وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 9 يوليو 2012

يساريّ الحلف الأطلسي

عُرف عنه انتقاده الشديد، عبر الكتابة والسينما التسجيلية والنشاط المباشر، لمسائل واسعة النطاق، تبدأ من النظام الرأسمالي الأمريكي (بما في ذلك أنظمة حقوقية، وقوانين مدنية، وتشريعات اجتماعية داخل الولايات المتحدة ذاتها)؛ ولا تنتهي عند غزو أفغانستان والعراق، والعولمة الوحشية، والإمبريالية المعاصرة. فإذا وقف مع انتفاضات العرب، في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن، فالأمر خير على خير؛ إلا إذا... انحاز، أيضاً، إلى الانتفاضة السورية، فهنا الطامة الكبرى، وهنا يهبط في نظر الممانعين العرب إلى أسفل سافلين، فلا يعود تقدمياً، ولا نزيهاً، ولا شريفاً، وليس كثيراً أن يكتشفوا عمالته للمخابرات المركزية الأمريكية!

إنه المخرج السينمائي والكاتب والناشط الأمريكي مايكل مور، الذي جرّ على نفسه سخط المستحاثات إياها حين أعلن وقوفه، بلا تحفظ ولا تأتأة، مع حقّ الشعب السوري في الحرّية والديمقراطية، وخاطب السوريين عبر رسالة متلفزة بليغة، جاء فيها: "في كثير من الأحيان، لا تُقدّم الحرية على طبق من فضة. أحياناً يكون عليك أن تنهض وتنتزعها. أحياناً يجب عليك أن تقف وتطالب بها. وأحياناً، يكون على البعض أن يضحوا بحياتهم، وهؤلاء هم من ستعيش ذكراهم إلى الأبد. لا تستسلموا! التاريخ في صفكم! كلّ دكتاتور وكلّ طاغية على مرّ التاريخ سقط واحترق. كلهم يرحلون عاجلاً أم آجلاً، مهما بلغ شرّهم. التاريخ يتقدم، والبشرية تتطور، وهذا هو ما يحدث الآن في سورية".

استكثر السادة "الممانعون" أن يعلن مور هذا الموقف الصريح، الواضح والأخلاقي، وأن يختم رسالته بعبارة طاش لها صوابهم كما للمرء أن يتخيّل، لأنها ببساطة تجزم بانتصار الشعب وسقوط الطغيان: "لدي إيمان كبير بقدرتكم على تحقيق ذلك، الجميع هنا يؤمن بذلك، لديكم مؤيدون ودعم كبير ليس فقط بين أبناء الشعب الأمريكي، بل بين شعوب العالم أجمع، وفي العالم العربي طبعاً. أنظارنا موجهة إليكم الآن. فليكن الله معكم". ومنذ أن وجّه الرجل رسالته، في أواسط أيار (مايو) 2011، لا يحدث أن تُقتبس فقرة منها في أي مناسبة، إلا ويهبّ "الممانعون" مجدداً، فيكيلون له التُهَم العتيقة المكرورة، كما يبتكرون أخرى جديدة مستوحاة من واقع الحال ("يساريّ الحلف الأطلسي"، على سبيل المثال الأحدث!).

والحال أنّ مور يواصل الوفاء لفلسفة في العلاقة بين الفنّ والحياة، أو الفنّ والسياسة لمَنْ يشاء، لاح أنها انقلبت عنده إلى رسالة؛ كما لاح، بالتوازي مع ذلك الوفاء، أنّ العالم أقرّ للرجل بنجاح باهر في تركيب المعادلة على وجه سليم. شريطه "فهرنهايت 11/9" فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الـ 57، سنة 2004، وقوبل انتهاء عرضه بتصفيق دام 20 دقيقة (بين الوصلات الأطول في تاريخ المهرجان). كما نال، قبلها بسنتين، جائزة لجنة التحكيم في المهرجان ذاته، عن شريطه التسجيلي الشهير "باولنغ كولومباين"؛ ثمّ انتزع جائزة أوسكار من شدق الأسد الهوليودي، قبل أن يقيم الدنيا دون أن يقعدها حول فضيحة رفض شركة والت ديزني توزيع "فهرنهايت 11/9" على صالات العرض الأمريكية.

بدأ مور حياته المهنية صحافياً في جريدة محلية مغمورة تصدر في بلدة فلنت، ولاية ميشيغان، قبل أن يلفت انتباه مطبوعة كبيرة هي Mother Jones فتعيّنه محرّراً، ثمّ تقيله لأنه رفض نشر مقال متحيّز ضدّ ثوّار نيكاراغوا. وشركة "جنرال موتورز"، إحدى أكبر أيقونات الرأسمالية المعاصرة، حفزت مور على إنجاز فيلمه التسجيلي الأوّل "أنا وروجر"، 1989، الذي يروي مسؤولية الشركة، ورئيسها روجر سميث شخصياً، عن تحطيم الاقتصاد المحلّي في بلدة فلنت. ولقد حقق الشريط نجاحاً مذهلاً، وحصل على جوائز أساسية في العديد من المهرجانات، مما شجّع مور على متابعة الموضوع ذاته في شريط ثانٍ بعنوان: "لحمٌ أم حيوانات أليفة: العودة إلى فلنت".

أعماله اللاحقة، "سيكو" و"رحلة الكابتن مايك عبر أمريكا" و"انتفاضة المتهرّب"، و"الرأسمالية: قصة حبّ"، واصلت سيرورة الوفاء إياها، ليس دون أن تكافئه تطوّرات الحياة المعاصرة، فتبرهن على صواب خلاصاته الثاقبة وانتقاداته اللاذعة. حدث ذلك، مؤخراً، في الانتصار القانوني الذي لقيه مشروع قانون الضمان الاجتماعي (موضوع شريط "سيكو")، وافتضاح خرافة أسلحة الدمار الشامل في العراق، واندحار الكثير من أطروحات المحافظين الجدد. هذا، إذاً، رجل سينمائي من رأسه حتى أخمص قدميه، ولكنه ناشط سياسي لا يكلّ ولا يملّ. وأن يكون المرء داعية ماهراً (في الكتابة والخطابة والنشاط اليوميّ...)، وفناناً مشهوداً مكرّماً (في الفنّّ السينمائي، وفي فرع شاقّ منه هو الفيلم التسجيلي تحديداً...)؛ أمر لا ينطوي على تناقض منطقي، من حيث المبدأ. وليس نجاح هذا الرجل في الفنّ وفي السياسة معاً إلا بعض تجليّات نجاحه الفائق في تفكيك أطراف تلك المعادلة الشائكة، على نحو متوازن متلائم لا يليق إلا بموهبة فريدة.

ولعلّ التعبيرات العصبية، التي تتسم بها مواقف بعض "الممانعين" العرب الغاضبة من تعاطف مور مع الانتفاضة السورية، إنما ترتدّ في بواطنها إلى مخاوفهم من أن تثبت الحياة صحّة تقديرات الرجل، خاصة هذه على وجه التحديد: "كلّ دكتاتور وكلّ طاغية على مرّ التاريخ سقط واحترق. كلهم يرحلون عاجلاً أم آجلاً، مهما بلغ شرّهم"!   

الجمعة، 6 يوليو 2012

اغتيال عرفات: تعدّد القتلة قبل أن تتعدد السموم

لعلها مصادفة فلسطينية بامتياز، بالمعنى الكلاسيكي الذي يتيح امتزاج المهزلة بالمأساة، أن تتكشف معلومات جديدة حول ألغاز وفاة القائد الفلسطيني ياسر عرفات (1929 ـ 2004)، مسموماً بمادّة البولونيوم هذه المرّة؛ وأن يعلن "قائد" فلسطيني آخر، هو أحمد جبريل، وقوفه التامّ (وكأنه يستطيع تنفيذ نصف وقفة مثلاً!) مع النظام السوري، لأنّ "ما يدور في سورية ليس حراكاً داخلياً محلياً، بل هو تغيير في بنية هذه المنطقة لصالح شرق أوسط جديد". وبعد أن أشفق على حركة "حماس" لأنها لم تحذُ حذوه في البقاء ضمن "محور واحد"، طريقه "بدأ يُعبّد من طهران إلى بغداد إلى دمشق"؛ أعلن صاحبنا أنه اتفق مع إيران و"حزب الله" على أنّ "ما يدور على أرض سورية هي المعركة الفاصلة"... ما دامت فلسطين قد تحررت، وانتهى الأمر!

شتان ما بين عرفات وجبريل، بالطبع، ولكن المصادفة تشاء زجّ الاثنين معاً في سياق مفارقة مؤلمة، بين أشدّ آلامها أنّ فصيلاً يزعم تحرير فلسطين إنما يتلهف على مسخ أنصاره إلى شبيحة وقتلة ورجال استخبارات، سبق لهم بالفعل أن نفّذوا مهامّ أمنية واستهدفوا الفلسطينيين أنفسهم في المخيمات التي شهدت تعاطفاً فلسطينياً مع الانتفاضة (مجزرة مخيم اليرموك، على سبيل المثال، الصيف الماضي، والتي سقط فيها 14 شهيداً فلسطينياً على يد قوّات جبريل). آلام أخرى تمثلت في تطوّع "محرّري فلسطين" هؤلاء، لاختطاف ناشطين سوريين من لبنان، وتهريبهم عبر الحدود، وتسليمهم إلى السلطات السورية حيث تنتظرهم أهوال التعذيب واحتمالات التصفية الجسدية.

وأياً كان الخلاف أو الاتفاق حول خياراته السياسية والفكرية وحتى التنظيمية، فإنّ معارك عرفات كانت من طينة أخرى، أرقى وأشرف وأنبل، بل هي لا تقبل أي مقارنة في الواقع، خاصة خلال الأطوار الأخيرة حين استقرّ في صورة القائد السياسي الذي رفض إحناء الرأس في كامب دافيد، صيف 2002، طيلة تسعة أيّام من الضغط الهائل الذي مارسه الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، على نحو لم يكن له نظير في تاريخ علاقة البيت الأبيض بقضايا الشرق الأوسط. وحين وصلت تفاصيل التسوية إلى حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، خصوصاً القدس وحقّ العودة والإستيطان، قال عرفات "لا"، مدويّة ثابتة راسخة و... مدهشة، في الواقع، إذْ تصدر عن رجل كان مولعاً بـ"سلام الشجعان" دون سواه!

ولقد استحقّ سخط واشنطن مذاك، ثم تكفّل المجتمع الإسرائيلي بانتخاب أرييل شارون لكي يذيق عرفات المزيد من ألوان الضغط والمهانة والعزل والحصار، وفي غضون السيرورة بأسرها كان النظام العربي يُجْهز على ما كان تبقى في نفس الرجل من عناصر أمل ونوازع صمود. قال "لا" حين كانت الـ"نعم" هي المنجاة والإجابة الوحيدة في آن، ولو أنه أحنى الهامة فلعلّنا ما كنّا سنبصره محمولاً على نقّالة طبيّة في سماء باريس؛ وما كان سيلزَم "المقاطعة" محاصَراً. الأرجح أنه كان سيواصل تجواله في عواصم العالم، على متن طائرة أفخم وأحدث، معززاً مكرّماً أكثر بكثير من كلّ أقرانه الحكّام العرب، الذي مسحوا رقم هاتفه في رام الله، راغبين أو مُكرهين!

ولقد سال مداد كثير في وصف محاسن عرفات ومساوئه، خصوصاً تلك الحلقة الضيّقة التي قرّبها منه، وأطلق لها اليد في الفساد والإفساد والتسلّط والترهيب، ومحاكاة مختلف جرائم الاستبداد العربي. ولكنّ الأخلاق البسيطة، فضلاً عن موضوعية الوقائع ذاتها، والحدود الدنيا في الإنصاف، تقتضي عدم التقليل أبداً من حجم المأزق الذي عاشه عرفات في السنوات التي سبقت رحيله، من جانب أوّل؛ ومقدار المرّات التي دُفع فيها إلى الجدار الأخير، أو حُشر في الزاوية الأضيق، من جانب ثانٍ. لعلّه، منذ أن رفض الخنوع لاشتراطات كامب دافيد ـ 2 وحوصر في مبنى "المقاطعة"، كان قد دُفع إلى حافة اتخاذ القرار الأخطر في حياته قاطبة: إمّا الخضوع والاستسلام وبيع التضحيات الفلسطينية الجسيمة بثمن بخس أقرب إلى المجّان، أو الصمود مرّة أخرى... اتضح أنها كانت الأخيرة!

قد يكون قاتله إسرائيلياً بالفعل، بهذا السمّ أو بسواه؛ إلا أنّ الكثير من القتلة كانوا قد مدّوا يد العون للقاتل الأخير، على نحو أو آخر، وفي عواصم عربية "شقيقة"، وأخرى "صديقة"، قبل تلك الأجنبية الغريبة. النظام السوري هو أحد كبار الشركاء في قتل عرفات، حتى قبل أن تصبح أعنة السلطة البعثية إلى يدَيْ حافظ الأسد سنة 1970، وتُنقل من بعده إلى وريثه. التاريخ يبدأ من كانون الأول (ديسمبر) 1964، حين قامت مفرزة تابعة للمخابرات العسكرية السورية باعتقال عرفات، بتهمة "التحضير لأعمال تخريبية"، وذلك بعد تفتيش صندوق سيارته والعثور فيها على أصابع ديناميت. وقد أطلق سراحه بعد 18 ساعة، لكنّ الحادثة بدت غريبة لأن عرفات كان ينقل الديناميت بعلم وتسهيل القيادة السورية، وسبق له أن حصل على الموافقة بنقل أسلحة مختلفة إلى معسكرات تدريب "فتح" في سورية. وكان اللواء أحمد سويداني، رئيس الأركان آنذاك، هو الذي نقل الإذن إلى عرفات شخصياً، بعد مفاوضات بين الرجلين بدأت منذ ربيع ذلك العام.

ما الذي حدث؟ كان أمر الاعتقال قد صدر عن العقيد محمد أوركي، رئيس شعبة فلسطين التابعة للمخابرات العسكرية السورية، إلا أنّ الآمر الحقيقي كان الرجل القوي في الجيش، صاحب النفوذ الواسع في مختلف أجهزة الاستخبارات، وقائد القوى الجوية، اللواء... حافظ الأسد! اللواء السويداني كان، من جانبه، يمثّل طموح حزب البعث الحاكم إلى احتكار القضية الفلسطينية سياسياً وعقائدياً، ولهذا أقنع القيادة بالسماح لـ "فتح" بحرّية الحركة والتدريب على الأراضي السورية. أمّا الأسد فقد كان يمثّل طموحات شخصية للسيطرة على مقاليد الأمور والتمهيد لاستلام السلطة، ولهذا فقد ذكّر عرفات بأنّ صاحب القرار الأقوى، والمرجعية العليا التي يتوجب على "فتح" أن تعود إليها، هو الأسد.

وتلك الحادثة سوف تسجّل بدء تاريخ طويل من العداء بين عرفات والأسد، خصمه العربي الأكثر شراسة ضدّه، وحقداً عليه أغلب الظنّ. الأخير ظلّ مصرّاً على تحويل جميع فصائل حركة المقاومة الفلسطينية، و"فتح" بصفة خاصة، إلى ورقة في جيبه ولصالح خططه التكتيكية والستراتيجية؛ والأوّل ظلّ مصرّاً على ضرورة بقاء البندقية الفلسطينية، والقرار الوطني الفلسطيني، في استقلال تامّ عن كلّ الأنظمة العربية. وهكذا، في أيار (مايو) 1966، وفق مصادر متطابقة، حاولت الاستخبارات العسكرية السورية اغتيال عرفات أثناء وجوده في اجتماع مع رجل سورية داخل المقاومة الفلسطينية، أحمد جبريل (صاحبنا، دون سواه!)، في أحد البيوت السرية في دمشق. ولقد فشلت المحاولة لأنّ عرفات تغيّب، بعد أن "انشقّ" أحد المكلفين بترتيبات الاغتيال، فانضمّ إلى عرفات، وأبلغه بالتفاصيل.

وفي 13 تموز (يوليو) 1971، فور بدء الهجوم العسكري الشامل ضدّ الفلسطينين في الأردن، أمر الأسد، وكان آنذاك قد صار حاكم سورية، بإغلاق الحدود السورية ـ الأردنية أمام "الفدائيين"، ممّا أضعف قدرتهم على المناورة وجعلهم هدفاً سهلاً لقوّات الملك حسين. وكان غرض الأسد التالي هو تصفية الوجود السياسي والعسكري للفلسطينيين، وعرفات أساساً، في كامل الأراضي اللبنانية، وهو بعض الثمن الواجب سداده مقابل سكوت إسرائيل والولايات المتحدة عن الوجود العسكري والسياسي الواسع لسورية في لبنان.

ولعلّ الأسد لم يغفر لعرفات أنه صمد طيلة أسابيع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران (يونيو) 1982، وكشف بذلك عجز النظام السوري ليس عن مواجهة إسرائيل عسكرياً فحسب، بل حتى عن تأمين العتاد والأغذية للقوات السورية المحاصَرة. في المقابل، لا ينسى أفراد الجيش السوري المحاصرون كيف كان عرفات يوزّع عليهم معلبات الطعام بيديه. كذلك لم يغفر الأسد لعرفات أنه خرج إلى تونس وليس إلى سورية، كما فعلت معظم القيادات الفلسطينية، بعد وقف إطلاق النار وإجبار الفلسطينيين على مغادرة لبنان.

وفي شباط (فبراير) 1983، أثناء انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، بذل الأسد (بمساعدة مباشرة من العقيد معمر القذافي، الذي قرّب جبريل بدوره) كل جهد ممكن لشقّ منظمة التحرير على خلفية "تفريط" عرفات بالقضية الفلسطينية إذا قبل "خطة ريغان" للسلام. المجلس رفض الخطة، كما هو معروف، إلا أنّ صياغة الرفض تركت للمنظمة هامش حركة أقلق الأسد وجعله يخشى، للمفارقة، توطيد التعاون بين عرفات والملك حسين!

وهكذا ولد تمرّد أبو موسى ضدّ عرفات، وبسلاح سوري ومال ليبي وتواطؤ من المتمردين قُصفت مواقع المنظمة في مخيمَيْ شاتيلا وبرج البراجنة، لإخراج عرفات إلى العراء، والتمهيد لمعركة طرابلس الكبرى، صيف 1983. ولا ريب أن الأسد أصيب بالدهشة، والكثير من الغضب، لأن عرفات تحداه وظهر فجاة في سورية لكي يتفاوض مع المتمردين. وإمعاناً في التحدّي، وبعد الاجتماع مع رفعت الأسد، الذي كان في ذروة نفوذه آنذاك، اختفى عرفات عن الأنظار ودخل تحت الأرض. وفي 23 حزيران كانت قافلة عرفات المسافرة برّاً إلى طرابلس، وفي عدادها المرسيدس الشخصية لرئيس منظمة التحرير، قد تعرّضت لهجوم عسكري بالقذائف والأسلحة الثقيلة. لكنّ المفاجأة كانت غياب عرفات عن القافلة، وظهوره سالماً لإلقاء خطاب حماسي في مكان آخر من العاصمة السورية غير متوقع أبداً: مؤتمر الأدباء العرب!

وهكذا لم يجد الأسد مفرّاً من اتخاذ الخطوة الوحيدة المتبقية أمامه، أي طرد عرفات من العاصمة السورية بوصفه شخصاً غير مرغوب فيه. وبالفعل، في يوم 24 حزيران 1983، جرى تأخير موعد إقلاع رحلة الخطوط الجوية التونسية المعتادة، لكي يستقلّها عرفات وحفنة من مرافقيه. وفي كتابه "عرفات"، يروي ألن هارت أنّ جورج حبش، القائد الفلسطيني البارز وزعيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، كان آخر الفلسطينيين الذين ودّعوا عرفات في مطار دمشق، وأنه قال له بعد احتضانه: "يا الله يا أبو عمار! إذا كنتَ أنت تغادر دمشق هكذا، فكيف سأغادرها أنا؟ ربما في كفن"!

غير أنّ عرفات سيلقي بقفاز التحدّي الأخير في طرابلس، بعد أقلّ من ثلاثة أشهر!  ففي أيلول (سبتمبر)، وعلى نحو فاجأ العالم بأسره بما في ذلك مستشاريه، وصل عرفات إلى طرابلس على ظهر قارب صغير، وكان في الواقع أشبه بمَن جرّ نفسه إلى مصيدة: الإسرائيليون حاصروه بحراً، والأسد برّاً. آنذاك، وفي برنامج على راديو BBC، اعتبر الصحافي البريطاني الخبير في الشؤون السورية باتريك سيل أنّ مصير عرفات بات مسألة ساعات معدودات، فوافقه خبير آخر هو بيتر مانسفيلد. من جانبه كان الأسد أكثر واقعية من سيل ومانسفيلد، إذ أطال نهاية عرفات إلى ثمانية أيام: أربعة للمخيّمات، وأربعة للزعيم الفلسطيني ولأنصاره في طرابلس.

الأقدار، من جانبها، مدّت المهلة أطول... أطول كثيراً، إذْ كان عرفات هو الذي عزّى برحيل الأسد، في حزيران 2000، وليس العكس. لقد توجّب أن تتعدد السموم، وتتعدد هويات القتلة ومواقعهم، قبل أن يخلد "الختيار" إلى رقاد ختامي.

الاثنين، 2 يوليو 2012

لا فولاذ ولا حرير!

في 26 نيسان (أبريل) الماضي، كتب أنّ "العلمانيين في أرجاء العالم العربي، وخاصة أنصار النظام في سورية"، لا ينظرون بعين الرضا إلى ما يجري في مصر، من حيث احتمال أن تصبح "إسلامية"، لأنّ ذلك قد يكون له مفعول الدومينو. وأضاف، مقتصراً هذه المرّة على الشريحة الثانية من العلمانيين كما يُفهم، أنهم "يستخدمون مصر لإفزاع السوريين المسيحيين، مثلاً، من جرّاء ما سيحدث في دمشق إذا وقع تغيّر النظام في سورية". حسناً، ماذا عن أفكاره اليوم، بعد إقرار انتخاب محمد مرسي، الإخواني، رئيساً شرعياً لجميع المصريين؟ إنه، بعد أن يعتبر ذلك اليوم "مجيداً في التاريخ العربي"، يطالب بالتالي (عنوان مقاله الأحدث): "فليقفِ الجميع احتراماً لشعب مصر"!

هذا هو طراز "التاريخ" الذي يقترحه "المؤرّخ" السوري سامي مبيض، صاحب أربعة مؤلفات بالإنكليزية عن سورية، بينها سيرة للرئيس الراحل شكري القوتلي؛ ورئيس تحرير موقع إلكتروني يُدعى Forward، زائره اليوم يجد أنّ أحدث أخباره ذاك الذي يعلن تشكيل لجنة لإعداد دستور سوري جديد، يُصوّت عليه في شباط (فبراير)... 2012! وقبل الوقوف حول عيّنات من وفاء هذا المؤرّخ لتاريخ بلده، تجدر الإشارة إلى أنه يكتب من دمشق، ولم يكن في أيّ يوم ناقداً للنظام، بل العكس (آخر ما يتباهى به مقابلة مع برباره والترز، دون سواها، تعود إلى سنة 2008، وتمتدح بشار الأسد وعقيلته!).

كذلك فإنّ مقالاته عن الانتفاضة السورية، كما ينشرها باستمرار في المجلة التايلاندية Asia Times، لا تقوم إلا على التأتأة والغمغمة، كأن يكتب: "في سورية، لا أحد توقّع أنه سيأتي يوم يخرج فيه المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بتغيير النظام، من وحي الربيع العربي في تونس، وليبيا، ومصر"؛ أو: "لا أحد تخيّل أنّ الدولة سوف تجبَر، تحت ضغط المتظاهرين الغاضبين أنفسهم، إلى تغيير الدستور". ثمة، هنا، حرص شديد (وبراعة خاصة، بالفعل، تستدعي المشقّة أغلب الظنّ!)، على عدم إفلات جملة واحدة مفيدة قد تؤخذ عليه، سواء من أهل السلطة أو حلفاء النظام، خاصة أرباب المال والأعمال، ممّن يحترف "المؤرّخ" تغطية أخبارهم.  

فإذا تصفّح المرء أحد مؤلفاته في "التاريخ" ـ كتابه "فولاذ وحرير: رجال ونساء صنعوا سورية 1900 ـ 2000"، الذي صدر بالإنكليزية سنة 2006 عن دار النشر الأمريكية Cune Press، في 624 صفحة ـ فسيجد معلومات من هذا النوع، تُنقل هنا بالحرف تقريباً:
ـ زكريا تامر روائي سوري، له 75 رواية، أشهرها "دمشق الحرائق"، وأكثرها شعبية روايته "نداء نوح"، وهو يُعتبر أبرز كتّاب أدب الأطفال في العالم العربي؛
ـ محمد الماغوط كاتب مسرحي، أبرز إنجازاته مسرحية "ضيعة تشرين" بالتعاون مع دريد لحام ونهاد قلعي، والتي تنتقد عهد الوحدة وجمال عبد الناصر؛ وله مع ذلك مجموعة شعرية بعنوان "حزن في ضوء القمر"؛
ـ رياض الترك صاحب خطّ ماويّ (نسبة إلى ماو تسي تونغ) اختلف فيه مع خالد بكداش؛ واعتُقل سنة 1980 وأفرج عنه سنة 1998 بعد أن تعهّد بـ "ترك السياسة وقضاء ما تبقى من حياته في سلام وأمان"؛ و"خلال السنوات الثلاث التالية تجنّب الترك الحياة العامة فلم تضايقه السلطات الحكومية"، حتى ظهر في برنامج على "الجزيرة" وتحدّث "بسلبيّة بالغة عن الحكومة السورية"، ولهذا فقد اعتُقل مجدداً، ثم أطلق سراحه بأوامر من الرئيس بشار الأسد في تشرين الثاني 2002؛ ومنذئذ "أقلع نهائياً عن كلّ نشاط سياسي".

هذه، إذاً، ثلاث عيّنات من مجلد يتنطح لتقديم تعريفات، أو تراجم كما يقول المصطلح الفصيح، عن 341 من نساء ورجال سورية في القرن العشرين، هم "أبطال وأنذال السياسة والثقافة والطموح الوطني" كما جاء في كلمة الغلاف الأخير. لا نعرف حكمة استخدام صفة "أنذال" Villains هنا، ولكن من الجلي أنّ العثرات آنفة الذكر جديرة بأن تقلب التوصيفات رأساً على عقب، فلا يستبين المرء أيّ فوارق بين البطولة والنذالة. الركون إلى معلومات مبيّض يصبح مجازفة مفتوحة، بالتالي، لأنّ صواب المعلومة هو المقتضى الأوّل في أيّ تأليف من هذا القبيل. الخطأ هنا قاتل ولا استئناف فيه، ليس في ناظر القارىء السوري مبدئياً، بل عند القارىء الأجنبي الذي سوف يعتمد معلومات الكتاب دونما مساءلة.

"المؤرّخ"، من جانب آخر، أدرج بثينة شعبان في عداد كتّاب وفنّاني سورية، ولكنه تجاهل عشرات الأسماء اللامعة التي لا يصحّ أن تغيب عن عمل موسوعي من هذا الطراز، مثل عبد الباسط الصوفي وسعيد حورانية وهاني الراهب وممدوح عدوان وسليم بركات، في الأدب؛ ونذير نبعة ومروان قصاب باشي وسعيد مخلوف، في الفنون التشكيلية؛ وأبو خليل القباني وفايزة أحمد وسعاد حسني ونجاة الصغيرة (ما دام قد أدرج أسمهان وفريد الأطرش)، في فنون المسرح والغناء.

ولأنّ كلا الفولاذ والحرير غائب عن "التاريخ" الذي يزعم تسطيره، فإنّ المرء لن يستغرب من مبيّض دعوة مماثلة للوقوف احتراماً للشعب السوري، ساعة انتصار الانتفاضة، وكأنّ "المؤرّخ" كان كلّ الوقت يؤرّخ من قلب بابا عمرو أو دير الزور أو دوما أو زملكا!

الجمعة، 29 يونيو 2012

الانتفاضة والتاجر: اجتماع النظام أم انفراط العقد؟

سواء اختلف المرء (كما أفعل شخصياً)، أو اتفق مع الصواب السياسي والأخلاقي وراء استهداف قناة "الإخبارية" ـ التي تظلّ هدفاً مدنياً، أياً كانت الأدوار الأمنية أو الإعلامية القذرة التي لعبها وسيلعبها بعض العاملين فيها ـ فإنّ الواقعة كشفت اقتراب الأخطار من دوائر النظام المباشرة، ومن رموزه "السيادية" إذا جاز القول. وهي أسقطت أسطورة "تمنّع العاصمة"، وخرافة امتناع سواد الدمشقيين عن المشاركة في الانتفاضة (وتلك كانت، وتظلّ، واحدة من مرتكزات دعاوة النظام، ومصدر تبجّح مناصريه من "منظّري" علومه الاجتماعية)؛ كما أباحت الحديث عن "القتال على مشارف دمشق"، فصار التعبير غير محرّم، جاري الاستخدام، وساري المفعول.

ولقد توفّر، إلى هذا، تطوّر طارىء أسبغ ديناميكة خاصة على دخول دمشق في مناطق الأخطار المباشرة المحيقة بالنظام، وتمثّل في اضطرار بشار الأسد إلى الإقرار بأنّ نظامه يعيش "حالة حرب بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى"؛ على نقيض ما كان معتمَداً في خطابه، حول "الأزمة" التي انتهت، أو تنتهي، أو ستنتهي! وبين "فضائل" هذا الإقرار أنّ الأسد، وبعد أن وضع المسألة الأمنية على رأس أولويات الحكم في خطابه الأخير، ينقل الحرب إلى المرتبة الأعلى، ويستطرد: "بالتالي كلّ سياساتنا وتوجهاتنا تكون للانتصار بهذه الحرب". كان يعرف أن دمشق تغلي، وصارت أخطر بكثير من محض نار تحت الرماد؛ وأنّ القتال الذي يدور في ريف دمشق، بل في بعض أحيائها الداخلية، ينقل النار إلى كتائب الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة ذاتها. وكان التلويح بكلّ ما تعنيه مفردة "الحرب" من معانٍ، هو تحصيل حاصل لواقع صار حقيقياً على الأرض، واستنفد الأسد نفسه كلّ أفانين اللغة الديماغوجية في التستر عليه.

ولهذا فإنّ توجيهاته لحكومة رياض حجاب الجديدة بدت أشبه بإعلان النفير العام، وكأنّ النظام حتى الساعة كان يفاوض المجتمع بالحسنى، وليس بأبشع صنوف الترهيب الوحشي والاعتقال والقتل وحصار المدن وارتكاب المجازر، باستخدام الأسلحة كافة، دون استثناء. أو كأنّ دير الزور، بلد رئيس الوزراء العتيد، لم تكن ـ في الساعة ذاتها، على وجه الدقة ـ تُقصف بأقصى الوحشية، ويتهاوى بالعشرات شهداؤها المدنيون العزّل (أكثر من 60 شهيداً خلال أقلّ من 24 ساعة). ولكي تكتمل مهزلة إعلان نفير عام، سبق إعلانه منذ إطلاق النار بوحشية على المتظاهرين في درعا، يوم 18 آذار (مارس) 2011؛ سارع علي حيدر، وزير ما سُمّي بـ"المصالحة الوطنية" إلى إعلان تشديد الأسد على أنّ "قرار الحكومة السورية الجديدة هو المصالحة الوطنية بمجملها"، وأنّ "كل الجهود يجب أن تصبّ في إنجاح مشروع المصالحة"... حين كانت قدسيا ودوما والهامة، وحمص وإدلب ودير الزور، تحت وابل قذائف المدفعية والدبابات والراجمات!   

غير أنّ دخول دمشق إلى قلب معادلات الأخطار على النظام، من حيث أنّ هذه المعادلات هي التي سوف تستجلي خطوط انهياره في نهاية المطاف، لا تبدأ من العمليات العسكرية العابرة، على غرار استهداف مبنى "الإخبارية" مثلاً؛ إذْ تظل هذه محدودة وأقرب إلى المغامرة العابرة، التي تجرج النظام قليلاً، ولا تصيب منه مقتلاً بالطبع. وهي، كذلك، لا تقتصر على مظاهر العصيان المدني المتطورة، على شاكلة سلسلة الإضرابات الشجاعة في أسواق دمشق، احتجاجاً على مجزرة الحولة، ثمّ القبير؛ رغم أنّ هذا التطوّر سجّل نقلة دمشقية نوعية، لعلّها الأعمق دلالة بعد المظاهرة المبكرة الأولى التي شهدها سوق الحريقة، في 17 شباط (فبراير) 2011، واجترحت الشعار الرائد "الشعب السوري ما بينذلّ".

ثمة، بالإضافة إلى هذه الاعتبارات، وسواها، علم اجتماع آخر، لعلّه اقتصاد سياسي ـ اجتماعي على وجه التحديد، يناقض "علوم" الاجتماع التي لاذ بها الكثيرون من "منظّري" النظام، وقال بها زاعمو الباع الطويل في تفسير ظواهر السياسة والتاريخ (المصري محمد حسنين هيكل أحد هؤلاء)، واتكأت غالباً على مقولة واحدة، يتيمة بقدر ما هي كسيحة، وزائفة بقدر ما هي ركيكة: أنّ الانتفاضة السورية ريفية وليست مدينية، والدليل هو أنّ دمشق وحلب بمنأى عن التظاهر. وإلى جانب حقائق بسيطة، ولكنها تفقأ البصر والبصائر، مثل أنّ حمص وحماة ودير الزور واللاذقية ودرعا والقامشلي وإدلب ليست قرى أو بلدات؛ فإنّ التحاق حلب بالانتفاضة، وبعدها دمشق، توجّب أن يرسل تلك المقولة إلى سلّة مهملات التاريخ.

ذلك الاقتصاد السياسي ـ الاجتماعي، في معطياته الأبسط، لا يتيح قراءة جدلية لتحولات الأسواق الدمشقية الأخيرة، أياً كانت نطاقاتها، فحسب؛ بل يفضي بالمرء إلى الذهاب خطوة أبعد في تلمّس تطورات عضوية، وربما بنيوية، تصيب علاقة النظام بالشرائح العليا من التجار، حتى إذا كانت الشرائح الأعلى ما تزال حليفة للسلطة، أو مترددة، واقعة في حيرة من أمرها. ذلك لأنّ برامج "التغيير" التي اقترنت بصعود وتوريث بشار الأسد، خصوصاً تلك التي اندرجت تحت مسميات "الليبرالية الاقتصادية" و"تحديث المؤسسات" و"محاربة الفساد"، و"إحكام الرقابة"، و"تقديم الكوادر الشابة"... اقتضت، بالضرورة، انقسام بنية النظام إلى فريقين: رابح، وخاسر.

الجدلي في هذه المعادلة الأولى هو أنّ المرشّحين للخسارة لم يكونوا على هوامش السلطة، بل في قلبها أو ربما في قمّة هرمها؛ وأنّ وتائر "التغيير" لم تتكفل أصلاً بإقصاء هؤلاء إلى الهوامش، رغم أنها أنزلت بهم الخسائر. تلك حال رجل أعمال مثل فراس طلاس، على سبيل المثال، كان أحد القطط السمان حتى جاءه ذئب مثل رامي مخلوف، فردّه إلى صفّ ثانٍ، أو ثالث (ممّا يتيح للمرء أن يفسّر بعض نقائض الأوّل هذه الأيام: قدم مع النظام، قلباً وقالباً أغلب الظنّ؛ وقدم مع بعض أطراف المعارضة، تمويلاً لمؤتمر هنا أو إنفاقاً على معارض هناك...). الوجه الآخر لهذه المعادلة الجدلية هو أنّ الذين كانوا مرشّحين للربح صعدوا من منتصف الهرم أو من قواعده السفلى، وبعضهم كان في الهوامش أو في الصفوف الخلفية؛ وأنّ الوتائر لم تكن، هنا أيضاً، كافية لترقيتهم سريعاً إلى الصفوف الأولى (أمثال أيمن جابر، محمد حمشو، فارس الشهابي، عماد غريواتي، نادر قلعي، سليمان معروف، نزار الأسعد...).

المعادلة الثانية تصنعها حقيقة أنّ توريث الأسد الابن اقتضى إقامة تعاقد أكثر متانة بين عناصر التحالف العسكري والأمني والتجاري ـ الاستثماري الذي يحكم سورية؛ ولكنه اقتضى أيضاً المسّ، برفق تارة أو بخشونة طوراً، بشروط تعاقد أقدم بين العسكر ومختلف شرائح البرجوازية السورية خلال عقد السبعينيات وأواسط الثمانينيات (آل الشلاح، صائب نحاس، عبد الرحمن العطار...). فهذه البرجوازية، التجارية والصناعية أساساً، طالبت بالمزيد من الليبرالية والانفتاح واستحداث القوانين التي تكفل صون رأس المال وتحصين المؤسسة الاستثمارية وإصلاح الأنظمة المصرفية. واستحداث مثل تلك القوانين سار على نقيض تامّ مع مصالح عشرات الضباط الذين "تبرجزوا" وكدّسوا ثروات هائلة، لأنّ بنية تقاسم القوّة داخل النظام أتاحت لهم تحويل البرجوازية السورية إلى بقرة حلوب، راضية تارة أو مضطرة طوراً.

التحالف بين الفريقين سار على وئام حتى ساعة الانتفاضة، حين بدأت الأعمال تتعطّل، وظهرت آثار العقوبات الأوروبية والأمريكية المباشرة، فتوجّب على العسكر أن يختزنوا ما لديهم من سيولة وعملات، تتناقص حتماً لانها لم تعد تزداد؛ وتوجّب على كبار التجار والمستثمرين أن يدفعوا رواتب الشبيحة ونفقات القمع اليومي للانتفاضة، من رساميلهم السائلة التي أخذت تشحّ يوماً بعد يوم. اهتزاز التحالف هو بوّابة المعادلة الثالثة، لأنّ الانقسام إلى صفّيَن، رابح وخاسر، أفضى في المقام الأوّل إلى وقوع شرخ بنيوي عميق في تجانس الائتلاف الأكبر الذي ظلّ ركيزة معادلات السلطة منذ أواسط السبعينيات: التحالف العسكري ـ التجاري. ولا يفهمنّ أحد أنّ الشطر الثاني من هذا التحالف يعني فئة التجّار الكلاسيكية وحدها، بل شمل أيضاً عشرات من كبار المسؤولين السوريين الذين مارسوا ويمارسون مختلف أنواع الأعمال، مباشرة في حالات محدودة، أو عن طريق أبنائهم في معظم الحالات (الأمثلة كثيرة بالطبع، ومعروفة).

وتجدر الإشارة هنا إلى أمرَين جوهريين: أنّ هذا الائتلاف كان نخبوياً على الدوام، ومقتصراً على فئات محدودة للغاية سواء في داخل السلطة أو خارجها؛ وأنه بدأ، وما يزال، عابراً للتصنيفات السوسيولوجية التقليدية (الطبقية أو المهنية أو الطائفية)، ومتمحوراً في الأساس على ما يسمّى "مصالح الجماعة"، أكثر من مصالح الطبقة أو المهنة أو الطائفة. فإذا تعارضت المصالح بين الشطر العسكري والشطر التجاري من الائتلاف النخبوي هذا (كما يحدث بقوّة في الأطوار الراهنة من عمر الإنتفاضة)، فإنّ خطوط التحالف القديمة تصبح عاجزة عن الصمود طويلاً، والعاقبة المنطقية هي انكشاف التناقضات داخل تلك الخطوط، وانقلابها إلى تفكك وانهيار، قبيل التناحر والتصارع.

وقد يُطرح سؤال، مدرسي ولكنه مشروع في إطاره المنهجي: هل كان صعباً، أم في المقابل سهلاً، إيجاد صياغات متحركة ومرنة وعابرة للمعادلات الثلاث، أو توفيقية بينها، على نحو يُلبس النظام لبوس "الإصلاح"، ويقطع الطريق على الانتفاضة، أو على الأقلّ يعرقل زخمها وتعاظمها وانتقالها إلى الشعار النهائي: الشعب يريد إسقاط النظام؟ إجابة، بسيطة بدورها، تقول إنّ الأمر لم يكن صعباً، ولم يكن سهلاً، بل كان ممتنعاً أصلاً! أي مساس بهذه البنية المتحجرة كان سيُحدث فيها سلسلة شقوق وكسور، وبالتالي لن تتبدّل هيئتها، بل ستتفتت وتتفجر، وينفرط عقدها بعد تفكك اجتماعها. قبل الانتفاضة لم يكترث النظام بأي إصلاح، إذْ اعتبر رجالاته أنّ البلد تحت السيطرة، وسورية ليست سوى "مملكة الصمت"، حسب تعبير المعارض السوري المخضرم رياض الترك؛ لن يثور فيها أحد، ولا أحد سوف يتجاسر على شقّ عصا الطاعة. أما الإجراءات "الإصلاحية" التي اتخذها النظام بعد انطلاق الانتفاضة، من قبيل ذرّ الرماد في العيون عملياً، فقد اتضح سريعاً أنها لم تكن حبراً على ورق، فحسب؛ بل أن تطبيقها كان أمراً مستحيلاً ما دامت ستكفّ أيدي الأجهزة الأمنية، أو تلغي صلاحياتها المطلقة في منع السفر والاعتقال التعسفي والتعذيب والتصفية الجسدية. 

سؤال آخر، على الوتيرة ذاتها: إذا التحقت بالانتفاضة فئات أعلى من التجار ورجال الأعمال، أو انفكت تدريجياً عن النظام، أو انتقلت إلى صفّ الأغلبية الصامتة في أضعف الإيمان؛ فهل سيعجّل هذا في انفراط عقد النظام، من الداخل؟ بعد خمسة عشر شهراً من صراع الإرادات بين الشعب وما راكمه ويراكمه من ثقافة مقاومة، والنظام بأسلحته الفتاكة كافة، صار واضحاً مَنْ الخاسر ومَنْ الرابح. وفي "حرب بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى"، ثمة حدود للزمن، وثمة اصطفافات حثيثة لا تقبل التأجيل. فإما أن تكون هنا، مع الشعب؛ أو هناك، مع النظام؛ ولا توسّط في هذا لأيّ سوري: الثائر، مثل التاجر!

الاثنين، 25 يونيو 2012

تراتيل الفرات

كانت الأخبار تتوالى عن عمليات القصف الوحشي الذي تتعرّض له أحياء مدينة دير الزور: الموظفين، والجبيلة، والعرضي، والقصور، والجورة، والحميدية، والعرفي (حيث تعرّض مسجد الحيّ، ومئذنته خاصة، لأضرار جسيمة جرّاء القصف). كذلك كانت أسماء الشهداء تتعاقب، حيث سقط أكثر من 60 شهيداً خلال 24 ساعة فقط، ممّا يرفع عدد أبناء المدينة الذين استُشهدوا، منذ انطلاقة الانتفاضة في أواسط آذار (مارس) 2011، إلى قرابة الـ 600، بين شيخ وامرأة وطفل ورجل. ولأنّ جيش النظام اضُطرّ إلى إعادة الانتشار خارج المدينة، وخارج بلدات رئيسية أخرى في المحافظة، مثل المياذين والعشارة والبوكمال والبصيرة؛ فإنّ القصف عن بُعد، باستخدام المدفعية وراجمات صواريخ وأسلحة ثقيلة أخرى، صار خيار النظام الأسهل، وربما الوحيد.

مناطق عديدة في سورية شهدت تطبيقاً عملياً لسلسلة الأسباب التي تجعل حقد النظام على منطقة ما، وعلى أهلها استطراداً، يتجلى على نحو أشدّ سعاراً وعصبية وهمجية أيضاً، في تحصيل الحاصل؛ لاعتبارات شتى، سياسية في المقام الأوّل، ولكنها يمكن أن تتخذ صفة انتقامية محضة (حماة، وحمص، وجسر الشغور، واللاذقية، والحفّة، وتلبيسة، والحولة، والصنمين، وإنخل...). ولكنّ الحقد هنا يتجاوز الأسباب والاعتبارات، القديمة مثل الجديدة، والفعلية مثل المتخيَّلة، لكي ينقلب إلى حال مرضية يمتزج في طياتها الخوف من المكان في ذاته، والرغبة في تدمير رموزه، ثمّ ـ للمفارقة العجيبة ـ اعتبار أنقاضه بمثابة علامة مضادّة تبعث في القاتل حسّ الانتصار على القتيل، والأمل بالنجاة من العقاب!

والمرء يتذكّر أنه، منذ الشهر الرابع في عمر الانتفاضة، كان "الديريون" ـ كما يحبّون، ونحبّ في سورية، تسميتهم ـ قد أدخلوا جديداً على أنساق التظاهر، أسهم في تطوير مهارات الالتفاف على أساليب العنف الوحشية التي اعتمدتها أجهزة النظام الأمنية لقهر الحراك الشعبي، من جهة أولى؛ ونفع، كما برهنت الأسابيع اللاحقة، في اجتذاب المزيد من شرائح المواطنين الذين تردّدوا في المشاركة، من جهة ثانية. ذلك الجديد كان تنظيم تظاهرة مائية على صفحة نهر الفرات، سباحة أو بقوارب صغيرة، تردّد الهتافات ذاتها تقريباً؛ كما ترفع لافتات مماثلة لتلك التي ترفعها التظاهرات على اليابسة، إذا جاز القول، مع تنويعات طريفة ومؤثّرة، مثل هذه الأشهر مثلاً: "نهر الفرات يصبّ في نهر العاصي"!

كأنّ خروج الديريين إلى الشوارع الرئيسية والساحات العامة، بأعداد تجاوزت 250 ألف متظاهر في "جمعة أسرى الحرّية"، لم يشفِ غليلهم إلى إسماع صوت الاحتجاج العميق، فطافوا فوق مياه الفرات، وطوّفوا على صفحته الرايات. وكيف كان سيفوتهم أن يلتمسوا عبقرية هذا النهر العظيم الخالد، في هذه البرهة الفريدة من تاريخ المدينة والوطن، وهم حَمَلة اللقب الشهير "أخوة بطّة"، نسبة إلى براعة في السباحة يتلقونها منذ نعومة اظفارهم، تماماً كما تفعل أفراخ البطّ! وحين سيصبح لقب "البطة" مرذولاً في معجم الانتفاضة الوليد، بعد افتضاح الرسائل الإلكترونية الشخصية لرأس النظام، وجد شباب دير الزور غصّة، وعناء خاصاً، في فرض التمييز بين بطّة القاتل وبطّة الثائر!

وهكذا صارت ساحة "دوّار المدلجي" في مدينة دير الزور تتمة رمزية، وامتداداً جغرافياً طبيعياً، لساحة العاصي في مدينة حماة، فولدت توأمة تلقائية بين مدينتين تشاركتا في بلوغ ذلك الرقم الذهبي الذي انتظرته سورية منذ انطلاقة الإنتفاضة، وارتعدت له فرائص أجهزة النظام: مليون متظاهر، في نهار واحد. وكما ذاقت حماة أفانين وحشية النظام في مطلع الثمانينيات، وظلت تشهد المزيد يوماً بعد يوم خلال أسابيع الإنتفاضة؛ كذلك شهدت دير الزور بعض تلك الأفانين في الحقبة إياها، وصارت تشهدها بعدئذ، أسوة بجميع المحافظات السورية.

أخذ الشهداء يتساقطون، يوماً بعد يوم، وفي عدادهم خرّ الوليد والرضيع والطفل؛ وحُرمت المجمعات السكانية من الكهرباء والماء والهاتف والإنترنت، وأُغلقت المدارس والكليات الجامعية، وعُطّلت الامتحانات؛ ومُنع المواطنون من عبور الجسور، وما أكثرها على النهر الخالد، لإعاقة التحاقهم بالتظاهرات؛ وأُحرقت سجلاّت في دوائر الأحوال المدنية، للإيحاء بأنّ وجود المواطن ذاته يمكن أن يُطمس نهائياً؛ كما ذهبت الأجهزة شوطاً أبعد في التخريب بهدف التحريض الطائفي، فلجأت إلى إحراق كنيسة عتيقة في البوكمال، ونسبت الفعل إلى المتظاهرين!

وفي هذه الأيام، حيث تصلني أخبار دير الزور (أنا الديري عن أمّ وأب، حتى إذا كانت مدينة القامشلي هي مسقط رأسي)، أقلّب المشاعر بين قلق شديد على أبناء المحافظة، وفخار أشدّ إزاء ما اجترحه ويجترحه الديريون في قلب الانتفاضة. أتأمل، باعتزاز بالغ أيضاً، مقدار المشقة التي يبذلها أهلنا هناك في الصبر على الجرح المفتوح، والمصابرة على إهانة وجهها إليهم النظام مؤخراً، وتمثلت في تسمية رياض حجاب، الديري، رئيساً للوزارة. أقلّب المشاعر حول دير الزور، إذاً، ليس دون نسيان تلك الأهزوجة الجميلة التي ردّدتها طفلة لم تتجاوز العاشرة كما أرجّح، خلال اعتصام حاشد في دوّار المدلجي ذاته: "مجروح يا يمّة/ مجروح يا يابا/ ودّوا لحماة من الدير/ موّال عتابا".

لكنّ مواويل الانتفاضة السورية لا تتنقّل بين نهر وبحر، ومدينة وبلدة، وجبل وسهل، وواحة وبيداء، فحسب؛ بل ترتّل الماضي في الحاضر، لكي تستشرف المستقبل، وتصنع التاريخ.