون التشديد على حقيقة ظلت مرئية منذ 51 سنة في الواقع، وليس 40 سنة كما احتسب نتنياهو: أنّ الناظم لعلاقات القوّة بين سوريا حزب البعث، بعد 1967، ودولة الاحتلال، كان حالة العداء في اللفظ والجعجعة فقط، مقابل والاستسلام الفعلي على الأرض؛ ولم يكن حالة اللاسلم واللاحرب كما شاع، بل حالة سلم الأمر الواقع؛ الذي حالت أسباب مركبة، داخلية وتخصّ نظام "الحركة التصحيحية"، دون التعاقد عليه في اتفاقيات علنية.
هنا وقائع التاريخ التي تشهد على تلك الحال:
ــ في 1967 أعلن الفريق حافظ الأسد، وزير الدفاع، سقوط مدينة القنيطرة، وعدد من أبرز مرتفعات الجولان، حتى قبل أن تطأها قدم جندي إسرائيلي محتل.
ــ 1973، وافق النظام على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، وكان بذلك يعترف عملياً وحقوقياً بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة ومن نظام الشرق الأوسط السياسي والجغرافي.
ــ 1974، في أعقاب توقيع "اتفاقية سعسع" وإدخال النظام الأممي حول الفصل بين القوات، لم تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تهدد صيغة "السلام التعاقدي" المبرمة تحت الخيمة الشهيرة.
ــ بعد 1976 أيّد النظام قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدعو إلى "ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة"، و"الاعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها".
ــ 1982، وافق النظام على مبادرة الملك فهد وخطّة الجامعة العربية التي اعترفت عملياً بحقّ إسرائيل في الوجود (مع الإشارة إلى أنّ ذلك الاعتراف لم يرضِ دولة الاحتلال آنذاك).
ــ 1991 أرسل النظام مندوباً إلى مؤتمر مدريد.
ــ 1994، أقامت واشنطن "قناة السفراء" بين سفير النظام وليد المعلم، والسفير الإسرائيلي إيتمار رابينوفتش. في السنة ذاتها عُقدت اجتماعات بين رئيس أركان جيش النظام، حكمت الشهابي؛ ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيهود باراك. في ما بعد سوف يقوم الدبلوماسيان الأمريكيان دنيس روس ومارتن إنديك بجولات مكوكية بين دمشق والقدس المحتلة، لمتابعة تفاهمات واشنطن.
ــ 1999، مفاوضات شبردزتاون، بين وزير خارجية النظام فاروق الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، برعاية أمريكية؛ في غمرة تركيز من النظام على ما سُمّي بـ"وديعة رابين".
ــ آذار (مارس) 2000، قبيل وفاته بنحو ثلاثة أشهر، اجتماع الأسد الأب مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في جنيف.
ــ 2004، تقارير عن مفاوضات سرية، غير مباشرة، يتولاها الدبلوماسي الأمريكي جيفري أهرونسون ورجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان.
ــ 2008، سلسلة من جولات التفاوض السرية، برعاية تركية.
لماذا، والحال هذه، فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاقية سلام؟
بعض الإجابة يرتد إلى سبب جوهري حكم تفكير الأسد الأب منذ مقتل باسل، ابنه والوريث المفضّل غير المتوّج، واضطراره إلى تعديل برنامج التوريث ونقله إلى بشار، وسط سباق محموم مع الزمن انطوى على عامل الصراع ضد سلسلة أمراض فتاكة لم تكن تمهل الأسد الأب وقتاً كافياً للطبخ على نيران هادئة. وهكذا توجّب الحسم حول واحد من خيارين، كلاهما حمّال مجازفات ومخاطر: 1) عقد اتفاقية سلام مستعجلة مع دولة الاحتلال، في حياة الأسد الأب، لن تجلب للنظام ما يحتاجه من مكاسب وضمانات لقاء هكذا خيار ستراتيجي؛ و2) التفرّغ، بدل ذلك، للمهمة الأكثر إلحاحاً وضرورة، أي ترتيب البيت الداخلي على أفضل وجه ممكن يتيح وراثة سلسة أمام فتى غير مجرّب، وسط غابة من ذئاب النظام وضباعه.
في الإطار الأعرض، الذي اتضح أكثر في ناظر الأسد الأب بعد لقاء جنيف مع كلنتون، بدا أنّ "وديعة رابين" ليست سوى رسالة غير مكتوبة حملها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، غير مُلزمة للجانب الإسرائيلي؛ ولكنّ الأسد الأب تلكأ في اغتنام تلك الفرصة، ثمّ عاد إلى التشبث بها بعد أن حمّلها أكثر مما تحتمل من أثر في أقنية التفاوض. كذلك لوّح الإسرائيليون بنفض الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، للمساجلة بأنّ القوّات السورية احتلت بالقوّة أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، واحتفظت بها حتى العام 1967 حين "حرّرتها" القوّات الإسرائيلية. وإذا كانت سورية تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، فلماذا لا يحقّ لدولة الاحتلال أن تزعم شرعية السيادة على الأراضي ذاتها التي احتفظـــت بها طيلة 32 سنة، أي منذ عام 1967؟
وفي خلاصة القول، ما الذي يجبر دولة الاحتلال على عقد أية اتفاقية سلام مع آل الأسد، والنظام في وضعه الراهن محض تابعية متشرذمة بين موسكو وطهران، وسلاح الجوّ الإسرائيلي يسرح ويمرح متى شاء وحيثما شاء في عمق الأراضي السورية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات الضامن شخصياً لأمن الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وعناصر الجيش الروسي شاركت في إعادة إحياء اتفاقية فصل القوات في الجولان بالرغم من وضوح بنود الاتفاقية التي تحظر على جيوش الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن المشاركة في أية مهامّ هناك...؟ لا شيء، بالطبع، بل لعلّ من الحماقة الطوعية أن يفكر أيّ مسؤول إسرائيلي في إقامة أيّ تعاقد مع هكذا نظام، ما دام تعاقد الأمر الواقع هو السيد والفاعل.
هذا إذا وضع المرء جانباً حقائق علاقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع نظام "الحركة التصحيحية"، في سياقات عربية عريضة أولاً (مثل انضمام جيش النظام إلى تحالف "عاصفة الصحراء"، أو تطويع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية)؛ أو في سياق الموقف من دولة الاحتلال والحقوق الفلسطينية. وبهذا المعنى فإنّ لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قرص أذني الأسد، أو حتى وصفه بـ"الحيوان"، ليس سوى سمة السطح في تراث طويل من الرضا الأمريكي عن النظام، والتصديق على خيار آخر ثمين لدى إدارات البيت الأبيض هو الرضا الإسرائيلي عن النظام.
فأيّ عجب في أن تستميت دولة الاحتلال دفاعاً عن آل الأسد، وأن تجد في نظامهم الراهن الحارس الأشدّ يقظة على مصالحها في الجولان المحتل، وفي... سائر سوريا؟

غموض محمود درويش

في مستهل كتابه "لماذا الشعر"، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات هاربر كولنز في نيويورك، يلجأ الشاعر وأستاذ الأدب الأمريكي ماثيو زابرودر إلى تدوين ثلاثة اقتباسات: من والت ويتمان ("مُرّ بي هذا النهار وهذه الليلة، ولسوف تستحوذ على أصل جميع القصائد")؛ ومحمود درويش ("أقصى الوضوح هو الغموض")؛ وفرجينيا وولف ("الشاعر معاصرنا دائماً"). ولسوف يعود، على امتداد فصول الكتاب الـ13، إلى الأسباب التي جعلته يختار آراء شاعر أمريكي وشاعر فلسطيني وروائية بريطانية لتصدير كتاب يساجل، في مقولته المركزية، حول سلسلة العناصر الفنية والاجتماعية والسياسية المقترنة بالشعر، والتي لا تجعل منه فناً ضرورياً فحسب؛ بل تشكّل، في الآن ذاته، ولدى شرائح واسعة من القرّاء، عائقاً أمام حُسن استقباله وتذوّقه.
لا يشير زابرودر إلى المصدر الأصلي لعبارة درويش، وما إذا كانت شعراً في قصيدة أم نثراً في مقالة أو حوار؛ ولهذا فمن الخير الإيضاح هنا أنّ الاقتباس يعود إلى قصيدة "مأساة النرجس ملهاة الفضة"، في مجموعة "أرى ما أريد"، 1990؛ وهي قصيدة طويلة متصلة، تستعيد أطوار تاريخية متشابكة تتقاطع خلالها رموز روما وصور وقرطاج وطروادة وسومر ودمشق والأندلس والساحل السوري؛ كما تتباين أطوال سطورها بين القصير والمتوسط والفقرة المدوّرة، وتتنوّع تشكيلاتها الإيقاعية أسوة بأنظمة التقفية المألوفة والداخلية. وقرابة نهاية الثلث الأوّل من القصيدة، يقول درويش:

هل نستطيع تناسخ الإبداع من جلجامش المحروم من عشب الخلودِ
ومن أثينا بعد ذلك؟ أين نحن الآن! للرومان أن يجدوا وجودي
في الرخامِ، وأن يعيدوا نقطة الدنيا إلى روما، وأن يلدوا جدودي
من تفوُّقِ سيفهم.
لكنّ فينا من أثينا
ما يجعل البحر القديم نشيدَنا
ونشيدُنا حجر يحكّ الشمس فينا
حجر يشعّ غموضَنا. أقصى الوضوح هو الغموضُ،
فكيف ندرك ما نسينا؟

وفي فصل بعنوان "معنى الحلم" يعود زابرودر إلى التعليق على عبارة درويش، ضمن سياق الحديث عن "الوضوح" بصفته صانع عناصر القصيدة؛ أي "تلك الأشياء التي تربطنا كقرّاء مع القصيدة. غموض القصيدة هو سبيل تلك الأشياء في التحوّل إلى تجربة لم تُعرف بعد، وإلى امتداد للوعي، في قلب الأسرار والتناقضات التي تتكاثر دائماً في حيواتنا".  وهو قرأ القصيدة، بترجمة فادي جودة إلى الإنكليزية، والأرجح أنه انشدّ إلى هذا الجانب الخاصّ، الطاغي عليها مع ذلك: الغموض الذي تستولده مستويات وضوح قصوى، وتشترك في تجسيده (أو إغماض معانيه، عن سابق قصد دلالي وفنّي، إذا جاز التعبير) مهارات تسخير اللغة والرمز والأسطورة، ابتداءً من عنوان القصيدة ذاته في الواقع.
هذه خلاصاتي الشخصية، كي لا تُنسب إلى زابرودر، الذي يكتفي باقتباس عبارة درويش من باب تمكين فكرته المركزية عن الغموض، وكذلك على سبيل بلوغ درجة عليا من التكامل بين ويتمان ودرويش وولف. وأجدني هنا أعود إلى فقرة ثمينة حول الغموض، جاءت في مقدّمة الراحل للمختارات الشعرية التي صدرت سنة 2000 بالفرنسية تحت عنوان La terre nous est étroite et autres poèmes، "تضيق بنا الأرض". كتب درويش: "ليس الغموض هدف الشاعر. لكنه ينتج عن التوتر بين حركة القصيدة وما يحركها من فكر، وعن التوتر بين حالتها النثرية وحالتها الإيقاعية. وهذا الغموض الشبيه بإيماءات الظلال، هو أحد أشكال صراع اللغة الشعرية مع الواقع الذي لم يعد الشعر مشغولاً بوصفه، بل بالنفاذ إلى جوهره، وبصراع اللغة مع مرجعياتها. ولعلّ هذا النوع من الغموض هو الفضاء المفتوح لدور القارئ في منح القصيدة حياةً ثانية، إذْ يوفّر لها دوراً إبداعياً في القراءة والتأويل، بدلاً من تلقي الرسالة كاملة نهائية. فليس هذا الغموض نقيض الوضوح، بل نقيض الوضوح التعليمي الذي يترك القارئ عاطلاً عن العمل".
والراحل، الذي امتلك معارف نقدية عميقة وترك تنظيرات رفيعة حول الشعر والشعرية، أوجز في هذه الفقرة ــ على مألوف عادته، ونثره المثقف الفريد، حين يجنح إلى التأمل النقدي ــ جوهر ذلك الوضوح الأقصى الذي يُنتج الغموض في القصيدة؛ خاصة وأنّ درويش رأى، منذ "ورد أقلّ" على نحو خاصّ، أنّ "اللغة في الشعر ليست وسيلة أو أداة فقط لنقل المعنى، والمعنى في الشعر ليس سابقاً لبنية القصيدة".
وعلى أعتاب الذكرى العاشرة لرحيله، ثمة الكثير الذي يتوجب تلمّسه في إيماءات الظلال، خلف تجربة شعرية فذّة ظلّ صاحبها يتعلم "المشي العسير على الطريق الطويل إلى قصيدتي التي لم أكتبها بعد". 
5/8/2018

غسان كنفاني وسجالات الستينيات

في أواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات من القرن الماضي، كان غسان كنفاني (1936 ـ 1972)، الروائي والقاصّ والصحافي والناشط السياسي الفلسطيني التي تحلّ ذكرى استشهاده هذه الأيام، يغطي من دمشق وبيروت أنشطة ثقافية مختلفة، ينشرها في دوريات سورية ولبنانية. كما شارك في نقاشات نظرية تحت عناوين مثل "الحرب الطبقية والتقدم الاشتراكي"، و"السلوك العقائدي والقضية العربية"، و"قوى الثورة العربية"... من موقعه العقائدي في حركة القوميين العرب.
ولعلّ المثال الصالح لإلقاء الضوء على ذلك المسار، تحديداً، كان ردّ كنفاني على رئيف خوري؛ بصدد قضية بوريس باسترناك وفوزه بجائزة نوبل للأدب، عام 1958، على خلفية روايته الإشكالية "دكتور جيفاغو". ففي مجلة "الآداب" اللبنانية، العدد 2، شباط (فبراير) 1959، كتب خوري مقالة بعنوان "في قضية الدكتور جيفاغو"؛ اعترف فيها، أوّلاً، أنه لم يقرأ الرواية ولكن قرأ شعر باسترناك مترجماً إلى الإنكليزية، ورأى أنه "شعر لا يوحي بأنّ باسترناك أديب في مستوى جائزة نوبل على نحو ما نتصور مستوى هذه الجائزة. وقد يكون أنّ الترجمة نالت من روعة شعره. وقد يكون أنّ باسترناك كاتب روائي أكبر منه شاعراً". لهذا يميل خوري إلى الاعتقاد بأنّ الكتاب "لم يمنح الجائزة إلا للون من ألوان الدعاوة السياسية"، ويعتبر أنّ "من حقّ أي أديب سوفياتي، أو غير سوفياتي، أن يناقش باسترناك ويأخذ عليه المآخذ فيما يتعلق بمسؤولية الأديب". لكنه، في المقابل، يسجّل هذا الموقف: "أمّا أن يطلب الأدباء السوفياتيون من الدولة أن تجرد باسترناك من جنسيته وتخرجه من وطنه، فهذا ما لم نفهمه ولم نقرّه! ففي ميدان الخلاف الأدبي تتصادم الأفكار، وتعترك الأقلام، وهذا من الحرية في الصميم، بل هو شرط أساسي لجلاء الحقيقة".
في العدد الثالث من المجلة، ردّ على خوري كلّ من عبد الله عبد الدايم ومحمد كشلي وباسم عبد الحميد حمودي؛ وفي العدد الخامس دخل كنفاني على خطّ النقاش، مبتدئاً من اتهام قاسٍ: "إنني مضطر للقول إنّ رئيف الخوري قد اتخذ موقفه من ‘الدكتور جيفاغو’ سلفاً، ويستطيع أي قارئ أن يحس جهد الأستاذ الخوري في البحث عن نقاط الضعف لمجرد أنه يريد ‘إهانة’ القصة (...) ولو كان مقال الأستاذ الخوري أطول قليلاً لقادنا في أغلب الظن لانتقاد ‘حياة باسترناك العائلية’ و’علاقته مع زوجته’ ـ كما فعل بعض من عالج مستوى القصة الفني ـ في سبيل أن يقول إن ‘الدكتور جيفاغو’ قصة فاشلة!". ويمضي كنفاني أبعد، فيضيف: "إن القارئ يستنتج من مقال الأستاذ الخوري أنه يريد من باسترناك أن يكون صورة طبق الأصل عن كافة الأدباء الذين مجدوا النظام ومثلوا دور ‘الطائع النموذجي’ ويستنكر هذا النشاز في ‘السيمفونية’ الاشتراكية الكبرى".
واضح، بالطبع، أنّ كنفاني (وكان يومئذ في الثالثة والعشرين من عمره، للتذكير) يمزج في هذا الردّ بين ثلاثة عناصر: إعلان الاختلاف، والتهكم (وله الحقّ في الخيارين)، وتقويل خوري ما لم يقله البتة (وذاك منزلق في السجال غير مستحبّ). الواضح أكثر، وليس بين السطور فقط، أنّ كنفاني يسلّح خلافه (الأدبي) مع رأي خوري في أدب باسترناك، بخلاف آخر (سياسي وعقائدي) مع ناقد "كاد يطلب من باسترناك أن يتبنى نظرة الحزب الشيوعي لثورة أكتوبر، ويؤلف قصته ‘الدكتور جيفاغو’ حسب ‘العمود’ الماركسي المقرر". لم يكن خوري قد ذهب هذا المذهب، غنيّ عن القول، ورغم انحيازه الصريح إلى "ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى"، فقد كتب بجلاء أنّ ثورة كهذه "لن يضيرها أن يستعمل أديب كباسترناك أو غيره، حرّيته الجزئية، ليعرّض بثورة أكتوبر، مخطئاً أو مصيباً، في رواية يكتبها".
في ميدان ثقافي آخر، نشرت شهرية "المعرفة" السورية، في العدد 8، آب (أغسطس) 1962، تعليقاً من كنفاني على مسرحية الرحابنة "جسر القمر"؛ كان إيجابياً بصفة عامة، لكنه انتهى بملاحظات ناقدة، سوف تبدو مفاجئة من أديب سيتخذ مسارات تجديدية وحداثية لا تخفى، خاصة في قراءته لمشهد الشعر في الداخل الفلسطيني. على سبيل المثال، اعتبر كنفاني أنّ في بعض مقاطع المسرحية "مسحة من النثر، ومن الطبيعي أنّ ذلك يتضح بعنف في مهرجان فولكلوري مثل مهرجان بعلبك، فمن المعروف أنّ الوزن والإيقاع الغنائي هما كنز فولكلوري كبير، وأنه من الصعب أن نخلق فولكلوراً دون الاهتمام بالإيقاع التاريخي الذي يعطيه هذه الصفة". المدهش أنّ "النثرية" التي أشار إليها كنفاني كانت هذه: "يا شيخ المشايخ/ رح قلك هالكلمي/ صوت المعول أحلى/ من رنين السيف/ والرضى أحلى من الزعل/ والكلام كنز الكنوز"!
وهكذا فإنّ تلك الحقبة من حياة كنفاني جديرة بدراسة معمقة، لا تضع في الحسبان تطوّر مهاراته النقدية، وميادين إنضاج ذائقته الجمالية، فحسب؛ بل تُدرج، كذلك، المسار الفكري والإيديولوجي الذي سوف يقرّبه أكثر من يسار ستعتمده "الجبهة الشعبية" لاحقاً، بتأثيرات جورج حبش أوّلاً، وهو اليسار ذاته الذي سوف يبعده منطقياً عن الانحيازات القومية التي طبعت أفكاره وتأملاته المبكرة. والتعمق يليق، دائماً، بالنقلات الفريدة التي اتخذتها مسارات حياة الشهيد الكبير.
15/7/2018

الجمعة، 29 يونيو 2018

الضحية في جبهة حوران: اتفاق الراعي مع الذئب


 كانت هدنة جنوبي غرب سوريا، في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، التي اتُفق عليها في تموز (يوليو) 2017 بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن؛ هي الأولى التي تمّ التوصل إليها في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بعد اللقاء الأول وجهاً لوجه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكانت الأولى، أيضاً، على صعيد التوافق الروسي ـ الأمريكي حول مصطلح "خفض التصعيد". ويومذاك، تبادل وزير الخارجية الأمريكي السابق، ريك تيلرسون مع زميله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأدوار في شرح إمكانية التعاون بين البلدين حول الملفّ السوري، كما تقاسما مهمة شرح محاسن خطة الهدنة؛ وذلك رغم اختلافهما في تفسير الحضور الروسي (من خلال الشرطة العسكرية الروسية)، أو التزام النظام السوري والميليشيات الإيرانية بالهدنة، ثمّ دور الرقابة الموكل إلى العناصر الأمريكية والأردنية.
في العمق والخلفية كانت مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي في صلب هذه الهدنة، على ثلاثة أصعدة ظاهرة (بين أخرى خافية وغير معلنة، معتادة تماماً في حالات مثل هذه). الأول هو الاشتراط الإسرائيلي بأن تكون الدول الثلاث ضامنة لخطوط فصل القوات مع النظام السوري، وحدود الانتشار العسكري الإسرائيلي في الجولان المحتل؛ وهذه الضمانة تشمل، أولاً، عدم اقتراب الميليشيات الإيرانية، بما في ذلك "حزب الله"، من تلك الخطوط والحدود. الصعيد الثاني هو إعادة الوضع العسكري الميداني في هذه المحافظات الثلاث إلى ما قبل آذار (مارس) 2011، حين انطلقت الانتفاضة الشعبية وخرجت المظاهرات الأبكر في مدينة درعا وبلداتها وقراها؛ أي: طرد كلّ القوى العسكرية "الغريبة"، سواء انتمت إلى الموالاة أم المعارضة، وإعادة جيش النظام وحده على المنطقة. وأما الصعيد الثالث فقد كان يخفي استبطاناً إسرائيلياً للترابط الطبيعي بين مواطني سوريا الدروز في السويداء والجولان المحتل، من جهة أولى؛ ودروز 1948 في فلسطين، من جهة ثانية؛ على خلفية كبرى، من جهة ثالثة، هي اتساع رقعة الانتفاضة، واستمرار حكومة بنيامين نتنياهو في دعم بقاء بشار الأسد، ولكن ليس دون استغلاله في الضغط على النظام لجهة تقييد الوجود العسكري الإيراني أو حتى البدء تدريجياً في سحبه من سوريا.
خلال التوافق الأمريكي ـ الروسي، ثمّ الأردني استطراداً، كانت فصائل المعارضة المسلحة خارج السياق عملياً، لا هي في العير ولا في النفير! وتستوي في هذا تلك التي تطلق على نفسها صفة "الجيش الحر"، وارتباطها الفعلي تقيده أوامر غرفة الـMOC، أي مقر القيادة والتنسيق الذي تديره الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن منذ عام 2013؛ أو "جيش خالد بن الوليد" الداعشي، وكتائب "النصرة" التي سبق أن قايضت النظام على ترحيل عناصرها إلى إدلب. وهذه الفصائل لا تسدد اليوم ثمناً متأخراً لارتهانها أو اتكائها على الحل العسكري، أو تراخيها عن القتال حين اقتضت الحاجة، أو خلافاتها ونزاعاتها وانشقاقاتها وفساد بعض قادتها، فحسب؛ بل تدفع اليوم ضريبة مضاعفة لقاء اطمئنانها إلى مساندة الغرب لها في أحلك الظروف، وتصديقها بأنّ واشنطن تضمن هدنة تموز 2017 وستفرض على النظام وروسيا مواصلة الالتزام بها.
المسلسل بدأ هكذا: قبل شروع النظام في عملية اجتياح ريف درعا، بدعم جوي مكثف من الطيران الحربي الروسي (ومشاركة، ما تزال نشطة، من ميليشيات شيعية مثل "لواء ذو الفقار" في معارك بلدة بصر الحرير)؛ كانت هيذر ناورت، الناطقة باسم الخارجية الأمريكية، قد حذرت نظام الأسد من "إجراءات حازمة ومناسبة" في حال انتهاك وقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد. الفصل التالي من المسلسل كان إعلان ناورت أن الولايات المتحدة "ما تزال ملتزمة بالحفاظ على استقرار منطقة خفض التصعيد في جنوبي غرب سوريا والهدنة المرتبطة بها". الفصل الثالث، الراهن، كان رسالة السفارة الأمريكية في عمّان إلى الفصائل: "نحن في حكومة الولايات المتحدة نتفهم الظروف الصعبة التي تواجهونها الآن ولا نزال ننصح الروس والنظام السوري بعدم القيام بأي عمل عسكري يخرق منطقة خفض التصعيد في جنوبي غرب سوريا. ولكن لا بد من توضيح موقفنا: نفهم أنكم يجب أن تتخذوا قراركم حسب مصالحكم ومصالح أهاليكم وفصيلكم كما ترونها، ولكن ينبغي ألا تسندوا قراركم على افتراض أو توقع بتدخل عسكري من قبلنا"!
وهذا مسلسل في الحنث بالوعود، والطعن في الظهر، والالتفاف من خلفٍ وأمام وميمنة وميسرة؛ تكرر مراراً منذ أن شرعت غالبية أبناء سوريا في انتفاضة شعبية واسعة النطاق، مشروعة ونبيلة وسلمية، لكنها محطّ عداء من قوى إقليمية ودولية كبرى، ومحطّ تردد أو تخاذل أو مقايضة من أشباه "أصدقاء" و"حلفاء"؛ ثمّ الأهمّ ربما: أنها انتفاضة تسير على نقيض ما أرادته وتريده دولة الاحتلال الإسرائيلي من نظام "الحركة التصحيحية"، الأسد الأب والأسد الوريث، الذي حفظ حال اللاحرب واللاسلم بالمصطلح الأكثر إراحة للاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وللعربدة الإسرائيلية في لبنان. وما تفعله إدارة ترامب اليوم ليس سوى إعادة إنتاج، مع اختلاف الظروف والسياقات والشروط، للسياسة المركزية التي انتهجتها الإدارة السابقة في ظلّ رئاسة باراك أوباما. وكما أنّ المرء لم يكن يملك رفاه تقديم العزاء إلى "معارضة" إسطنبول حين لهثت خلف السراب الأمريكي، والغربي عموماً؛ فلا عزاء أيضاً للفصائل المسلحة التي عقدت الآمال على الخبراء العسكريين من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، فلم تحصد سوى توافق الرعاة مع الذئب على حُسن اختتام مصير الضحية.
غير أنّ نطاق الضحية ليس مقتصراً على هذه الفصائل التي اطمأنت وانخدعت وخدعت ذاتها وأوغلت في التبعية، إذْ أنّ حكم التاريخ في ما كان لها وما سيكون عليها خلال سنوات العمل العسكري هو الفيصل في نهاية المطاف؛ بل الضحية الأولى الكبرى هي 750 ألف نسمة من المدنيين في هذه المنطقة، يتهددهم التهجير مجدداً، ولكن إلى اللامكان في واقع الأمر، أو بين مطرقة النظام والطيران الحربي الروسي وأشباح المجاز، وسندان الأردن الذي يعلن أنه لن يستطيع استيعاب المزيد من اللاجئين. وفي هذا السياق، لن تعدم فتاوى رهط "الممانعة" في تخوين أية أسرة تجد ذاتها مضطرة إلى اللجوء نحو مناطق الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وكأنّ الخيارات الأنسب و"الأطهر" متاحة وفيرة. كذلك لن تعدم رهط دعاة "الصمود والتصدي" و"القتال حتى آخر قطرة دم"، وكأنّ ما تبقى من قدرات الفصائل العسكرية جديرة بهذا الخيار الشمشوني، على أيّ نحو.
وما جرى قبل أيام، في تنصل واشنطن من التزامها بما اتفق عليه رئيسها مع بوتين حول منطقة خفض التصعيد في جنوبي غرب سوريا، يعيد تذكير المضلَّلين والسذّج بأنّ الأجندة الفعلية لإدارتَي أوباما وترامب، تجاه انتفاضات العرب، ما تزال في الجوهر تحتفظ لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي بأولوية قصوى، لا تدانيها أخرى. كذلك فإنّ النكث بالوعود ليس ممارسة جديدة على الإدارات الأمريكية بأسرها، بل يمكن هنا استعادة المثل الفرنسي الشهير عن وعود لا تُلزم إلا الحمقى الذين يصدقونها! ومنذ انتفاضة تونس، أواخر 2010؛ مروراً بميدان التحرير، والانقلابات فيه وعليه؛ وحتى أيامنا هذه حين توضع الانتفاضة السورية، وحوران رائدتها، على مذبح الاستشهاد؛ كرر أوباما وترامب، أسوة بأمثال هيلاري كلنتون وجون كيري وريك تيلرسون ومايك بومبيو... اللعبة ذاتها، التي انطوت على اتفاق الراعي مع الذئب، حول أفضل طرائق افتراس الضحية.

الجمعة، 22 يونيو 2018

التنافس الإيراني ـ الروسي في سوريا: خرافة أم تحصيل حاصل؟

بصفة رسمية وصريحة وعلنية، لا يخفى فيها الحرص على أن تبدو هكذا تماماً، اتخذت معادلات الوجودين الإيراني والروسي في سوريا وجهة الافتراق، واستطراداً: التمهيد للشقاق، في أواسط أيار (مايو) الماضي؛ حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "الانتصارات الملموسة للجيش السوري فى محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوات الأجنبية من أراضى سوريا". كان بوتين يتحدث وإلى جانبه بشار الأسد، الذي تمّ استدعاؤه ـ كما يتوجب القول، في كلّ زيارة مماثلة ـ كي يصادق على المرحلة المقبلة من خطط الكرملين للمشروع الروسي في سوريا؛ والتي تمثلت، خلال جولة منتجع سوتشي تلك، في ترسيم الحدود القصوى للمواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية على أرض سوريا، وإطلاق سيرورة جديدة في التفاهامات التركية ـ الروسية حول مناطق الشمال.
 لم يتأخر الردّ الإيراني بالطبع، وإنْ كان قد جاء أوّلاً على مستوى منخفض في سلّم التفويض بالتصريح السياسي؛ إذْ قال بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية: "لا يمكن لأحد أن يجبر إيران على فعل أي شيء. ستستمر إيران في المساعدة في سوريا مادام الأمر يتطلب ذلك، وأرادت الحكومة السورية ذلك". ولقد توجب لاحقاً، حين اتسع التعاطي الإعلامي مع تصريح بوتين، أن يتدخل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، فيعلن أنّ إيران لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها، لأنها إنما تتواجد هناك بناء على طلب نظام الأسد؛ وهذا تفصيل صحيح تماماً، ولم يكن بوتين يشكك فيه أصلاً، كما أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تعترض عليه منذ البدء. الفارق أنّ شمخاني أشار إلى ضغوطات أمريكية (على مَن؟ نظام الأسد، أم طهران؟)، وتفادى الإشارة، أو التلميح، إلى الضغوطات الأولى الفعلية، أي الروسية.
والحال أنّ تعبير "القوات الأجنبية" الذي استخدمه بوتين بالغ الإبهام في الأصل، إذْ أنّ منطوقه اللفظي ينبغي أن يشمل جميع الدول والميليشيات والجماعات والجبهات التي ليست سورية الجنسية؛ وهذا لا يقتصر على إيران وأذرعها المختلفة، ولا على تركيا والولايات المتحدة، ولا على الجهاديين من كلّ حدب وصوب، بل يشمل روسيا أيضاً. وفي المقابل، سوف تزعم كلّ مجموعة أجنبية (موالية للنظام أو متحالفة معه) أنها جاءت بناء على طلب النظام؛ وسيزعم الجهاديون أنهم، أيضاً، لبوا نداء الجهاد وتسابقوا إلى نصرة أهلهم على أرض الشام. فلماذا استشعرت إيران، على الفور، أنها المقصودة أولاً بتصريح بوتين؟ أو الأحرى التساؤل: هل كانت أية "قوة أجنبية" ستدرك انها المقصودة، قبل إيران أو أكثر منها؟
كلا، بالطبع، لأسباب بالغة الوضوح وذات صلة مباشرة بالواقع السياسي والعسكري على الأرض، بصفة عامة؛ لأنّ موسكو ترغب في الذهاب نحو مرحلة ما بعد "القضاء على الإرهاب"، كما تسميها، والتي تعني قطاف استثماراتها المتعددة التي كانت وراء مشروع التدخّل العسكري في سوريا، خريف 2015. وإلى جانب الثمار السياسية التي تكفل للكرملين حقّ التدخل والتسيير والهيمنة في مفاصل نظام الأسد الكبرى، ثمة ثمار اقتصادية محلية ذات صلة بإعادة التعمير المقبلة حيث العقود دسمة أو حتى فلكية؛ وثمة ثمار جيو ـ سياسية تتجاوز المحلي إلى الإقليمي والدولي، إذْ بات الاستثمار في الخراب السوري أعلى مردودية من أيّ استثمار روسي آخر على نطاق عالمي. إيران هنا، في النفوذ المحلي والاقتصاد والجيو ـ سياسة، ليست طرفاً مكمّلاً أو متكاملاً مع الاستثمار الروسي، بل هي طرف منازع ومنافس، أقرب إلى الخصم الشرس في نهاية المطاف.
إنها ليست تركيا، أو إدارة رجب طيب أردوغان تحديداً، في كلّ حال، لأنّ العلاقة التركية ـ الروسية يمكن أن تذهب إلى أقصى الشدّ والجذب (كما وقع خلال الأشهر التي أعقبت نجاح الطائرات الحربية التركية في إسقاط المقاتلة الروسية سوخوي ـ 24، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)؛ لكي تعود إلى أقصى الوفاق والتوافق (كما في الاتفاق الروسي ـ التركي حول تل رفعت). ولا يقلّ أهمية في هذا الفارق، بين تركيا وإيران، أنّ تعاقدات موسكو مع أنقرة يمكن أن تحظى بغمزة رضا من واشنطن، وهذا عند موسكو مكسب لا بأس به في ظلّ شروط الالتحام الراهنة، من جهة؛ كما يمكن لتلك التعاقدات ذاتها أن تجبر طهران على الانخراط في شراكة من نوع ما، إلى درجة الموافقة على سحب أنصارها من تل رفعت مثلاً، وليس هذا بقليل أيضاً، من جهة ثانية.
بهذا المعنى فإنّ القوات التركية، التي تحتل مساحات باتت واسعة في الشمال السوري، ليست ضمن التصنيف "الأجنبي" الذي نطق به بوتين في سوتشي؛ إذْ لا يعقل أن يطالب الكرملين بإخراجها في شهر أيار (مايو)، ثمّ يوافق على إدخالها (عبر بوابة تل رفعت، مثلاً) في شهر حزيران (يونيو)، بل يساعد أيضاً في إخراج الوحدات الكردية والإيرانية منها. تُضاف إلى هذا حقيقة ذات أهمية خاصة، تتجاوز مسألة التنافس الإيراني ـ الروسي إلى مستقبل علاقات موسكو وأنقرة وطهران مع التشكيلات المسلحة التي أنشأها النظام في عموم سوريا، ولكن على امتداد خطوط التماس والاشتباك بين العواصم الثلاث في مناطق الشمال والساحل السوري. ما يرضي طهران هناك، لا يرضي أنقرة غالباً، ولعله لا يرضي قاعدة حميميم الروسية دائماً؛ فضلاً عن أنه لا يندرج جيداً ضمن التمهيد الروسي لسيرورة "انطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية"، حسب تعبير بوتين.
بين الأسباب الأكثر وضوحاً، أيضاً، وكذلك على نحو خاصّ وحساس وجوهري، أنّ الموقف الإسرائيلي من الوجود العسكري الإيراني على الأرض السورية قد انتقل إلى طور مختلف خلال الأشهر الأخيرة، الأمر الذي اقتضى إرساء قواعد اشتباك جديدة تضع طهران في خطّ الاستهداف الأول. في البدء كانت ستراتيجية دولة الاحتلال الإسرائيلي، وما تزال حتى الساعة في الواقع، تبدأ من خطّ أحمر ناظم هو اعتراض قوافل التسليح الإيرانية القادمة من سوريا إلى لبنان؛ إلى جانب ردع أيّ "انحراف"، مصدره إيران عبر "حزب الله مثلاً، عن الهدوء المستتب في هضبة الجولان المحتلة؛ وأخيراً، استئصال أي جهد يقوم به النظام السوري نحو بناء منشآت نووية (كما في قصف موقع الكبر قرب دير الزور في أيلول/ سبتمبر 2007، واغتيال العميد محمد سليمان المستشار الأمني الخاص للأسد في آب/ أغسطس 2008).
اليوم لا يقبل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بأقلّ من سحب الوجود العسكري الإيراني في سوريا، على نحو كامل وشامل لا يستثني شبراً من مساحة سوريا؛ بدليل القصف الأخير الذي طال "هيئة الحشد الشعبي" العراقية في البوكمال، أقصى شرق سوريا، ويُعتقد أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي كان وراءه. وليس في وسع طهران، وميليشياتها التابعة في سوريا، أن تنتهج موقفاً وسيطاً بين عدم الردّ على العمليات الإسرائيلية، وعدم الاستجابة إلى ترتيبات الأرض التي تتوافق فيها موسكو مع واشنطن تارة (درعا وجبهة الجنوب عموماً)، أو تركيا طوراً (تل رفعت). أو، على نحو أدقّ: ليس في وسع طهران انتهاج هذا الخيار طويلاً، لأنّ تسارع التطورات على الأرض لم يعد يسمح بالكثير من التكتيك؛ خاصة حين توضح موسكو، أكثر فأكثر ويوماً بعد آخر، أنها لن تقبل بإفساد استثماراتها بعيد المدى في سوريا جراء إصرار إيران على البقاء في سوريا ضمن صيغة مواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال الإسرائيلية.
ليس التنافس الإيراني ـ الروسي في سوريا خرافة، إذا صحّت قراءة السطور السابقة، بل هو أقرب إلى تحصيل حاصل تفرضه شروط يحدث أنها تتجاوز حسابات طهران، سورياً أوّلاً، ثمّ إقليمياً وعالمياً أيضاً.