وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 9 مارس 2014

قورش (بشار) الأسد!

 لا حدود للابتذال العقلي، ومثله الانحطاط في تحريف الحقائق، حينما يتنطّح مسيحيّ غربي مغالٍ للدفاع عن النظام السوري، بذريعة أنّ بشار الأسد هو حامي الأقليات في سورية، وضامن أمن الطوائف المسيحية بصفة خاصة. الوقائع تُقلب، رأساً على عقب، على أيّ نحو، وبأية مفردات، وكيفما سارت نبرة التهويل الدراماتي؛ ما دامت تخدم تسويق تلك السردية، أو بالأحرى تنفع في تبسيطها (انحطاطاً وابتذالاً، دائماً) لكي تنطلي على المسيحيّ الغربيّ العاديّ، البسيط في إيمانه الروحي، المتواضع في معلوماته عن سورية ذاتها، وربما الشرق الأوسط بأسره.

لعلّ من الخير، والجدوى، البدء بهذا النموذج الصارخ: مقال بعنوان "الأسد: نموذج حديث من قورش الأكبر بالنسبة إلى المسيحيين"، كتبه يان ستادلر، ونشره موقع Faith & Heritage (الإيمان والإرث)، والذي يختصر رسالته هكذا، في شعار يتصدّر الموقع: "مسيحية غربية من أجل الحفاظ على ثقافة الغرب وأهله". ويكفي مثال واحد على تدنّي سوية المقارنة التي يعقدها ستادلر: "الله استخدم الملك قورش الأكبر لحماية اليهود المضطهَدين، والسماح لهم بالعودة إلى الأراضي المقدسة وإعادة بناء الهيكل. والأسد تصرّف بطريقة مماثلة، فأتاح للمسيحيين أن يكونوا آمنين مطمئنين في بلد يهيمن عليه الإسلام"!

عبث، بالطبع، أن يُسأل هذا العبقري عن العلاقة بين اليهود والمسيحيين هنا، أو عن "الأراضي المقدسة" التي تكفّل قورش (بشار) الأسد بإعادة المسيحيين إليها، أو عن "الهيكل" المسيحي الذي أعادوا بناءه؛ وعبث، قبلئذ وأساساً، أن تُطلب من ستادلر معلومة واحدة دقيقة حول تاريخ المسيحية في سورية، أو عن بولس الطرسوسي وطريق دمشق المستقيم. طريف، في المقابل، تذكير هذا المنافح عن الأقليات المسيحية أنّ "الحرس الثوري" الإيراني ومقاتلي "حزب الله" هم ورثة قورش الأكبر، وليس الأسد أو ضباطه أو ميليشياته الطائفية أو شبيحته؛ أو تذكيره بأنّ الإمبراطورية الأخمينية، التي ينتمي إليها بطله الفارسي محرّر اليهود، قامت أساساً على أنقاض ثقافات وشعوب وأمم كثيرة، في سورية وبلاد الرافدين والأناضول وفلسطين ومصر وليبيا وتخوم الهند ومقدونيا...

ومع ذلك فإنّ لمقارنة ستادلر صفة واحدة وجيهة، في نهاية المطاف، هي أنّ هذا القورش الحديث، الأسد، يؤدّي بالفعل دور حامي عبرانيي عصرنا، مواطني دولة إسرائيل اليهود؛ سواء على امتداد خطوط التماس في أراضي الجولان المحتلة، أم في الجنوب اللبناني حيث ينشغل "حزب الله" بطراز آخر من "المقاومة" في القصير ويبرود وحرستا... وبهذا المعنى، فإنّ اتفاق إيران وإسرائيل على مساندة النظام السوري وإطالة آجال بقائه ما أمكن الأمر، لا يعيد استكمال مهامّ قورش الأكبر القديمة، فحسب؛ بل يعيد أيضاً إحياء التفاهيم الفارسي ـ اليهودي، ويفسّر حماس صهاينة غربيين (ألكسندر آدلر، على سبيل المثال) لنظرية الإخاء الإيراني ـ الإسرائيلي في وجه "مخاطر الربيع العربي".

وقبل أربع سنوات عرض المتحف الوطني الإيراني، بإعارة من المتحف البريطاني، قطعة أثرية ثمينة هي أسطوانة قورش الاكبر الشهيرة، التي تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (وكان ذاك هو العرض الثاني في الواقع، لأنّ الأسطوانة زارت إيران سنة 1971، خلال احتفالات الشاه محمد رضا بهلوي بالذكرى الـ2500 لقيام النظام الشاهنشاهي). وكان مفاجئاً أنّ صحيفة "كيهان" المتشددة طالبت بعدم ردّ الأسطوانة، لأنها "ملكية إيرانية"؛ متناسية أنّ القطعة، رغم صلتها بملك فارسي، لم تُكتشف في بلاد فارس، بل في بابل العراق، سنة 1879، وهي بالتالي ملكية عراقية بالمعاني التاريخية والأركيولوجية والحقوقية. كانت لافتة، كذلك، تلك اللغة الفارسية حقاً، المفعمة بالفخار القومي والاعتداد بأمجاد الماضي السحيق، التي صدرت عن كبار المسؤولين الإيرانيين، بصدد الأسطوانة.

فالرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، لم يتردّد في وصف قورش بـ"ملك العالم"، الأمر الذي بدا مستغرباً من رأس نظام حرص على تخفيض نبرة التغنّي بماضي الفرس قبل الإسلام، وذلك على نقيض ـ مقصود، ومنهجي، ومدروس ـ ممّا كان يفعل الشاه. لا أحد، سوى السذّج، غاب عنه المغزى السياسي ـ أو الشعبوي، في جانب آخر هامّ ـ خلف حرص نجاد على زيارة أسطوانة قورش، وإسباغ أوصاف تفخيمية على ملك وثني في نهاية المطاف، كما يقول المنطق البسيط (وكما شدّد، حينئذ، آية لله صادق خلخالي، الذي أضاف أنّ قورش كان "مثلياً" و"عابداً للنار"). كذلك لم تغب عن الرئيس الإيراني السابق ضرورة "الموازنة"، التي لا تقلّ شعبوية بالطبع، بين الاحتفاء بملك فارسي حرّر اليهود من أسرهم البابلي، وبين موقف إيران الراهنة من دولة إسرائيل؛ فكان أن وصل إلى المعرض وقد أرخى على كتفيه... كوفية فلسطينية!

عودة، أخيراً، في اقتباس ثانٍ، إلى صاحبنا عبقريّ المقارنة القورشية: "إنّ المعركة التي يخوضها المسيحيون في الغرب هي المعركة ذاتها التي يخوضها المسيحيون في دمشق، وغروزني، وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي. الأسد حليفنا، أحببنا هذا أم كرهناه، وعلى المسيحيين أن يبتهجوا إزاء التحالف مع رجل مستعدّ للغرق بسفينته بدل بيع المسيحيين"! وفي ضوء خلاصات كهذه، خاصة غرق السفينة، ألا يحقّ لأنصار النظام، من أبناء الطائفة العلوية تحديداً، أن يشككوا في هوية الأسد الطائفية، وأن يقترن الشكّ عندهم بمشاعر الحسد والغيرة من... مسيحيي قورش العصر؟  

الجمعة، 7 مارس 2014

بوتفليقة والأسد: خرافة الرئاسات إلى الأبد

 الواقعة تعود إلى يوم 21 آب (أغسطس)، سنة 2005، حين كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مجتمعاً، في الجزائر العاصمة، مع ريشارد لوغار، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي. تناول بوتفليقة شؤون المنطقة، من العراق ما بعد صدّام حسين، إلى ليبيا، مروراً بمصر والسعودية؛ لكنّ اهتمامه الأكبر (على ما نقلت برقيات "ويكيليكس"، بعدئذ) انصبّ على إقناع لوغار بجدوى الانفتاح مجدداً على نظام بشار الأسد، خدمة لمصالح أمريكا في المقام الأوّل، وكذلك للحدّ من نفوذ إيران في المنطقة، وتحويل "حزب الله" من مجموعة عسكرية إلى حزب سياسي ممثّل في مجلس النوّاب اللبناني.

برهة أخرى، في تأكيد هذه العلاقة الخاصّة بين نظامَيْ العسكر في الجزائر وسورية، لأنها في الواقع سيرورة مركّبة تتجاوز العرى الشخصية الوثقى بين بوتفليقة وكلّ من الأسد الأب والأسد الابن؛ كانت سلسلة المواقف التي اتخذتها الدبلوماسية الجزائرية بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، خلال اجتماعات الجامعة العربية، وخاصة التحفّظ على الفقرة الثالثة من قرار الجامعة، لشهر تموز (يوليو) 2012، والتي طالبت الأسد بالتنحي عن السلطة. التكملة المنطقية لهذه البرهة كانت هتاف المتظاهرين في سورية: "خاين خاين خاين! بوتفليقة خاين!"؛ وقيام بعض المتظاهرين الجزائريين، في الجزائر، باستعارة واحدة من لافتات بلدة كفرنبل الشهيرة، تقول: "إلى النظام الجزائري: سيل الربيع العربي قادم... فأين المفرّ؟".

العسكر، والأجهزة الأمنية، والتركيبة العائلية في إدارة الاقتصاد والكثير من مراكز القرار في هرم السلطة، فضلاً عن النزوعات العقائدية "البعثية" داخل حزب "جبهة التحرير الوطني"، وقهر المجتمع والسياسة بذريعة "الحملة على الإرهاب"، ثمّ الخشية من انتقال رياح "الربيع العربي" لتعصف بأركان النظامين، والسلطات الواسعة التي يمنحها "الدستور" في البلدين لمنصب الرئاسة، بين عناصر أخرى مشتركة... كل هذه أتاحت ذلك المستوى المتقدّم من التضامن، التبادلي، بين بوتفليقة وعسكر الجزائر عموماً؛ ونظام "الحركة التصحيحية" في سورية، كما ورثه الأسد الابن من أبيه، وتابع نهجه وأعرافه. يكتب الصحافي الجزائري كامل داود: "إذا تعرّضتم لي، فسينهار الشرق الأوسط وينزلق إلى الفوضى، يقول السوري بشار الأسد. إذا تعرّضتم لي، فإنّ 'القاعدة' سوف تُلحق الخراب بالمنطقة، يقول الجزائري بوتفليقة. أنا ضامن أمن التزويد بالطاقة، يضيف الجزائري. أنا ضامن أمن إسرائيل، على النقيض من المظاهر، يجيب السوري"!

لم يكن ينقص، إذاً، إلا إعلان بوتفليقة (76 سنة)، ولكن بلسان رئيس وزرائه عبد المالك سلال، العزم على الترشيح لولاية رابعة، اعتماداً على التعديل الدستوري الشهير، لسنة 2008، الذي ألغى تقييد شغل المنصب بولايتين، فجعله مدى الحياة، ما دام الشعب راضياً سعيداً! ولولا ما يتردد، همساً بالطبع، عن ضيق صدر الجنرال محمد مدين، رئيس الاستخبارات المعروف باسم "توفيق"، بهذا الترشيح؛ لأقرّ المرء بأنّ مجمّع النظام الحاكم منخرط، كالبنيان المرصوص، خلف بوتفليقة. لقد بدأت المؤشرات الأولى عندما شنّ عمار سعداني، الأمين العام لـ"جبهة التحرير"، هجوماً غير مسبوق على مدين، فاتهمه بتنظيم "حملة فضائح وأكاذيب" ضدّ أعوان بوتفليقة؛ ثمّ استُكملت المؤشرات حين صوّت الحزب على ترشيح "المجاهد عبد العزيز بوتفليقة" لخمس سنوات رابعة...

وكما أنّ انتخابات 2004 و2009 جلبت لبوتفليقة نسبة 85 و90 في المئة، على التوالي؛ فإنّ نسبة 97 بالمئة كانت نصيب الاستفتاء على مشروع "الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية"؛ الذي اقترحه الرئيس الجزائري لطيّ العقد الدامي الذي عاشته الجزائر بين 1992 و2003، وأسفر عن أكثر من 150 ألف قتيل وآلاف المفقودين؛ ثمّ أصبح الميثاق، في 28 شباط (فبراير) 2006، قانوناً رسمياً، موازياً لأحكام "الدستور"، وركيزة ثانية في سلطة بوتفليقة. غير أنّ الإشكالية الأولى في ذلك الميثاق/القانون تمثلت في نقص فادح بصدد ملفّين حاسمين وأساسيين: المفقودين (إذْ لا ينصّ الميثاق على أية أوالية ملموسة تضمن الكشف عن مصائرهم)؛ وملفّ محاسبة الجنرالات، والمافيات الأمنية، أو أية جهات حكومية سلطوية ارتكبت أعمال الخطف والاعتقال التعسفي والتنكيل بالمواطنين، فضلاً عن ممارسة الفساد ونهب البلاد (العكس هو الصحيح، لأنّ الميثاق يقول لهم، عملياً: عفا الله عمّا مضى!).

في جانب آخر، وفي استحقاق لا يقلّ أهمية عن العفو والتسامح والمصالحة، ينطوي الميثاق على ما يشبه الشرعنة التامة لرواية وحيدة عن ذلك العقد الجزائري الدامي؛ هي سردية السلطة كما سردتها قبل التصويت على الميثاق، إذْ لن تكون بعده أية رواية أخرى... تحت طائلة القانون! والأمر ينقلب إلى ما يشبه التحريم التامّ في المسألة الأكثر حساسية ومأساوية، أي ملفّ المفقودين، كما في النصّ العجيب الذي يمهّد للبند 4: "إنّ الشعب الجزائري صاحب السيادة يرفض كلّ زعم يقصد به رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في ظاهرة الافتقاد. وهو يعتبر أن الأفعال الجديرة بالعقاب، المقترفة من قبل أعوان الدولة الذين تمت معاقبتهم من قبل العدالة كلما ثبتت تلك الأفعال، لا يمكن أن تكون مدعاة لإلقاء الشبهة على سائر قوّات النظام العامّ التي اضطلعت بواجبها بمؤازرة من المواطنين وخدمة الوطن".

وللمرء أن يراهن أنّ تسعة أعشار ضباط الأسد، في صفوف أجهزته الأمنية وقوّاته الموالية وفصائل الشبيحة ومفارز الميليشيات الطائفية، سوف يراودهم الحلم باعتماد فقرو مماثلة، وبالحرف، في سورية. فإلى جانب الطابع الديماغوجي الذي يكتنف صياغة النصّ، فإنّ منطوقه كان كافياً لتبرئة ذمّة القتلة بذريعة السيادة الوطنية؛ والحفاظ على حصانة الدولة بأسرها، وسمعتها، وشرفها، كاملة تامة، منيعة معفاة من كلّ وازرة! غير أنّ ما حدث في الجزائر، يوم 11 كانون الثاني (يناير) 1992، كان انقلاباً عسكرياً صريحاً نفّذه جنرالات الجيش ومؤسسات الحكم المدنية المتحالفة مع مختلف أجهزة السلطة. وباسم الدولة وحفاظاً عليها، بذرائع صيانة السلم الأهلي ودرء الأخطار المحدقة بالوطن، انقضّ الجيش على المؤسسات بدءاً من رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد، وانتهاء بأصغر مجلس بلدي. كما فُرض قانون الطوارىء، وألغى نتائج الانتخابات التي حققت فيها "جبهة الإنقاذ" انتصاراً صريحاً؛ فانفتح الباب عريضاً على السيرورة (الطبيعية والمنطقية) للتحوّلات الكبرى في الحياة السياسية عموماً، وتصاعدت خيارات العنف ضمن تيارات الإسلاميين وأجهزة السلطة العسكرية والأمنية على حدّ سواء.

ويخطيء مَنْ ينسى أنّ عمليات الإرهاب في الجزائر كانت خير ساتر للسلطة في تمرير المشاقّ الاجتماعية الناجمة عن الشروط التي فرضها "صندوق النقد الدولي" على البلد، بحيث بات الجزائري العادي رهينة هاجس البقاء على قيد الحياة، قبل هاجس الإلتفات إلى شجون وشؤون المعاش اليومية. ذلك، بمعنى آخر، كان شكلاً معقداً و"غير مرئي" من أشكال دعم برامج السلطة الحاكمة، بما في ذلك التواطؤ الصامت مع أساليبها القمعية التي لم يكن لها أي نصيب ملموس من النجاح في الحدّ من استفحال العنف الدامي. ولعلّ العكس هو الذي صار صحيحاً فيما بعد، حين أخذ الإرهابيون يعملون في وضح النهار وبسهولة أكثر، وتبدلت نوعية الضحية: من رموز السلطة السياسية والأمنية والعسكرية، إلى الجزائري العادي، الشيخ والطفل والمرأة.

كذلك يخطيء مَنْ ينسى أنّ حمامات الدم المفتوحة تلك، ودورة العنف الإرهابي الأهلي الأبشع في التاريخ الجزائري الحديث بأسره، كانت أو تظلّ مسألة جزائرية داخلية تبرّر القول: وماذا في وسع العالم أن يفعل حين يقتل الجزائري شقيقه الجزائري، في حرب أهلية طاحنة تدور رحاها منذ عقد ونيف؟ فليس بجديد القول إن فرنسا غارقة حتى أذنيها في المعضلة الجزائرية، لأسباب تاريخية كولونيالية معروفة، ولكن أيضاً بسبب التراث الأحدث لمجموعة المواقف الفرنسية بعد انقلاب 1992. والفرنسيون يسددون اليوم ديون الأمس القريب، خصوصاً حين أدركوا أنّ ضغط تلك الديون أخذ يترجم عواقبه في عمليات تصدير العنف إلى داخل أنفاق المترو في قلب باريس، حيث يودي الإرهاب بأرواح فرنسية بريئة، تماماً كما أودى ويودي بأرواح جزائرية بريئة.

من جانبها، وفي الموقف من الإسلام السياسي كما في الموقف من أية قضية أخرى شرق أوسطية، ظلت واشنطن على عهدها في خدمة المصالح القومية الأمريكية، فضلاً عن ضمان أمن إسرائيل العسكري والسياسي والاقتصادي، وتوسيع دائرة المغانم الستراتيجية الناجمة عن احتلال العراق. وهكذا، كان في وسع البيت الأبيض غضّ النظر عن حمامات الدم وتلال الجثث الأهلية في الجزائر، بل و"التطنيش" التامّ المذهل عن حقيقة أنّ الجزائر كانت تشهد إرهاباً من نوع أعمى، أشدّ قسوة وبربرية من أيّ إرهاب تزعم الولايات المتحدة أنها تخوض حرباً شاملة لاستئصاله. وتناسى أشخاص مثل ريشارد بيرل، وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس، أنّ شعار الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر كان يسير هكذا: "لا حياد في الحرب، وباستثناء الذين معنا فإن الآخرين كافرون". ولكن كيف كان لهؤلاء أن يتذكروا مثل هذا الشعار، إذا كانوا هم أنفسهم قد صاغوا، وأطلقوا على لسان رئيسهم، الشعار المانوي الشهير: مَن ليس معنا فهو ضدّنا؟

وبهذا المعنى كان يُفهم إصرار رجل مثل حسين آيت أحمد على الربط بين مشروع بوتفليقة في المصالحة الوطنية (حيث أنّ أهداف المشروع الكبرى كانت، في يقينه، تهدف إلى تبييض الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيداً لتعديل الدستور ومنح الرئيس الحالي عدداً لانهائياً من الولايات الرئاسية، أسوة بأشقائه الرؤساء العرب... وهذا ما جرى بعدئذ، بالفعل!)؛ وبين ما تحظى به سلطة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، لعلّه بدا فاضحاً أحياناً. وإذا كان آيت أحمد قد بالغ، في كثير أو قليل، حول طبيعة هذا الدعم؛ فإنّ الثابت، مع ذلك، أنّ الديمقراطيات الغربية تنفست الصعداء بعد انقلاب 1992، حين صادر الجيش الجزائري صندوق الاقتراع (طوطم الديمقراطية الغربية!)، ودفع الجزائر إلى بركة الدم. وحدث، استطراداً ومراراً، أنّ الديمقراطيات إياها انتقلت سريعاً إلى ما هو أدهى  من تنفّس الصعداء: إلى مدّ المافيا العسكرية بأسباب البقاء اللازمة، لا لشيء إلا لكي تسيل أنهار جديدة من دماء الجزائريات والجزائريين!

المقارنات بين الجزائر وسورية، ثمّ بين بوتفليقة والأسد استطراداً، وافرة متزايدة ضاربة الأطناب؛ وليتها اقتصرت على محض نزوع استبدادي إلى إعادة إنتاج خرافة رئاسات مديدة لانهائية، مفتوحة إلى أبد الأبد.

الأحد، 2 مارس 2014

من بيت جالا إلى حلب: القدامة السورية

 ضمن أنشطة الربيع الثقافي الفلسطيني، الذي احتضنته فرنسا سنة 1997 وكان نقلة نوعية وغير مسبوقة على الصعيد الأوروبي، سواء من حيث طبيعة الأنشطة، أم الأسماء المشاركة (فدوى طوقان، محمود درويش، عز الدين المناصرة، أحمد دحبور، سحر خليفة، أنطون شماس، ليانا بدر، غريب عسقلاني، زكي العيلة، رياض بيدس...)؛ تشرّفت بالمشاركة في تأليف كتاب جماعي، مع إلياس صنبر وجان ـ كلود بونسيه، نُشر بالفرنسية، حول التحدّيات الثقافية التي تواجهها فلسطين، راهناً وفي المستقبل. وقد تناولتُ عشر شخصيات فلسطينية، تبدأ من روحي الخالدي وتنتهي عند إدوارد سعيد؛ وكان في عدادهم (بالطبع، إذْ كيف أمكن أن يغيب!) الطبيب والأديب والباحث والمؤرّخ والأنثروبولوجي توفيق بشارة كنعان (1882 ـ 1964).

وإذْ أعود إليه اليوم، فلأنّ هذه السنة تدشّن الذكرى الخمسين لرحيله، وإلقاء تحية إجلال على ذكراه هي واجب الحدّ الأدنى؛ وكذلك لأنّ حياة هذا العلاّمة، وبعض أعماله، كانت لها صلات سورية وثيقة، الآن إذْ يطالب البعض بفكّ الارتباط بين فلسطينيي سورية والسوريين؛ وكأنّ مخيّمات اليرموك في دمشق، والرمل الجنوبي في اللاذقية، والنيرب في حلب، والعائدين، في حمص... يمكن أن تبقى جزراً آمنة رغيدة، ناجية من وحشية النظام السوري.

وهذا رجل كان مسيحياً أرثوذكسياً، لبناني الأصول، لكنه ساجل بأنّ الفلسطيني ينتمي بقوّة إلى عمقه العربي والإسلامي، حتى حين يفاخر بنتاج جماع مركّب، لثقافات بابلية وعمورية وآرامية وكنعانية وفينيقية وفرعونية وعبرانية وهيللينية. وفي كتابه الهام "قضية عرب فلسطين"، الذي صدر أوّلاً بالإنكليزية وترجمه إلى العربية النهضوي العلماني المعروف سلامة موسى سنة 1936، وصف كنعان أهمية الفتح العربي الإسلامي لفلسطين في القرن السابع، وكيفّ تعرّب الفلسطينيون سريعاً، فولدت هويتهم وترسخت أكثر فأكثر مع الغزوات الخارجية اللاحقة (الصليبية والعثمانية والغربية)، دون أن تخسر عناصرها التكوينية الأولى.

ولد كنعان في بيت جالا، البلدة الفلسطينية التي تتّسم بتعددية مسيحية ـ إسلامية مميّزة، ودرس في دار المعلمين بالقدس، ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، وتخرج منها طبيباً عام 1905. هذا الطور الأول، في مراقبة المحيط الفلسطيني والعربي المجاور، أعقبه طور العمل الطبي الميداني الواسع، حتى عام 1947؛ حين عمل في مستشفيات فلسطين، وترأس دائرة الملاريا التابعة لمكتب الصحة العام، كما ترأس دائرة المختبرات الطبية العثمانية، التي يمتدّ نشاطها من بئر السبع في فلسطين إلى مدينة حلب شمال سورية. وتابع أثناء ذلك تعميق معرفته الطبية، فدرس علم الجراثيم والأمراض الاستوائية وأمراض الدرن على يد أطباء ألمان، وكان اتقانه لستّ لغات قد أتاح له توسيع معارفه النظرية، وكتابة المقالات في صحف بريطانية وألمانية وفرنسية.

ولسوف تتكامل ملامح كنعان الأنثروبولوجي، بالمعنى الدقيق لفروع علم لم يكن قد دخل إلى العالم العربي بعد، لأسباب تاريخية وثقافية (ذات صلة بالقراءة الدينية لأصل الإنسان والتكوين)، واجتماعية (على رأسها أنّ العلم بدا عنصرياً وغربي التمركز في حديثه عن الأقوام البدائية وشعوب آسيا وأفريقيا). ففي فرع الأنثروبولوجيا الجسمية الفيزيقية، وضع كنعان كتباً في الطبّ المحض (مثل "حبّة حلب"، و"التهاب السحايا الدماغية والشوكية في القدس"، و"عدوى الجذام")؛ وفي علم اجتماع الطبّ أيضاً (كتابه المدهش "الطبّ الشعبي في أرض الكتاب المقدس"، و"علم النبات في الخرافات الفلسطينية"، و"طاسات الرعبة العربية")؛ وهي مؤلفات تدرس تاريخ العلاقة الوثيقة بين العلاج المادي عن طريق التداوي بالأعشاب، والعلاج النفسي عن طريق توظيف رموز الخرافة الشعبية وأساطيرها.

وفي فرع الأنثروبولوجيا الثقافية كتب كنعان عشرات المقالات التي تناقش ظواهر أنثروبولوجية ثقافية مباشرة: النور والظلام، اللعنة، الطفل، ماء الحياة، رموز الطلاسم العربية، الينابيع المسكونة، الشياطين المائية... كذلك امتدت نشاطاته البحثية لتشمل الدراسات الجغرافية والأركيولوجية والمعمارية، فتناول طرق القوافل العربية الفلسطينية، وطبوغرافية منطقة البتراء، وعمارة البيت الفلسطيني التقليدي، والأنساق المعمارية للمزارات الإسلامية ودلالاتها الروحية.

ثمة، غنيّ عن القول، ذلك الجانب النضالي في شخصية كنعان: أنه اعتبر "الإمبريالية البريطانية" شريكة مع "الصهيونية العالمية" في الاستيلاء على فلسطين، فعمدت سلطات الإنتداب البريطانية، سنة 1939، إلى اعتقاله، مع زوجته وشقيقته، بالتهمة الكاذبة الرائجة آنذاك (الدعاية لألمانيا الهتلرية)، وزُجّ به في سجن عكا. ولم تكن مفارقة كبيرة أن يقتسم الطبيب والأنثروبولوجي والمؤرّخ المسيحي، التهمة ذاتها مع الحاج أمين الحسيني، المسلم والشيخ ومفتي القدس. وفي جانب آخر، يشير سليم تماري، أستاذ علم الاجتماع في جامعة بير زيت، إلى أنّ أنشطة كنعان الإثنوغرافية تبلورت ضمن سياقات فكرية ارتبطت بصعود النزعة القومية الفلسطينية، نتيجة تطوّرَين: هزيمة اللامركزية العثمانية، وتكوّن الهوية السورية العظمى.

وبعد ثلاثة عقود أعقبت ترحال كنعان في المحيط السوري، سوف يولد فلسطيني آخر اسمه محمود درويش؛ وسيكتب هكذا: "أنا ابن الساحل السوري/ أسكنه رحيلاً أو مقاما / بين أهل البحر/ لكنّ السراب يشدّني شرقاً/ إلى البدو القدامى"؛ أو يكتب هكذا: "وزنزانتي اتسعت شارعاً، شارعين. وهذا الصدى/ صدى، بارحاً سانحاً. سوف أخرج من حائطي/ كما يخرج الشبح الحرّ من نفسه سيّدا/ وأمشي إلى حلبٍ. يا حمامة طيري/ بروميّتي، واحملي لابن عمي/ سلام الندى"...

الجمعة، 14 فبراير 2014

فاروق الشرع: بدأ بيدقاً ممنوعاً من الارتقاء.. وهكذا ينتهي

 المكان: جنيف، إياها التي على كلّ شفة ولسان اليوم، بصدد الشأن السوري؛ لكنّ الزمان مختلف، يرتدّ 14 سنة إلى الوراء، يوم 26 آذار (مارس) سنة 2000؛ والسياق هو القمة الثنائية بين الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلنتون، وحافظ الأسد، للبحث في اتفاقية سلام بين النظام السوري وإسرائيل. حضور الاجتماع، إلى جانب كلنتون والأسد، هم فاروق الشرع وزير خارجية النظام، وبثينة شعبان (بوصفها مترجمة الأسد الشخصية)؛ ومن الجانب الأمريكي، وزيرة الخارجية مادلين ألبرايت، ومساعدها لشؤون الشرق الأوسط دنيس روس، وجمال هلال (مترجم كلنتون). هنا واقعة، نقلها الصحافي الفرنسي المخضرم شارل أندرلان، في كتابه "الأحلام المحطمة: فشل عملية السلام في الشرق الأوسط، 1995 ـ 2002"؛ ذات صلة بموضوع هذه المقالة:

يبدأ كلنتون في تلاوة الرسالة التي وصلته من إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، وعندما يذكر عبارة "الحدود المتفق عليها"، يقفز الأسد على قدميه ويسأل: "أي حدود متفق عليها؟ هل هذا خطّ 4 حزيران/يونيو 1967؟" فيردّ كلنتون: "دعني أكمل... سوف تحتفظ إسرائيل بالسيادة على بحيرة طبريا وشريط من الاراضي..."؛ وهنا يقاطعه الأسد: "الإسرائليون لا يريدون السلام! لا جدوى من الاستمرار". يتوقف كلنتون عن تلاوة الرسالة، ليقول: "فاروق الشرع شرح لنا في شبردزتاون أنه، ما دام خطّ حدود 1923 وخطّ 1967 ليسا مختلفين على هذا الجزء من البحيرة، فالأمر يتعلق بالمساحة إذاً، وليس بالمبدأ. هنالك فارق عشرة أمتار". هنا يلتفت الأسد إلى الشرع، ويسأله: "هل قلتَ هذا؟"، فيجيب الأخير: "ما قلته هو أنه حتى حدود 1923 غير مقبولة بالنسبة إلينا".

مناسبة استعادة هذه الواقعة هي التقارير التي راجت مؤخراً، وهي في الواقع تعيد إنتاج تقارير مماثلة شاعت الصيف الماضي، حول وضع فاروق الشرع، نائب بشار الأسد، رسمياً على الأقلّ، تحت الإقامة الجبرية؛ مع تنويع جديد، مثير: أنّ أفراد الحرس المكلّفين بهذه المهمة ليسوا سوريين، بل هم عناصر "الحرس الثوري" الإيراني. الثابت مع ذلك، بصرف النظر عن مقدار الصحة في هذه التقارير، أنّ الشرع غائب، أو مغيّب، عن واجهة الدولة كما تعكسها أجهزة النظام الإعلامية في التغطيات اليومية؛ وأنه، استطراداً، فقد حتى تلك الصفة الاستشارية، الرمزية غالباً، التي منحها له الأسد خلال الأشهر الأولى التي أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، في آذار 2011. وهذا مآل منطقي، غنيّ عن القول، لأنه يتسق تماماً مع مسارات الشرع في معمار "الحركة التصحيحية"، منذ سفارة النظام في إيطاليا، سنة 1976، وحتى نيابة الأسد الابن سنة 2006؛ مروراً، بالطبع، بوزارة خارجية النظام، وقبلها الشؤون الخارجية، طيلة 26 سنة!

هي، في عبارة أخرى، مآلات خادم النظام الطيّع المنفّذ، والموظف المدني الذي تتسع صلاحياته أو تضيق طبقاً للحاجة إليه، والبيدق الممنوع من الارتقاء إلى سلطة فعلية أو فاعلة في الهرم الأعلى، والذي يُستغنى عنه عند الحاجة، أو يُضحى به دون أدنى أسف... تلك حال نماذج مرّت في هذا أو ذاك من أطوار "الحركة التصحيحية"، فسادت (في موقع البيدق دائماً)، ثمّ بادت، فلم تخلّف أثراً بعد عين؛ على شاكلة أحمد الخطيب ("رئيس الجمهورية"، حين كان الأسد الأب رئيس وزراء!)، أو عبد الرؤوف الكسم (أشهر "التكنوقراط" في وزارات الأسد، والذي لم يمتلك سلطة لجم خليل بهلول، رئيس مؤسسة الإسكان العسكرية، والضابط برتبة مقدّم!)، وصولاً إلى محمود الزعبي (مواطن الشرع، الذي تولى رئاسة الوزارة 13 سنة متتالية، حتى انتحر أو انتُحر!)...  

وهكذا، في العودة إلى الشرع، مَنْ يتذكّر اليوم "هيئة الحوار الوطني"، التي شكّلها الأسد في حزيران (يونيو) من ذلك العام، وعهد برئاستها إلى الشرع، وضمّت أبناء النظام (الأخير نفسه، بالإضافة إلى هيثم سطايحي عضو القيادة القطرية لحزب البعث، و ياسر حورية زميله في القيادة)؛ أو المتحالفين معه في ما يُسمّى "الجبهة الوطنية التقدّمية" (صفوان قدسي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وحنين نمر الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ جناح يوسف فيصل)؛ أو المسبّحين بحمد النظام (عبد الله الخاني، وليد إخلاصي)؛ أو العاملين في مؤسساته (منير الحمش، إبراهيم دراجي)؟ وماذا نُفّذ، أو تبقى، من المهامّ التي أوكلها الأسد إلى هؤلاء: "صياغة الأسس العامة للحوار المزمع البدء به بما يحقق توفير مناخ ملائم لكل الاتجاهات الوطنية للتعبير عن أفكارها وتقديم آرائها ومقترحاتها بشأن مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سورية، لتحقيق تحولات واسعة تسهم في توسيع المشاركة وخاصة فيما يتعلق بقانونَيْ الأحزاب والانتخابات وقانون الإعلام، والمساهمة في وضع حد لواقع التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه بعض الشرائح الاجتماعية"...؟

وحين وبّخ الأسد وزير خارجيته، الشرع، في اجتماع جنيف سابق الذكر، كان يدرك جيداً أنّ الأخير لا يسمح لجفنه أن يرفّ دون موافقة سيده، وأنّ ما قاله عن حدود 1923 و1967 كان مستوحىً من التوجيهات الحرفية التي حملها معه من دمشق إلى شبردزتاون. ولكنّ الأسد مارس، في المقابل، ما يتوجب على دكتاتور مثله أن يمارسه إزاء أداة تخدم عنده، فكذّب الشرع، لكي يحرّكه كقطعة بيدق في شطرنج المناورة مع كلنتون. ذلك لأنّ جدول أعمال مفاوضات شبردزتاون، وكما تكشف لاحقاً، كان يسير وفق الأولويات الإسرائيلية، لا تلك التي يريدها النظام: العلاقات السلمية الطبيعية (التطبيعية، في العبارة الأوضح)؛ الترتيبات الأمنية (ما ستحصل عليه إسرائيل من الولايات المتحدة، مساعدات مالية واسلحة، لقاء الانسحاب من، أو في، أراضي الجولان)؛ المياه (تحكّم الإسرائيليين المطلق، أو الشراكة التي لا تمسّ التحكّم المطلق، في منابع بانياس والضفة الشرقية من نهر الأردن والضفة الشمالية ـ الشرقية من بحيرة طبريا والضفة الشمالية من نهر اليرموك)؛ والحدود الدولية (في إطار الفارق بين حدود الانتداب التي رُسمت العام 1923 وحدود 1967 كما رسمتها الحرب). 

وفي أواخر العام 1999، لاح أنّ أكثر من نار هادئة تُطبخ في واشنطن ودمشق والقدس المحتلة، هدفها "ترطيب" الأجواء أو "تطبيع" النقائض، أمام معوقات الحوار بين إسرائيل والنظام السوري. صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أماطت اللثام عن ترتيبات لعقد "قمّة روحية" فريدة في دمشق، يحضرها مفتي النظام آنذاك، الشيخ أحمد كفتارو، ويسرائيل لاو كبير حاخامات إسرائيل، والحاخامات إلياهو بكشي، وعوفاديا يوسف (الزعيم التاريخي لحركة "شاس") ويوسف جيجاتي (حاخام اليهود السوريين). ثمّ توالت أخبار اللقاء المشهود ـ و"التاريخي" حسب توصيف الصحافة الإسرائيلية ـ بين مفتي النظام الحالي، الشيخ أحمد بدر الدين حسون والحاخام الأكبر للجالية اليهودية في النرويج يوئاف ملكيئور؛ ذلك اللقاء الذي لم يكن روحياً فحسب، كما حرص المفتي على التأكيد، بل تضمّن طلب الحاخام من حسون أن يبذل مساعيه الحميدة من أجل نقل رفاة الجاسوس الإسرائيلي الشهير ايلي كوهين إلى إسرائيل.

ثالثاً، في جانب غير روحيّ البتة، على الجبهة الدبلوماسية ـ السياسية، كان سفير النظام في لندن، سامي الخيمي، قد صرّح بالتالي: "تعيش في سورية أقليات كثيرة، من مسيحيين وأرمن وأكراد. ولا توجد أي مشكلة في أن يعيش إسرائيليون أيضاً". تصريحات السفير وردت خلال ندوة نظمها "المركز الإعلامي السوري" في لندن، تحت عنوان "هضبة الجولان: ننهي الاحتلال، وننشيء سلاماً"، في مناسبة الذكرى الأربعين لاحتلال الجولان، وجاءت ردّاً على سؤال مباشر حول مصير مستوطني الهضبة في حال انسحاب الدولة العبرية منها. ولقد سارع الخيمي إلى تصحيح أقواله تلك، وأنّ جوابه كان أنّ المستوطنين "قد يفضّلون البقاء تحت السيادة السورية، كون سورية بلد مسالم بالنسبة لكلّ جيرانها، بلد علماني يحترم كل الأديان ويتمتع فيه كافة المواطنين بحقوق متساوية"، كما جاء في صحيفة "السفير" اللبنانية.

أخيراً، لن تتكامل جهود المفتي وجهود السفير إلا إذا صبّت المياه في طاحونة التلميح والتصريح التي يشغّلها وزير الخارجية، وليد المعلّم. ولقد جاء في الأخبار أنّ مايكل وليامز، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، نقل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت استعداد دمشق للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، دون شروط مسبقة. وسلّم وليامز الرسالة إلى أولمرت بحضور الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أثناء مأدبة عشاء أقامها داني غليرمان، المندوب الإسرائيلي. وأمّا الطرف المرسِل فقد كان وليد المعلّم، مفوّضاً من سيّده الأسد، الذي ينتظر الوسيط الأممي نفسه، وما يمكن أن يكون ردّ أولمرت على عروض دمشق.

مَن الذي سيختاره الأسد لإدارة هذه "الأضرار"، الروحية والدبلوماسية؟ ليس وليد المعلّم، ولا السفير الخيمي، ولا المفتي حسون؛ بل... الشرع، دون سواه. وهكذا خرج على العالم بتصريحات تقول إنّ "إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان السلام مع الفلسطينيين، ولا مع سورية"؛ التي "تأخذ كلّ الاحتمالات على محمل الجدّ، وتعطي الأولوية للسلام". ومع ذلك فإنّ النظام لم يعقد مفاوضات سرّية مع إسرائيل، لأنّ "الاتصالات السرية هدفها فقط التنازل، وسورية غير مستعدة للتنازل". ولكي يذهب أبعد، في جانب تسديد بعض النيران على البيت الأبيض تحديداً، قال الشرع إنّ اتفاقاً بين النظام وإسرائيل "سوف ينقصه الدعم الأمريكي اللازم، "لأنّ "الرئيس الأمريكي جورج بوش قال بصريح العبارة أخيراً: أنا لا أريد السلام مع سورية".

فهل كانت علنية، أم سرّية، تلك "المشاورات التي أجراها الشرع، خلال ثمانية اجتماعات مطوّلة مع السوري ـ الأمريكي إبراهيم سليمان، الذي كان قد اجتمع مع مسؤولين إسرائيليين، وضمّت لقاءاته بهم مسؤولاً بارزاً في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السويسرية (نيكولاس لانغ)؛ والأمريكي اليهودي جيفري أرونسون، مدير الأبحاث والمطبوعات في "مؤسسة سلام الشرق الأوسط" في واشنطن؟ وكيف يصف الشرع اجتماعاته مع هذا "المواطن السوري"، بعد أن زار الأخير إسرائيل، وألقى كلمة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، رمى خلالها القفاز: "أتحدى الحكومة الإسرائيلية أن تردّ على نداء السلام الذي أطلقه الأسد، وأن تجلس إلى طاولة المفاوضات مع السوريين"؟

وبيدق كهذا، قصارى القول، كيف له أن يرتقي أعلى من السقف الذي منحه له النظام؛ سواء حجر عليه "الحرس الثوري" الإيراني، في قلب دمشق، أم طالب به أحمد الجربا بديلاً لوليد المعلّم، في جنيف؟ 

الاثنين، 3 فبراير 2014

إتيل عدنان: الحصة السورية

 قبل أيام مُنحت إتيل عدنان، الشاعرة الكبيرة والفنانة التشكيلية، وسام الفنون والآداب الفرنسي، برتبة فارس؛ وهذا أحد أرفع الأوسمة الفرنسية في ميدانه، وسجلّ الحاصلين عليه، في مرتباته المختلفة، يضمّ أمثال ت. س. إليوت، خورخي لويس بورخيس، نادين غورديمر، شيموس هيني، فاكلاف هافيل؛ إلى جانب فيروز (1988)، ومحمود درويش (1993). وفي هذه المناسبة، وهذه الأزمنة تحديداً، يحلو لي ـ ويحقّ، كذلك، كما أعتقد ـ أن استذكر عدنان، لا باعتبارها الأديبة اللبنانية، كما توصف عادة؛ بل نسبة إلى محتدها السوري، إذْ من المعروف أنها وُلدت لأب سوري دمشقي مسلم، كان أيضاً ضابطاً في الجيش العثماني.

آخر تعبيرات عدنان السورية كان التوقيع، الصيف الماضي، على بيان يطالب بإطلاق سراح الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي؛ ومنذ اندلاع الانتفاضة، في آذار (مارس) 2011، لم تتوقف عن تبيان انحيازها التامّ، والصريح، إلى حقّ الشعب السوري في الكرامة والحرّية والديمقراطية. أمّا في الموقف الإجمالي من النظام، قبل الانتفاضة، فإنّ كتابات عدنان انطوت دائماً على إدانة الطبيعة التسلطية والاستبدادية للسلطة، وشدّد في الآن ذاته على حيوية الثقافة السورية، التي ظلّت تبدع وترتقي وتقاوم في آن معاً. (يُنظر، على سبيل المثال، نصّ عدنان في مراجعة كتاب مريام كوك "سورية المنشقة"، مجلة "الجديد"، 1999).

ولعلّ العناصر السورية في شخصية عدنان لن تبدو حصيلة عجيبة، بل تحصيل حاصل إنساني وثقافي، إذا أعاد المرء قراءة شهادة لها، بعنوان "أن نكتب بلغة أجنبية"؛ مطوّلة ومعمّقة واعترافية، وشهيرة تماماً عند متابعي أعمال الشاعرة، تصف فيها تاريخ تجاربها الشخصية مع اللغات والمنافي. وهي تروي كيف كانت لكلّ لغة تكويناتها الوجدانية والشعورية الخاصة: اليونانية والتركية، عن طريق الأمّ المسيحية المولودة في سميرنا، أو إزمير المعاصرة؛ والفرنسية، في مدرسة خاصة تابعة لأحد الأديرة الكاثوليكية في بيروت؛ والعربية، عن طريق الأب، والأصول السورية؛ والإنكليزية، في الجامعة والمغترب الأمريكي.

آثار تلك "المطحنة اللغوية"، إذا جاز القول، تبدّت بجلاء في ما أنجزت عدنان بعدئذ من شعر ونثر، وعن هذا تقول ببساطة مذهلة: "كان الفنّ التجريدي هو معادل التعبير الشعري عندي. لم أكن بحاجة إلى استخدام الكلمات، بل الألوان والخطوط. لم أكن بحاجة إلى الانتماء إلى ثقافة ذات توجّه لغوي، بل إلى شكل مفتوح في التعبير". ولديّ، شخصياً، ما يكفي من الدلائل، البصرية والتصويرية والتعبيرية، وسواها من المصطلحات المعتمدة في قراءة اللوحة والعمل التشكيلي إجمالاً؛ لكي أصدّق ما تقوله عن شكل التعبير المفتوح ذاك، وعن لغة قصيدتها الخاصّة والمفتوحة بدورها.

ومنذ القصيدة الطويلة "كتاب البحر"، التي كتبتها في سنّ العشرين (هي اليوم تقارب التاسعة والثمانين، بقلب شابّ أبداً!)؛ انهمكت عدنان في تلمّس ذلك القاموس التعبيري الفريد الذي سوف نعرفها عن طريقه، وفي تطوير طاقاته التصويرية والتشكيلية بصفة خاصّة، وتأثيث عوالمه ومناخاته وموضوعاته، قصيدة بعد أخرى. وهذا العمل، المكتوب أصلاً باللغة الفرنسية، يحاول وضع العلاقات التبادلية بين البحر والشمس في إطار من التعايش الإيروسي الأكواني؛ ولكنه جوهرياً يرسم مشهداً تشكيلياً حاشداً في الأساس، ينقلب فيه لقاء البحر والشمس إلى انفجار بصري مذهل لعناصر الطبيعة المحسوسة والمتخيَّلة، للعالم المادّي والمجازي، وللمعنى الآخر الأعظم وراء انحسار الحدود بين الشيء وكناياته، والكنايات ذاتها إذّ تدخل في استعارات مفتوحة.

غير أنّ عدنان لا تستطيع الانفكاك عن حقيقة اللغة الأمّ وحقوقها، وربما حقوق كلّ اللغات: أليس من المحزن، تقول الشاعرة، أنّ "كتاب البحر" قصيدة تعزّ على الترجمة إلى اللغة العربية، لا لشيء إلا لأنّ "البحر" اسم مؤنّث في الفرنسية ومذكّر في العربية، الأمر الذي ينسف البُعد الإيروسي الأهمّ في القصيدة، بل ويلغي معادلاتها الكبرى؟ هذه، بالطبع، بعض أكلاف العيش في ما نسمّيه عادة "منفى اللغة"، الأمر الذي يقود عدنان إلى يقين بأنّ منفاها "يعود إلى حقبة سابقة بعيدة، ويمتدّ زمناً طال كثيراً، حتى صار طبيعتي الخاصة. الشاعر، في نهاية المطاف، طبيعة إنسانية على النحو الأصفى، ولهذا فإنّ الشاعر إنسانيّ كما القطة قطة، وشجرة الكرز شجرة كرز".   

غير أنّ حال النفي هذه هي، أيضاً، بعض السبب في أن عدنان تبدو مظلومة كلما تعيّن توزيع شهادات "الريادة" على "الروّاد". إنها تكتب الشعر الرفيع منذ أكثر من نصف قرن، وهي ليست غائبة عن المشهد الشعري العربي، إذْ واصلت الحضور ـ على طريقتها، بالفرنسية أوّلاً ثمّ بالإنكليزية ـ وساهمت في إطلاق صوت خاصّ لعلّ أثره يتخفّى طيّ العديد من التجارب العربية الناضجة المعاصرة. وبعض عزاء عدنان يأتي من حقيقة أنّها ليست مجهولة لدى القارىء العربي، وعشرات من قصائدها تُرجمت إلى العربية، على يد شعراء وكتّاب متمرسين من أمثال سركون بولص وفايز ملص وخالد النجار وميّ مظفر وسواهم، أثّرت وما تزال في تكوين الذائقة الشعرية العربية المعاصرة.

تتعدد معاني المنفى عند عدنان، وتتنوّع مستويات النفي: في أشكال التجربة الإبداعية، وفي الترحال، وفي اللغات والهويات؛ ولهذا فإنّ في تكريمها، اليوم، حصّة سورية مستحقة، أصلية، وأصيلة أيضاً.