وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

إدلب الأخرى: نمور بوتين أم ضباع القرداحة؟

منذ انخراط النظام السوري و"حزب الله اللبناني وميليشيات "الحرس الثوري" الإيراني، بموافقة من موسكو وإسناد تامّ من الطيران الحربي الروسي، في الحملة العسكرية ضدّ مساحات ومواقع منتقاة في جنوب محافظة إدلب وشمال غرب محافظة حماة؛ تبدلت أقدار المعارك على الأرض، بين انتصارات سريعة أولى، أعقبتها انكسارات وانهزامات ملموسة، وأحياناً مفاجئة تماماً، تعرّضت لها أطراف الحملة في القتال ضدّ فصائل المعارضة المختلفة.
وإلى جانب تسجيل روح قتالية عالية طبعت سلوك فصائل المعارضة، على اختلاف مشاربها وعقائدها وولاءاتها الخارجية في الواقع، لعلّ أحد أبرز الأسباب وراء تبدّل تلك الأقدار إنما يعود إلى الارتفاع الملحوظ، الكمّي والكيفي، في منسوب تسليح المعارضة، وهو أمر يعود في المقام الأّل إلى تحوّلات تكتيكية في المقاربة التركية لملفّ إدلب خصوصاً؛ وللترتيبات والتوافقات التي توصلت إليها أنقرة مع موسكو بصفة أعمّ، وخضعت لهذه الدرجة أو تلك من الخروقات المتبادلة، والتلاعب، والمناورة.
سبب آخر جدير بالتوقف عنده، ليس في مثال حملة إدلب وحدها، بل على صعيد مناطق الساحل السوري المتاخمة، وسهل الغاب، وقوس القرى والبلدات التي تقطنها غالبية من أبناء الطائفة العلوية؛ أي الصراع المحتدم بين فريق أوّل يضمّ في صفوفه ما تبقى من جيش النظام، وأفواج الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والميليشيات المختلفة؛ وفريق ثانٍ قوامه الفيلق الخامس الذي يقوده سهيل الجسن، الملقب بـ"النمر"، فضلاً عن ميليشيات متفرقة تعود في أصولها إلى "قوات الدفاع الوطني" أو "كتائب البعث". خلف هذا الانقسام ثمة إيران، التي تساند الفريق الأوّل، وثمة ماهر الأسد ورامي مخلوف وغالبية من حيتان الفساد؛ وثمة موسكو، متمثلة ميدانياً في قاعدة حميميم الجوية والشرطة العسكرية الروسية، التي تزوّد "النمر" بالعتاد والزاد والكساء (الأرفع نوعية عن ذاك الذي يتلقاه وحدات النظامية في الفريق الاوّل)، مثلما تمنحه غطاء حماية سياسياً وأمنياً معلناً.
سبب ثالث، يفسّر انحطاط المعنويات القتالية لدى أفراد الفريقين معاً هذه المرّة، هو أنّ عشرات الجثث التي تصل من ميادين القتال في إدلب إلى قرى الساحل السوري تحديداً، وبنسبة لا تُقارَن مع تلك التي تصل إلى مناطق أخرى من سوريا؛ إنما تضرب أكثر من وتر حساس لدى الأهالي، لاعتبارات عديدة في رأسها أنّ بعض القتلى سقطوا نتيجة اقتتال أبناء الموالاة للنظام، في الفريقين معاً، ضدّ بعضهم البعض وليس في مواجهة المعارضة. اعتبار آخر هو أنّ الجثث تصل إلى مناطق يواصل ضباع آل الأسد نهبها وترهيبها وقهرها، وحيث تسود اعمال خطف الرهائن واللصوصية وتهريب المخدرات وفرض الأتاوات دون رادع أو حسيب (كما في حكاية بشار طلال الأسد قائد الميليشيا الذي قاتل قوات الحرس الجمهوري في الفاخورة، قرب القرداحة، للحيلولة دون اعتقال مهرّب مخدرات يحظى بحماية سليل آل الأسد).
"نمور"، إذن، في مواجهة "ضباع"، داخل البيت الأسدى ذاته؛ الذي لا يتفتت ويتشرذم بفعل عوامل الحتّ الطبيعية وحدها، بل تساهم في سيرورة تآكله بعض العناصر إياها التي اتكأ عليها النظام في منجاته، وفي مقدمتها روسيا، سواء جيشها الذي يقصف في إدلب، أو شرطتها العسكرية التي تردع، أو اقتصادها الذي يحتكر في ميناء طرطوس. وليس من دون مغزى عميق أنّ هذه التحوّلات نزعت صورة حسن نصر الله، وقبله حافظ وباسل وبشار وماهر الأسد، عن جدران آلاف البيوت الفقيرة المتواضعة في قرى الساحل السوري، لتُعلّق مكانها صورة المخلّص الجديد: بو علي بوتين!
كذلك ليست البتة مفارقة، لأنها ديدن أنظمة الاستبداد، على شاكلة آل الأسد/ مخلوف/ شاليش تحديداً، أن يكون المستبدّ الأوّل، بشار الاسد، هو مشرّع هذا الانقسام بين "النمور" و"الضباع"؛ من خلال المرسوم التشريعي 55 لعام 2013، والذي أجاز منح التراخيص لشركات خدمات الحماية والحراسة الخاصة، ودشّن قانونية وجود الميليشيات الخاصة. رامي مخلوف أنشأ "البستان"، وكذلك فعل مؤسسو "نسور الزوبعة" و"قوّات الغضب" و"سوتورو" و"لواء الإمام المهدي" و"لواء درع الساحل" و"نسور الصحراء"... فلم لا يبادر بوتين، بدوره، إلى إنشاء الفيلق الخامس!
 15/6/2019

ياقوت عبد الباسط الساروت

في آذار (مارس) 2011، حين كتب أطفال درعا "إجاك الدور يا دكتور" على ألواح مدارسهم وعلى جدران المدينة، كان عبد الباسط ممدوح الساروت (1992 ــ 2019) لا يحمل من أثقال سوريا المعاصرة، مزرعة الاستبداد والفساد والمافيات والتمييز المناطقي والطائفي، سوى 19 سنة: لا "يفهم في السياسة" كما ردّد مراراً، وليد أسرة جولانية فقيرة هاجرت إلى تخوم حمص في أعقاب تسليم الجولان على يد كبير مجرمي الحرب، الأسد الأب؛ لم يكمل تعليمه "لأسباب معيشية ذات صلة بفقر العائلة"، كما يوضح؛ حارس مرمى نادي "الكرامة" الحمصي، ومنتخب شباب سوريا لكرة القدم؛ المنشد المغنّي بغريزة شعرٍ يتدفق في داخله مثل جداول ربيع، وإحساس عارم بالنغم الشعبي وإلحاح الإيقاع الحارّ.
أطفال درعا، وذلك الحنين العميق الجارف إلى الكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي والحرّية والخبز، وربما النشيد الطلق المتحرّر من نير المستبدّ، كانت أوّل بواعث مجيء الفتى إلى الانتفاضة؛ أو إلى الثورة كما يحلو له أن يسمّيها، محقاً بالطبع لأنها بدأت هكذا في يقينه، وهكذا تواصلت خلال ثماني محطات ونيف من تجربته الشخصية في خضمها العاصف. وكان ذلك الخضمّ أشدّ عتوّاً، في استثارة الآمال وتكبيد الآلام وفي الانتصارات مثل الانكسارات، من أن يتحمّل قلبَه الطفل ولسانَه الهاتف وتكوينَه الوطني والحمصي والبدوي والجولاني الأصيل، المتجذر مثل سنديانة. ولقد خرج إلى ساحات حمص يذكّر طالبي الحرّية بأنّ هذا الوطن "جنّة" حتى في ناره، وهو "الحبيّب" و"أبو التراب الطيّب"؛ فلم تعد الأغنية تردّ السامعين إلى أصولها عند كريم العراقي وماجد المهندس، بل تجردّت من أيّ مستوى في الاستنساخ لأنها باتت سورية بامتياز: ابنة هذا الوطن/ الجنّة الذي ينتفض، وترنيمة هذا الفتى السوري الثائر الذي يُلهب حناجر الجموع، ويُشعل جذوة في الحماس والتعبئة والاستبشار لم يكن لها نظير في مواقع الانتفاضة الأخرى، حتى عند ذلك الحموي الصادح الساخر الذي اشتهر بلقب "القاشوش".
محطة تالية في هذه الوظيفة الثورية، الخاصة والمدهشة وذات الفعالية العالية، التي انتدبها الساروت لنفسه، وارتضتها له الحشود في أربع رياح سوريا، وليس في حمص وحدها؛ كانت ظهوره خلال التظاهرات والاعتصامات برفقة فدوى سليمان (1970 ــ 2017)، الأمر الذي جعل هذا الثنائي يتخذ تلقائياً، ولأسباب وجيهة، سلسلة دلالات عالية التأثير في الوجدان الجَمْعي: أنّ شريكته امرأة، أوّلاً؛ وأنها فنانة ممثلة، خريجة المعهد المسرحي، ثانياً؛ وهي، ثالثاً، ولدت لأسرة من الطائفة العلوية. وليس أنّ اجتماع الساروت وسليمان كان محاولة، بارعة وصادقة، في تمرين الشارع الشعبي على تطبيق شعار "الشعب السوري واحد"، في مناطقه وإثنياته وأديانه وطوائفه، فحسب؛ بل كانت، أيضاً، رسالة جبارة ضدّ الأجنّة الجهادية المتطرفة التي أخذت تتوالد رويداً رويداً، بتشجيع منهجي وتسهيلات من النظام.
محطة تالية، حاسمة في حياة الساروت، كانت اللجوء إلى السلاح بوصفه المآل الوحيد المتبقي، ليس في مواجهة الحصار الهمجي الذي فرضه النظام والميليشيات المذهبية على حمص وأهلها، وانتزاع كيس الطحين، وفتح ممرّات عبور المدنيين، فقط؛ بل كان الوسيلة الأوحد للدفاع عن النفس، وعدم فتح الصدر عارياً أمام القذيفة الفاشية. ومثلما كان التسلّح أداة فُرضت على شارع الانتفاضة الشعبي، جرّاء وحشية النظام وصعود الجهاديين، ولم يكن البتة خياراً إرادياً؛ كذلك فإنّ بندقية الساروت كانت قد ارتفعت على كتفيه بحكم الحاجة في حدودها الدنيا، القصوى والأقرب إلى الضرورة وخيار الدرجة صفر. وليست هذه السطور المقام المناسب للسجال حول هذه المحطة في مسيرة الساروت، ولا هي ملائمة لمساءلة أو تبرير اضطراره، خلال طور قصير للغاية، إلى مخاطبة "داعش" في "بيعة قتال" لا "بيعة طاعة"؛ إذْ يكفي التذكير بأنّ شرعيي التنظيم الإرهابي ذاته رفضوا قبول الساروت في صفوفهم، وأنه طُورد من جهاديي "النصرة" واعتُقل، وكاد أن يلقى حتفه على أيدي الظلاميين من مشارب مختلفة.
ورغم أنّ الساروت فقد أباه وأربعة من أخوته بنيران نظام الأسد وميليشيات إيران المذهبية، وأنه في نهاية المطاف سقط شهيداً في ميدان قتال مشرّف لا تديره أطراف الجهاد المتشدد؛ فإنّ نموذجه في الاستشهاد لا يشبه سواه لاعتبارات شتى، وإنْ كان يستكمل النماذج كافة، ويُغنيها. ولعلّ أبرز ما انطوت عليه خصوصية الساروت أنه لم يكن نسخة مطابقة من غياث مطر أو باسل شحادة، إذا وضع المرء جانباً شهداء عسكريين على غرار "أبو فرات" وعبد القادر الصالح؛ بل كان أمثولة القياس الأعلى في التعبير عن ولادات تلك المطحنة الجهنمية، التي خلطت معادلات القوّة والضعف، والصواب والخطل، والنزاهة والارتزاق، والمعارضة الصادقة النظيفة وتلك الكاذبة الملوّثة... حصيلة انتفاضة نبيلة امتلكت كلّ الحقّ وكلّ الشرعية وكلّ الأداء الملحمي، وتكاتفت قوى إقليمية ودولية عظمى لوأدها في المهد، ثمّ اغتيالها على النحو الأشدّ بربرية حين ترعرعت قليلاً ولاح أنها توشك على مقاربة المستحيل.
والشهيد الساروت اختار لقب "أبو جعفر" تيمناً، أغلب الظنّ، بابن عمّ النبيّ محمد والصحابي شهيد غزوة مؤتة الذي لُقّب بـ"جعفر الطيّار" لأنه، حسب الرسول، "يطير في الجنّة بجناحين من ياقوت". وليس كثيراً على فتى الانتفاضة السورية، أحد الأجمل والأبهى في لوائح شهدائها، أنّ له من ياقوت الذاكرة السورية النصيب الأسخى والأرقى والأجدر.
9/6/2019

القوتلي وعبد الناصر والآلهة السورية

في سنة 1961، ضمن واحد من مقالات "بصراحة" التي اعتاد نشرها في "الأهرام" المصرية، روى محمد حسنين هيكل أنّ شكري القوتلي (1891 ــ 1967)، الرئيس السوري يومذاك، وجّه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر العبارة التالية، تعليقاً على توقيع اتفاقية الوحدة بين البلدين في شباط (فبراير) 1958: "أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس! أنت أخذت شعباً يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون فى المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 فى المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة فى المائة على الأقل أنهم آلهة".
للتذكير، بادئ ذي بدء، كتب هيكل مقالته تلك بعد وقوع الانفصال، في أيلول (سبتمبر) 1961، وكان استطراداً يبرّيء ساحة عبد الناصر وزعماء مصر الآخرين إزاء صعوبات حكم الشعب السوري؛ إذْ كيف يمكن، حقاً، حكم شعب له هذه المواصفات الخارقة، والخرقاء! العبارة، ثانياً، وعلى جري عادة هيكل في سرد أقاصيص جرت بين أموات ولم يعد يشهد على صدقها سواه، لم تجرِ على لسان القوتلي أغلب الظنّ؛ فلا سند يثبت صحتها أوّلاً، كما أنها لا تشبه شخصية الرجل سلوكاً وخطاباً ثانياً، ولا تقترب البتة من أيّ من آرائه النقدية في أبناء بلده.
الطريف، مع ذلك، أنها عادت إلى أذهان بعض المتابعين الغربيين للملفات السورية المعاصرة، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ وباتت أقرب إلى "مسطرة" تُقاس على معطياتها معضلات قراءة المشهد السوري الراهن، سياسة واجتماعاً وعلم نفس وتربية وثقافة ومزاجاً... توماس هيغهامر، الباحث المخضرم في "مؤسسة أبحاث الدفاع" النرويجية، يصف العبارة بأنها "اقتباس خالد"، متناسياً (أم لعلّه لم يدرك البتة) مقدار التنميط السطحي والغبي في تصنيفات كهذه؛ خاصة إذْ تأتي من هذا الرجل تحديداً. نيكولاس فان دام، مؤلف "الصراع على السلطة في سوريا: السياسية والمجتمع تحت حكم الأسد والبعث" ومؤخراً "تدمير أمّة: الحرب الأهلية في سوريا"، يتواضع قليلاً فيرتاب في أنّ العبارة منتحلة، لكنه يحيل المعجبين بها إلى كتّاب سيرة القوتلي!
وسوى الطرافة، ثمة نزوع استشراقي مبطّن، أو هو صريح مكشوف لدى الكثيرين في الواقع، يسعى إلى ترسيخ "حقيقة" أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً. وهذه، إذن، خلاصة تبيح القول إنّ حافظ الأسد، وبعده وريثه بشار، ورهط مجرمي الحرب والقتلة واللصوص والأزلام الذين شاركوهما السلطة على نحو أو آخر، بلغوا المرحلة الراهنة من تدمير سوريا لأنّ البلد استعصى قبلهم على القوتلي، ثمّ على عبد الناصر، فكيف لا يستعصي على آل الأسد أيضاً! 
ولعلّ هذه مناسبة لاستعادة واحدة من أنصع الصور الفوتوغرافية وأندرها، ليس في تاريخ سوريا الحديث وحده، بل في تاريخ العرب أيضاً كما أجيز لنفسي القول. الصورة تعود إلى عام 1955، وتحديداً يوم 6 أيلول (سبتمبر)، وتُظهر رجلين يتبادلان التوقيع على وثيقة من نسختين: الأوّل هو هاشم الأتاسي (1875 ــ 1960) رئيس الجمهورية آنذاك، والثاني هو القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب، وأمّا الورقة التي تبادلا التوقيع عليها فهي وثيقة انتقال السلطات الدستورية. ألا يصحّ الافتراض بأنّ هذه الممارسة، الديمقراطية والحضارية والراقية، باتت اليوم غريبة على أبصار العرب وأسماعهم في مشارق أرضهم ومغاربها؛ وافتقدتها ــ إذْ لم يحدث أنها تكرّرت مراراً في حياة ــ الأجيال العربية بعد ذلك التاريخ؛ حين استولى أصحاب العروش والتيجان والقبعات العسكرية على مقاليد الأمور، وتراجعت السياسة إلى الباحة الخلفية، أو قبعت في الزنازين، أو تلقفتها المنافي هنا وهناك؟
للصورة فتنة أخرى زاهية الألوان غير جمالياتها بالأبيض والأسود، يصنعها نصّ تلك الوثيقة التي جاء في سطورها: "جرى انتقال السلطات التي خوّلها الدستور لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي إلى حضرة صاحب الفخامة السيد شكري القوتلي الذي انتخبه مجلس النوّاب رئيساً للجمهورية (...)، وقد شهد ذلك صاحب الدولة الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب والأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء والسيد وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا...". وبالطبع، لا يفوتكم ملاحظة ترتيب السلطات الثلاث الشاهدة على التوقيع: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية!
وللتذكير بسجايا الرجل الذي اختزل قامته أمثال هيكل ونفر المستشرقين الهواة، يُشار إلى قول آخر مأثور أطلقه في وجه ونستون تشرشل حين اجتمع به في السعودية، فخاطبه بعد أن التفت إلى البحر القريب: "شعبنا لن يكبّل وطنه بقيد العبودية والذلّ والاستعمار حتي لو أصبحت مياه هذا البحر الزرقاء حمراء قانية". هذا إلى جانب أنه تخلى طواعية عن منصبه كرئيس للجمهورية السورية، منتخب ديمقراطياً ومحبوب من شعبه وصاحب حظوة واحترام في العالم، مقابل تحقيق الوحدة السورية ــ المصرية.
لكنّ أطرف ما في حكاية هيكل أنّ عبد الناصر، الألمعي اللماح، لم يتملكه الفضول فيسأل عن الفئة التي يضع القوتلي نفسه فيها: الزعماء أم الأنبياء أم الآلهة!
12/5/2019

ذكرى الجلاء واستذكار "القيثارة"

رحيل قوات الانتداب الفرنسية عن سوريا، في 17 نيسان (أبريل) 1946، هو التاريخ الرسمي لعيد الاستقلال، أو عيد الجلاء كما نسمّيه نحن السوريين. بعد شهرين فقط، في حزيران (يونيو) صدر في مدينة اللاذقية العدد الأوّل من شهرية "القيثارة" التي تهتم بالشعر بوصفه "أرحب حقل" في الفنون، و"التراث الأوّل ويكاد يكون الوحيد في تاريخ أمتنا الفني"؛ كما قالت "لجنة تحرير" المجلة في الافتتاحية. كان رئيس التحرير هو الشاعر كمال فوزي الشرابي ((1923 ـ 2009)، الذي سوف يصدر ثلاث مجموعات هي "قُبل لا تنتهي"، "الحرية والبنادق"، و"قصائد الحب والورد". وفي آب (أغسطس) 1947، وبعد 12 عدداً، توقفت المجلة عن الصدور، بسبب "انتقال رئيس التحرير من وظيفته إلى دمشق، وبسبب عدم وفاء المشتركين تسديد اشتراكاتهم"، كما ذكر الشرابي.
وذلك العدد الأوّل نشر قصائد من أحمد الصافي النجفي، نديم محمد، حامد حسن، محمد مجذوب، عزيزة هارون، محمود حبيب، بديع حقي، أديب مظهر، ابراهيم منصور، حبيب خير بك، كريم سيف الدين، محمد عباس، كمال فوزي، يوسف سمارة، جبران خليل جبران، عبد العزيز أرناؤوط، فاضل كنج، جوهر نعمان، مالك طوق، ميشيل طراد، رشيد نخلة، وأحمد حبيب منصور؛ فضلاً عن ترجمات من ستيفان مالارميه ورونسار، ومقالات عن شعر المنتجب العاني وثانية عن الموسيقى، وثالثة عن الرواية المسرحية. اللافت، بادئ ذي بدء، أنّ قصيدة شرابي نفسه، "ميسلون"، كانت الوحيدة التي حملت صفة الشعر الوطني أو القصيدة السياسية، في مرحلة كانت تشهد خواتيم الثورة السورية وفجر الاستقلال الرسمي والجلاء؛ وأنها، ثانياً، اتخذت شكل قصيدة التفعيلة في تلك الحقبة المبكرة حقاً: "أيا ميلسون ألا زوبعة/ تطهر أرض بلادي/ من الأنفس الطيّعة/ لذلّ الأعادي/ وتصعد حتى السماء/ على أجنح الأقوياء/ فإمّا حياة فخور وإمّا فناء".
الأعداد اللاحقة سوف تنشر قصائد لأمثال سعيد عقل، نزار قباني، بشارة الخوري، عزيز أباظة، أنور الجندي، عمر أبو ريشة، صلاح لبكي، بدوي الجبل، فاتح المدرس (قصيدة نثر بعنوان "الوجه الشمعي")، إبراهيم ناجي، فوزي المعلوف، يوسف الخال (قصيدة عمودية بعنوان "دوسي على قلبي"!)، علي محمود طه، الياس قنصل، إيليا أبو ماضي؛ وترجمات من فكتور هوغو وشارل بودلير وشللي وعمر الخيام ورومان رولان؛ ودراسات عن المكزون السنجاري والمنتجب العاني، وأخرى من محمد مندور وسيد قطب... كذلك سوف تنشر المجلة قصيدة لفتى في الرابعة عشرة من عمره، من قرية قصابين ــ جبلة، اسمه علي أحمد سعيد (أدونيس، كما سيصبح اسمه في سنوات لاحقة)، عنوانها "خريف زنبقة"، عمودية، من عشرة أبيات؛ يقول في مطلعها: "إليك... وهل تمحو ‘إليك’ مسالكا/ من البيد أغفى في مساربها الفكر؟/ ذبلت، ولم يغدق على أفقك الضحى/ سناه، ولم يخفق على نهدك العطر/ يضج حداد الليل، والليل هادئ/ ويعبس وجه الفجر، والفجر يفتر".
وفي عدد نيسان (أبريل) 1947 ستخصص المجلة ملفاً للشعر السوريالي السوري، نشر فيه أورخان ميسر وعلي الناصر، رائدا هذا التيار في الشعر السوري خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد جاء في التقديم للشاعرين أنهما يبشران "بمدرسة جديدة من مدارس الرمزية، لم يتعرف الأدب العربي إليها بعد، هي (السوريالية) أو مدرسة ما وراء الواقع. وقد ألقى الأستاذ أورخان ميسر في الشهر الماضي محاضرة عن هذه المدرسة في حلب، ظفر خلالها بإعجاب المستمعين وتقديرهم، وكان بينهم أديب أمريكي طلب من الأستاذ ميسر السماح له بنشرها في مجلة أدبية تصدر في العالم الجديد. والمعلوم أنّ فناني هذه المدرسة وأتباعها ينهلون من نبعة (اللاوعي) أو العقل الباطن في التعبير عن أحاسيسهم الخفية الدقيقة وأفكارهم الغامضة العميقة، ويسبغون على آثارهم خيالات رمزية بالألوان، وأجواء غنية بالتهاويل والظلال والألحان...".
وليس كثيراً على القيثارة أن يُحتفى بتجربتها، في مناسبة ذكرى الجلاء تحديداً، على خلفيات شتى؛ ثقافية في البدء لأنها كانت، بالفعل، وريثة مجلة "أبولو" المصرية التي أطلقها أحمد زكي أبو شادي في عام 1932 واستمرت سنتين فقط؛ وبهذا فإنّ "القيثارة" تلقفت راية تجديد شعري تمكّن من التعايش مع مدارس كلاسيكية، سواء من حيث الشكل أم المضمون. الخلفية السياسية كانت تعكس أنساق وعي الطبقة المتوسطة في مختلف شرائحها، تجاه العلاقة بين الوطنيّ والكونيّ، والسياسيّ والإبداعي؛ خاصة خلال عقود كفاح متعددة المهامّ، امتزج فيها التوق إلى الاستقلال بالتعطش إلى الحداثة. وأمّا الجانب السوسيولوجي، فليس بعيداً عن علم الاجتماع ما شددت عليه لجنة تحرير "القيثارة" في العدد الأوّل، من حاجة إلى "حبّ المرح" بوصفه "نتيجة ملازمة لتذوّق الفنّ"، وبلوغ "هيكل المرح الإنساني الكامل" الذي يتيح الانعتاق من "تبذلات الواقع"، والترفع عن "الانغماس في المادة"، وارتقاء "سلّم المطالب السامية التي تنشدها كلّ نفس بشرية"...
نبرة مثالية؟ ربما، بل هي غير بعيدة عن "مزاج" الطبقة الوسطى في تلك الحقبة؛ لكنها لا تؤكد، ولا تنفي بالضرورة، أنّ الجماهير التي هتفت بحياة الجلاء عن المستعمر الفرنسي كانت، أيضاً، تقرأ مالارميه في "القيثارة"، أو تُعرض عنه

 21/4/2019

أمجد ناصر: رسالة اللاغفران


في سورة "الحجر"، 42ـ44، تخاطب الآيات إبليس هكذا: "إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتّبعك من الغاوين. وإنّ جهنم لموعدهم. لها سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم". وفي "كتاب العظمة" الذي يُنسب إلى مؤلفين كثر ويُعتقد أنه خُطّ في سنة 300 هجرية، تنقسم جهنم إلى "سبع طباق بعضها فوق بعض"، هي السفلى الهاوية، وفوقها الجحيم، والسعير، وسَقَر، ولظى، والحُطمة، فالسابعة جهنم. وفي "رسالة الغفران" لا يكترث أبو العلاء المعرّي بتسمية طبقات جهنم بقدر انشغاله بمحاورة نزلائها من الشعراء، أمثال بشار بن برد وامرئء القيس وعنترة العبسي وعمرو بن كلثوم والحارث اليشكري وأوس بن حجر والأخطل التغلبي. وفي "الجحيم"، القسم الأول من ثلاثيته "الكوميديا الإلهية"، يوزّع دانتي أليغييري المعذبين على تسع طبقات، تبدأ الأولى بالملائكة عصاة الربّ، وتنتهي التاسعة عند إبليس ويهوذا الأسخريوطي وخائني أوطانهم.
وفي عمله الأحدث هذا، "مملكة آدم"، شاء أمجد ناصر مساجلة ذلك التراث، وسواه في الواقع (ابتداء من هبوط أمثال أورفيوس وعوليس وإينياس إلى العالم السفلي، وليس انتهاء بمراثي ريلكه و"عواء" ألن غنسبرغ)؛ ولكن من مهاد بانورامية أولى كبرى، هي أرض البشر. فهذه، المعاصرة على وجه التحديد، شهدت وتشهد أفانين جحيم لا تتفوّق على خوارق العذاب في مختلف تنويعات الجحيم التي صوّرتها المخيّلة الإنسانية، أو توعدت بها الأساطير والنصوص المقدسة، فحسب؛ بل لعلها، أيضاً، تتحدى أقصى ما يملك التخييل من طاقات استحضار الشرّ، وتمثيل القسوة، واستكناه الألم، وتجسيد الموت. وهذا ما يفعله أمجد ناصر هنا، على امتداد سبع طبقات جحيمية، يدير في كلّ منها بنية اشتباك إنساني وأخلاقي، فردي وجَمْعي، مادّي ملموس ومجازي تخييلي، في آن معاً؛ ولكن، دائماً، ضمن إطار اشتغالات خلاّقة لاستقصاء معادلات الشعر والشعرية خلف هذه البنى المشتبكة والمتشابكة.
لكنّ جحيم أمجد ناصر ليس منشأة ميتافيزيقية أو ماورائية، رغم تكرار مفردة "الله" والإلحاح على إبلاغه بما يجري في مملكة مخلوقه آدم، ورغم الإشارات إلى عزرائيل وإبليس وصعود الشاعر المتكلم في القصيدة "إلى عليين"، غير ميّت، حياً، وجاهلاً إنْ كان حداداً أم نجاراً أم ميكانيكياً أم شاعراً، وظاناً أنه رسول غير إلهي! ولهذا فإنّ ما تستكشفه قصيدة أمجد ناصر من مراتب الشقاء وطبقاته لا يندرج في أيّ مفهوم غيبي عن العقاب في الحياة الآخرة، بل هو مثال من أرض البشر في عصرنا، تُنشئه أجهزة الاستبداد والفساد والجشع والهيمنة؛ بل ليس ثمة مبالغة في القول إنّ المأساة السورية هي ميدانه ومشهديته. الإشارات في هذا الصدد كثيرة وجلية المغزى: "البراميل التي تسّاقطُ على الرؤوس كالمطر الذي أرسله الله الى أممٍ أخرى"، و"بلاد البراميل والسارينَ في مملكة آدم"، و"خَزَنة البراميل المعبأة بـ التي إن تيْ والمسامير وأنصال السكاكين"، و"الأب باولو دالوليو".
والشاعر في هبوطه، أو صعوده، يعدّد طبقة أولى من الجحيم "حيث الذين يرون ولا يفعلون شيئاً"، وثانية "حيث الممسكون عن قول كلمة تصنع فرقاً"، والثالثة "حيث الكذابون"، والرابعة "حيث المنافقون"، والخامسة "حيث خونة الأمانة"، والسادسة "حيث إخوة يوسف يدبغون قمصاناً بيضاً بدمٍ كَذِبٍ"، والسابعة "حيث أولئك الذين يشبهون الحيوانات الوديعة/ لكنهم ينشبون أنيابهم ومخالبهم في أجساد الضعفاء". وعلى غرار المعرّي، يتخيّل أمجد ناصر اللقاء بثلاثة نماذج ذميمة من الشعراء، ونموذج رابع يحظى بتعاطفه (ويصعب أن يضلّ القارئ العربي طريقه إلى معرفة هويات هؤلاء الحقيقية!). لكنه، في تجواله على صنوف العقاب المختلفة، يستخلص: "لم يكن عذاب هؤلاء شيئاً أمام عذاب الرجل/ الزرافة، فقد كان الزبانية يجزّون رأسه ويتقاذفونه من وادي الأفاعي الى وادي العقارب، ثم ينبت له رأس جديد فيعيدون جزَّه وتقاذفه بلا توقف"؛ وهنا، أيضاً، لن يخطيء القارئ معرفة هوية هذا النزيل.
هذه، في قراءتي، هي رسالة اللاغفران التي يرسلها أمجد ناصر إلى عصرنا، حول جحيمنا الأرضي وضحاياه، وشقائنا البشري وصانعيه، وحول مملكة آدم "حيث صارت الكلمة للزومبيين/ مصاصي الدماء/  أكَلة لحوم البشر/ هاتكي الأعراض/ مغتصبي الصبية الصغار/ رجالِ الخازوق والكراسي الكهربائية/ محوْلي القرودَ الى بشرٍ والعكس/ عاقّي آبائهم وأمهاتهم/ الذين يقطعون الرؤوس كدرسٍ سريعٍ في التشريح". بيد أنّ النصّ البديع هذا لم يُكتب إلا لكي يسجّل نقلة متقدمة ضمن تجربة أمجد ناصر الشعرية في المقام الأوّل، بل إنّ إنتاج قصيدة رفيعة هو الهاجس الأشدّ بروزاً في معطيات العمل الفنّية؛ لأنه إنما يبداً من بلاغة في المعنى والمبنى تعلن شعريتها العالية على الفور، فلا يُتاح لنبرات النصّ النبيلة، الأخلاقية والعاطفية والفلسفية، ولا الأهوال الجحيمية الطاغية على سطوح المعنى وبواطنه، أن تُبطيء ارتقاء الجماليات الشعرية في مستوياتها المختلفة والمتكاملة:
ــ توظيف اللغة ذات الشحنات الدلالية والشعورية القيامية ("أنا الذي ينتظر في طوابير الواقفينَ أمام الأرشيف السماويّ مع موتى لا أسماءَ لهم. أو لهم أسماء لا تعني شيئاً في هذه الدياميس"، أو"موتى يدفعون موتى ظانّين أنّ هناك ملجأ من هذه القيامة الغادرة"، أو"لا تغفرْ لهم يا أبتِ/ لأنهم يعلمون ما كانوا يفعلون"). وللمرء، هنا، أن يستعيد بصمة أسلوبية خاصة طبعت لغة أمجد ناصر منذ البدء، وتنامت وارتقت وتطورت على مسار مجموعاته اللاحقة؛ وهي رسوخ فصحى غنيّة، حارّة المعجم، عالية الإيحاء، حسّية العناصر، تشكيلية الصورة، بصرية الاستعارة، وإيقاعية التكوين في بنياتها الدلالية والصرفية والصوتية.
ــ تنويع التشكيل الإيقاعي، بين تقطيع إلى سطور تطول أو تقصر طبقاً لتوظيفات دلالية أو صوتية ("اللحم الجديد يطرد اللحم القديم. الأرض، وهي لحمٌ سابقٌ، لم تعد قادرةً على الاستيعاب والتمثّل. لن يصبح هذا اللحم تراباً لوقتٍ طويلٍ، فلا مكان له في التراب المزدحم بلحمٍ آخر")، تعتمد على التكرار اللفظي ("كلا/ كان هناك وقت/ كان هناك/ كان")، أو التكرار المبطّن ("كثيرٌ هذا اللحمُ/ لحمٌ كثيرٌ متطايرٌ/  طازجٌ/  بائتٌ/ من يريد كلَّ هذا اللحم")؛ أو تشكيل إيقاعي يعتمد التقطيع إلى فقرات كاملة، أو "مدوّرة"، تتوسّل كثيراً ما أعلن أمجد ناصر أنه بات يميل إليه أكثر: "الكتلة النثرية، والسطر الطويل والجملة التي تشبه جملة النثر".
ـ تسخير تقنيات السرد القصصي والسيناريو السينمائي والتأثيث المسرحي. وليس انقسام النصّ إلى مقدّمة وجيزة وسبع طبقات سوى الركيزة العليا لمعمار في البناء يتشعب ويتغاير، فيتيح لكلّ جزء أن ينفرد ببنية مستقلة الخصائص وأن ينضوي، في الآن ذاته، ضمن تراصّ النصّ عضوياً.
بل إنّ أمجد ناصر لا يكتفي بهذه المستويات، صانعة الشعر في مقترحاته الفنية الأوفى إعراباً عن مضامين الشقاء البشري، جسداً وروحاً، في طبقات الجحيم الأرضي؛ والأصفى انخراطاً في فنون تظهير تلك المضامين، وزجّ القارئ في شبكات جمالياتها الحادّة والجارحة، الثائرة المنتفضة تارة والنادبة الرثائية تارة أخرى، ناقلة إنشاد ملحمي وكوني هنا، أو ترتيل وجداني وذاتي هناك. ذلك لأنه يعمد، أيضاً، إلى إدراج الجوقة بما تستثيره عند القارئ من مهامّ معهودة في صياغة الأقوال الأخرى التي لا تتردد مباشرة في الواجهة، وظلال التلميح العميقة التي لا تتبدى بالضرورة في مفردات التصريح المنكشف؛ كما يسخّر ما يتضافر مع الجوقة من مهامّ أخرى غير معهودة في الواقع، إلا ضمن مجازفات الشعر التجريبية ربما. وهذه تنطوي على تحويل الصوت إلى سلسلة أصداء ذات دلالات متقاطعة أو متجانسة أو، في كلّ حال، حمّالة معانٍ حرّة وتأويلات مفتوحة، وتضادّ جدلي بين عناصر اللغة والكائن والمادّة: "طارت الكلمات/ تبدَّدت الصرخات/ وظلت الأجساد بلا ثقلٍ على الأرض".
وإلى جانب الجوقة، يتكيء أمجد ناصر على أداة أخرى مكمّلة يسميها "صوت 1"، يردّد مشاعر الشكوى والتضرع والحيرة: "عالِجوني بروح الخردل/ والأياهوسكا/ والداتورة/ بالسذَّاب السوري/ والحداء الذي يشبه بكاء الجِمال /لأصعد إلى السماء الخامسة / حيث قدمُ اللهِ المتشعبةُ تغسلُها النوايا الطيبة/ وأيدي الحور العِين". كذلك يستخدم أداة ثالثة هي "صوت من الصحراء"، تُسند فيه إلى ضمير الشاعر المتكلم أسئلة نبوّة رؤيوية، غير تقليدية وغير تبشيرية، يمكن أن تكفر بنفسها وتجدف على رسالتها؛ والغاية، المتعددة في الواقع، جديرة بأن تبدأ من إثقال مناخات القصيدة الشعورية على صعيد الحوار مع الضمائر الأخرى، المادية والمجازية معاً؛ ويمكن أن تشمل ربط خواتيم القصيدة بمطالعها، حين يعلن الضمير الناطق ذاته أنه رسول. 
والمراوحة بين الضمائر، أو بالأحرى تنويع وظائفها ضمن الطبقة الواحدة، هو أداة أخرى يستخدمها أمجد ناصر في إنجاز التناغم بين الركيزة العليا والبنى الفرعية؛ إذْ يحدث، كما في القسم IV على سبيل المثال، أن يهيمن ضمير المتكلم في الأجزاء الأولى، لكي يفسح هامشاً لضمائر المخاطب بالمفرد والجمع، وهذا مَزْج يتواتر إيقاعياً ــ ولكن دلالياً أيضاً، في واقع الأمر ــ مع ضمير محايد أقرب إلى الغائب السارد في الطبقة السابقة، وضمير المتكلم بالمفرد والجمع في الطبقة اللاحقة. وليس خافياً أنّ اشتغالات الضمير هنا لا تقتصر على تأهيب المحمول الدرامي في هذا المقطع أو ذاك، بل تستحثّ ردود فعل شعورية متزاحمة لدى قارئ منشدّ، أصلاً، إلى مناخات طافحة بالكثافة.
وعلى خلاف غالبية أنساق الجحيم في التراث المتعدد الذي يساجله أمجد ناصر، حيث القارئ منفكّ غالباً عن الرحلة ومراقب خارجي لطبقاتها ومراتبها، تجهد "مملكة آدم" كثيراً لكي يتماهى القارئ مع جحيمها، ولكي يكون شريكاً في إعادة إبصار أهواله بوصفها سمة عصرنا وليست نتاج ابتداع مخيّلة أو أسطورة أو نصّ ديني. وهذا، تالياً، عمل شعري فريد لا يُقرأ فقط، بل يُبصر عيانياً ومسرحياً وسينمائياً؛ ويُسمع أيضاً، واستطراداً، لأنّ عماراته الإيقاعية لا تدغدغ الآذان على عجل، ولا تضخّ الأناشيد قارعةً منذرة. إنه بيان شعري رفيع، فذّ وجارح واختراقي، لكنه أيضاً رهيف وجدانياً ونبيل إنسانياً ومنحاز أخلاقياً؛ يتوغل عميقاً في أنساق الفظاعات التي باتت صنو الجحيم البشري الأرضي، وصارت المأساة السورية مثالها الأوّل وأمثولتها العليا.
22/3/2019