وعزّ الشرق أوّله دمشق

الاثنين، 12 نوفمبر 2012

الأسد ونتنياهو: خسارة مشتركة؟


كثرٌ هم الخاسرون جراء إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في الولايات المتحدة أو في طول العالم وعرضه؛ وليس أوّلهم ميت رومني، منافسه في السباق إلى البيت الأبيض، لهذا السبب تحديداً: أنه الخاسر المعلَن، وليس ذاك المستور أو المتستر. أمّا في عداد هذا الصنف الأخير، فإنّ النماذج لا تنطوي على تنوّع هائل، سياسي وجغرافي وعقائدي، فحسب؛ بل ثمة مقدار مدهش من التضارب، وليس التكامل، في مصالحها التي عُلّقت على احتمال خسارة أوباما، مقابل فوز رومني.

على سبيل المثال الأوّل، رغم أنّ بشار الأسد، في حواره مع فضائية "روسيا اليوم"، مؤخراً، لم يذكر الولايات المتحدة إلا مرّة واحدة، ولم يأت على ذكر أوباما أو رومني؛ فإنّ تحذيراته الدراماتيكة من عواقب غزو نظامه عسكرياً، والتي سوف تمتدّ من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهادىء (ولا يُعرف سبب وراء استثناء المحيطات الأخرى: الهندي، والمتجمدَين الشمالي والجنوبي!)، كانت برسم أوباما أكثر من رومني. والأمر هنا مردّه ذلك المنطق الكلاسيكي العتيق، الذي يقول إنّ أي رئيس أمريكي جديد سوف يكون مكبلاً بهواجس الترشيح لولاية ثانية، الأمر الذي يجبره على التأني أو التباطؤ في اتخاذ القرارات ذات المفاعيل الجيو ـ سياسية الكبرى (وهذه كانت حال أوباما تجاه سورية، مثلاً، خلال الولاية الأولى)؛ وأنه، في الولاية الثانية، سوف يكون طليق اليد، وأكثر استعداداً ـ وأشدّ توقاً، ربما ـ لتخليد شخصه عبر البوّابات ذاتها التي يعدّها التاريخ منعطفات حاسمة في السجلّ الكوني.

وهكذا، يرجّح المنطق البسيط أنّ الأسد كان يفضّل خسارة أوباما، لأنّ نتيجة كهذه سوف تفوّت على الأخير إمكانية دخول التاريخ عبر حسم التردد الأمريكي تجاه خطوات إسقاط النظام السوري، والخسارة ستمنعه من اغتنام فرصة الظهور بمظهر منقذ الشعب السوري من الويلات والكوارث (وهذا إغواء لا يُقاوَم بسهولة، من رئيس يباشر ولاية ثانية). وعلى جبهة معنويات النظام الآخذة في التآكل، وما تبقى من طرائق تضليل في إعلام السلطة، لم نكن سنعدم طراز "تحليل" يقول إنّ "صمود" الأسد هو الذي أسقط أوباما، على غرار ذلك "السبق العلمي" الذي انفردت به صفحة "منحبكجية"، شرحت دور نظامَي "الممانعة" السوري والإيراني في إطلاق إعصار ساندي لمعاقبة الشعب الأمريكي. أمّا رومني، في المقابل، فإنّ كلّ تصريحاته عن تسليح المعارضة السورية ليست إلا تخرصات ليل سوف يمحوها نهار الواقع، ما بعد الانتخابات؛ لدى رئيس جديد سوف يخضع للاعتبار الكلاسيكي إياه، وسيسيل لعابه على آفاق تجديد رئاسته، قبل آمال دخول التاريخ.      

المرء، في استعراض مثال ثانٍ على الخاسرين من فوز أوباما، يتذكّر حكاية كان يحلو لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سردها، على نحو لا يغيب عنه الخبث الشديد بالطبع، وإنْ كان السرد ينطوي في ذاته على فضيلة التفضيح المفيد: حين قام أوباما بزيارة إسرائيل، وكان يومها مجرّد مرشّح للرئاسة، انتحى جانباً بزعيم حزب الليكود، نتنياهو، وأسرّ له له بالتالي: "أنت وأنا نشترك في الكثير. لقد بدأتُ على اليسار وانتقلتُ إلى الوسط. وأنت بدأتَ على اليمين وانتقلتَ إلى الوسط. كلانا براغماتي يرغب في إنجاز الأمور".
لكنّ الرغبة شيء، والإنجاز كان شيئاً آخر مختلفاً تماماً، ولهذا لم يوفّر نتنياهو جهداً لإحراج أوباما، ولم يخفِ تعاطفه مع رومني في الانتخابات الرئاسية؛ بل ذهب أبعد، في خطوة حمقاء تماماً، حين ظهر في إعلان انتخابي لصالح الأخير، يغمز من قناة أوباما الذي يتردد في حسم الموقف من البرنامج النووي الإيراني.
ولقد بدا مضحكاً، ومدعاة شماتة صريحة من أنصار أوباما وخصوم نتنياهو، أنّ الأخير انخرط ـ منذ الصباح الباكر ليوم الأربعاء الماضي، حين أُعلن عن فوز أوباما ـ في محاولات إصلاح الضرر وقَلْب الموقف رأساً على عقب: استدعاء السفير الأمريكي إلى مكتب نتنياهو، لالتقاط صورة عن عناق التهنئة الحارّة؛ وإصدار بيان عن العلاقات الإسرائيلية ـ الأمريكية، "الصلبة مثل صخرة"؛ والتعميم على قيادات الليكود بعدم التلميح، في برقيات التهنئة، إلى "خطأ" التعاطف مع رومني. "لم يكن صباح نتنياهو طيباً اليوم"، قال إيلي إيشاي، زعيم حزب شاس، الذي يحدث أيضاً أنه نائب رئيس الوزراء. إيهود أولمرت، الطامح مجدداً إلى رئاسة الوزارة في انتخابات مطلع العام القادم، انقضّ على المناسبة: "في ضوء ما فعله نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة، فإنّ السؤال المطروح هو التالي: هل تبقى صديق لرئيس الوزراء في البيت الأبيض؟"...

في كلّ حال، وأياً كانت الوجهة التي ستتخذها ولاية أوباما الثانية تجاه الأسد أو نتنياهو، فإنّ المنطق البسيط الآخر، الأقوى والأعلى والأقرب إلى تجارب الواقع وخلاصات التاريخ، يشير إلى التالي: النظام السوري ساقط، لا محالة، شاء أوباما أم أبى نتنياهو، واتفقا على هذا أم اختلفا أم تبادلا الأدوار؛ والعلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية ما تزال بقوّة الصخور حقاً، شاء مَنْ شاء، وأبى مَنْ أبى (حسب عبارة ياسر عرفات الشهيرة). لا انتصار الشعب السوري رهن بهذه المعادلة، إذاً، ولا وجود الشعب الفلسطيني سحقته تلك الصخرة؛ نقطة على السطر، وهي هنا خير وأبقى!



الجمعة، 9 نوفمبر 2012

أوباما الثاني والانتفاضة السورية: أيّ تحوّل؟ أي ثبات؟

الأرجح أنّ باراك أوباما، الرئيس الأمريكي، والمنتخَب لولاية ثانية، كان يقصد السوريات والسوريين حين قال، في خطبة الفوز: "ليس في وسعنا أن ننسى أنّ الناس في أمم أخرى، في هذه الساعة ونحن نتحدث، يجازفون بحياتهم الآن تحديداً من أجل فرصة لإسماع رأيهم في المسائل التي تعنيهم، وفرصة الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع، كما فعلنا". الأرجح، أيضاً، أنّ امتناعه عن تسمية سورية بالاسم كان مردّه ذلك الخيار المركزي، الذي حكم موقف هذه الإدارة من الانتفاضة السورية: تأجيل الحسم، حتى تتضح الصورة أكثر (خلال الأشهر الأولى لانطلاقة الانتفاضة)؛ وحتى تفعل عوامل تفكك النظام فعلها تلقائياً، حسب مبدأ "الهبوط السلس" (خلال الأشهر الوسيطة)؛ ولكي لا يسفر الحسم، إذا وقع، عن "مفاجأة الأحد" الشهيرة، التي تسبق نهار الثلاثاء الانتخابي، وتقلب معادلات الانتخابات الرئاسية رأساً على عقب.

وليس عسيراً تلمّس مجموعة الأسباب التي قادت البيت الأبيض إلى هذه المراوحة في الحسم، والتي يراها البعض حال تردّد (لا يراوح في الجوهر، بقدر ما يركن إلى تاريخ طويل من حسن العلاقات مع نظام "الحركة التصحيحية"، وضآلة الرغبة في المراهنة على نظام سواه، قد تكتنفه مجاهيل كثيرة)؛ أو حال تجميد ذاتيّ (يكتفي بالعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والتصعيد اللفظي، وتشجيع الحلفاء الأوروبيين، والإيحاء باحتضان المعارضة). وثمة إجماع عريض، تنخرط فيه هذه السطور أيضاً، مفاده أنّ مجموعة الاعتبارات التي مدّت في عمر النظام السوري، وهي محلية وإقليمية ودولية، سياسية وعسكرية واقتصادية، إنما يتصدّرها اعتبار بارز هو إبطاء، أو تأخير، أو تأخّر الحسم الأمريكي. وفي خلفية الأواليات التي صنعت ذلك الاعتبار، وتواصل صناعته حتى الساعة، يكمن الموقف الإسرائيلي الحريص على تأجيل سقوط نظام "الحركة التصحيحية" ما أمكن ذلك.

لم يكن مستغرباً، في سياق هذه المعطيات، أن تلجأ بعض وسائل الإعلام إلى استفتاء عدد من كتائب "الجيش السوري الحرّ"، حول تفضيلها لكلّ من الرئيس المرشح الديمقراطي باراك أوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني، وأن يكون الأخير هو المفضّل. الأمر مفهوم من زاوية أولى كبرى، لعلها الوحيدة كذلك، فحواها أنّ رومني أعلن عزمه على تسليح المعارضة السورية (بغرض الدفاع عن النفس)؛ في حين أنّ أوباما كان صانع إرث المراوحة، أو التردد، أو التلكؤ، أو إرجاء الحسم. ما هو أدعى إلى الاستغراب (إذا أجاز المرء ممارسة هذه الرياضة، بصدد المواقف الأمريكية من شؤون الشرق الأوسط عموماً!)، هو غياب التنبّه إلى تلك المؤشرات الأخرى التي قد تفيد العكس: أنّ إعادة انتخاب أوباما قد تكون أكثر فائدة للمعارضة العسكرية والمسلحة، أو حتى المدنية السلمية، من انتخاب رومني.

ثمة، بادىء ذي بدء، ذلك السبب الكلاسيكي المعروف، المجرَّب طويلاً، الذي يشير إلى أنّ أيّ رئيس أمريكي يتمتّع، في ولايته الثانية، بهامش مناورة اوسع لجهة الذهاب أبعد في خياراته، التكتيكية منها أو الستراتيجية؛ لانه، ببساطة، لن يكون واقعاً تحت إغواء التجديد لرئاسة ثانية. والمنطق يقول إنّ أوباما ـ2 لن يفوّت على نفسه فضل قطع الخطوات الإضافية المطلوبة للإجهاز على نظام بشار الأسد (المتداعي، المتفكك، الموشك أصلاً على السقوط)، والتباهي بإنقاذ الشعب السوري (الذي يجازف بحياته من أجل حقّ التصويت مثلاً، كما قال في خطبة الفوز قبل أيام). سببان يوطّدان احتمالات هذا المنطق: 1) أنّ أوباما حامل جائزة نوبل للسلام، في نهاية المطاف، ومن الطبيعي أن يغادر البيت الأبيض مكللاً بأكبر مقدار من الأوسمة التي تخفف حكم التاريخ، القاسي لتوّه، على أهليته لتلك الجائزة؛ و2) أنه ردّد مراراً، وبالتالي ألزم نفسه عملياً، بأنّ "أيام الأسد باتت معدودة"، وأنّ نظامه ساقط لا محالة. 

المؤشر الآخر له صلة بطبائع، وخصائص شخصيات، "رجال الرئيس"، أو الطاقم السياسي الذي يحيط به وينصحه ويقترح عليه السياسات الأنسب في هذا الملفّ أوذاك، أو تلك المثلى التي تضمن عدم وقوع تضارب قاتل بين ملفّ وآخر. ورغم أنّ أوباما أدار المواقف من الانتفاضات العربية على نحو بارع إجمالاً، وناجح نسبياً، اتسم بمزيج من الحذر والتردد والانخراط في آن معاً؛ فإنّ سجلّ الولايات المتحدة، في دعم تلك الأنظمة ذاتها التي تثور عليها الشعوب، كان كفيلاً بتغليب الريبة في مواقف البيت الأبيض تارة، أو تجديد عناصر العداء للسياسات الأمريكية في المنطقة تارة أخرى. وليس خافياً أنّ هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية، كانت واجهة معظم التخبّط، في معظم المواقف؛ إذْ لم يسقط نظام، أو يوشك على السقوط، إلا وسبق سقوطه مديح بدرجة ما، صدر عنها شخصياً.

ولم تكن تصريحاتها الأخيرة ضدّ "المجلس الوطني السوري" إلا صيغة تأهيب (وفق أسلوبها، وإنْ كان روبرت فورد، السفير الأمريكي في دمشق، قد تدخّل في الصياغة على هذا النحو أو ذاك) لسياسات ما بعد إعادة انتخاب أوباما، ووضع حدّ للتردد الأمريكي، والانغماس أكثر فأكثر في خطوات إسقاط النظام السوري. وإذا كانت مبادرة المعارض السوري المخضرم رياض سيف قد بدأت من منطقة مشروعة ومطلوبة وضرورية، يحصّنها تاريخ الرجل ومصداقيته؛ فإنّ دخول كلنتون على الخطّ، حتى على نحو غير مباشر، قد أضرّ بتلك المبادرة، و"أمْرَك" الكثير من زخمها الوطني السوري، ومنح خصومها (خاصة الكَذَبة، المنافقين، تجّار المعارضة، المتقلّبين المنقلبين...) مادّة للتعريض بها، على مبدأ الحقّ الذي لا يُراد منه إلا الباطل.

العارفون بأخبار إدارة أوباما يقولون إنّ خلافة كلنتون، إذا صدقت في وعدها بمغادرة الخارجية، سوف تنحصر بين السناتور جون كيري (الديمقراطي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، والمرشح الأسبق للبيت الأبيض)، وسوزان رايس (مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي). آخر ما نملك من آراء الأوّل، عن الانتفاضة السورية، هو قوله إن سورية "على حافة الحرب الأهلية"؛ ونعرف، أو ينبغي ألا ننسى، أنه كان أحد أنشط محاوري الأسد الابن (ليس حول الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان بالطبع، بل حول إحياء قناة التفاوض السورية ـ الإسرائيلية حصرياً)، ولهذا فإنّ توصياته للإدارة الأمريكية شدّدت على فتح الحوار مع "عدد كبير من الحلفاء"، والتشاور مع الجامعة العربية ودول مجلس التعاون الخليجي "للنظر في ما يتوجب اتخاذه، خطوة خطوة".                  

رايس، من جانبها، كانت رأس الحربة الأمريكية (اللفظية، حصرياً) في مجلس الأمن الدولي؛ وقد تكون أقلّ من كيري خضوعاً لأوهام نظرية "الهبوط السلس"، وأكثر ميلاً إلى حسم التردد في اتخاذ الخطوات الكفيلة بتسريع إسقاط النظام السوري (وهذا ليس فضلاً منها، أو مقاربة تُسجّل لها شخصياً، إذْ أنّ خيارات أوباما ـ2 ينبغي أن تقود إلى هذا المآل، في كلّ حال). ما لا ينبغي أن يُنسى، بخصوص رايس، هو أنها كانت في عداد مروّجي أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق، واعتبرت أنّ استخدام "القوّة القصوى" هو الحلّ الوحيد لمجابهة أخطار امتلاك تلك الأسلحة؛ وإذا صحّ أنها لم تؤيد غزو العراق مباشرة، فذلك لأنها لم تقع تحت حرج التصويت بالرفض أو الإيجاب، لأنها أصلاً لم تكن عضواً في الكونغرس.

في المقابل، كانت مواقفها الصقرية من مسألة دارفور، ودعوتها إلى قصف المطارات والمدارج والمنشآت العسكرية السودانية، علامات صارخة على تطابقها شبه التامّ مع فلسفة دعاة التدخّل العسكري الخارجي، في صفوف "المحافظين الجدد" على نحو خاصّ. وقد يتفق المرء مع الرأي القائل إنّ طبيعة وظيفتها، في مجلس الأمن الدولي، تقتضي منها التشديد على الأقوال لا على الأفعال، وأنّ ميدانها الأكبر يظلّ صياغة الجملة البلاغية في مجلس الأمن الدولي، وليس صياغة القرار العملي في مجلس الأمن القومي الأمريكي. إلا أنّ تجربة مادلين أولبرايت في الموقع ذاته، سنة 1993 بصفة خاصة، تسوّغ التفكير في احتمالات أبعد أثراً من جعجعة اللفظ وحده. وسواء دانت إليها حقيبة الخارجية، أو ذهبت إلى كيري؛ فإنّ ولاية أوباما الثانية، وفي الملفّ السوري على وجه التحديد، لن تكون مسألة "أسلوب" شخصي، بالمقدار الذي كانت عليه الأمور في عهد السيدة كلنتون.

ما لا يتوجب نسيانه، بخصوص أوباما نفسه هذه المرّة، هو نظرية الرجل المتكاملة حول الطرائق المثلى لقيادة العالم، والتي سبق أن أعلنها على الملأ في خطاب أمام "مجلس شيكاغو للشؤون العالمية"، في نيسان (أبريل) 2007. "هنالك خمسة طرق لكي تعود أمريكا إلى قيادة العالم، حين أكون أنا الرئيس"، قال أوباما، بينها الطريقة الثانية التي تعنينا في هذا المقام: "بناء أوّل نظام عسكري حقّ في القرن الحادي والعشرين، وإظهار الحكمة في كيفية نشره"، حيث "سيبقى في وضعية الهجوم، من جيبوتي إلى قندهار"، وحيث "لا ينبغي لأيّ رئيس أن يتردد في استخدام القوّة ـ حتى من جانب واحد، إذا اقتضت الضرورة ـ لحماية أنفسنا والدفاع عن مصالحنا الحيوية".

وفي تبرير صاعق لعمليات "عاصفة الصحراء" وحرب تدمير البنية التحتية المدنية للعراق وردّه إلى القرون الوسطى، تابع أوباما: "أمّا حين نستخدم القوّة في مواقف غير تلك التي تخصّ الدفاع عن النفس، فإنّ علينا بذل كلّ جهد لضمان دعم صريح ومشاركة من الآخرين، على غرار ما تمكّن الرئيس جورج هربرت بوش من تأمينه في تحمّل العبء والشراكة، قبيل شنّ عملية عاصفة الصحراء". وفي "مواجهة الدول العاصية"، على الولايات المتحدة أن تستخدم "الترسانة القصوى من القوّة الأمريكية"، فضلاً عن "الدبلوماسية الفعالة والتحالفات المسلّحة".

ألا يرجّع هذا الخطاب صدىً ما، سمعناه مراراً وتكراراً من جورج بوش... الابن، وليس الأب؟ ألا يمرّ، من هنا، أيّ تغيير جوهري في الموقف الأمريكي من تسريع إسقاط النظام؟ ومثله تترسخ، في المقابل، ثوابت المصالح الأمريكية في المنطقة، والتي توارثها الرؤساء الامريكيون طيلة عقود، وفي رأسها أمن إسرائيل، وحماية منابع النفط، وإدامة "الحملة على الإرهاب...؟ استطراداً، هل الأمر، في الخلاصة، يخصّ تعيين كيري أو رايس؛ أو إعلاء شأن المجلس الوطني السوري، أو إعلان انتهاء صلاحيته؟

"أيام النظام السوري أصبحت معدودة"، بالفعل، كما ردّد أوباما مراراً؛ ولكن ليس بفضل أيّ خروج من حال المراوحة إلى أيّ حال من التحرّك، بما في ذلك التلويح بالتدخل العسكري؛ أو اتكاءً على تبديل "أسلوب" بآخر، أو معارضة "إسلامية" أو "جهادية" مجهولة العواقب، بأخرى "علمانية" أو "ليبرالية" مضمونة وتحت اليد. وليس، أخيراً لا آخراً، بفضل سردية يجتّرها ساسة استشراقيون يلقون على عاتق أمريكا وحدها دور اقتياد البشرية إلى الحرّية، ضمن حقّ أبدي ثابت خالد... تماماَ كما بشّر أوباما ـ1، ويبشّر اليوم أوباما ـ2!
 

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

هولوكوست سورية: لا دموع إلا للتماسيح!

على صفحته الشخصية في "تويتر"، كان جون ماكين، المرشح الجمهوري الذي خسر أمام الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما في انتخابات 2008، قد حثّ متابعيه على قراءة مقال عن سورية، نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، وحمل العنوان المثير: "كيف نوقف المجزرة في سورية". "لا غنى عن قراءته"، كتب ماكين يمتدح المقالة التي وقّعها إيلي فيزل، الأمريكي ـ الرومانيّ الأصل، الناجي من معسكر أوشفتز ـ بيركيناو، القيّم (بقرار تعيين ذاتيّ!) على تراث الهولوكوست، حامل نوبل السلام للعام 1986 (لأنه "الرسول إلى الإنسانية" كما عبّرت اللجنة النروجية)، ومؤلف قرابة 54 كتاباً في المذكرات والتاريخ المقالة والرواية...

فما الذي دفع ماكين إلى ذلك الحماس؟ وما الذي يقترحه فيزل لإنقاذ سورية من المجزرة؟ وكيف يستقيم أن يأتي الإنقاذ من هذا الرجل بالذات، نصير إسرائيل (التي لا يطيب لها إسقاط النظام السوري، في المدى المنظور على الأقلّ)، المدافع الأعمى عن سياساتها واحتلالاتها وحروبها؟ وهل ثمة صلة ما، من أيّ نوع، يقيمها فيزل بين عذابات السوريين طيلة 20 شهراً، وعذابات معسكرات الاعتقال في أوشفتز أو داخاو أو بوخنفالد؟ وما حقيقة صحوة ضمير فيزل، إذا جاز اعتبارها هكذا، بعد طول صمت على عشرات المجازر التي ارتكبها النظام، وشكّلت ما يقترب من هولوكوست بطيء مستديم، مفتوح ومتدرّج؟

حماس ماكين هو نفاق محض، بادىء ذي بدء، وتزلف لا يُعتدّ به، ولا يفاجيء إلا السذّج؛ خاصة وأنّ مقالة فيزل تنهض، بدورها، على نفاق من طراز آخر؛ وليس مستغرباً أن يطبّل الساسة الأمريكيون، في الصفّ الجمهوري مثل الديمقراطي، لكلّ ما يتلفظ به هذا القيّم ذو السطوة والنفوذ، إنْ لم يكن من أجل استرضائه وخطب ودّه، فعلى الأقلّ اتقاءً لغضبه الماحق الذي يستدعي سخط مجموعات الضغط اليهودية جمعاء! هذه النتيجة تعززها حقيقة أنّ مقترحات فيزل، في هذه المقالة وسواها، تسير على نقيض سلسلة المقترحات التي طرحها ماكين بخصوص الوضع في سورية: الأخير يريد "تسليح السوريين لكي يدافعوا عن أنفسهم"، والأوّل "ليس واثقاً من أنّ المساعدة بالأسلحة هي الحلّ المفيد".

ذلك لأنّ فيزل، وبعد تسفيه حلول أخرى مثل العقوبات الاقتصادية وطرد سفراء النظام، واستبعاد التدخل العسكري الأمريكي (لأنّ "الشعب الأمريكي تعب من شنّ الحروب البعيدة"، و"العائلات الأمريكية فقدت أكثر ممّا ينبغي من الأبناء والبنات في نزاعات نائية")؛ لا يُبقي للسوريين إلا بصيص الأمل، شبه الوحيد، التالي: "لِمَ لا ننذر الأسد بأنه، ما لم يوقف السياسة الإجرامية التي ينخرط فيها، سوف يُلقى القبض عليه، ويُحال إلى محكمة الجرائم الدولية في لاهاي، وتُوجّه إليه تهمة ارتكاب جرائم بحقّ الإنسانية. مثل هذه التهمة سوف تثبط عزيمته. وسوف يخسر كل دعم، وكل تعاطف، في طول العالم وعرضه. ولن يدافع عنه أي شخص شريف. ولن تقبل أية أمّة بمنحه الملاذ..."!

هل يمزح فيزل؟ كلا، بالطبع. أهو جادّ في ما يقول؟ ليس تماماً، وإنْ كان اختلاط الجدّ بالهزل مسألة فيها نظر هنا. أهو صادق، في مشاعره تجاه محنة السوريين؟ كلا، وألف كلا! أبناء سورية يعرفون أنه ما من جهة (في سياق ما يقصده فيزل، على صعيد "المجتمع الدولي" وأشباهه من مسميات) سوف تبادر إلى اتهام الأسد، فكيف باعتقاله؛ وثمة لائحة مكشوفة من الأمم التي ستواصل الوقوف إلى جانب نظامه، وستمنحه الملاذ؛ ومثلها لائحة الذين سيتابعون التعاطف معه، سرّاً أو علانية، ومعظمهم سيأتي من صفوف "الممانعة" الزائفة و"اليسار" المتواطىء؛ إذا وضعنا جانباً أصحاب المصلحة، هعلى امتداد الديمقراطيات الغربية، في بقاء نظام تعايشوا معه طيلة أربعة عقود ونيف، وخبروا ما وفّره من أمن على طول خطوط الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية.

وعلى غرار "المفكر" الفرنسي برنار ـ هنري ليفي، بل أسوأ وأشدّ خبثاً وأبعد عاقبة، لا يملك فيزل أية مصداقية أخلاقية، ولا سياسية بالطبع، كي يدافع عن حقّ شعب عربي هنا، في سورية؛ وفي الآن ذاته يمارس النقيض، من امتداح الغزو والاستيطان والاحتلال، إلى تحوير التاريخ وتشويه الحقائق، ضدّ شعب عربي آخر، في فلسطين مثلاً.  أحدث مآثر فيزل، في هذا الملفّ، أنه استأجر مساحة إعلانية، على امتداد صفحة كاملة في "نيويورك تايمز"، وثلاث صحف يومية أخرى، ينتقد فيها ضغط أوباما على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بخصوص وقف البناء الاستيطاني في القدس، ويقول: "بالنسبة إليّ، أنا اليهودي، القدس فوق السياسة. إنها مذكورة أكثر من ستمئة مرّة في كتبنا المقدّسة، ولا تُذكر مرّة واحدة في القرآن. القدس ملك الشعب اليهودي، وهي أكثر من مجرّد مدينة. حزنها وفرحها جزء من ذاكرتنا الجَمْعية".

وفيزل، في نهاية المطاف، هو أحد "صناعيي" العذاب اليهودي، تماماً كما وصفه نقّاد يهود (نورمان فنكلشتاين، على سبيل المثال الأبرز)، ممّن حوّلوا الهولوكوست إلى "صناعة"؛ وبالتالي لا يُنتظر منه أن يصدق إزاء كلّ، وأيّ، عذاب إنساني. ومَنْ اعتبر تقرير ريشارد غولدستون، عن البربرية الإسرائيلية في غزّة، بمثابة "جريمة ضدّ الشعب اليهودي"، هيهات له أن يذرف على الشعب السوري إلا... دموع التماسيح!

الاثنين، 29 أكتوبر 2012

سورية وديمقراطية الذئاب اليانكية

عن الفارق، في الموقف من الانتفاضة السورية، بين المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية، الرئيس الحالي باراك أوباما، وخصمه المرشح الجمهوري ميت رومني؛ وجدتني أعود بصديقي السائل إلى أمريكا أواخر القرن الثامن عشر، وإلى سياسي وكاتب وعالِم وموسيقي يحلو لأبناء العمّ سام أن يطلقوا عليه صفة "الأمريكي الأوّل". ففي تعريفه لمعنى الديمقراطية، قال بنجامين فرنكلين (1706 ـ 1790): "إنها اجتماع ذئبَيْن على خروف، والهدف هو التصويت لاختيار طعام العشاء". وأياً كانت مضامين الاختلاف بين أوباما ورومني، سواء تلك المعلَنة أم المخفية، وعلى مستوى الأقوال أم الأفعال، فإنّ الخلاصة البسيطة هي افتراق في البلاغة واللفظ و"الزعبرة"، حسب التعريف الشعبي الأفضل للنفاق الديماغوجي؛ واتفاق مذهل في طبيعة الإجراءات على الأرض، سياسياً أو دبلوماسياً أو عسكرياً.

ولأني من المؤمنين ـ بل المحاربين القدماء، كما أجيز لنفسي القول ـ بأنّ السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن هوية شاغل البيت الأبيض، تبدأ من رعاية مصالح إسرائيل، وإليها تنتهي؛ ثمّ لأنّ مصلحة إسرائيل تقتضي اليوم، كما كانت طيلة حكم حافظ الأسد ووريثه، إطالة عمر هذا النظام ما أمكن، وتخريب سورية أكثر فأكثر؛ فإنّ رومني في يقيني هو نسخة كربون، أو يكاد، عن منافسه أوباما. بيد أنّ إيماني العميق بأنّ انتفاضة الشعب السوري سائرة إلى نصر مؤزر، تاريخي واستثنائي وصانع لأكثر من أمثولة كفاحية، سياسية واجتماعية وأخلاقية وثقافية، وأنّ هذا النظام زائل لا محالة، سائر حثيثاً إلى مزابل تواريخ الشعوب؛ فإنني أكملت لصديقي السائل الشطر الثاني من تعريف فرنكلين: "وأمّا الحرّية فهي خروف جيّد التسلّح، يأبى ذلك التصويت"!

فإذا توقف المرء عند مستوى آخر من تعامل ساسة أمريكا مع ملفّ الانتفاضة السورية، وانتقل إلى بنات العمّ سام هذه المرّة، فإنّ النموذج الأبرز (بمعنى الصخب والعنف والضجيج والعجيج...) هو السيدة كرستين أودونيل، التي استحقت صفة النجم الصاعد في صفوف قيادات ما يُسمّى "حزب الشاي"، منذ انتصارها المفاجىء على مايكل كاسل، مرشح الجمهوريين في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير، الذي سبق له أن انتُخب تسع دورات. ورغم أنها خسرت الجولة أمام الديمقراطي كريس كوونز، فإنّ نجم أودونيل واصل صعوده في صفوف جماعة الشاي هؤلاء، وكذلك في أوساط المحافظين واليمين المسيحي الكلاسيكي عموماً، وذلك بفضل معارضتها الشرسة للإجهاض، وللمثلية الجنسية، والاتصال الجنسي قبل الزواج، و... الاستمناء، أيضاً! وهذه السيدة لا تكفّ عن انتقاد أوباما لأنه لم يطح بالأسد بعد (فتسأله، مثلاً: هل تنتظر أن يبلغ عدد القتلى مئة كلّ يوم؟ متناسية، أو ربما جاهلة، أنّ الرقم تحقق ويتحقق منذ أشهر!)، أو لأنّ أقصى جهده في خدمة المعارضة السورية هو تشكيل مجموعة "أصدقاء سورية"، أو لأنّ الخزانة الأمريكية لم تعد "المتمردين" إلا بمعونات لا تتجاوز 45 مليون دولار...

كلام حقّ، يُراد به باطل؟ ليته توقف هنا، إذْ أنّ هذه الانتقادات ليست إلا واجهة "الزعبرة"، التي تتيح لسيّدة الشاي هذه أن تدسّ رسائل كره متعددة المستويات؛ ضدّ المسلمين أجمعين (لأنهم غير جديرين بالديمقراطية)، وضدّ انتفاضات "الربيع العربي" من مشرقها إلى مغربها (لأنها، على غرار الديمقراطية الألمانية في ثلاثينيات القرن الماضي، التي جلبت نازية أدولف هتلر، يمكن أن تجلب "النازية المسلمة"). فلماذا توجيه اللوم إلى أوباما، إذاً؟ أليس حرياً به المديح لأنه يوقف مدّ "النازية المسلمة" هذه، ويُبقي على أنظمة الاستبداد العربية، بوصفها حليفة الولايات المتحدة في نهاية المطاف، أو هي "الشيطان الذي نعرف" في أسوأ الشرور؟

لأنّ أمريكا يجب ان تقود الكون، بعجره وبجره، تردّ أودونيل؛ ولأنّ أمريكا، بعد الاتكال على الله والآباء المؤسسين و فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" الشهيرة، لا تستطيع التملص من تحديات هوية القوّة العظمى، في القرن الحادي والعشرين: الولايات المتحدة سوف تواجه التحدّيات، وستنجح، وستنتصر؛ ليس في مسائل السياسة وقيادة الكون واختتام التواريخ والظفر في صراع الحضارات، فحسب؛ بل كذلك في المصالحة بين الثقافة الأنغلو ـ بروتستانتية والثقافة الإسبانية ـ اللاتينية الكاثوليكية، وكذلك: في هداية البشرية إلى هذا الصلح الأقدس!

ليس غريباً، والحال هذه، أن ينتقل حال أودونيل من منظور يضعها في خانة المشعوِذات (اضطرّت للإقرار، بضغط من مشاهد فيديو انتشرت كالنار في الهشيم، أنها "تعاطت" السحر والشعوذة ذات يوم، ولكن من موقع "الهواية" وليس "الاحتراف")؛ إلى منظور آخر قادم يرتقي بها إلى مصافّ الرائيات اللواتي امتلكن باصرة في الرؤية الخارقة البعيدة، أين منها ما امتلكته زرقاء اليمامة في تراثنا العربي! ولكي لا تنقطع عن فلسفة فوكوياما في القراءة البيولوجية للتاريخ وللسياسة، كانت أودونيل قد سخرت من نظرية شارلز دارون حول النشوء والارتقاء، فسألت: إذا صحّت تلك النظرية، فلماذا توقفت القردة عن التحوّل؟

وبين أوباما ورومني وأودونيل، ثمة تلك الطامة الكبرى التي تقود بعض أطراف المعارضة السورية إلى اختيار دور القرد الذي لا يتحوّل، بدل الخروف الذي يقاوم، في محفل ذئاب تتعارك في ما بينها، ثمّ تنتهي إلى التصويت على طبق العشاء: الخروف، إياه!

الجمعة، 26 أكتوبر 2012

لبنان والنظام السوري: فائض النقصان خلف الاغتيالات

كان حرياً بواقعة اغتيال اللواء وسام الحسن، رئيس شعبة المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، من حيث إحكام العملية وسلاسة التنفيذ وما تردد عن وجود سيارات مفخخة أخرى في جميع المنافذ الإجبارية التي ستمرّ منها سيارة الحسن (التي كُشفت اصلاً، رغم تمويهها)، أن تعيد أذهان البعض إلى أطوار سالفة من هيمنة النظام السوري على مقدّرات لبنان. وتلك أحقاب "ذهبية" ربما، شهدت تمتّع النظام بسلطات واسعة النطاق، متعددة الأدوات، وفيرة المغانم، وعابرة للعلاقات الثنائية بين البلدين. وقبل أن يُورَّث بشار الأسد الحكم، بعد وفاة أبيه، في حزيران (يونيو) سنة 2000، ذاق لبنان، واللبنانيون، شتى صنوف التسلّط التي أدخلتها إدارات العميد محمد غانم (أوّل رئيس لاستخبارات النظام العسكرية في لبنان، "فرع الأمن والاستطلاع" في التسمية الشائعة)؛ وخَلَفه اللواء غازي كنعان، الغني عن التعريف بالطبع، والذي يصحّ فيه النحت اللغوي الفريد: إنتُحر؛ والعميد محسن سلمان (قائد الوحدات الخاصة، والآمر الناهي في تسعة أعشار شبكات التسلط والنفوذ والنهب خلال أواسط الثمانينيات)؛ فضلاً عن سلسلة العلاقات الوثيقة مع ساسة وضباط عسكريين وضباط أمن لبنانيين، يُعتبر ولاء ميشيل سماحة اليوم ألعوبة أطفال بالقياس إلى ولائهم آنذاك.  

بيد أنّ عودة الأذهان إلى مناخات أي من تلك الأطوار لا تعني، بالضرورة، أنّ نفوذ النظام السوري، المباشر والفعلي والمنفرد، قد عاد إليها بدوره، بصفة آلية؛ وإنْ كانت تعني أنّ "تلازم المسارات" بين النظام وحلفائه اللبنانيين، والإقليميين، قد بلغ ذروة قصوى ابتداء من عملية اغتيال الحسن (وهذا نقاش آخر، توقفتُ عند ملابساته قبل أيام، في ضوء منطق أمني وعملياتي وميداني يفرض القاعدة التالية: جميع العمليات التي تجري على الأرض اللبنانية، خدمة للنظام السوري، لا بدّ أن تخضع لترخيص، أو مساعدة، أو حتى توفير أدوات التنفيذ، من جانب "حزب الله" و/أو "الحرس الثوري" الإيراني). ذلك لأنّ نفوذ النظام، اليوم، هو في أضعف حلقاته منذ الدخول العسكري إلى لبنان، صيف 1976؛ وهذا كان النقلة الإقليمية السياسية والعسكرية الأهمّ في تاريخ "الحركة التصحيحية"، التسمية الرسمية للانقلاب الذي قاده حافظ الأسد ضدّ رفاقه في حزب البعث منذ أواخر 1969، وتوّجه في 16 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1970، حين استكمل وأعلن استيلاءه على السلطة.

ولهذا فإنّ الانسحاب العسكري السوري من لبنان، في شباط (فبراير) 2005، كان قد استكمل تلك النقلة في الوجهة المعاكسة، إذا جاز القول؛ أي في مسار تجريد النظام السوري ـ ببطء تارة، وبتسارع دراماتيكي طوراً، ولكن على نحو مضطرّد إجمالاً ـ من المغانم والأوراق والقوى والحلفاء وهوامش المناورة الإقليمية. ومن الإنصاف القول إنّ انحطاط النفوذ السوري في لبنان كان قد بدأ، سياسياً، في عهد الأسد الأب، مع سحب هذا الملفّ من يد عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس آنذاك، وتسليمه إلى بشار الأسد كجزء من ترتيبات إعداد الفتى لخلافة أبيه. (غنيّ عن القول إنّ الانحطاط لم يبدأ لأنّ خدّام كان أرحم باللبنانيين من الأسد الابن، بل على العكس تماماً: الأخير كان في طور التلقين وألعاب الهواة، وكان خدّام أشدّ شراسة وأكثر تشدداً).

غير أنّ الضربة القاصمة جاءت مع وفاة الأسد، حين صحا اللبنانيون على الحقيقة البسيطة التالية: الوجود السوري ("الشرعي" و"المؤقت" بالنسبة إلى الرئيس اللبناني السابق إميل لحود، والمؤقت ولكن اللاشرعي الذي آن أوان إنهائه بالنسبة إلى معظم اللبنانيين) ينبغي أن لا يظلّ على حاله السابقة بعد أن غاب الأسد، صانعه الأوّل، الأعلى دهاء ومكيافيللية ودموية من وريثه في الحكم. هذه الحقيقة/ البديهة كانت تقبل، أو تصنع تلقائياً، مكمِّلها الاستطرادي، البديهي، الآخر: إذا تآكل الوجود السوري في لبنان ـ سواء نُظر إلى ذلك الوجود في مستوياته العسكرية والسياسية والاقتصادية، أو في امتداداته الأخرى الاجتماعية (العمالة السورية، التوترات بين الشعبين، انقسامات اللبنانيين...)، أو الحقوقية (اتفاق الطائف، القرارات الدولية...) ـ وكفّ عن كونه صانعاً لأوراق القوّة في صفّ النظام؛ فمن المنطقي والحال هذه أن ينقلب إلى عبء على سلطة الوريث، في العلاقة مع الجوار الإقليمي، والعالم بأسره.

ومن الإنصاف التذكير، كذلك، أنّ أولى إشارات الصحو على هذه الحقيقة/ البديهة لم تأت من وليد جنبلاط أو "الكتائب" أو "القوّات اللبنانية"، أو أيّ من القوى اليسارية التي سوف تأتلف بعدئذ في إطار "اليسار الديمقراطي"؛ وطبيعي أنها أيضاً لم تأت من صفّ رفيق الحريري لأنه كان، آنذاك، أحد أخلص حلفاء النظام السوري. لقد جاءت، ليس دونما مفارقة في واقع الأمر، من مجلس المطارنة الموارنة الذي أصدر بياناً لافتاً تماماً في 20 أيلول (سبتمبر) من العام 2000، أي بعد أشهر معدودات على توريث الأسد الابن، أبدى فيه الحرص على "توثيق أحسن علاقات الأخوّة بين لبنان وسورية"؛ ولكنّ المغزى الأهمّ وراء البيان كان التشديد على أنّ الصلة اللبنانية ـ السورية قائمة على "علاقات الأخوّة" وحدها، ليس أكثر!

وإذْ ينصف المرء ذلك البيان اليوم، فليس لأنّ المشهد الراهن يقتضي استذكار تلك الواقعة، والمفارقة خلفها، فحسب؛ بل لأنّ ما انطوى عليه نصّ المطارنة الموارنة كان أقرب إلى استبصار الكثير من التطوّرات التي سيشهدها البلد حين تغادر قوّات النظام السوري. كذلك استدعى، من جانب آخر، جملة استقطابات سياسية واجتماعية ودينية ومذهبية سوف تصبح من جديد جزءاً لا يتجزأ من خطاب، وكوابيس، الحياة اليومية اللبنانية الراهنة. وهكذا، وكما نشهد اليوم مَن يترحّم على الوجود العسكري في صفوف اللبنانيين أنفسهم (وليس عاصم قانصوه وحده، للتذكير، بل الجهة الأخرى الأعلى قبضة وسلاحاً ونفوذاً أمنياً: "حزب الله")، توفّر مَنْ يناهض بيان بكركي في صفوف... مناهضي النظام السوري هذه الأيام! تلك كانت روحية البيان المضاد الذي صدر آنذاك عن "اللقاء الإسلامي"، المؤلف من المفتي الشيخ محمد رشيد قباني (ممثلاً لدار الإفتاء السنية)، والشيخ عبد الأمير قبلان (المفتي الجعفري الممتاز)، ومحمد السماك (ممثّل لجنة الحوار الإسلامي ـ المسيحي)، وبهجت غيث (شيخ الطائفة الدرزية).

بيان مجلس المطارنة الموارنة طالب بإعادة انتشار الجيش السوري تمهيداً لانسحابه نهائياً، عملاً بالقرار 520، واستناداً إلى نصوص اتفاق الطائف؛ وبيان "اللقاء الإسلامي" اعتبر أنّ الوجود السوري شرعي ومؤقت كما قال رئيس الجمهورية، وأي موقف منه تقرره السلطات الرسمية. موقفان، إذاً، على طرفَي نقيض وعلى طرفَي استقطاب ديني واضح: مسيحي/مسلم. إلى هذا، كان الفارق بين البيانين لا يقتصر على انقسام حادّ بين "لا" و"نعم" للوجود السوري، بل تجاوز اللونَين الأبيض والأسود إلى تدرّجات للرمادي، عديدة ومعقدة! بين هذه التدرّجات، العابرة للدينيّ والمذهبيّ والسياسي بمعنى السياسة الصرفة الكلاسيكية، ما جاء في بيان مجلس الوزراء اللبناني ردّاً على بيان المطارنة الموارنة: "العلاقات بين سورية ولبنان ليست أمراً مزاجياً يتغير بتغيير المواقف الخارجية والفئوية، بل هي علاقة ستراتيجية تحددها الدولة بمؤسساتها الدستورية، وأنّ هذه العلاقة هي من الثوابت التي تقوم على تأكيد مصلحة لبنان أولاً، والتي تؤكد أيضاً ثبات المواقف القومية مع الشقيقة سورية وأواصر المصالح المشتركة في ما بيننا".

بالطبع، المعادلات اختلفت جذرياً بعد اغتيال الحريري الأب، وانقلاب سواد السنّة على دمشق، وانحياز سواد الدروز إلى وليد جنبلاط بوصفه ممثّل الزعامة التاريخية على الأقلّ، حين انخرطت دمشق في تأثيمه وتجريمه. وباتت أشباح الحرب الأهلية أقلّ هيمنة على الوجدان الشعبي العامّ، بل صار من المشروع القول إنّ خريطة الولاءات المذهبية ذات التلوّن السياسي (بصدد الموقف من النظام السوري، أساساً) أقلّ تعقيداً من ذي قبل، وبالتالي أوضح في الطبيعة والتكوين والقدرة، وأيسر سيطرة في حال اندلاع صدامات مذهبية أهلية. لكنّ الحال تغيرت في الصفّ المسيحي أيضاً، والماروني منه بصفة خاصة، وكان انتساب ميشيل عون إلى نادي حلفاء النظام السوري يعيد خلط الأوراق على نحو ينتهي إلى ترسيخ ذلك الإجماع اللبناني على مبدأ كلاسيكي في المحاصصة: لا غالب ولا مغلوب!

ورغم تبدّل المواقع بين الأغلبية والمعارضة، وبين حكومة سعد الحريري وحكومة نجيب ميقاتي، زار الأخيران دمشق مثلما زارها وليد جنبلاط وحسن نصر الله؛ ولكن، في غمرة التقلبات كافة، ظلّ ميزان نفوذ النظام السوري يشير إلى فائض نقصان، وليس فائض قيمة؛ وإذا ما قيس بمعدّلات الأحقاب "الذهبية"، حتى أواخر التسعينيات، فإنّ النفوذ كان في حال من تآكل مضطرد. الانتفاضة السورية أكملت هذه السيرورة، بمعنى أنها شدّدت وتائر التآكل، من جهة أولى؛ وأوقعت حلفاء دمشق في حرج الاصطفاف خلف النظام رغم الأكلاف السياسية والأخلاقية الهائلة وراء اضطرار كهذا، من جهة ثانية. وفي الخلفية الأخرى، السياسية ـ الاجتماعية لواقع المحاصصة، أثبتت الانتخابات النيابية الأخيرة أنّ الميول الشعبية العامة على حالها تقريباً عند الطوائف المسلمة، فصوّتت كلّ طائفة لمرشحيها: السنّة بنسبة تجاوزت 88 بالمئة، والشيعة 90 بالمئة، والدروز 92 بالمئة. ولكنّ الميول كشفت، في الآن ذاته، عن انقسام في صفوف المجموعات المسيحية المتنازعة، بحيث آل إلى السنة والدروز أمر ترجيح فريقَيْ "الكتائب" و"القوات اللبنانية"، حلفاء 14 آذار؛ وتولى الشيعة دعم مرشحي الجنرال عون، المسيحيين.

ولقد انصرم زمن شهد تطبيق النظام السوري ستراتيجية تخويف المجتمع السوري من أخطار حرب أهلية على الطراز اللبناني، اعتمدت الإيحاء بأنّ مصير الطائفة العلوية ـ بابنائها كافة، عن بكرة أبيهم، بفقرائها ومناضليها الوطنيين الديمقراطيين، وبمعارضيها من نزلاء سجون النظام، في الماضي والحاضر ـ بات مرتبطاً تماماً ونهائياً بمصير النظام. اليوم لم يعد "الدرس اللبناني" مخيفاً في ذاته، لأنّ النظام استبدله بـ"درس سوري" محلي محض، يقول ببساطة: إمّا استمرار النظام، سواء قبل السوريون "الإصلاحات" الزائفة والتجميلية أو رفضوها، أو الخراب والتقسيم والحروب الأهلية وتدمير الهوية الوطنية. وعلى نحو ما، في ضوء استئناف عمليات الاغتيال في لبنان، بدا وكأنّ النظام السوري انتقل من تخويف السوريين من مصائر لبنان، إلى تخويف اللبنانيين من مصائر سورية!

هذا، بدوره، فائض نقصان لا فائض قيمة؛ وهو خيار انتحاري في الجوهر، ينقل العنف المجّاني من سورية إلى جوارها الإقليمي، ولا يضطر إلى اعتماده إلا نظام يوشك على الانهيار، ولم تتبقّ في جعبته سوى تلك الخيارات التي يرى فيها النظام وحلفاؤه منافذ نجاة أخيرة. ولكنها ما فتئت ترتدّ عليهم، إلى النحور.